رؤية السعودية: الترفيه والثقافة لرفع مستوى معيشة السعودي خلال فترة قصيرة

مثقفون سعوديون يتحدثون لـ«الشرق الأوسط» عن الثقافة باعتبارها رافدًا للنمو

رؤية السعودية: الترفيه والثقافة لرفع مستوى معيشة السعودي خلال فترة قصيرة
TT

رؤية السعودية: الترفيه والثقافة لرفع مستوى معيشة السعودي خلال فترة قصيرة

رؤية السعودية: الترفيه والثقافة لرفع مستوى معيشة السعودي خلال فترة قصيرة

شملت «رؤية السعودية 2030» التي أعلنها ولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أمس، جانبًا مهمًا يتعلق بتطوير الثقافة وتوسيع الخدمات الثقافية، لتصبح جزءًا من تحسين مستوى معيشية المواطن السعودي، ورافدًا حضاريًا واقتصاديًا للبلاد.
وتحدث الأمير محمد بن سلمان عن سعي الحكومة لتحويل الترفيه والثقافة كرافدين مهمين لتحسين مستوى معيشة السعودي خلال فترة قصيرة، وقال: «نعاني شحًا في الخدمات الثقافية في السعودية».
وقال ولي ولي العهد إن المواطن السعودي يتمتع بمستوى دخل مرتفع مقارنة بالدول الأخرى، ولكن «المشكلة لا توجد الأدوات التي يستطيع أن ينفق فيها هذا الدخل بشكل ينعكس على رفاهيته في الحياة».
وأضاف: «نجد دولًا أخرى أقل منا بكثير في مستوى الدخل والوضع الاقتصادي لكن المستوى المعيشي جيد، لأن (المواطن) لديه فرص ترفيهية جيدة، ولديه فرص ثقافية جيدة، وبيئة جيدة تجعله (على الرغم) ينفق الدخل الضعيف الذي لديه، ويستمتع فيه».
وقال الأمير محمد بن سلمان: «الترفيه والثقافة سيكونان رافدين مهمين جدًا، في تغيير مستوى معيشة السعودي، خلال فترة قصيرة».
وتحدث عن خطط لإنشاء أكبر متحف إسلامي في العالم، وستحرص الرؤية على مضاعفة تسجيل المواقع الأثرية في السعودية في منظمة اليونيسكو، وتساءل الأمير محمد بن سلمان: هل من المعقول أن تكون قبلة المسلمين التي هي السعودية، وأهم بلد إسلامي، ولا تملك متحفا إسلاميا يمكن أن يزوره من يريد التعرف على الثقافة الإسلامية؟
ومضى يقول: «هذا أمر غير منطقي تماما، وهذا يدل على الشح في الخدمات الثقافية التي نحتاجها في السعودية».
وقال: الكثير يربط تاريخ جزيرة العرب بفترة قصيرة جدا، تمتد لنحو 1400 سنة، وهي مرتبطة بالتاريخ الإسلامي، الذي – بلا شك – يمثل أهم مرتكز ومنطلق لنا، «لكن لدينا عمق تاريخي ضخم جدا، ويتقاطع مع الكثير من الحضارات. فالتاريخ العربي منذ آلاف السنين هو تاريخ الكلمة، وتاريخ المبادئ، وتاريخ القيم، وهو لا يضاهيه أي تاريخ ولا حضارة في العالم. أفضل حضارة قيم ومبادئ هي الحضارة العربية عمرها آلاف السنين».
وأضاف أن «جزءا من الحضارات الأوروبية موجودة داخل السعودية، ولها مواقع مهمة داخل السعودية، ولها مكون حضاري داخل السعودية، عندنا حضارات مندثرة مهمة جدا، عمرها آلاف السنين، هذا جزء من خليط الحضارات الموجود في المملكة العربية السعودية، يجب أن نستغل هذه الحضارات، ونستعملها بشكل أو بآخر».
* د. حمد القاضي
وتحدث لـ«الشرق الأوسط»، الدكتور حمد القاضي، أمين عام مجلس مؤسسة الشيخ حمد الجاسر الثقافية، رئيس اللجنة الثقافة والإعلامية السابق بمجلس الشورى، قائلاً: ما طرحه الأمير محمد بن سلمان عن «الرؤية السعودية» حمل خطابا مستنيرا يتماهى ويدعم الثقافة الوطنية، حيث جعل «المنجز الثقافي» ذا بُعدين: بُعد يصب في مسار الاقتصاد الوطني، والبعد الثاني بجعل الثقافة رقما مهما في الترفيه عن الإنسان.
وأضاف: بوصفي أحد المنتمين للوسط الثقافي أبهجني ذلك بوصف «الرؤية السعودية 2030» التي صيرت الثقافة رقما اقتصاديا فاعلا ورقما ترفيهيا جاذبا.
وقال: استند ولي ولي العهد في نظرته الواعية للثقافة إلى المكونات البالغة الأهمية في وطننا، المتمثلة في الإرث الإنساني والحضاري على أرضه منذ آلاف السنين، والتي يمكن أن توظف ويستفاد منها في جذب المواطن للسياحة بوطنه عندما يجد فيها ما يشجعه على الطواف فيها، ومن جانب آخر فهي حافز سياحي يعضد اقتصاد الوطن، لأن هذه «المعالم التراثية» في مهد العرب عامل جذب للسياحة بالمملكة العربية السعودية. فضلا عن المسارات الثقافية الأخرى التي لها دورها، سواء المناشط المنبرية أو المسرحيات المشوقة أو الفنون التشكيلة، والتي تتماهي مع رغبات الناس وفق الرؤية السعودية الجديدة.
* د. أحمد الشويخات
أما الدكتور أحمد الشويخات، عضو مجلس الشورى، ومدير عام الموسوعة العربية العالمية، فقال لـ«الشرق الأوسط»: أعبر عن تفاؤلي بالإعلان لأول مرة في بلادنا بشكل رسمي عن احتفاء مفصَل وواضح بدور الثقافة والترفيه في نوعية الحياة الاجتماعية والتنمية وحيوية المجتمع وحراكه الإنساني.
وأضاف: مما يبعث على التفاؤل الإعلان عن التوجه نحو افتتاح المسارح، ودور السينما، والمتاحف، ودور العرض، والمكتبات، وتشجيع المواهب والكتاب والمبدعين والفنانين والمخرجين في مجتمع ذي تركيبة ديموغرافية شابة. وقد ورد هذا في رؤية السعودية 2030 التي أعلن عنها سمو ولي ولي العهد حفظه الله. وهذا الاحتفاء بالثقافة والتعليم طموح طالما راود المثقفين في بلادنا، ونحن على موعد مع صفحات جديدة ومشرقة بإذن الله في تاريخنا المعاصر. فالإنسان هو هدف الاقتصاد والتنمية وصانعها وصانع التاريخ.
وأوضح الشويخات: تبقى مسائل السياسات والتنظيمات وبرامج العمل المجدولة والإنجاز العملي على الأرض هي التحديات الفعلية المقبلة. ومع وجود رجال ونساء مخلصين في بلادنا، نتطلع إلى أن يكون الأداء المتفوق والعزيمة والإصرار المنبثق من البرامج والمشروعات هو ما سيثري المشهد الثقافي بإبداع يليق ببلادنا ومكانتها الشامخة.
الأديب عبد الله بن سالم الحميد
الأديب عبد الله بن سالم الحميد، عضو مجلس الإدارة بالنادي الأدبي بالرياض، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الرؤية المستقبلية للتحول الوطني التي أعلنها الأمير محمد بن سلمان تمثل رؤية مسكونة بالطموح، والإبداع لشمولها فعاليات ونماذج شتى ترقى بطموحات الإنسان في هذا الوطن.
وأضاف: ما يختص بالثقافة والإبداع، فإنه في اعتقادي من أجل النهوض بالثقافة وفعاليتها: لا بد من توفير البيئة المناسبة للبرامج والفعاليات الثقافية والإبداعية، ومن أهمها: إنشاء المراكز الثقافية التي تستقطب الفعاليات الثقافية والإبداعية، والمنابر الفنية والمسرحية لتستوعب كل النشاطات الإبداعية التي يمكن أن تستثمر لمصلحة المثقفين، وتسهم في الارتقاء بتوجهات الشباب من الجنسين، وتنمية مواهبهم، والمبادرة إلى إنشاء «المتحف الإسلامي التراثي» المقترح ضمن مشروعات هذه الرؤية الطموحة للشروع في فعاليات هذا المتحف وبرامجه.
ومضى يقول: أقترح الإفادة من «قصر الحمراء بالمربع»، وضمه لمركز الملك عبد العزيز التاريخي، لأنه جزء من المعمار المعبر عن حقبة من تاريخ المملكة، ولأنه مجاور لدارة الملك عبد العزيز، وذلك ما يمكن أن يسهم في خدمة التراث والثقافة بعاصمة المملكة. كما اقترح تكثيف أواصر التعاون بين القنوات الإعلامية والإبداعية، ورعاية الشباب لاستقطاب مواهب الشباب والارتقاء بتوجهاتها، وتنمية الفكر، ودعم نشاطاته الابتكارية والبحثية.
* الكاتب عبد الله العلمي
الكاتب والاقتصادي عبد الله العلمي قال معقبًا على السمات الثقافية لهذه الرؤية: في منتصف القرن الثامن عشر انطلقت «الثورة الصناعية» لتؤثر في مختلف جوانب الحياة في أوروبا. واليوم أطلقت السعودية «الثورة التنموية» بمعناها الإيجابي بما فيها التحول الثقافي الشامل للارتقاء بمستوى الثقافة والمسرح والفنون، والعمل على رفع مستوى المثقفين والفنانين.
وأضاف: علينا الارتقاء بالحياة الثقافية والفنون والأعمال الفنية المحلية، والمحافظة على الإرث الثقافي الحضاري العريق لتحسين مستوى الحياة للمواطن والمقيم.
* الكاتبة أمل زاهد
وقالت الكاتبة أمل زاهد، إنه لتحقيق رؤية ولي ولي العهد الطموحة، لا بد من الاشتغال العميق على الخطاب الثقافي الديني أولا، حتى تقوم التحديثات المتوقعة في مجالي الثقافة والترفيه على أساس فكري ثابت ومتين، وهنا لا بد من تفكيك الفكر النمطي المتشدد الذي يحرم الفنون والمسرح والسينما وخلافه، وينظر دوما للثقافة ومؤسساتها بعين التوجس والريبة، وإعادة الاعتبار للفنون الراقية التي تنهض بالمجتمعات وبالحركة الثقافية فيها.
وأضاف: الحديث أيضا عن تفكيك الخطاب المتشدد يستدعي الاشتغال على خطاب المرأة، وإصلاح أوضاعها، وعلاقة المجتمع المرتبكة بها، والتي كثيرا ما تصل للرهاب عند تقديم أية تغييرات تتعلق بها.
وقالت: لا يمكن أن ينهض الترفيه والثقافة أيضا إلا في مناخ من الحريات المنضبطة بالقانون، لذا أتوقع حزمة من القرارات والأنظمة، مثل سن قانون التحرش، والسير قدما في رفع مستوى الحريات الفردية.
وأضافت: التحول الثقافي يستدعي أيضا استقلالية المؤسسات الثقافية لتتحول إلى مؤسسات مجتمع مدني فاعلة، وفتح المجال لتكوين النقابات والاتحادات وكل عناصر المجتمع المدني الفاعل، في سبيل تكوين حركة ثقافية قوية، قادرة على إحداث تغيير وتحول اجتماعي، يحتضن التحديثات المتوقعة في حقلي الترفيه والثقافة.
* الروائي عبد الله الثابت
الروائي عبد الله الثابت قال معلقًا على هذه الرؤية: دونما أدنى شك فإن الثقافة - بالدلالة الشاملة - وأخص الفنون، حتى تكون منتجة بالمعنى الفاعل يلزم أن تمتلك استقلاليتها وحصانتها، ورفع الخناق عن وجودها في الفضاء العام، وفق القوانين العادلة، التي تكون فيها الدولة حكمًا لفض النزاع، لا طرفًا فيه.
هذا في تقديري ما سيجعل من نمو الثقافة نفسها، في هذا الجو المستقل، بما فيها الرأي الديني، والآداب، والسينما، والمسرح، والتشكيل، وسائر الفنون، رافدًا عمليًا في التحول الاجتماعي والاقتصادي، ومصدر قوة حقيقية، وتعبيرًا يحترمه العالم عن عمق وجودنا فيه. ومهما تكن سخونة خوض التجربة، إلا أنها هي الطريق الصحيح.
* الناقد يونس البدر
الناقد الدكتور يونس البدر، عضو مجلس إدارة نادي الأحساء الأدبي قال لـ«الشرق الأوسط»: ما يتبادر إلى الذهن في موضوع الثقافة بصفتها رافدًا لرؤية جديدة لتحسين مستوى المواطن السعودي، هو المكتبات ومراكز التدريب والأندية الأدبية والثقافية، بيد أن هذه الوسائل متوفرة ومبذولة، وأصبحت تملك حضورها الثقافي والذي يخدم مرتاديها، ومن الطبيعي أن تكون هذه الوسائل نخبوية ومقتصرة على فئة الأدباء والمختصين، ولكننا نغفل عن دور الفنون الجميلة التي تدمج بين مسألتي الترفيه والتثقيف، ويتمثل ذلك في الفنون المرئية والفنية كالمسرح والسينما، إذ تشمل هذه الفنون تقنيات ثقافية وأيقونات حضارية في كل المجتمعات المتحضرة والراقية، وبالإضافة لما توفره هذه الفنون من وعي ثقافي وفكري، فهي تسهم في تحسين حياة الناس من حيث ملء حاجتهم لقنوات ترفيهية ووجهات سياحية. إلا أن حضورها في المجتمع السعودي شحيح جدًا ومقتصر على فئة من المهتمين والفنانين، مع أنها حاجة ملحة لكل أفراد المجتمع ووسيلة ترفيهية مهمة، وشحها في المجتمع السعودي لا يعكس الروح الإبداعية والثقافية للمبدعين والفنانين التي يتم دعمها بإتقان عبر الدورات والفعاليات في جمعيات الثقافة والفنون.
وأضاف أن دعم هذه الفنون بتمكين المنتجين من العمل في ميدانها على الأرض وفي المواقع الترفيهية سيفتح فرصًا استثمارية كبيرة وبيئة تنافسية بين المبدعين، والأهم من ذلك يمكن من خلال هذه القنوات تعزيز القيم الدينية والاجتماعية، وتأكيد ثقافة الإنسان السعودي التي تتسم بالاعتدال والنضج.
وقال: أتوقع تفعيل الدور التثقيفي لجمعيات الثقافة والفنون ودعمها للإشراف على فعاليات فنية مبذولة للمجتمع، وهذا التفعيل سيحسن وعي المجتمع بهذه الفنون وما تعززه من قيم وثقافة ووعي.



التكامل الخليجي البحري مطلوب لحماية مضيق هرمز ولمواجهة الابتزاز الاستراتيجي

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)
صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)
TT

التكامل الخليجي البحري مطلوب لحماية مضيق هرمز ولمواجهة الابتزاز الاستراتيجي

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)
صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

تحول مضيق هرمز، في ظل الأزمة الراهنة، من ممر بحري حيوي إلى ورقة تفاوض استراتيجية، تقوم على قدرة إيران في إبقاء العبور ضمن حالة من عدم اليقين؛ مفتوحاً قانونياً، لكنه مهدد عسكرياً، ومشروط سياسياً، وعالي الحساسية اقتصادياً.

وأشار تقرير صادر عن مركز الخليج للأبحاث ونُشر الثلاثاء، إلى أن دول الخليج تُعدّ الطرف الأكثر تعرضاً لتداعيات توظيف «هرمز» ورقةَ ضغط، موضحاً أن تأثير المضيق لا يقتصر على تصدير الطاقة، بل يمتد إلى أمن الموانئ، وسلاسل الإمداد، والتأمين، والاستثمار، وسمعة البيئة الاقتصادية، واستمرارية التدفقات التجارية.

صورة من الأقمار الاصطناعية لمجموعة من الزوارق الصغيرة شمال مضيق هرمز (رويترز)

ويرى التقرير، الذي أعدَّه اللواء ركن بحري عبد الله الزايدي، المستشار الأول للدراسات الدفاعية والأمنية في المركز، أن المطلوب خليجياً لا يقتصر على حماية الممر، بل يشمل تقليل قابلية المضيق للابتزاز الاستراتيجي، عبر تعزيز الإنذار المبكر البحري، وتكامل الصورة البحرية، ورفع جاهزية حماية الموانئ والبنية التحتية، وتطوير خطط بديلة لسلاسل الإمداد، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين، من دون تحويل المنطقة ساحةً مفتوحةً للتصعيد.

وأوضح التقرير أن إيران تعتمد في توظيف المضيق على نمط لا يصل غالباً إلى الإغلاق الشامل، بل إلى التقييد الانتقائي للعبور أو التلويح به، خصوصاً تجاه السفن التي تعدّها مرتبطة بالدعم اللوجستي للقواعد الأميركية أو بمنظومة الضغط البحري عليها؛ ما يمنحها هامش مناورة أوسع مقارنة بخيار الإغلاق الكامل؛ إذ يتيح لها الجمع بين التصعيد والتهدئة.

في المقابل، تستخدم الولايات المتحدة الحشد البحري والجوي بوصفه أداةَ ردعٍ وضغط مضاد، وتسعى إلى جعل تعطيل هرمز خياراً عالي التكلفة على إيران، بما يحد من اندفاع طهران نحو التصعيد، ويطمئن الحلفاء والأسواق إلى أن حرية الملاحة لن تُترك رهينة للضغط الإيراني.

وحذَّر التقرير من أن الأزمة تتحرك ضمن معادلة دقيقة: إيران تراهن على رفع تكلفة العبور دون استنزاف ورقة المضيق، بينما تراهن الولايات المتحدة على ردع مكثف دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، في حين تبقى دول الخليج الطرف الأكثر تأثراً بهذه المعادلة؛ إذ لم يعد أمن هرمز ملف ملاحة فحسب، بل ملف أمن وطني شامل يمس الطاقة، والموانئ، والتأمين، والاستثمار، وسلاسل الإمداد، والاستقرار الإقليمي.

الحصار البحري وتفكيك أسطول الظل

وحسب التقرير، فإن توظيف إيران مضيق هرمز لا يمكن فهمه بمعزل عن منظومة الضغط البحري والاقتصادي الأوسع المفروضة عليها، مشيراً إلى أن الأمر لا يقتصر على حصار أو تقييد مباشر للموانئ الإيرانية، بل يمتد إلى استهداف شبكات الشحن، والتأمين، والوسطاء، والناقلات التي تُمكِّن طهران من الالتفاف على العقوبات وتسويق النفط والمنتجات البترولية خارج القنوات الرسمية.

مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش - 64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

ولفت إلى أن الإجراءات الأميركية الأخيرة ضد شركات الشحن والناقلات المرتبطة بنقل النفط الإيراني لا تمثل مجرد عقوبات مالية، بل تمثل جزءاً من تفكيك القدرة البحرية الإيرانية على الحركة التجارية غير الرسمية.

الغموض الاستراتيجي وإعادة تعريف العبور

ويشير التقرير إلى أن التصريحات الإيرانية المتباينة حول المضيق تكشف عن نمط مقصود من الغموض الاستراتيجي، حيث انتقل الخطاب من الحديث عن السماح بعبور السفن التجارية، إلى ربط العبور بسياق التهدئة، ثم إلى مواقف أكثر تشدداً بشأن مراقبة السفن أو تقييد بعضها، وهذا التدرج لم يكن مجرد اضطراب في الخطاب، بل يعكس محاولة لإبقاء المضيق في منطقة رمادية، حسب وصف التقرير.

ويضيف أن جوهر الغموض أن المضيق يبقى متاحاً للعبور قانونياً، لكنه مهدّد عسكرياً، ومشروط سياسياً وأمنياً، وهذه الحالة كافية لإرباك حسابات شركات الشحن والتأمين ومُلّاك السفن التجارية؛ لأن هذه الشركات لا تبني قراراتها على أكثر التصريحات طمأنة، بل على أسوأ المخاطر القابلة للتحقق.

وتُضيف السردية الإيرانية بُعداً أكثر حساسية – حسب التقرير - حين تربط بعض السفن العابرة بالدعم اللوجستي للقواعد الأميركية في الخليج. وبهذا تنتقل إيران من خطاب «القدرة على تعطيل المضيق» إلى خطاب «الحق في مراقبة ما نعدّه تهديداً لسيادتها».

أدوات تحويل هرمز ورقةَ تفاوض

ووفقاً لتقرير مركز الخليج للأبحاث، فإن التوظيف الإيراني لمضيق هرمز يقوم على إدراك واضح لمحدودية قدرتهم في العمليات البحرية التقليدية، مقابل امتلاكهم أدوات فعالة في التعطيل، والإرباك، والضغط الرمادي.

وتحدث التقرير عن حزم رئيسية يمكن لطهران استخدامها، تتمثل في الأدوات العسكرية المباشرة، أدوات المنطقة الرمادية والسيبرانية الهجينة، وأدوات الحرب النفسية والمعلوماتية.

خطر سوء التقدير

ويشير التقرير إلى أن مضيق هرمز بيئة ضيقة ومتوترة، وأي احتكاك قد يتجاوز حدوده مثل سفينة ترفض التفتيش، لغم يصيب هدفاً غير مقصود قد ينقل الورقة من مجال المساومة إلى مجال المواجهة، ومعها تفقد إيران القدرة على ضبط إيقاع التصعيد، وهو ما يحول أداة الضغط من رافعة تفاوض إلى عبء استراتيجي.

الأثر على الأمن الوطني الخليجي

وأوضح التقرير أن دول الخليج هي الطرف الأكثر تعرضاً لتداعيات توظيف هرمز ورقةَ ضغط، مبيناً أن المضيق لا يمس تصدير الطاقة فقط، بل يمس أمن الموانئ، وسلاسل الإمداد، والتأمين، والاستثمار، وسمعة البيئة الاقتصادية، واستمرارية التدفقات التجارية.

وحسب التقرير، فإن «توظيف إيران للمضيق يضع دول الخليج أمام معادلة دقيقة، فهي تحتاج إلى حماية حرية الملاحة، لكنها لا ترغب في أن يتحول المضيق ساحةَ مواجهةٍ مفتوحة، وتحتاج إلى دعم الردع الدولي، لكنها تدرك أن أي تصعيد واسع سيجعلها في خط التأثر المباشر اقتصادياً وأمنياً».

المطلوب خليجياً – حسب التقرير - ليس فقط حماية الممر، بل تقليل قابلية المضيق للابتزاز الاستراتيجي، وذلك من خلال تعزيز الإنذار المبكر البحري، وتكامل الصورة البحرية، ورفع جاهزية حماية الموانئ والبنية التحتية، وتطوير خطط بديلة لسلاسل الإمداد، وتقوية التنسيق مع الشركاء الدوليين من دون تحويل المنطقة مسرحاً مفتوحاً للتصعيد.


قمة خليجية تشاورية استثنائية في جدة تبحث التصعيد الإيراني والملاحة الدولية

TT

قمة خليجية تشاورية استثنائية في جدة تبحث التصعيد الإيراني والملاحة الدولية

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي لدى استقباله ولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح الذي وصل إلى جدة للمشاركة في القمة الخليجية (واس)
الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي لدى استقباله ولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح الذي وصل إلى جدة للمشاركة في القمة الخليجية (واس)

تستضيف مدينة جدة، الثلاثاء، قمة خليجية تشاورية استثنائية، لبحث تطورات الأوضاع في المنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

وأفادت مصادر خليجية بأن قادة دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية سيعقدون اجتماعاً تشاورياً مخصصاً لمناقشة مستجدات الوضع الإقليمي، وسبل التعامل مع الاعتداءات المتكررة التي تنسب إلى إيران، ووكلائها، والتي استهدفت بنى تحتية، ومنشآت مدنية، ونفطية، إلى جانب تداعيات إغلاق مضيق هرمز، وما ترتب عليه من تعطّل الملاحة، وتأثيرات سلبية على التجارة العالمية.

كما تبحث القمة الجهود الدبلوماسية الجارية، وفي مقدمتها الوساطة الباكستانية بين الولايات المتحدة وإيران، في مسعى لاحتواء الأزمة، وفتح مسارات تفاوضية تسهم في تهدئة الأوضاع، وتفادي مزيد من التصعيد.

وتؤكد القمة أهمية توحيد الموقف الخليجي، وتعزيز التنسيق المشترك بين دول المجلس، بما يدعم منظومة الأمن الجماعي، ويحمي المكتسبات الاقتصادية.

الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي مستقبلاً ملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة لدى وصوله إلى جدة للمشاركة في القمة الخليجية (واس)

وفي هذا السياق، وصل إلى جدة كل من ولي عهد الكويت الشيخ صباح خالد الحمد الصباح وملك البحرين حمد بن عيسى آل خليفة وأمير قطر تميم بن حمد آل ثاني، لترؤس وفود بلادهم في القمة الخليجية التشاورية الاستثنائية، وكان في مقدمة مستقبليهم الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي.


السعودية أمام مجلس الأمن: حماية الملاحة مسؤولية جماعية

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

السعودية أمام مجلس الأمن: حماية الملاحة مسؤولية جماعية

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز (أ.ب)

أكدت السعودية أهمية حماية الممرات المائية الدولية، مشددة على أن أي تهديد لحرية الملاحة، لا سيما في مضيق هرمز، ينعكس بشكل مباشر على استقرار الاقتصاد العالمي، وأمن الطاقة.

وأوضح المندوب الدائم للمملكة لدى الأمم المتحدة، السفير الدكتور عبد العزيز الواصل، خلال مشاركته في جلسة وزارية لمجلس الأمن بشأن سلامة الممرات المائية، أن مضيق هرمز يمثل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية، ما يستدعي متابعة التطورات في منطقة الخليج، وتعزيز الجهود الرامية إلى حمايته.

وأشار إلى أن تهديد حرية الملاحة يؤثر في أسواق الطاقة، وسلاسل الإمداد العالمية، فضلاً عن تداعياته على الأمن الاقتصادي الدولي، مؤكداً أن أمن الملاحة مسؤولية جماعية تتطلب الالتزام بالقانون الدولي، وتكثيف التنسيق الدولي.

وشدد الواصل على ضرورة الامتثال لقرار مجلس الأمن رقم 2817 لعام 2026، وتعزيز العمل المشترك لضمان سلامة الممرات البحرية، بما يسهم في استقرار الأسواق العالمية.

وجدد دعم المملكة للجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى خفض التصعيد، ووقف الحرب، بما في ذلك مساعي الوساطة التي تقودها باكستان، في إطار الدفع نحو حلول سلمية للأزمات.

كما دعا المندوب السعودي مجلس الأمن إلى إدانة صريحة للهجمات الإيرانية التي تعرضت لها المملكة منذ بداية الأزمة، مؤكداً أهمية اتخاذ موقف دولي حازم يحفظ الأمن والاستقرار في المنطقة.