الصين واليابان وكوريا الجنوبية.. نحو أكبر اتفاقية تجارة على وجه الأرض

طوكيو وبكين تتجرعان «مضادات» اقتصادية لـ«الحساسية» السياسية والتاريخية

توقع صندوق النقد الدولي أن تبلغ نسبة النمو في آسيا 5.3 في المائة في عامي 2016 و2017، في مقابل توقعات سابقة بـ 5.4 في المئة  (أ.ف.ب)
توقع صندوق النقد الدولي أن تبلغ نسبة النمو في آسيا 5.3 في المائة في عامي 2016 و2017، في مقابل توقعات سابقة بـ 5.4 في المئة (أ.ف.ب)
TT

الصين واليابان وكوريا الجنوبية.. نحو أكبر اتفاقية تجارة على وجه الأرض

توقع صندوق النقد الدولي أن تبلغ نسبة النمو في آسيا 5.3 في المائة في عامي 2016 و2017، في مقابل توقعات سابقة بـ 5.4 في المئة  (أ.ف.ب)
توقع صندوق النقد الدولي أن تبلغ نسبة النمو في آسيا 5.3 في المائة في عامي 2016 و2017، في مقابل توقعات سابقة بـ 5.4 في المئة (أ.ف.ب)

منذ عام نشر موقع «خرائط رائعة» خريطة توضح المصدر الرئيسي لواردات كل دول العالم، وهذا عن طريق استبدال علم الدولة على الخريطة بعلم أكثر دولة مصدرة لها، في هذه الخريطة غطى العلم الياباني دولة الصين، وغطى علم الصين الجزر اليابانية، وهذا يوضح مدى قوة ومتانة العلاقات التجارية بين ثاني وثالث قوة اقتصادية في العالم وفقا لبيانات البنك الدولي، رغم الخلافات السياسية التاريخية بين البلدين.
وكان آخر ظهور للخلافات السياسية بين البلدين في نهاية أبريل (نيسان) الماضي، خلال زيارة وزير الخارجية الياباني، فوميو كيشيدا، لبكين، التي انتهت الأحد، وهي الأولى لوزير خارجية ياباني في أربعة أعوام ونصف عام. وخلال الزيارة، أبلغ وزير الخارجية الصيني نظيره الياباني أن الصين تريد أن تقيم مع طوكيو علاقة تستند إلى «التعاون وليس إلى المواجهة»، لكنها تظل حذرة حيال طوكيو.
وفاقمت الخلافات التاريخية على الأراضي المتنازعة العلاقات بين البلدين في الأعوام الماضية رغم الانفراجة في الآونة الأخيرة. وقال الوزير الصيني وانغ يي خلال لقائه كيشيدا: «نأمل طبعا بأن نطور مع اليابان علاقة صحية ومستقرة وودية». لكن وزير الخارجية الصيني أكد أن «هذه العلاقة يجب أن تُبنى على أساس رؤية صادقة للتاريخ واحترام للوعود والتعاون، وليس المواجهة».
وتتنازع بكين وطوكيو السيادة على مناطق غير مأهولة في بحر الصين الشرقي، وهي جزر تديرها اليابان تحت اسم «سنكاكو»، وتطالب بها الصين تحت اسم «دياويو». وتدهورت العلاقات الثنائية في 2012 حين أعلنت طوكيو ضم بعض هذه الجزر، ومنذ ذلك الحين، اتخذ البلدان جهودا لتحسين العلاقات عبر لقاءات بين الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الياباني شينزو آبي.
لكن التجاوزات التي ارتكبها الجنود اليابانيون في الصين قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها لا تزال تثير التوتر، وتواظب بكين على اتهام طوكيو بالتهوين من هذه الفظائع.
والسبت الماضي، قال كيشيدا في تصريحات نقلها التلفزيون الياباني خلال اللقاء «نريد فعلا أن نستأنف علاقات نتمكن عبرها من تبادل الزيارات». وأضاف أن «البلدين يحتاجان إلى بعضهما؛ في مرحلة يتعاظم فيها القلق المرتبط بالاقتصاد العالمي».
من جهته، قال وزير الخارجية الصيني إن «هناك قولا مأثورا في الصين بأنه ينبغي عدم الحكم على المرء انطلاقا من أقواله؛ بل من أفعاله». وأورد بيان شديد اللهجة أصدرته وزارة الخارجية الصينية أن الوزير الصيني أبلغ نظيره الياباني بـ«مطالب».
وأضاف البيان أن على اليابان «أن تنظر إلى تطور الصين في شكل إيجابي وصحي، وأن تكف عن نشر أو تبني نظريات مختلفة عن التهديد الصيني أو عن الانكماش الاقتصادي الصيني».

الجانب الآخر من المعادلة

كان كل ما سبق على الجانب السياسي، ولكن على الجانب الاقتصادي يظهر جليا أن التنسيق بين الدولتين وصل إلى حد لم تصله بعض الدول المشتركة في اتفاقيات شراكة مالية ونقدية موسعة، وهذا ليس على جانب التبادل التجاري فقط، ولكن الارتباط بين الاقتصادين أضحى يشبه الترابط بين أعضاء الجسد الواحد، فإذا تباطأت الصين انكمشت اليابان، وإذا صدرت بيانات إيجابية في بكين ارتفعت أسهم طوكيو.
وهذا يظهر جليا في التقارير الدولية التي تتحدث عن شرق آسيا، حتى إن صندوق النقد الدولي، أصدر بيانا عن الاقتصادين معا بدلا من التقليد المتبع بإصدار بيان عن كل دولة على حدة أو كل منطقة من العالم، أو إصدار بيان عن العالم ككتلة واحدة.
وأعلن صندوق النقد الدولي أول من أمس الثلاثاء، أن الاقتصادين الياباني والصيني سيشهدان تباطؤا واضحًا في العامين المقبلين، لكن النمو في آسيا سيستمر متينًا بفضل الاستهلاك الداخلي الذي سيعوض ضعف المبادلات العالمية.
وتوقع الصندوق أن تساهم إجراءات الدعم الحكومية وتراجع أسعار المواد الأولية وضعف نسب البطالة في النمو الإقليمي بجنوب شرقي آسيا، داعيًا السلطات إلى الاستمرار في إصلاحاتها.
لكن التحديات المقبلة من أماكن أخرى ستكون حاضرة بالنسبة إلى آفاق النمو في آسيا والمحيط الهادي، وفق صندوق النقد الدولي، الذي أشار إلى ركود اقتصاد الدول المتقدمة وضعف حجم المبادلات العالمية وتذبذب أسواق المال.
وتوقع الصندوق أن تبلغ نسبة النمو في آسيا 5.3 في المائة في عامي 2016 و2017، في مقابل توقعات سابقة بـ5.4 في المائة.
وأوضح تقرير الصندوق أن «آسيا تبقى المنطقة الأكثر ديناميكية في العالم، لكنها تواجه رياحًا معاكسة؛ ناجمة عن ضعف الانتعاش الشامل وتباطؤ المبادلات العالمية، وأثر الانتقال الاقتصادي الصيني على الأمد القصير».
وأضاف أنه «لتعزيز المقاومة للأخطار الشاملة والبقاء في هذه الديناميكية، يتعين على أصحاب القرار إجراء إصلاحات هيكلية لزيادة الإنتاجية وتخفيف الضرائب، مع دعم الطلب وفق الحاجات».
ويتوقع أن ينمو الاقتصاد الصيني، أكبر محرك للنمو العالمي، بنسبة 6.5 في المائة في عام 2016، و6.2 في المائة في عام 2017، وهذه الأرقام بعيدة عن نسبة 6.9 في المائة لعام 2015، وفق صندوق النقد الذي توقع تراجعًا في الاقتصاد الياباني أيضا.
وستعاني الصادرات اليابانية من ارتفاع قيمة الين إلى أعلى مستوياته منذ 18 شهرًا، في مقابل الدولار، فيما ستتراجع المبادلات مع الصين.
وإزاء ذلك، راجع صندوق النقد نسبة النمو لعام 2016، التي توقع أن تكون بنسبة 0.5 في المائة في اليابان، فيما ستنزل إلى مستوى سلبي (ناقص 0.1 في المائة) في عام 2017 بسبب الزيادة المتوقعة للرسوم على الاستهلاك. وأشار الصندوق إلى «مشكلات» مطروحة منذ فترة طويلة، وهي شيخوخة السكان وضخامة الدين.
أما في دول جنوب شرقي آسيا المهمة الأخرى، فقد توقع صندوق النقد أن تبلغ نسبة النمو في الهند 7.5 في المائة في عامي 2016 و2017، وفي كوريا الجنوبية 2.7 و2.9 في المائة على التوالي في ذات العامين.
وتوقع صندوق النقد الدولي أن يشهد اقتصادا اليابان والصين تباطؤا واضحا في العامين المقبلين، مستبعدا أن يتأثر الاقتصاد الآسيوي جراء ذلك.
وقالت المؤسسة المالية الدولية إن النمو في آسيا سيظل متينا بفضل الاستهلاك الداخلي، الذي سيعوض ضعف المبادلات العالمية.
ورجح الصندوق أن تساهم إجراءات الدعم الحكومية وتراجع أسعار المواد الأولية، وضعف نسب البطالة في النمو الإقليمي، داعيا السلطات إلى الاستمرار في إصلاحاتها.

مستقبل مرتبط

ويعي رجال الاقتصاد في العملاقين الصيني والياباني هذا الارتباط القوي بين الاقتصادين، ويعرفان أن نجاة اقتصاد دولتيهما أو حتى خفض خسائر التباطؤ العالمي يعتمد على الشراكة وزيادة التعاون في جنوب شرقي آسيا.
فمنذ خمس سنوات، اتفق وزراء التجارة في الصين واليابان وكوريا الجنوبية على تكثيف الجهود للتوصل إلى اتفاق ثلاثي للتبادل التجاري بين هذه الدول، وقال الوزراء إن التدفق الحر للتجارة والاستثمار بين البلدان الثلاثة هو مفتاح النمو، حيث تتطلع الاقتصادات الآسيوية إلى زيادة حجم التبادل التجاري فيما بينها وبخاصة بعد انخفاض الطلب في أسواق رئيسية مثل الولايات المتحدة ودول أوروبا التي لا تزال تتعافى من أزمة الركود الاقتصادي.
وقامت بالفعل البلدان الثلاثة بإنشاء لجنة مشتركة لدراسة الاتفاق التجاري بينهم شارك فيها مسؤولون حكوميون ورجال أعمال.
ولكن منذ عقد هذا الاتفاق، تسبب المناخ السياسي «غير المواتي» في تعقيد الأمور، حيث عُقدت نحو 10 جولات من المحادثات في هذا الصدد، ولكن تقدم المحادثات كان بطيئا للغاية، ولم تتحقق بعد نتائج ملموسة حيث لم تتطرق الدول الثلاث إلى مناقشة تعريفات جمركية محددة، وهذا بسبب أيضا أن لكل دولة نقاطا محددة تحتاج فيها إلى ضمان حماية صارمة، وتريد توسيع حصة السوق من صناعاتها القوية في البلدين الأخريين، ولهذا، صارت المفاوضات معقدة.
ويقول خبراء إن قطاعات صناعة صينية مثل الحديد والصلب والهندسة البتروكيماوية وإنتاج السيارات قد تتأثر، فيما تعد الصناعة التحويلية في كوريا الجنوبية وخاصة في أوجه مثل الآلات الكبيرة والفلزات اللاحديدية أضعف مما هي عليه في اليابان وينظر لها على أنها مجال حساس.
ولكن العوامل السياسية تضع عراقيل أكثر من الحسابات الاقتصادية بالنسبة للمفاوضات الخاصة باتفاقية التجارة الحرة الثلاثية. وكانت آلية الاجتماع الثلاثي رفيع المستوى قد علقت في عام 2012 عندما تدهورت العلاقات بين الصين واليابان والعلاقات بين كوريا الجنوبية واليابان جراء النزاعات التاريخية على الجزر، ولكن الوضع تحسن مع توقيع اتفاقية مبدئية من أربع نقاط في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 تشمل استئناف الحوارات السياسية والدبلوماسية والأمنية بين الصين واليابان، وفي الوقت نفسه الاعتراف بموقفهما المختلفين بشأن الجزر.
ولكن رغم الحواجز السياسية والاقتصادية، تتوق الدوائر الاقتصادية والتجارية في الدول الثلاث إلى إبرام اتفاقية تجارة حرة لتعزيز التكامل الاقتصادي فيما بينها.

حماسة استثمارية

وفي المعرض العاشر بين الصين وشمال شرقي آسيا الذي عُقد في مقاطعة جيلين الصينية في سبتمبر (أيلول) الماضي، ناقش التجار بحماسة مفاوضات التجارة الحرة بين الصين واليابان وكوريا الجنوبية.
وشاركت شركات يابانية وكورية جنوبية بنشاط في المعرض الأول لصناعات الصين واليابان وكوريا الجنوبية الذي عقد أيضا في سبتمبر الماضي.
ولفت السكرتير العام لأمانة التعاون الثلاثي بين الصين واليابان وكوريا الجنوبية، يانغ هو لان، إلى أنه بينما يتسع التعاون بين الدول الثلاث تدريجيا ليشمل مجالات أخرى، تتزايد مطالبة مجتمع الأعمال في كل دولة منها بإبرام اتفاقية تجارة حرة لتعظيم التسهيلات والمميزات.
وبالإضافة إلى ذلك، ينظر أيضا إلى اتفاقية التجارة الحرة الهامة بين الصين وكوريا الجنوبية، التي تم التوصل إليها في يونيو (حزيران) عام 2014، باعتبارها قوة دفع لاتفاقية تجارة حرة ثلاثية.
وبموجب هذه الاتفاقية، ستقوم كوريا الجنوبية بإلغاء التعريفات الجمركية على 92 في المائة من جميع الواردات القادمة من الصين في غضون 20 عاما بعد دخولها حيز التنفيذ، فيما تقوم الصين بإلغاء التعريفات الجمركية على 91 في المائة من جميع المنتجات الكورية الجنوبية المستوردة.
وتتوقع كوريا الجنوبية أن ترفع اتفاقية التجارة الحرة الثنائية من إجمالي الناتج المحلي الحقيقي لها بواقع 0.95 نقطة مئوية وتخلق 53800 فرصة عمل جديدة في السنوات العشر المقبلة، لهذا يتعين على اليابان التوصل على وجه السرعة إلى اتفاق تجارة حرة مع الصين وكوريا الجنوبية حيث تضع اتفاقية التجارة الحرة بين الصين وكوريا الجنوبية الشركات اليابانية في مواقف ضعيفة عند تنافسها مع شركات من البلدين.
كما أن اتفاقية التجارة الحرة الثلاثية ينبغي أن تسير بالتوازي مع اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي التي تم التوصل إليها مؤخرا، والشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية التي ما زال يجرى التفاوض بشأنها، ويتعين على اليابان إيلاء أهمية لكل منها.
وقال غونيتشي أراي، بالمركز الياباني للبحوث الاقتصادية، إنه «إذا ما فوتت اليابان فرصة إبرام اتفاقية التجارة الحرة اليابانية - الصينية - الكورية الجنوبية والشراكة الاقتصادية الشاملة الإقليمية لأنها تختار اتفاقية التجارة الحرة عبر المحيط الهادي، فإن الاتفاقية الأخيرة ستصبح بلا معنى».

أكبر شراكة على وجه الأرض

وبمجرد البدء في تنفيذها، ستشكل اتفاقية تجارة حرة ثلاثية سوقا يضم أكثر من 1.5 مليار نسمة، أي تقريبا ربع عدد سكان الأرض البالغ نحو 6 مليارات نسمة.. الأمر الذي سيرفع إجمالي الناتج المحلي للصين بواقع 2.9 في المائة، ولليابان بواقع 0.5 في المائة، ولكوريا الجنوبية بواقع 3.1 في المائة.



لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.