حقائق وأوهام حول إطالة عمر بطارية الهاتف الذكي

تقليل سطوع الشاشة وحجب الإعلانات يقللان استهلاك الطاقة

حقائق وأوهام حول إطالة عمر بطارية الهاتف الذكي
TT

حقائق وأوهام حول إطالة عمر بطارية الهاتف الذكي

حقائق وأوهام حول إطالة عمر بطارية الهاتف الذكي

لماذا لا تزال تكنولوجيا البطاريات مخيبة للآمال؟ عملت الكثير من الشركات على تطوير تكنولوجيا البطاريات الذكية لسنوات، بما في ذلك أساليب زيادة قدرة البطارية عشرة أضعاف، أو شحن الأجهزة عن طريق سحب الطاقة من الهواء. ولكن تكنولوجيا «ليثيوم أيون»، وهي التكنولوجيا التي تعتمد عليها أغلب البطاريات السائدة حاليا، هي من التكنولوجيات منخفضة التكلفة، التي يسهل إعادة إنتاجها في أمان، ومن ثم فسوف يستمر استخدامنا لها لفترة جيدة في المستقبل المنظور، كما يقول تشارلي كونغ، المدير التنفيذي في شركة «موفي»، وهي من شركات صناعة البطاريات.
وقد اختبر موقع «The Wirecutter» مجموعة واسعة من هواتف آيفون وأندرويد الذكية مع آخر إصدارات أنظمة التشغيل في بيئات تحت رقابة مشددة. وتختلف النتائج الخاصة بالهاتف الذي تستخدمه وفقا لموديل الهاتف نفسه، وشبكة خدمات الجوال، والموقع، وغير ذلك من العوامل، ولكن النتائج العامة تبقى كما هي. وإليكم 8 نصائح و7 خرافات حول تلك النتائج المتوصل إليها:

نصائح توفير الطاقة

> اختيار السطوع التلقائي لشاشة الهاتف.. تستهلك شاشة الهاتف الذكي الكثير من الطاقة عن أي مكون آخر من مكونات الهاتف، ولذلك فمن أسهل الطرق لتخفيض استهلاك البطارية تقليل مستوى سطوع الشاشة. وفي الاختبار المحدد بالوقت، استهلك هاتف آيفون 6 إس 54 في المائة طاقة أقل من البطارية عندما كان سطوع الشاشة عند أدنى مستوياته، بالمقارنة مع أقصى سطوع للشاشة. أما هاتف الأندرويد، فلقد استهلك 30 في المائة أقل عن أدنى سطوع للشاشة.
ولكن من الصعوبة بمكان استخدام الشاشة القاتمة في البيئات الساطعة، ولذلك فإن أغلب الهواتف توفر نمط السطوع التلقائي للشاشات الذي يعمل على الضبط التلقائي لسطوع الشاشة بناء على الإضاءة المحيطة بالهاتف، وقد خلص موقع «The Wirecutter» إلى أن تشغيل نمط السطوع التلقائي لشاشة الهاتف يحفظ قدرا جيدا من عمر البطارية.
> حجب الإعلانات المستهلكة لطاقة البطارية.. أثناء تصفح الإنترنت على الهاتف، يستهلك الهاتف الذكي مقدارا معتبرا من الطاقة أثناء تحميل إعلانات الهاتف من على مختلف المواقع، وتثبيت برنامج لحجب تحميل تلك الإعلانات يطيل وبصورة ممتازة من عمر البطارية.
ولقد أجرى موقع «The Wirecutter» اختبارا تصفح من خلاله على عدد من المواقع لساعتين كاملتين، عبر الاتصال بشبكة «واي - فاي». ولقد استهلك متصفح «سفاري» على هاتف «آيفون 6 إس» نسبة 18 في المائة من كامل طاقة البطارية، أما متصفح كروم على هاتف «موتورولا إكس بيور» العامل بنظام أندرويد، فقد استهلك 22 في المائة من طاقة البطارية للغرض ذاته. ومع تثبيت تطبيق «1Blocker» الذي يحجب إعلانات المواقع على هاتف آيفون، أدى هذا إلى تخفيض استهلاك البطارية لنفس الاختبار بمقدار 9 في المائة من طاقة البطارية، وعلى هاتف أندرويد، ومع استخدام تطبيق «Ghostery Privacy Browser»، الذي يحجب الإعلانات، انخفض استهلاك البطارية بمقدار 8 في المائة.
> تعديل إعدادات البريد الإلكتروني لديك.. للبريد الإلكتروني تأثير كبير على طاقة البطارية، خصوصا إذا كان لديك أكثر من حساب للبريد الإلكتروني على هاتفك، وتتلقى من خلالها الكثير من الرسائل الإلكترونية يوميا، ويمكن لهاتفك الذكي تحديث خدمة البريد الإلكتروني بشكل تلقائي باستخدام التكنولوجيا المعروفة باسم «تكنولوجيا الدفع»، التي تعمل على جلب الرسائل الجديدة إلى هاتفك فور إرسالها، ويمكن لتلك التكنولوجيا أن تستهلك كمية كبيرة من الطاقة بسبب أنها تتطلب من الهاتف الذكي أن يظل مستعدا طيلة الوقت لاستقبال الرسائل الجديدة، ولذلك إذا كنت ممن يتلقون الكثير من رسائل البريد الإلكتروني، فهناك فرصة جيدة لأن يستهلك هاتفك الذكي الكثير من طاقة البطارية.
وقد أجرى موقع «The Wirecutter» اختبارا على هاتف «أيفون 6 إي بلس» مع ثلاثة حسابات للبريد الإلكتروني، مع استقبال إجمالي 20 إلى 30 رسالة في الساعة. وخلال هذا الاختبار، ومع تشغيل «تكنولوجيا الدفع» على مدار اليوم، تسبب في استهلاك خدمة البريد الإلكتروني لنسبة 5 إلى 10 في المائة من إجمالي طاقة البطارية.
وللحفاظ على الطاقة من الاستهلاك، يمكن إعادة ضبط أغلب الهواتف الذكية على نمط «التحقق البديل» أو «جلب» رسائل البريد الإلكتروني وفقا لجدول محدد من طرفك – بمعنى، مراجعة البريد الإلكتروني كل 30 دقيقة مثلا – أو عندما تطلب من تطبيق البريد الإلكتروني تحديث الرسائل المستلمة يدويا.
> تشغيل الموسيقى.. تشغيل الموسيقى المحملة على الهاتف، بدلا من تشغيلها على الإنترنت.. يمكن للنصيحة التالية ألا تلقى ترحيبا من بعض المستخدمين. ففي الوقت الحاضر، يعتبر التشغيل عبر الإنترنت أشهر الطرق للاستماع إلى الموسيقى، مع خدمات مثل «Spotify»، أو «Pandora»، أو«Apple Music» – غير أن هذه الطريقة تستهلك قدرا كبيرا من طاقة الهاتف. ومن واقع اختبارات موقع «The Wirecutter»، استهلك تشغيل الموسيقى عبر الاتصال بشبكة «واي - فاي» لمدة ساعتين نحو 10 في المائة من بطارية هاتف الآيفون، أما تشغيل الموسيقى المحملة بالفعل على الهاتف لمدة ساعتين، فأدى إلى استهلاك 5 في المائة فقط من طاقة البطارية.
ومن حسن الحظ، تسمح خدمات الاستماع إلى الموسيقى مثل «Pandora»، أو«Apple Music» لك بالاستماع إلى الموسيقى المفضلة بالأسلوب القديم: عن طريق تخزين الموسيقى على هاتفك مباشرة.
> إيقاف تشغيل الخدمة اللاسلكية عند ضعف إشارة الاستقبال.. قد تكون لاحظت أنه عندما تكون في مكان شبكة الـ«واي - فاي» فيه، أو شبكة الجوال، غير جيدة، فإنها تستنزف طاقة البطارية لديك بوتيرة سريعة عن المعتاد، وذلك بسبب أن الهواتف تستخدم الطاقة في البحث عن إشارة الاتصال الجيدة، وإذا ما كانت الإشارة ضعيفة للغاية، يحاول الهاتف البحث عن اتصال جيد من خلال استهلاك المزيد من الطاقة. وللحفاظ على طاقة البطارية، أوقف خدمة الاتصال اللاسلكي في الهاتف، ونمط «الطائرة» من الخيارات التي توقف عمل الخدمة اللاسلكية في الهاتف، وهو من الحلول السريعة السهلة في حالة الإشارة أو الاستقبال الضعيف.
وبدلا من ذلك، يمكنك من خلال إعدادات الهاتف، وقف خاصية الخدمة اللاسلكية. وعلى سبيل المثال، إذا كانت شبكة الهاتف الجوال لديك سيئة للغاية في مكتبك، ولكن الاتصال بشبكة الـ«واي - فاي» ممتاز، يمكنك وقف الاتصال بشبكة الجوال حتى توقف استهلاك الهاتف للمزيد من الطاقة أثناء محاولة البحث على الاتصال، في حين لا يزال يمكنك الاتصال بالإنترنت عبر شبكة واي - فاي.
> تطبيقات تستهلك الطاقة.. التحقق من قوائم استخدام البطارية.. يمكن للمستهلكين الحصول على أفضل النتائج مع قليل من التدقيق بهاتفك، حيث يوفر نظام الآيفون والأندرويد مراجعة لأي نوع من التطبيقات التي تستهلك قدرا أكبر من طاقة البطارية. وبالنسبة لهواتف الآيفون والأندرويد، يمكنك فتح «الإعدادات»، وفي قائمة البطارية، تجد قوائم التطبيقات التي تستخدم أكبر قدر من الطاقة. وعلى شاشة استخدام البطارية في هاتف الآيفون، انقر على زر الساعة للكشف عن معلومات حول مقدار طاقة البطارية التي يستهلكها كل تطبيق من التطبيقات أثناء استخدامك لتطبيق «الشاشة» مقارنة بعدم استخدامك له. وعلى هاتف الأندرويد، فإن أكثر المعلومات إفادة هي توقيتات «إجمالي وحدة المعالجة المركزية»، و«صدارة وحدة المعالجة المركزية». والصدارة هي مقدار الوقت المستهلك منذ فتح التطبيق، ثم اطرح «الصدارة» من «الإجمالي» لتعرف مقدار الوقت الذي استهلكه التطبيق في الخلفية.
وحاول مراجعة التطبيقات التي تنشط في الخلفية لفترات مطولة وتستهلك الكثير من طاقة البطارية. ومن الأمثلة على ذلك، تطبيقات البريد الإلكتروني التي تقضي فترات من الوقت في التحقق من وصول الرسائل الجديدة حتى وهاتفك في وضع الخمول، وتطبيقات قراءة الأخبار في الخلفية، أو تطبيقات متابعة اللياقة البدنية التي تراقب موقعك الحالي باستمرار.
إذا وجدت التطبيقات تستهلك الكثير من الطاقة في الخلفية، أوقف أنشطة الاستهلاك الخلفية. على هاتف الآيفون: اذهب إلى الإعدادات، وانقر على «عام»، ثم انقر على «تحديث تطبيقات الخلفية»، وأوقف أنشطة الخلفية لأي تطبيقات تريدها. وعلى هواتف الأندرويد، اذهب إلى الإعدادات، وانقر على «استخدام البيانات»، واختر أحد التطبيقات، ثم اختر «تقييد بيانات الخلفية» بالنسبة لاستخدام بيانات الخلفية.
> إيقاف خدمات تتبع الموقع غير الضرورية.. احذر من التطبيقات التي تتابع موقعك عبر الهاتف، فدوائر «GPS» على الآيفون، والتي تحدد موقعك الجغرافي بالنسبة للخرائط ومزايا اللياقة البدنية، تستهلك قدرا كبيرا من طاقة البطارية، إذ إن برنامج متابعة الجري الذي يراقب موقعك بدقة لمدة تصل إلى ساعة كاملة سوف يستهلك كمية كبيرة من الطاقة. وإذا كان التطبيق المتابع للموقع يستهلك الكثير من الطاقة، ولا سيما في خلفية الهاتف، فهناك فرصة جيدة أن يكون التطبيق يستخدم خدمة «GPS»، وخدمة «واي - فاي»، ومستشعرات الهاتف في كثير من الأحيان. ويمكنك تحديد ما إذا كنت ستوقف خصائص تتبع الموقع (إما من خلال إعدادات خدمات الموقع على الهاتف، أو عن طريق تغيير الإعدادات في التطبيق نفسه). وعلى الآيفون، يمكنك تعطيل قدرة الهاتف على تتبع موقعك عن طريق النقر على «قائمة الخصوصية» و«خدمات الموقع». ولتعطيل نفس الخاصية على هواتف الأندرويد، اذهب إلى «الإعدادات»، وانقر على «التطبيقات»، واختر «التطبيق»، ثم اختر «التصريحات»، ثم انقر على تعطيل التصريح بمتابعة الموقع.
> إغلاق الإخطارات غير الضرورية.. توصي كل من شركة آبل وغوغل بتعطيل الإخطارات، التي تعمل بالأساس لتنبيهات مختلف التطبيقات، للمحافظة على طاقة البطارية. وتتطلب الإخطارات التواصل المعتاد مع خوادم الإخطارات، ويسبب كل إخطار إيقاظ الهاتف خاصتك من سباته لثوان معدودة، بما في ذلك تشغيل الشاشة، لعرض رسالة الإخطار ومنحك الفرصة للتعامل معها.
وعبر اختبارات موقع «The Wirecutter»، لم يسبب استلام عشرات الإخطارات على مدى ساعة كاملة تأثيرا ملحوظا على طاقة البطارية، ولكن إذا وصلتك الكثير من الإخطارات في كل يوم، فيمكن أن يضيف ذلك إلى مقدار استهلاك الطاقة، وإذا كان هناك تطبيق أو خدمة بعينها (مثالا: «تويتر»، أو خدمة البريد الإلكتروني) يرسل الكثير من الإخطارات بصورة مستمرة، يمكنك اختيار تعطيل الإخطارات لهذا التطبيق تحديدا.
وعلى هاتف الآيفون، افتح «الإعدادات»، وانقر على «الإخطارات»، ثم انقر على اسم التطبيق، ثم أوقف «السماح بالإخطارات». وعلى هاتف الأندرويد، أوقف الإخطارات من قائمة إعدادات التطبيق نفسه، أو اضغط لفترة طويلة على الإخطار نفسه، ثم اختر أيقونة «i»، مما ينقلك إلى إعدادات إخطارات التطبيق نفسه، حيث يمكنك إيقافها تماما.
خرافات توفير الطاقة

احذر من خرافات أو أساطير توفير طاقة البطارية التالية:
> إغلاق التطبيقات غير المستخدمة.. هناك كثير من الحكم غير التقليدية حول أساليب إطالة عمر البطارية. دعونا نبدأ بواحدة من أسوأ النصائح في ذلك: إغلاق (أو الإجبار على) إغلاق التطبيقات، كما يُقال، التي لا تستخدمها حاليا. وتقول النظرية إن التطبيقات تعمل في خلفية الهاتف، وتستخدم مكوناته، ومن ثم فإن إغلاقها سوف يحفظ المزيد من الطاقة. وفي حين أن تلك النظرية قد تكون صحيحة في حالة أجهزة الكومبيوتر، فإن الهواتف الذكية مصممة بصورة مختلفة تماما: بمجرد عدم استخدام التطبيق في الصدارة – مما يعني أنك لا تقوم باستخدامه في الوقت الحالي – فإن أغلب أو كافة عمليات هذا التطبيق تبقى مجمدة تماما.
> لا تفترض أن إغلاق شبكة «واي - فاي» سوف يزيد من حفظ طاقة البطارية.
> تجنب إغلاق كافة خدمات الموقع على الهاتف.
> لا تختر دائما شبكة «واي - فاي» عبر الشبكات الخلوية.
> دع تطبيق «سيري» و«غوغل» يستمعان لأوامرك الصوتية.
> لا تمتنع عن استخدام شواحن البطاريات من إنتاج شركات الطرف الثالث ذات السمعة الطيبة.
> افحص الجهاز بين الحين والآخر.
* خدمة «نيويورك تايمز»



هل يصبح «وكلاء الذكاء الاصطناعي» محرك الإنتاجية الجديد في الشركات السعودية؟

يمثل التحول الأساسي انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي في التجارب التقنية إلى توظيفه لتحقيق نتائج تشغيلية قابلة للقياس (أدوبي)
يمثل التحول الأساسي انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي في التجارب التقنية إلى توظيفه لتحقيق نتائج تشغيلية قابلة للقياس (أدوبي)
TT

هل يصبح «وكلاء الذكاء الاصطناعي» محرك الإنتاجية الجديد في الشركات السعودية؟

يمثل التحول الأساسي انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي في التجارب التقنية إلى توظيفه لتحقيق نتائج تشغيلية قابلة للقياس (أدوبي)
يمثل التحول الأساسي انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي في التجارب التقنية إلى توظيفه لتحقيق نتائج تشغيلية قابلة للقياس (أدوبي)

يؤدي تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي وانتقالها من مرحلة التجارب التقنية إلى الاستخدامات التشغيلية الفعلية إلى بروز «وكلاء الذكاء الاصطناعي» كمفهوم جديد داخل المؤسسات الكبرى. وعلى خلاف موجات الأتمتة السابقة التي ركزت على تنفيذ مهام محددة مسبقاً، فإن هذه الأنظمة مصممة للعمل داخل سير العمل المؤسسي واتخاذ قرارات بشكل مستمر والتفاعل مع الأنظمة الرقمية في الزمن الحقيقي.

في السعودية، حيث تسارعت وتيرة التحول الرقمي في إطار «رؤية 2030»، بدأت المؤسسات تتجاوز مرحلة التجارب الأولية. لكن الانتقال من المشاريع التجريبية إلى تحقيق قيمة تشغيلية قابلة للقياس لا يزال متفاوتاً بين القطاعات المختلفة.

يقول يوسف برقاوي، الشريك في مجال الذكاء الاصطناعي والبيانات لدى «ديلويت الشرق الأوسط»، إن تبني المؤسسات لهذه الأنظمة يتقدم بسرعة، لكن مستوى النضج لا يزال غير متساوٍ. ويشرح خلال لقاء خاص مع «الشرق الأوسط» أن تبني وكلاء الذكاء الاصطناعي في المؤسسات يتقدم داخل السعودية بسرعة، لكن مستوى النضج لا يزال متفاوتاً. ورغم انتشار المبادرات، فإن عدداً محدوداً منها يرتبط حالياً بمؤشرات أداء واضحة. ويضيف برقاوي: «تشير خبرتنا في السوق، المتسقة مع نتائج استطلاع (ديلويت) حول حالة الذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط، إلى أن أقلية فقط من عمليات النشر اليوم وأن نحو ربع إلى ثلث المشاريع يرتبطان مباشرة بمؤشرات إنتاجية أو مؤشرات مالية واضحة».

يوسف برقاوي الشريك في مجال الذكاء الاصطناعي والبيانات لدى «ديلويت الشرق الأوسط»

الانتقال إلى مرحلة القيمة التشغيلية

بدأ التحول الفعلي يتشكل داخل المؤسسات الرائدة في المملكة العربية السعودية. فبدلاً من استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة استكشافية أو عرض تقني، بدأت المؤسسات تربط هذه الأنظمة بنتائج تشغيلية ملموسة.

ويفيد برقاوي بأن «المؤسسات المتقدمة تتحرك اليوم إلى ما بعد مرحلة التجارب، وتربط وكلاء الذكاء الاصطناعي بنتائج إنتاجية قابلة للقياس مثل تقليص زمن العمليات، وتجنب التكاليف، وتحسين جودة الخدمات، وزيادة القدرة الإنتاجية للقوى العاملة». ويعكس ذلك تحولاً في طريقة التفكير المؤسسي تجاه الذكاء الاصطناعي. فبدلاً من اعتباره مبادرة ابتكار منفصلة، بدأت المؤسسات تتعامل معه كأداة لتحسين الأداء التشغيلي. ويرى برقاوي أن «التحول الحقيقي الجاري حالياً هو الانتقال من التجريب مع وكلاء الذكاء الاصطناعي إلى التعامل معهم باعتبارهم مساهمين قابلين للقياس في الأداء التشغيلي، وليس مجرد عروض للابتكار».

شكل جديد من الأتمتة

يختلف دور وكلاء الذكاء الاصطناعي أيضاً عن الموجات السابقة من الأتمتة. ففي حين كانت أنظمة الأتمتة التقليدية تنفذ خطوات محددة وفق قواعد ثابتة، فإن الوكلاء الذكيين يعملون داخل العمليات التشغيلية ويتخذون قرارات بشكل مستمر استناداً إلى البيانات المتاحة. ويشرح برقاوي أن وكلاء الذكاء الاصطناعي يُدخلون مفهوم اتخاذ القرار المستمر داخل سير العمل الحي. وهذا التطور يفتح المجال لتحسينات كبيرة في الكفاءة، لكنه يفرض أيضاً متطلبات تنظيمية جديدة. فهذه الأنظمة تحتاج إلى حوكمة قوية، ومراقبة آنية، وتكامل وثيق مع الأنظمة المؤسسية. ويتابع أنه على خلاف الأتمتة السابقة، تتطلب هذه الأنظمة حوكمة قوية ومراقبة في الوقت الحقيقي وتكاملاً مع الأنظمة المؤسسية، إضافة إلى وضوح في المساءلة. ويعني ذلك أن المؤسسات تحتاج إلى إعادة التفكير في نماذجها التشغيلية؛ إذ إن التحدي الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا نفسها بقدر ما يكمن في قدرة المؤسسات على تكييف عملياتها معها.

يختلف وكلاء الذكاء الاصطناعي عن الأتمتة التقليدية لعملهم داخل سير العمل المؤسسي واتخاذ قرارات مستمرة اعتماداً على البيانات (غيتي)

أين تظهر القيمة الأكبر؟

رغم اختلاف مستويات النضج بين المؤسسات، فإن بعض المجالات بدأت بالفعل في تحقيق فوائد تشغيلية واضحة من استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي. ويلفت برقاوي إلى أن أكبر قيمة ظهرت حتى الآن في العمليات التي تتسم بحجم كبير من المعاملات وقواعد واضحة. ويقول إن «أكبر قيمة جاءت من عمليات خدمة العملاء والموظفين، وإدارة خدمات تقنية المعلومات، والعمليات المالية، والعمليات المرتبطة بالامتثال». تتميز هذه المجالات بكونها كثيفة المعاملات وتعتمد على قواعد محددة وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأنظمة المؤسسية، وهو ما يجعلها بيئة مناسبة لاستخدام الأتمتة المتقدمة.

التوقف عند مرحلة التجارب

رغم التقدم في بعض المجالات، فإن كثيراً من مبادرات الذكاء الاصطناعي تتوقف عند مرحلة التجارب الأولية. وغالباً ما يعود السبب إلى أن هذه المشاريع تثبت الإمكانات التقنية لكنها لا تثبت القيمة التشغيلية الكاملة.

ويعزو برقاوي ذلك التوقف إلى أن معظم المشاريع «تثبت المفهوم التقني، لكنها لا تثبت القيمة التجارية الشاملة». ومن بين أبرز العوائق ضعف التكامل مع الأنظمة الأساسية داخل المؤسسات، إضافة إلى مشكلات جودة البيانات. كما تمثل مسألة الصلاحيات واتخاذ القرار تحدياً مهماً.

الحوكمة شرط أساسي للنجاح

يلعب نمط القيادة والحوكمة المؤسسية دوراً حاسماً في نجاح هذه المبادرات. فالمؤسسات التي تتعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي كمشاريع جانبية غالباً ما تواجه صعوبة في توسيع نطاق استخدامها.

ويؤكد برقاوي أن «النجاح يعتمد على التعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي باعتبارهم قدرة مؤسسية أساسية وليس مشروعاً جانبياً». وينوه بأن نجاح التوسع يتطلب تعاوناً بين مختلف وحدات المؤسسة، بما في ذلك الأعمال وتقنية المعلومات والأمن السيبراني وإدارة المخاطر والشؤون القانونية.

تشكل جودة البيانات والتكامل بين الأنظمة والحوكمة المؤسسية أبرز التحديات التي تحد من توسيع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي (أدوبي)

البنية التحتية الرقمية في المملكة

شهدت السعودية خلال السنوات الماضية استثمارات كبيرة في البنية التحتية الرقمية، بما في ذلك الحوسبة السحابية ومراكز البيانات. ويرى برقاوي أن هذه البنية أصبحت قادرة بشكل متزايد على دعم أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. لكنه يضيف أن تشغيل وكلاء الذكاء الاصطناعي بدرجات عالية من الاستقلالية يتطلب ضوابط مؤسسية إضافية.

ويشرح أن «البنية التحتية السحابية والرقمية في المملكة أصبحت أكثر جاهزية، لكن مستويات الاستقلالية الأعلى تتطلب ضوابط مؤسسية مثل إدارة الهوية، وواجهات البرمجة، وأدوات المراقبة، وحوكمة التكاليف».

ويختصر برقاوي التحدي بقوله إن «البنية التحتية لم تعد هي العائق الرئيسي؛ بل الجاهزية التشغيلية».

البيانات... التحدي الأكبر

رغم تطور البنية التحتية، لا تزال جودة البيانات وتكاملها تشكلان تحدياً رئيسياً أمام توسع الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.

ويفيد برقاوي بأن «جودة البيانات وقابلية التشغيل البيني والحوكمة غالباً ما تكون العوامل الرئيسية التي تحد من تأثير وكلاء الذكاء الاصطناعي». وبينما تعتمد أنظمة الذكاء الاصطناعي على بيانات دقيقة ومحدثة لكي تقدم نتائج ذات قيمة، تحد الأنظمة المؤسسية المجزأة وضعف التكامل بين الأنظمة من قدرتها على العمل بكفاءة. في المقابل، يمكن أن تصبح مشاريع الذكاء الاصطناعي نفسها محفزاً لتحسين إدارة البيانات. ويضيف برقاوي أن مبادرات الذكاء الاصطناعي غالباً ما تعمل كمحفز لتحسين حوكمة البيانات وكسر الجزر المعلوماتية داخل المؤسسات.

من المتوقع أن يسهم انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي في تعزيز الإنتاجية وتسريع التحول الرقمي في السعودية خلال السنوات المقبلة (شاترستوك)

إعادة تشكيل طبيعة العمل

إلى جانب التحولات التقنية، تؤثر هذه الأنظمة أيضاً في طبيعة العمل داخل المؤسسات. فمع انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي، ينتقل دور الموظفين من تنفيذ المهام إلى الإشراف على النتائج ومعالجة الحالات الاستثنائية.

ويقول برقاوي إن «وكلاء الذكاء الاصطناعي يغيرون طريقة إنجاز العمل». ويشير إلى أن المؤسسات الناجحة تستثمر في إدارة التغيير، بما يشمل إعادة تصميم الأدوار وبناء الثقة في الأنظمة الجديدة وتدريب الموظفين على العمل معها. ويتابع: «يجب التعامل مع نشر وكيل ذكاء اصطناعي جديد كما لو كان توظيف موظف جديد، حيث يجب تدريبه على معايير المؤسسة وعملياتها وفهم سياق العمل قبل إطلاقه لتحقيق أقصى قيمة».

أهمية بناء الكفاءات المحلية

يُعد تطوير الكفاءات المحلية في مجال الذكاء الاصطناعي أحد العوامل الأساسية لضمان استدامة التحول الرقمي في المملكة. ويؤكد برقاوي أن وجود خبرات محلية أصبح ضرورة حتمية وأن التوسع المستدام يتطلب وجود كوادر محلية تفهم التنظيمات السعودية والسياق اللغوي العربي وخصوصيات القطاعات المختلفة. ومع استمرار تسارع التحول الرقمي في المملكة، يتوقع أن يلعب وكلاء الذكاء الاصطناعي دوراً مهماً في تحقيق أهداف «رؤية 2030». ويرى برقاوي أن يكون لوكلاء الذكاء الاصطناعي دور مهم في تسريع تحقيق «رؤية السعودية 2030» من خلال تحسين جودة الخدمات وزيادة الإنتاجية وتسريع العمليات التشغيلية. ومن المرجح أن يظهر التأثير الأكبر خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، مع دمج هذه الأنظمة بشكل أعمق داخل العمليات المؤسسية في القطاعين الحكومي والخاص.


لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)
وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)
TT

لأول مرة... اتصال ليزري عالي السرعة بين طائرة وقمر اصطناعي في المدار الثابت

وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)
وصل معدل نقل البيانات في التجربة إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية مع اتصال مستقر خلال تحرك الطائرة (إيرباص للدفاع والفضاء)

أظهرت تجربة حديثة أجراها باحثون أوروبيون أنَّ الاتصالات المعتمدة على الليزر قد تفتح آفاقاً جديدة لتوسيع نطاق الاتصال عالي السرعة بين الطائرات وشبكات الأقمار الاصطناعية، ما قد يغيِّر طريقة اتصال المنصات المتحركة بالإنترنت في المستقبل.

وخلال التجربة، نجح الباحثون في إنشاء رابط بصري عالي السعة بين طائرة تحلق في الجو وقمر اصطناعي في مدار ثابت بالنسبة للأرض. وقد أُجري الاختبار بالتعاون بين وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) وشركة «إيرباص للدفاع والفضاء» وعدد من الشركاء البحثيين. وفي أثناء رحلة تجريبية في جنوب فرنسا، زُوّدت الطائرة بمحطة اتصال ليزرية من طراز «UltraAir» طوَّرتها «إيرباص»، وتمكَّنت من الاتصال بقمر «Alphasat TDP-1» الموجود على ارتفاع يقارب 36 ألف كيلومتر فوق سطح الأرض.

خطوة مهمة في الاتصالات البصرية الفضائية

تمكَّن الرابط من نقل البيانات بسرعة وصلت إلى نحو 2.6 غيغابت في الثانية، مع الحفاظ على اتصال خالٍ من الأخطاء لدقائق عدة في أثناء تحرك الطائرة. وبمثل هذه السرعات يمكن نقل ملفات بيانات كبيرة أو فيديو عالي الدقة خلال ثوانٍ. وتعتمد هذه التقنية على إرسال البيانات عبر شعاع ليزر ضيق بدلاً من استخدام موجات الراديو التقليدية التي تعتمد عليها غالبية أنظمة الاتصالات الفضائية الحالية. وتتيح الاتصالات البصرية نقل كميات أكبر من البيانات، كما يصعب اعتراضها أو التشويش عليها؛ بسبب تركيز الشعاع بشكل أكبر مقارنة بالإشارات الراديوية. ويرى الباحثون أن هذه التجربة تمثل خطوةً مهمةً نحو تطوير شبكات اتصالات فضائية ذات سعة أكبر ومستويات أمان أعلى، في وقت يزداد فيه الطلب العالمي على عرض النطاق الترددي، بينما تصبح الموارد المتاحة من الطيف الراديوي أكثر ازدحاماً.

تحديات الربط بين منصات متحركة

إن إنشاء اتصال ليزري بين محطات ثابتة على الأرض يمثل تحدياً بحد ذاته، لكن ربط طائرة متحركة بقمر اصطناعي يبعد آلاف الكيلومترات يضيف مستوى آخر من التعقيد التقني. فالطائرات تتعرَّض باستمرار للاهتزازات والاضطرابات الجوية وتغيرات الاتجاه، وهي عوامل قد تؤثر في دقة توجيه الشعاع الليزري. كما يمكن أن تؤثر الظروف الجوية مثل الغيوم أو التغيرات الحرارية في الغلاف الجوي على جودة الإشارة. وللحفاظ على الاتصال، يتعيَّن على محطة الاتصال المثبتة على الطائرة تعقب القمر الاصطناعي باستمرار وتعديل اتجاه الشعاع الليزري بدقة عالية جداً لتعويض حركة الطائرة وتأثيرات البيئة المحيطة.

تعتمد التقنية على أشعة الليزر بدلاً من موجات الراديو ما يتيح نقل بيانات أكبر ويزيد من صعوبة اعتراض الإشارة (إيرباص للدفاع والفضاء)

استخدامات محتملة تتجاوز الطيران

ورغم أن التجربة ركزت على اتصال الطائرات بالأقمار الاصطناعية، فإنَّ هذه التقنية قد تجد تطبيقات أوسع في المستقبل. إذ يمكن أن توفر اتصالات إنترنت عالية السرعة للطائرات والسفن والمركبات العاملة في مناطق نائية لا تصلها شبكات الاتصالات الأرضية. كما يمكن أن تلعب دوراً في بنى الاتصالات الفضائية المستقبلية التي تربط بين الأقمار الاصطناعية والمنصات الجوية والأنظمة الأرضية ضمن شبكات مترابطة. وقد تتيح هذه الروابط اتصالات أسرع وأقل زمناً للتأخير مقارنة ببعض الأنظمة الفضائية الحالية. ومن مزايا الاتصالات الليزرية أيضاً أن حزمها الضوئية الضيقة تجعلها أكثر أماناً نسبياً من الإشارات الراديوية التقليدية، وهو ما قد يجعلها مناسبة لبعض التطبيقات التي تتطلب مستويات عالية من الحماية.

جزء من تحول أوسع في شبكات الفضاء

يأتي هذا التطور ضمن توجه أوسع نحو استخدام الاتصالات البصرية في شبكات الأقمار الاصطناعية المستقبلية. فعدد من وكالات الفضاء والشركات التجارية يدرس بالفعل استخدام الروابط الليزرية لزيادة قدرة نقل البيانات بين الأقمار الاصطناعية أو بينها وبين المحطات الأرضية. وقد جرى اختبار هذه التقنية في روابط بين الأقمار الاصطناعية وفي بعض المهمات الفضائية التجريبية، حيث تسمح أشعة الليزر بنقل بيانات بكميات أكبر بكثير مقارنة بالأنظمة الراديوية التقليدية. وتُظهر التجربة الجديدة أن مثل هذه الروابط يمكن أن تعمل أيضاً عندما يكون أحد طرفَي الاتصال منصة متحركة بسرعة في الغلاف الجوي.

نحو اتصال دائم للمنصات المتحركة

يرى الباحثون أن هذا الإنجاز يمثل خطوةً أولى نحو دمج الطائرات والمنصات المتحركة الأخرى في شبكات اتصالات فضائية عالية السعة. وإذا تمَّ تطوير هذه التقنية إلى أنظمة تشغيلية، فقد تتيح توفير اتصال إنترنت سريع وموثوق في أماكن يصعب فيها الاعتماد على البنية التحتية الأرضية. وسيتركز العمل في المراحل المقبلة على تطوير التقنية ودمجها ضمن معماريات اتصالات أوسع تربط الأقمار الاصطناعية والطائرات والمنصات المرتفعة في شبكات متكاملة قادرة على نقل البيانات بسرعة وأمان عبر مسافات كبيرة.

ورغم أن هذه التقنية لا تزال في مراحلها التجريبية، فإن التجربة تشير إلى أن الاتصالات البصرية قد تصبح عنصراً مهماً في الجيل المقبل من شبكات الاتصال العالمية، حيث يمكن للمنصات المتحركة الاتصال مباشرة بالبنية التحتية الفضائية عالية السعة.


تقرير عالمي: 74 % من احتيال الهويّة باتت تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي

لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)
لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)
TT

تقرير عالمي: 74 % من احتيال الهويّة باتت تعتمد أدوات الذكاء الاصطناعي

لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)
لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث فردية بل تحول إلى منظومة اقتصادية عالمية تتسارع مع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي (غيتي)

لم يعد الاحتيال الرقمي حوادث متفرقة، بل أصبح منظومة صناعية متكاملة، تتسارع، وتيرتها بدعم من الذكاء الاصطناعي. يكشف تقرير «الحالة العالمية للاحتيال، والهوية 2026» الصادر عن «LexisNexis Risk Solutions » أن التحول الرقمي الذي سرّع التجارة الرقمية، سرّع في المقابل جرائم الاحتيال المالي، وعلى نطاق واسع.

استند التقرير إلى تحليل أكثر من 103 مليارات معاملة و104 مليارات هجوم نفذه أشخاص فعلياً حول العالم، إضافة إلى استطلاع شمل 1082 من مسؤولي مكافحة الاحتيال. هذا الحجم من البيانات يعكس مدى تغلغل المخاطر الاحتيالية في البنية الرقمية الحديثة.

التهديد الأسرع نمواً

من أبرز نتائج التقرير هو الارتفاع الحاد فيما يُعرف بـ«احتيال الطرف الأول»، أي الاحتيال الذي يرتكبه عملاء حقيقيون ضد المؤسسات التي يتعاملون معها. بات هذا النوع يشكّل 36 في المائة من إجمالي حالات الاحتيال هذا العام، مقارنة بـ15 في المائة فقط في العام السابق. أي إن نسبته تضاعفت أكثر من مرتين خلال 12 شهراً فقط. من حيث الخسائر المالية، يُتوقع أن تصل خسائر احتيال الطرف الأول إلى 3.9 مليار دولار في 2025، لترتفع إلى 4.8 مليار دولار بحلول 2028.

في قطاع التجزئة تحديداً، يُقدّر التقرير أن 15 في المائة من عمليات إرجاع السلع كانت احتيالية العام الماضي، ما كبّد الشركات خسائر بلغت نحو 103 مليارات دولار. وتكشف البيانات أن الظاهرة لا تقتصر على فئة عمرية واحدة. إذ أقرّ 18 في المائة من كبار جيل الألفية و16 في المائة من صغار جيل الألفية و13 في المائة من الجيل «زد» (Z) بممارسات احتيالية من هذا النوع. وتنخفض النسبة إلى 10 في المائة لدى صغار جيل طفرة المواليد، و7 في المائة لدى كبارهم وكبار السن. ويربط التقرير هذا السلوك جزئياً بارتفاع تكاليف المعيشة، والضغوط الاقتصادية.

استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي أصبح جزءاً من نحو 74في المائة من عمليات احتيال الهوية ما يدفع المؤسسات لتطوير أساليب تحقق أكثر تعقيداً (رويترز)

اقتصاد الإنترنت المظلم

إذا كان احتيال الطرف الأول يعكس ضغوطاً داخلية، فإن أسواق الإنترنت المظلم تعكس احترافية تنظيمية خارجية. يشير التقرير إلى رصد 31 سوقاً رئيسة على الإنترنت المظلم منذ 2011، أُغلق العديد منها عبر جهود إنفاذ القانون. لكن كل إغلاق غالباً ما يعقبه ظهور منصات جديدة. تعمل هذه الأسواق بأسلوب يشبه شركات البرمجيات السحابية المشروعة. تُباع حزم الاحتيال الجاهزة بأسعار تتراوح بين 400 و700 دولار، بينما تُعرض خدمات تجاوز «اعرف عميلك» (KYC) بنحو 1000 دولار للحساب الواحد. كما تتوفر حزم هويات اصطناعية، وحسابات مصرفية موثّقة، وبرامج إرشاد وتدريب تساعد المبتدئين على الانخراط في النشاط الاحتيالي بسرعة. وقد سجّلت إحدى هذه الأسواق حجم مبيعات بلغ 12 مليون دولار شهرياً قبل إغلاقها. كما يُقدّر أن أحد أشهر متصفحات الإنترنت المظلم يستقطب 4.6 مليون مستخدم يومياً. بهذا المعنى، أصبح الاحتيال بنية تحتية رقمية قائمة بذاتها، تعمل بنموذج اشتراك عالمي مرن.

انفجار المدفوعات الرقمية

يتسارع التحول نحو المدفوعات الرقمية عالمياً. ويتوقع التقرير أن تمثل المحافظ الرقمية 50 في المائة من معاملات التجارة الإلكترونية بحلول 2026، بينما يُتوقع أن تصل أصول البنوك الرقمية إلى تريليون دولار بحلول 2028.

كما تعيد أنظمة الدفع الفوري مثل «UPI «في الهند و«PIX «في البرازيل تعريف سرعة المعاملات. لكن السرعة تقلّص وقت الاستجابة.

ويقدّر التقرير أن 74 في المائة من حالات احتيال الهوية باتت تتضمن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، سواء في إنشاء هويات اصطناعية، أو صور «سيلفي» مزيفة، أو مستندات مزورة لتجاوز إجراءات التحقق.

بالتالي، أصبح الذكاء الاصطناعي أداة بيد الطرفين: المدافعين والمهاجمين على حد سواء.

تعمل أسواق الإنترنت المظلم كنظم تجارية منظمة تبيع أدوات الاحتيال الجاهزة وحزم الهويات الاصطناعية وخدمات تجاوز التحقق (رويترز)

سطح مخاطرة جديد

لم تعد عملية التحقق من الهوية تقتصر على الوثائق الرسمية. فالنماذج الحديثة تعتمد على تحليل الأجهزة، والموقع الجغرافي، والسلوك الرقمي، وسجل المعاملات، والمؤشرات البيومترية. كما يشير التقرير إلى أن إجراءات «KYC» التقليدية لم تعد كافية في عصر التزييف العميق. ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي، لم يعد الصوت، أو الصورة دليلاً قاطعاً على الهوية. وتتجه المؤسسات نحو نماذج تحقق قائمة على الاستخبارات الشبكية، والتحليل السياقي بدل الاعتماد على نقطة تحقق واحدة.

قوة الاستخبارات التعاونية

أحد أهم استنتاجات التقرير يتعلق بأهمية مشاركة البيانات. إذ يُظهر أن دمج استخبارات المخاطر التشاركية يمكن أن يحسن معدلات كشف الاحتيال بأكثر من 30 في المائة مقارنة بالنهج المعزول. كما أظهر أحد الأمثلة أن دمج البيانات الشبكية أدى إلى تحسن بنسبة 63 في المائة في أداء نموذج كشف الاحتيال، وتحقيق وفر مالي يُقدّر بـ1.6 مليون دولار. تعني هذه النتائج أن الذكاء الجماعي ضمن أطر تنظيمية مناسبة يعزز فعالية الدفاعات الرقمية.

نقطة التحول

يكشف تقرير 2026 حقيقة أن الاحتيال يتوسع بوتيرة التحول الرقمي نفسها. تضاعفت نسبة احتيال الطرف الأول وتورط الذكاء الاصطناعي في ثلاثة أرباع حالات احتيال الهوية تقريباً. وتعمل أسواق الإنترنت المظلم باحترافية الشركات التقنية. وتتوسع المدفوعات الرقمية بتريليونات الدولارات.

السؤال لم يعد: هل المخاطر تتزايد؟ الأرقام تؤكد ذلك. إلا أن السؤال الحقيقي هو: هل تتوسع أنظمة الحماية بالسرعة نفسها؟ وحتى الآن، يبدو أن السباق لا يزال مفتوحاً.