حراك فرنسي سياسي ـ دبلوماسي على أكثر من جبهة للدفع باتجاه حل سياسي

حراك فرنسي سياسي ـ دبلوماسي على أكثر من جبهة للدفع باتجاه حل سياسي

مصادر فرنسية: نريد «تعبئة» النواة الصلبة الداعمة للمعارضة السورية
الخميس - 27 رجب 1437 هـ - 05 مايو 2016 مـ رقم العدد [ 13673]
وزير الخارجية الالماني فرانك فالتر شتاينماير يتوسط نظيره الفرنسي جان مارك أيرولت (يسار) ومبعوث الأمم المتحدة الخاص لسوريا ستيفان دي ميستورا، بعد اجتماعهم في برلين لمناقشة الوضع في سورية أمس (إ.ب.أ)

تعمل الدبلوماسية الفرنسية على أكثر من جبهة لتطويق الحريق الآخذ في وأد الآمال التي ولدتها محادثات جنيف حول سوريا، لجهة الدفع باتجاه حل سياسي رغم أن ثلاث جولات لم تفض إلى أي نتيجة ملموسة.

إلا أن انهيار الهدنة واشتعال الجبهات دفع باريس للتحرك ضمن الإمكانات المتوافرة. وأول ما سعت إليه فرنسا كان الدعوة لعقد اجتماع لـ«المجموعة الدولية لدعم سوريا» التي تضم 17 بلدا وترأسها الولايات المتحدة الأميركية وروسيا. غير أن الرفض الروسي بداية والمماطلة الأميركية حفزا باريس على طرق الأبواب المتاحة فكان اجتماع برلين الذي خطط له وزيرا خارجية فرنسا وألمانيا خلال رحلتهما بداية هذا الأسبوع إلى أفريقيا. ثم جاءت الدعوة الفرنسية - البريطانية لمجلس الأمن الدولي ليعقد جلسة طارئة التأمت أمس للتعويض بشكل ما عن صعوبة جمع البلدان الـ17 لتحكم واشنطن وموسكو بهذه الهيئة. ولم تتوقف باريس عند هذا الحد، إذ دعا وزير خارجيتها جان مارك إيرولت نظراءه وزراء خارجية المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة وتركيا «ومن يرغب» من الدول الداعمة للمعارضة السورية لاجتماع سيعقد في باريس يوم الاثنين المقبل. وبحسب أوساط دبلوماسية في باريس، فإن الدبلوماسية الفرنسية تخطط لاجتماع لاحق هذا الشهر يكون أوسع من اجتماع الاثنين وسيخصص أيضا للملف السوري.

الواضح أن الدعوة الفرنسية تندرج في سياق الحراك السياسي - الدبلوماسي لكن لها خصوصياتها. فمن الناحية الرسمية، قال الناطق باسم الحكومة الوزير ستيفان لوفول عقب اجتماع مجلس الوزراء أمس، إن الغرض من الاجتماع هو «الدفع» نحو إعادة فرض الهدنة التي كانت سارية، مع صعود وهبوط، منذ السابع والعشرين من فبراير (شباط) الماضي وأنه مفتوح أمام «كل الدول التي تعتبر أنه يجب أن تستأنف بأي ثمن المفاوضات التي توقفت مع هجوم النظام السوري على حلب». وأضاف الوزير لوفول أن فرنسا «القلقة» من توقف عملية المفاوضات تدعم «كل المبادرات التي ستتخذ لتشجيع استئنافها». ومن جانبه، أعلن وزير الخارجية أن بلاده «تدفع من أجل إعادة العمل بوقف النار فورًا وهي تريد اجتماعا لـ«مجموعة الدعم» الذي كانت أول من دعا إليه في 23 أبريل (نيسان) الماضي. وبصراحة متناهية، أفاد إيرولت أن باريس «لم تحصل حتى الآن على موافقة لا روسية ولا أميركية»، مضيفا أنه «لهذا السبب»، دعا عددا من «الدول الداعمة للمعارضة السورية» إلى اجتماع «من أجل اتخاذ مبادرة قوية لوقف القصف الدموي وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية بفاعلية ولكي نسلك مجددا الطريق نحو حل سياسي». وتسمى هذا المجموعة «النواة الصلبة» أو «مجموعة باريس»، وهي تضم 11 بلدا (أميركيًا أوروبيًا وخليجيًا بالإضافة إلى تركيا).

حقيقة الأمر أن هناك أهدافًا أخرى تسعى إليها باريس، التي ترى - وفق مصادرها - أن المعارضة السورية ارتكبت خطأ بتعليق مشاركتها في محادثات جنيف، وأنها تجتاز حاليًا «مرحلة صعبة» بسبب عمليات النظام ميدانيًا والدعم الروسي الذي توفره له موسكو عسكريًا وسياسيا وتراخي الدور الأميركي. وفي السياق عينه، ستسعى باريس والبلدان الخليجية وغير الخليجية التي ستلتقي في العاصمة الفرنسية يوم الاثنين المقبل، وفق المصادر الفرنسية التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط» إلى «شد أزر» المعارضة والسعي لتوفير الحجج التي تمكنها من العودة إلى طاولة المحادثات دون أن «تفقد ماء الوجه». وهذا الأمر يمكن أن يتحقق عن طريق الدفع للبدء بتحقيق مطالب المعارضة الثلاثة التي هي: وقف القصف والعودة إلى احترام شامل للهدنة، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة التي لم يصلها حتى الآن شيء، والنظر في ملف المعتقلين الذي يضغط عليها وعلى قاعدتها الشعبية نظرا لوجود عشرات الآلاف من هؤلاء في سجون النظام.

بيد أن لباريس ودول «النواة الصلبة» مصدر قلق إضافيا هو التخوف من تمكّن النظام من تطويق الأحياء الحلبية الخاضعة للمعارضة والتي تضم مئات الآلاف من السكان لأن أمرًا كهذا سيعني بشكل رئيسي شيئين: الأول، رمي عشرات الآلاف من السكان على الطرقات وتأجيج مشكلة الهجرات الجماعية باتجاه تركيا ومنها إلى أوروبا. والثاني، توفير «بالون أكسيجين» للنظام الذي سيكون أقل ميلاً للقبول بحل سياسي يفترض تحقيقه تقديم تنازلات وقبول عملية انتقال سياسية جدية في سوريا. لذا، ليس من المستبعد أن يبحث المجتمعون في باريس أنواع المساعدات التي يمكن تقديمها للمعارضة وليس فقط المساعدات الإنسانية أو الضغوط السياسية.

تقول المصادر الفرنسية إن باريس تسعى لأن يكون لها وللبلدان الأوروبية التي تشاركها الرؤية نفسها «دور فاعل» في الملف السوري الذي لا تريد تركه للثنائي الأميركي - الروسي لتخوفها من «تناغم» هؤلاء، ومن تردد واشنطن في الانخراط جديًا لموازنة التدخل الروسي والنفوذ الإيراني واقتصار اهتماماتها الراهنة على محاربة «داعش» من جهة والاعتماد على روسيا لتسهيل الحل السياسي.

والحال، أن باريس «حذرة للغاية» من مخططات روسيا ومن حقيقة موقفها من مستقبل النظام السوري ومن فهمها لعملية الانتقال السياسي رغم تكرار الوزير لافروف أمس الصيغة الغامضة من أن الأسد «ليس حليفا لروسيا» كما أن تركيا حليفة لواشنطن. وتذهب باريس أبعد من ذلك، إذ تعتبر أن وقف النار واحترام الهدنة «مسألة تتوقف على الروس» الذين يفترض بهم أن يكونوا «الضامنين» لتصرف النظام.

لكن غموض الصياغة لعدد من فقرات قرار مجلس الأمن رقم 2254 تستغله دمشق وموسكو للاستمرار في تسخين الجبهات متى شاءتا بحجة «محاربة الإرهاب». ولذا، فإن الطرف الروسي يطرح شروطه للسير حقيقة بهدنة كاملة وأبرزها أربعة: ابتعاد الفصائل المقاتلة (المعتدلة) عن مواقع «جبهة النصرة»، وإدراج «أحرار الشام» و«جيش الإسلام» على لائحة التنظيمات الإرهابية، وإغلاق الحدود مع تركيا، وأخيرًا ضم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي و«وحدات حماية الشعب» إلى المعارضة الممثلة في جنيف. وتطرح موسكو أحيانًا فكرة قيام وفد موحد للمعارضة منها تلك المشكلة بإشرافها، الأمر الذي ترفضه «الهيئة العليا للمفاوضات» المنبثقة عن مؤتمر الرياض في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

هكذا تبدو صورة الموقف من باريس التي تتحرك في كل اتجاه، لكنها تعي محدودية تأثيرها من غير «تعبئة» الأوروبيين والخليجيين وتشكيل جبهة ضاغطة على واشنطن قبل أن تكون ضاغطة على موسكو.

وأكثر من ذلك، تقول المصادر الفرنسية التي لا تغفل الدور الإيراني في الحرب السورية أنه «يتعين الوصول إلى شيء ما على صعيد محادثات جنيف قبل نهاية الصيف» لأنه إن تعذر ذلك سيكون من الصعب جدا الرهان على واشنطن الغارقة في حملتها الرئاسية وسيتعين انتظار الإدارة المقبلة المنبثقة عن الانتخابات الرئاسية والتشريعية ما «يجمد» الأمور حتى ربيع العام 2017، وهي فترة طويلة وقد تجيء بما هو غير متوقع ميدانيا وسياسيا.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة