نزاع الصحراء.. و«فزاعة أبريل»

هدفها الرئيسي خلق مزيد من «الفوضى الخلاقة» في شمال أفريقيا

نزاع الصحراء.. و«فزاعة أبريل»
TT

نزاع الصحراء.. و«فزاعة أبريل»

نزاع الصحراء.. و«فزاعة أبريل»

عقب التصريحات التي أدلى بها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في مخيمات جبهة «البوليساريو» بتندوف (جنوب غربي الجزائر) مطلع شهر مارس (آذار) الماضي، وعبر فيها عن «تفهّمه لغضب الشعب الصحراوي بسبب احتلال أراضيه»، وأثارت غضب المغرب، تساءل محمد بن عيسى وزير خارجية المغرب الأسبق في تصريحات صحافية «من يقف وراء الرجل، الذي لا يتصرف إلا وفق توجيهات معينة، وذلك منذ توليه الأمانة العامة للأمم المتحدة؟».
واستبعد بن عيسى، الذي كان أيضًا سفيرًا للمغرب في واشنطن أيام الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون (1993 - 1999)، أن تكون تصريحات بان مجرد «فلتة لسان» أو «رد فعل» على طلب الرباط تأجيل زيارته للمنطقة إلى وقت لاحق، وهي الزيارة التي قام بها بداية مارس الماضي، وشملت موريتانيا والجزائر ومخيمات «البوليساريو»، بل رأى أن لكلام الأمين العام الأممي «خلفيات أعمق على الرباط أن تستعد لها». وحمل تساؤل بن عيسى – آنذاك - رسالة واضحة مفادها «فتش عن أميركا!».
سرعان ما كشف الخطاب الذي ألقاه العاهل المغربي الملك محمد السادس في القمة الخليجية - المغربية في العاصمة السعودية الرياض يوم الأربعاء 20 أبريل (نيسان) الحالي، عن أحدث تطورات نزاع الصحراء، عما سماه «ازدواجية الخطاب بين التعبير عن الصداقة والتحالف، ومحاولات الطعن من الخلف»، في إشارة واضحة إلى واشنطن.
وذهب ملك المغرب بعيدًا حينما قال لقادة دول الخليج بأن «الأمر بلغ إلى شن حرب بالوكالة باستعمال الأمين العام للأمم المتحدة كوسيلة لمحاولة المسّ بحقوق المغرب التاريخية والمشروعة في صحرائه، من خلال تصريحاته المنحازة، وتصرّفاته غير المقبولة بشأن الصحراء المغربية».
و«إن المشكلة تبقى مطروحة مع المسؤولين بالإدارات التي تتغير بشكل مستمر، في بعض هذه الدول». وهو كلام عده المراقبون تلميحًا لإدارة الرئيس باراك أوباما الذي شهدت العلاقات المغربية - الأميركية في عهده توترًا غير مسبوق.
في سياق ذلك، أوضح العاهل المغربي أنه «مع كل تغيير (في الإدارة الأميركية) يجب بذل الكثير من الجهود لتعريفهم بكل أبعاد ملف الصحراء المغربية، وبخلفياته الحقيقية، وتذكيرهم بأن هذا النزاع، الذي دام أزيد من أربعين سنة خلف الكثير من الضحايا، وتكاليف مادية كبيرة، وبأن قضية الصحراء قضية كل المغاربة، وليست قضية القصر الملكي لوحده». ومضى قائلا لحلفائه الخليجيين «المخططات العدوانية التي تستهدف المس باستقرارنا متواصلة ولن تتوقف. فبعد تمزيق وتدمير عدد من دول المشرق العربي، ها هي اليوم تستهدف غربه. وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية لبلدكم الثاني المغرب».
وتابع محمد السادس «هذا ليس جديدًا. فخصوم المغرب يستعملون كل الوسائل، المباشرة وغير المباشرة، في مناوراتهم المكشوفة.. ويحاولون حسب الظروف، إما نزع الشرعية عن وجود المغرب في صحرائه، أو تعزيز خيار الاستقلال وأطروحة الانفصال، أو إضعاف مبادرة الحكم الذاتي، التي يشهد المجتمع الدولي بجديتها ومصداقيتها». وخلص إلى القول إنه «مع التمادي في المؤامرات، أصبح شهر أبريل - الذي يصادف اجتماعات مجلس الأمن حول قضية الصحراء - فزّاعة ترفع أمام المغرب، وأداة لمحاولة الضغط عليه أحيانا، ولابتزازه أحيانا أخرى».
* قصة «فزاعة أبريل»
في أبريل 2013 قدمت واشنطن لمجلس الأمن الدولي مقترح قرار يدعو لتوسيع صلاحيات بعثة «مينورسو» في الصحراء لتشمل وضعية حقوق الإنسان فيها. وردّ المغرب، مستاءً، بإلغاء المناورات العسكرية السنوية المشتركة مع الولايات المتحدة المعروفة باسم «الأسد الأفريقي» التي جرت العادة على تنظيمها في الجنوب المغربي.
بعض الجهات في واشنطن لمحت إلى أن مسودة المقترح الأميركي «ليست قرارًا استراتيجيًا» انطلق من البيت الأبيض أو البنتاغون أو حتى الخارجية، ووصفته بأنه «خطوة منعزلة» من سوزان رايس، المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة آنذاك ومستشارة الأمن القومي حاليًا، التي تربطها علاقة صداقة متينة بكيري كيندي رئيسة «مركز روبرت كيندي للعدالة وحقوق الإنسان»، المتعاطفة مع أطروحة «البوليساريو» المدعومة من الجزائر، والداعية إلى انفصال الصحراء عن المغرب. لكن مصادر أخرى رأت أن ما حدث يجسّد حالة انقسام في الإدارة الأميركية إزاء نزاع الصحراء، مشيرة إلى أن وزير الدفاع – آنذاك - تشاك هيغل استاء من خطوة رايس. بل إن أوساطا كثيرة في واشنطن مطلعة على ملف نزاع الصحراء قالت حينذاك «إن ثمة استياءً في واشنطن إزاء مشروع القرار الأميركي لا سيما أن رايس لم تأخذ الضوء الأخضر من البيت الأبيض، وأن جون كيري وزير الخارجية لم يكن أيضا على علم بخطوتها». وهذا مع العلم أن كيري كان وقّع قبل سنوات من توليه حقيبة الخارجية الأميركية عريضة تطالب بإجراء استفتاء تقرير المصير في الصحراء بيد أن موقعه الآن كمسؤول في الإدارة يفرض عليه التحفظ. وبالتالي، استبعدت الأوساط ذاتها أن تكون لكيري أي علاقة بخطوة رايس، معتبرة أنها كانت مستقلة تمامًا عن القرار الاستراتيجي الأميركي، وأنها «مجرد سوء فهم وانعدام تنسيق» بين دواليب الإدارة الأميركية.
في حينه دارت عجلة الدبلوماسية المغربية بسرعة. وحسب معلومة حصلت عليها «الشرق الأوسط» فإن المغرب عندما علم بخطوة رايس سأل واشنطن رسميًا «هل ما جرى في الأمم المتحدة خطوة تمثل الإدارة الأميركية أم أنها مجرد خطوة منفردة؟». وجاء الجواب أن مشروع القرار الذي اقترحته رايس سيعاد النظر فيه، وأن المغرب سيظل حليفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، وأن الموقف الرسمي الأميركي يدعم مبادرة الحكم الذاتي التي قدّمها المغرب سنة 2007. التي سبق لمجلس الأمن أن وصفها بأنها «ذات مصداقية وجدّية».
وبالفعل تراجعت واشنطن عن مشروع قرارها، وخرجت العلاقات المغربية - الأميركية من عنق الزجاجة، لكن نار رماد المقترح الأميركي لم تنطفئ تمامًا. ثم جاءت القمة الأميركية - المغربية في واشنطن يوم 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2013 محاولة إصلاح الكسر الذي طال مرآة العلاقات بين البلدين. وسمع ملك المغرب في البيت الأبيض من الرئيس أوباما إشادة كبيرة بالعلاقات الاستراتيجية بين الرباط وواشنطن، وثناء على ريادته في تعزيز الديمقراطية ببلده ودفعه بالتقدم الاقتصادي والتنمية البشرية خلال العقد الأخير.
رغم ذلك لم تختف «الفزاعة»، وما أن حل أبريل 2014 حتى أجرى الملك محمد السادس اتصالا هاتفيا بالأمين العام للأمم المتحدة قيل في البداية إنه يدخل ضمن الاتصالات والمشاورات الدائمة بين العاهل المغربي والأمين العام، لكنه في الحقيقة كان اتصالا من أجل وضع النقاط على الحروف، وضبط تجاوزات رصدتها الرباط في التقرير السنوي للأمين العام حول قضية الصحراء، والتنبيه إلى زلات محتملة يمكن أن تكون كارثية على مسار القضية فتقوض جهود الأمم المتحدة الهادفة إلى إيجاد حل سياسي مقبول من أطراف النزاع. وقال بيان صدر عن الديوان الملكي المغربي يوم 12 أبريل 2014 إن ملك المغرب أثار انتباه بان كي مون إلى ضرورة الاحتفاظ بمعايير التفاوض كما جرى تحديدها من طرف مجلس الأمن، والحفاظ على الإطارات والآليات الحالية لانخراط منظمة الأمم المتحدة، وتجنب المقاربات المنحازة والخيارات المحفوفة بالمخاطر.
ولعل ما أثار حفيظة المغرب إزاء مشروع تقرير أبريل 2014 أنه عد نزاع الصحراء «قضية تصفية استعمار» من منظور مجلس الأمن، بينما ترى الرباط أن مهمة مجلس الأمن ليست تصفية الاستعمار بل تصفية النزاعات الإقليمية التي تؤثر على الأمن والسلم العالميين، وأعطت مثالا على ذلك قضيتي تصفية الاستعمار في جزر الفولكلاندز وجبل طارق غير المطروحتين على مجلس الأمن. كذلك انتقدت الرباط تقرير الأمين العام لقوله: إنه إذا لم يحصل تقدم لجهة إيجاد حل لنزاع الصحراء في غضون عام 2015، فإن المجلس سيكون مطالبا بإيجاد تصوّر آخر بشأن ذلك. وقال مصدر مغربي مسؤول آنذاك لـ«الشرق الأوسط» إن هذا المعطى المتضمن في التقرير يطرح عدة تساؤلات من بينها أن الأمين العام ومبعوثه الشخصي كريستوفر روس تحدثا عن «مقاربة جديدة للتعاطي مع الملف» من ضمنها الزيارات المكوكية التي أعلن عنها روس، بيد أنهما لم يعبدا الطريق لهذه المقاربة حتى تطبق على أرض الواقع، بل حكم عليها بالوأد قبل ولادتها.
ويومها طرحت الرباط سؤالاً هو «ما طبيعة التقدم المنتظر بشأن ملف نزاع الصحراء في عام 2015، وذلك في سياق الظروف التي كانت وما زالت تعيشها الجزائر؟»، في تلميح لمرض الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة والانتخابات الرئاسية التي كانت آنذاك على الأبواب. وعدت أجل 2015 بأنه مقاربة غير ذات موضوع وغير واقعية نظرًا لكونها لا تأخذ الواقع الحالي للمنطقة بعين الاعتبار. وتوقف المراقبون آنذاك عند نقطة أساسية تتعلق بأسس التفاوض، قالوا: إنها ليست بيد الأمين العام بل بيد مجلس الأمن نظرًا لكونه هو من قرر في 2007 إطلاق المسلسل السياسي التفاوضي الحالي. وأشاروا إلى أن لدى المغرب حرصًا شديدًا على المحافظة على هذا المسلسل الهادف إلى تحقيق تسوية سلمية للنزاع، وأن الرباط إذا لاحظت وجود بعض «الانزلاقات والمخاطر التي تهدد هذا المسلسل» ستثير الانتباه لذلك. وبعدها ساد اعتقاد في العاصمة المغربية أن الأمانة العامة للأمم المتحدة لا يمكن لها أن تتعامل باستخفاف مع هذا المسلسل وتمضي من خلال ذلك إلى المجهول، ولكن بمرور الأيام ثبت أنها مضت في ذلك بلا تردد.
* مطلوب تعامل مسؤول
رأى المغرب آنذاك أن الظرف الأمني والتهديدات التي تعرفها المنطقة تتطلب تعاملاً مسؤولاً ورصينا مع هذه الأمور. كما تتطلب مشاورات وتفكيرًا قبل الإقدام على أي خطوة قد تزيد في إضعاف السياق الإقليمي الذي يعاني أصلا من الضعف. وقال مصدر مسؤول مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن الاتصال الهاتفي الذي أجراه الملك محمد السادس يوم السبت 12 أبريل 2014 مع بان جاء من منطلق المسؤولية نظرًا لأنه «إذا كان هناك طرف استثمر في المسلسل السياسي التفاوضي لحل نزاع الصحراء فهو المغرب». وشدد على أنه «ليس صدفة أن انطلاق المسلسل تصادف مع إطلاق الرباط مبادرة الحكم الذاتي الموسع في الصحراء، وبالتالي فإن المغرب إذا لاحظ بعض الانزلاقات والمخاطر التي تهدد المسلسل السياسي، سيثير الانتباه إلى ذلك». وهو ما جرى أيضا في المكالمة الهاتفية بين الملك محمد السادس وبان يوم 12 أغسطس (آب) 2012. إلى جانب رسائل كتابية. وخلص المصدر المسؤول إلى أن «ثمة انزلاقات تضمنها تقرير الأمين العام كان ضروريًا إثارة الانتباه إليها وتوضيحها»، وأن الملك محمد السادس تحدث في اتصاله الهاتفي مع بان بكل صراحة، ولمح إلى إمكانيات إنهاء مهام بعثة الأمم المتحدة «مينورسو» فوق التراب المغربي ما لم تصحح تلك الانزلاقات: «نظرا لأن (مينورسو) استنفدت المهام التي قامت من أجلها أي الإشراف على وقف إطلاق النار، والإشراف على عملية تحديد هوية من يحق لهم المشاركة في الاستفتاء بالصحراء، وهي عملية وصلت إلى طريق مسدود، وباءت بالفشل منذ زمن مضى».
واستطاع المغرب أن يتجاوز أيضا «فزاعة أبريل» 2014. ذلك أن قرار مجلس الأمن راعى التحفظات التي أبداها الملك محمد السادس خلال مكالمته الهاتفية مع بان كي مون. ومرت الأيام، وفي يوم 22 يناير (كانون الثاني) 2015. أبلغ بان العاهل المغربي في اتصال هاتفي أن «مينورسو» ستواصل عملها في احترام تام لمهمتها الحالية. وقال بان، وفق بيان للديوان الملكي المغربي آنذاك: «إنه أخذ، كما ينبغي، تعاليق وملاحظات المغرب (بشأن مهمة مينورسو)، وأعطى ضمانات بخصوص حيادية وموضوعية نزاهة مسؤولي الأمم المتحدة المكلفين تسيير المهمة الأممية». وذكر البيان أنه على أساس التوضيحات المعبر عنها والضمانات المقدمة، أكد الملك محمد السادس للأمين العام التزام الرباط بدعم عملية التسهيل التي يقودها المبعوث الشخصي للأمين العام (الأميركي كريستوفر روس)، وتعاونهما مع المسؤولين المعينين لهذا الغرض من طرف الأمين العام. وإثر ذلك، استأنف روس مهامه بزيارة المنطقة ابتداء من 11 فبراير (شباط) 2015، بعدما كان المغرب قد سحب ثقته منه في 17 مايو (أيار) 2012، عقب استنتاج الحكومة المغربية مفارقات في تصرفاته «تتمثل في تراجعه عن المحددات التفاوضية التي سطرتها قرارات مجلس الأمن، وسلوكه أسلوبًا غير متوازن ومنحازا في حالات كثيرة».
وكان وزير الخارجية المغربي آنذاك سعد الدين العثماني قد أبلغ باريس وواشنطن انزعاج بلاده من روس، وعبر للأمين العام عن «هواجس الرباط»، بخصوص تحدث آخر تقرير لروس عن «خروقات اقترفها المغرب في حق بعثة تنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية». إذ ورد في تقرير صادر عن الأمين العام للأمم المتحدة حول الصحراء في 17 أبريل 2012، قدّم إلى مجلس الأمن، أن اتصالات بعثة الأمم المتحدة مع مقر الأمم المتحدة في الصحراء الغربية قد «اخترقت»، وأضاف أن «عوامل كثيرة قوضت قدرة البعثة على مراقبة الوضع ونقل تقارير ثابتة عنه». وكان روس اتهم المغرب بوضع العراقيل في طريق المفاوضات التي ترعاها الأمم المتحدة منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين «البوليساريو» والمغرب عام 1991 و«التجسس» على بعثة الأمم المتحدة.
وهكذا، مرّت فزاعة أبريل 2015، ولكن لترتفع حدتها في أبريل 2016 بسبب زيارة بان كي مون للمنطقة وأدائه دوره كما اتفق. واليوم، ثمة قناعة في الرباط أن قرار بان زيارة المنطقة في الوقت الذي حدّده لها، مستثنيا المغرب، ليس اعتباطيًا. كما أن الكلمات التي اختارها في تصريحاته هي كلمات من الماضي تجاوزتها قضية الصحراء.
وجاء مشروع القرار الأخير الذي اقترحته واشنطن على مجلس الأمن، مطالبة فيه بعودة أنشطة بعثة «مينورسو» بشكل كامل بعدما تعطلت نتيجة طرد المغرب موظفيها المدنيين، وإمهال الرباط والمنظمة الدولية أربعة أشهر للاتفاق على هذا الأمر، ليؤكد أن «فزاعة أبريل» المستعملة ضد المغرب «فزاعة أميركية» 100 في المائة، وأن تحركات بان - كما ترى الرباط - تدخل ضمن دور الكومبارس الذي يقوم به خدمة لأجندة واشنطن، التي قال العاهل المغربي في قمة الرياض إنها تروم «استهداف أمننا الجماعي.. والمسّ بما تبقى من بلداننا التي استطاعت الحفاظ على استقرارها وأنظمتها، وأقصد هنا دول الخليج والمغرب والأردن التي تشكل واحة أمن وسلام لمواطنيها، وعنصر استقرار في محيطها». وهذا قبل أن يضيف «إننا نواجه الأخطار والتهديدات نفسها على اختلاف مصادرها، فالدفاع عن أمننا ليس فقط واجبا مشتركا بل هو واحد لا يتجزأ».
يذكر أنه سبق للملك محمد السادس أن وجه انتقادات حادة للأمم المتحدة والدول الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة، في خطاب ألقاه يوم 6 نوفمبر 2014، بمناسبة الذكرى الـ39 لـ«المسيرة الخضراء السلمية» التي استرجع المغرب بواسطتها الصحراء التي كانت تحتلها إسبانيا، وطالبها بموقف واضح من نزاع الصحراء. وقال: «في الوقت الذي يؤكدون أن المغرب نموذج للتطور الديمقراطي، وبلد فاعل في ضمان الأمن والاستقرار بالمنطقة، وشريك في محاربة الإرهاب، فإنهم في المقابل، يتعاملون بنوع من الغموض مع قضية وحدته الترابية». وأكد أن مبادرة الحكم الذاتي هي أقصى ما يمكن أن تقدمه بلاده في هذا الشأن، في إشارة إلى محاولات خلفها عدة أطراف تسعى لإقصاء الحل السياسي المقترح من قبل المغرب، وهو ما تأكد اليوم مع ظهور المقترح الأميركي الجديد.
هل سيظهر غدًا في واشنطن من سيقول: إن المقترح الأميركي أيضا «خطوة منعزلة» لسامانتا باور، المندوبة الأميركية الدائمة لدى الأمم المتحدة، ولا تدخل ضمن الاستراتيجية الرسمية الأميركية، كحال خطوة سوزان رايس التي قدمت عام 2013 مشروع قرار يهدف إلى توسيع مهام «مينورسو» لتشمل مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء.
المشروع الأميركي الأخير أدى إلى انقسام في مجلس الأمن إذ أعربت فرنسا وإسبانيا عن رفضهما القاطع له. واعتبرت باريس أن المبادرة الأميركية قد تؤجج – في حال تبنيها – الصراع في منطقتي الساحل والصحراء. وعليه، عملت باريس ومدريد وداكار (سلطات السنغال) على تعديل مشروع القرار الأميركي وتخفيف حدته، احترامًا للمغرب، لا سيما أن الرباط أعلنت أن قرارها القاضي بطرد العناصر المدنية في بعثة «ينورسو» قرار سيادي لا رجعة فيه.
ولكن كيفما كان قرار مجلس الأمن (كان منتظرًا أن يصدر مساء أمس الجمعة)، يرى مراقبون في الرباط أنه آن الأوان لوضع حد لهذه «الفزاعة الأميركية» التي غدت «مسرحية مملة» لكثرة تكرارها. وهم يرون أن هدفها الرئيسي خلق مزيد من «الفوضى الخلاّقة» التي بشرت بها قبل سنوات وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس، وزعزعة استقرار منطقة شمال أفريقيا، التي تعرف تدهورًا أمنيًا وتوترات متنوعة.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.