ثرثرات الشاعر الذي هجرته قصيدته

ثرثرات الشاعر الذي هجرته قصيدته

الأحد - 23 رجب 1437 هـ - 01 مايو 2016 مـ

ماذا يفعل المبدع حين يدخل في حالة انسداد إبداعي؟ أو ما يسميه الإنجليز «بلوك»؟

انتحر هيمنغواي وهو في الثانية والستين حين شعر أنه لم يعد قادرًا على كتابة رواية بمستوى رواياته السابقة مثل «الشيخ والبحر» و«وداعًا للسلاح» و«ولا تزال الشمس تشرق»، وأكل القلق الإبداعي عقل فرجينيا وولف المعذّب، وهو واحد من أجمل العقول في القرن العشرين، ومثلها، الشاعرة الأميركية العذبة آن سكستون، ومواطناها جون برمان، وديفيد فوستر والاس، الذي انتحر لأنه «لم يستطع أن يكتب العمل الذي يرتضيه»، كما كان يعتقد، والسويدي كار ين بوي، الذي هزمته الكآبة والكحول للسبب نفسه. ولا يزال انتحار الشاعرة الأميركية سيلفيا بلاث في عام 1963 مدويًا لحد الآن. ومهما قيل عن أسبابه، وخصوصًا علاقتها بزوجها الشاعر البريطاني تيد هيوز، فإن عجزها عن الكتابة لسنوات كان أساس قلقها وكآبتها. الحاجة للكتابة بمستوى العصر الذي يعيشون، التي صارت مستعصية لهذا السبب أو ذاك، أودت قبل أي شيء آخر بالصحة الروحية لكل هؤلاء الذين وسموا القرن العشرين بأبهى ما فيه من حب وجمال ودفء، وحرب وعنف، ومآس وهزائم. وهناك كتاب آخرون في التاريخ الأدبي القريب «اختاروا» حلولاً أقل تراجيدية: الانسحاب من العالم.. والصمت.

انسحبت هاربر لي وهي في قمة نجاحها، بعد صدور روايتها «أن تقتل طائرًا محاكيًا»، عام 1960، التي باعت ملايين النسخ حال صدورها عام 1960، واستحقت عنها جائزة «بوليتزر» العريقة، وترجمت إلى عشرات اللغات، ومنها العربية.

هي إذن لم تنسحب نتيجة فشل أو خيبة أمل على الأقل. انسحبت لأنها، ببساطة، لم تعد تستطيع أن تكتب، فـ«الكتابة صعبة»، كما صرحت مرة.

فعل مواطنها الأميركي الروائي جي دي سالنجر الشيء نفسه قبلها بعشر سنوات، حين لم تصب روايته الثالثة النجاح نفسه الذي عرفته روايته «الحارس في حقل الشوفان»، فاعتزل في مزرعته في نيوهامبشاير، ولم يظهر سوى مرة واحدة في الثمانينات، ولم يعطِ سوى مقابلة صحافية واحدة منذ 1953 حتى رحيله عام 2010 عن 91 عامًا. عرف نفسه وحدوده.

قلق معذِّب وشجاعة نادرة تحاكم الذات ومسؤوليتها الأدبية والفكرية أولا، وتجلدها على طريقتها، لأنها ما عادت ترتفع كما كانت، أو كما ينبغي أن تكون. لا يجيد ذلك سوى الكتاب الكبار حقًا بإبداعهم وأرواحهم النبيلة، ولذلك بقوا.. وسيبقون، فقد أغنونا روحيًا وجماليًا، ودفعوا التطور الثقافي والإنساني مراحل إلى أمام، على حساب مصائرهم الخاصة.

ولكن ليس الكل بشجاعة هؤلاء وحساسيتهم أيضًا، وخصوصًا في عشائرنا العربية. فمن هجرته القصيدة منذ أكثر من عشرين عامًا في الأقل، سيلجأ، تعويضًا عن هذه الخسارة الكبيرة، التي يعيها تمامًا، والتي تأكل أعماقه وأحشاءه، إلى الصراخ المسعور هنا وهناك بدل أن يصمت في الأقل، لاعنًا الجميع في محاولة وهمية للارتفاع فوقهم.. ولكن في الفراغ المفتوح على سعته، الذي تتقاذفه تيارات هوائية تهب مرة شمالاً، ومرة أخرى يمينًا. وسيتناقل الجمع المحب للتنابز وثرثرة «المثقفين» في المقاهي هذيانه، محولين إياه مواد تملأ المساحات الفارغة في صحف كانت عريقة، ومواقع أصبحت مثل بالوعات لا تمتلئ. وهكذا يطل الغرور القاتل هاتفًا: أنا ما زلت هنا، في عملية خداع ذاتي كبيرة، تستبدل الشتيمة، التي يطالها القانون في أية أمة متحضرة، بالقصيدة، وتستبدل بالفكرة صرخة هي أقرب لصرخة ذئب جريح: ما زلت هنا، لم أمت بعد. وهنا تبلغ عملية الإحلال نقطتها القصوى: سيخيم الماضي الذي كان مملوءًا وبهيًا على حاضرٍ خاوٍ لدرجة الغياب، وما كان حيًا يعود على شكل مومياء، لكن لا أحد يراها في أمة أدمنت، ثقافيًا واجتماعيًا وسياسيًا، على تقديس مطلق لرموز الماضي لا يسمح بأية محاكمة عقلية، والإيمان الأعمى بالأسطورة على الرغم من تهرؤ نسيجها، وتمجيد «الثقافة» الشفاهية المتنقلة من فم لفم، ورفع البشر الخطّائين إلى مستوى آلهة الأولمب.. حتى لو كانت هذه الآلهة من طين وحجر.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة