منتجة «الحرة»: مهنة المتاعب بدأت بجولة حول العالم لمدة 10 أشهر

فران مايرز لـ «الشرق الأوسط» : أستعد لتقديم الموسم الثاني من «ست بـ100 راجل»

فران مايرز منتجة قناة «الحرة» الأميركية ويظهر خلفها نهر النيل (« الشرق الأوسط »)
فران مايرز منتجة قناة «الحرة» الأميركية ويظهر خلفها نهر النيل (« الشرق الأوسط »)
TT

منتجة «الحرة»: مهنة المتاعب بدأت بجولة حول العالم لمدة 10 أشهر

فران مايرز منتجة قناة «الحرة» الأميركية ويظهر خلفها نهر النيل (« الشرق الأوسط »)
فران مايرز منتجة قناة «الحرة» الأميركية ويظهر خلفها نهر النيل (« الشرق الأوسط »)

فران مايرز منتجة تلفزيونية عملت في هذا المجال منذ عام 1990 وأنتجت عشرات البرامج في مختلف المحطات باللغة الإنجليزية والإسبانية وحتى العربية. تخّرجت في جامعة سان فرانسيسكو وحصلت على شهادة عليا بالصحافة، وهي أم لثلاثة أولاد، قدمت مؤخرا برنامج «ست بـ100 راجل» على قناة «الحرة»، وتستعد لتقديم الموسم الثاني للبرنامج نفسه، من عدة عواصم، ونأمل في أن تقدم برنامجا عن المرأة العربية من السعودية إلى السودان. أبدعت في جميع أعمالها واستطاعت أن تحدث فارقًا على مستوى البرامج، إنْ من حيث الفكرة أو المضمون، من أبرز إنتاجاتها، برنامج «اليوم»، وهو نافذة حية لمشاهدي «الحرة» على كل ما هو جديد وفريد من موضوعات تهم المشاهد العربي، من بينها، الصحة، والترفيه، والرياضة، والتكنولوجيا، والبيئة، والمجتمع، والثقافة، إضافة إلى آخر الأخبار والمستجدات من الشرق الأوسط والولايات المتحدة والعالم. وجاء الحوار معها على النحو التالي:
* كيف بدأت رحلتك مع عالم الصحافة؟ وما نوع المصاعب التي واجهتك منذ بداية مسيرة العمل التلفزيوني؟
- عندما بلغت السابعة والعشرين، قررت أن أترك كل شيء وأسافر في جولة حول العالم. وهذا ما حصل، فجُلت العالم لمدة 10 أشهر، وزرت آسيا، وأوروبا، وشمال أفريقيا. كان الوقت مختلفا، لا هواتف جوالة ولا وسائل تواصل اجتماعي. رأيت العالم على حقيقته، من دون تجميل. رأيت الفقر الذي لم أؤمن بوجوده. رأيت العنصرية المتأصلة في كل المجتمعات وعلى المستويات كافة، وتعلمت كم أن البشر مرتبطون ببعضهم بعضا، بغض النظر عن أعراقهم، أو معتقداتهم، أو أصولهم، وأحدثت هذه التجربة تغييرا كبيرا في حياتي ونظرتي إلى العالم. وحصل التحول الآخر عندما نلت شهادة الماجستير في الصحافة، حيث تعلمت كيف أنقل هذه القصص المهمة للناس وأريهم حقيقة العالم من حولهم. تعلمت التمرس بقواعد هذه المهنة، وإتقان فن التمييز بين الحقيقة وسواها، واعتماد الحقيقة مصباحا ينير طريق مهنتي. في بداية طريقي المهنية، حدث تحول شكّل حياتي المهنية عندما اتصلت بي شبكة تلفزيون «تيليموندو» العالمية الناطقة باللغة الإسبانية، لأبتكر برنامجا يتضمن الأخبار والمعلومات والتسلية بلغة لا أتقنها. وهذا ما حدث، فصممت البرنامج وأنتجته، فلقي نجاحا منقطع النظير واستمر 11 عاما على الهواء. هذه التجربة علمتني أنه بإمكاني أن أنفذ ما يجول في عقلي وقلبي، وألا أسمح للجغرافيا واللغة أن تحدّا من طموحي. وبعد سنوات عدة، حدث الشيء ذاته مع قناة «الحرة»، وهذه المرة باللغة العربية، لغة لا أعرفها أيضا، والتحدي مشابه إلا أنه أكبر بكثير، فكان برنامج «اليوم» على «الحرة»، الذي يبث 3 ساعات يوميا على الهواء من خمسة بلدان في ثلاث قارات، وهذه هي السنة السابعة على نجاحه.
* كيف التحقت بقناة «الحرة الإخبارية»؟
- منذ تسعة أعوام، عرضت علي قناة «الحرة» أن أنتج برنامجا ضخما يقدم الأخبار والمعلومات، فكان برنامج «اليوم» الذي لقي نجاحا باهرا. وتوالت البرامج، كبرنامج «رايحين على فين»، و «نبض الشارع»، و «أنت ونبيلة»، والآن «ست بميت راجل». أثار العمل مع «الحرة» اهتمامي لأنها قناة حرة بالفعل بعيدة عن المحظورات، ويمكن لي أن أخبر القصة كما هي بموضوعية وتجرد.
* كم مشاهدا حول العالم يتابع قناة «الحرة»؟
- تصل قناة «الحرة» إلى قرابة 17.5 مليون مشاهد أسبوعيا.
* ما أهم إنجاز من وجهة نظرك حققتيه حتى الآن في المجال التلفزيوني؟
- أهم إنجاز في حياتي المهنية هو برنامج «اليوم». وضعت كما هائلا من الجهد لإنجاز إنتاج ضخم كهذا. أمضيت كثيرا من الوقت في الشرق الأوسط أبحث عن الفريق المناسب، أحضر لتصاميم الاستوديوهات وتنفيذها، واختيار التكنولوجيا الأنسب لتنفيذ هذا البرنامج اليومي الذي يبث من خمسة بلدان في ثلاث قارات. شعرت وكأنني «أتحدى الجاذبية» لأكمل الصورة، وكانت رحلة شيقة وممتعة معا. عندما انطلق البرنامج على الهواء، كانت لحظة رائعة، لا يماثلها شعور، زد على ذلك أنني امرأة أميركية تنتج برنامجا كهذا لمنطقة الشرق الأوسط باللغة العربية التي لا أعرفها.
* في برنامج «الحرة» «ست بـ100 راجل» ما وجهة نظرك في فكرة البرنامج؟
- رؤيتي لهذا البرنامج تتلخص في أن تخبر كل من النساء المشاركات قصتها كما هي، دون سيناريوهات معدة سابقا. بالفعل هذه شهادة على قوة كل واحدة منهن وولعها بالتقدم وتحقيق الذات وكيفية تخطي الصعاب والتحديات، مهما كانت، لبلوغ هدفها وتحقيق ذاتها.
* هل لبرنامجك الأخير (جديد «الحرة»).. «ست بـ100 راجل» علاقة بخبرتك في الحياة.. أو أنك أردت أن تقولي شيئا على لسان ضيوفك؟
- تجربتي شبيهة بتجارب هؤلاء النساء، فغالبية العاملين في الإنتاج التلفزيوني ومن يقفون خلف الكاميرا كانوا من الذكور، ورغم ذلك نجحت أنا بوصفي امرأة، وأرى أنه على كل امرأة في أي مكان أن تتخذ قرارا بشأن تحقيق أحلامها. طالما طغى الذكور على مجال الإعلام، وهذه حقيقة يجب التعايش معها. على المرأة أن تحسب الدقائق وألا تضيعها، وألا تكون ضحية الواقع، بل أن تصبح جزءا من التغيير الضروري، وهذا يجعل الرحلة أكثر إمتاعا، فالقوة تستمد من النجاح، ومع القوة يأتي التغيير. «ست بـ100 راجل»، هذه ليست مقولتي، بل هذا قول مصري قديم، لكنه صحيح جدا.
* من هو جمهورك في برنامج «ست بـ100 راجل»؟
- جمهور البرنامج العائلة كلها، رجال ونساء وأطفال، والرسالة بسيطة: يمكن للنساء تحقيق أي شيء. فقط يردن الفرصة لتحقيق ما يطمحن إليه.
* هل البرنامج ابتعد عن الصورة النمطية للمرأة التي نراها في شوارع المدن العربية؟
- يبتعد هذا البرنامج عن الصورة النمطية للمرأة لأن نساء البرنامج غير اعتياديات. بحثنا عن نساء حقيقيات يعملن على تغيير حياتهن من خلال تأسيس أعمال خاصة بهن. كان هدفنا أن نجد نساء يمكنهن أن يترجمن هذه الحقيقة على الشاشة.
* ماذا أراد أن يقدم البرنامج عبر هؤلاء النساء؟
- نساء البرنامج هن اللاتي يميزنه من غيره، وأهميته أيضا تتمثل في نقل القصص إلى الجمهور بكل أمانة وشفافية. نعلم، أنا والفريق الرائع للبرنامج في القاهرة، ما نريد، نريد الابتعاد عن السطحية والالتصاق بالواقع والحقيقة.
* هل وجدت صعوبة في تجربة الإنتاج بلغة مختلفة مثل اللغة العربية أو الإسبانية ؟
- هذا هو بالضبط ما يؤهلني أن أنتج برامج بلغات مختلفة ومنها العربية للشرق الأوسط، كما فعلت مع برامجي الموجهة إلى أميركا اللاتينية. أنا من أصول يونانية–أميركية، وأجدادي جاؤوا إلى الولايات المتحدة من تركيا. نشأت مع ثقافات متعددة، كالتركية، واليونانية، والأميركية. ثقافتي عالمية، ومنذ الصغر، تعلمت احترام كل الشعوب ومختلف الديانات. أعلم أن برامجي تلقى استحسانا إن كانت بالعربية، أو الإسبانية، أو الإنجليزية، أو أي لغة أخرى، بسبب احترامي لمختلف الثقافات، ولكوني آخذ الوقت الكافي لأتعلم وأفهم ماذا يحب جمهور معين قبل التوجه له. من الصعب إنتاج برامج لجمهور إلا إذا احترمته وفهمت ثقافته.
* ما المفاجآت المقبلة في برامجك أو الحلقات المقبلة من «ست بـ100 راجل»؟
- لكل حلقة مفاجآتها، والبرنامج يعتمد على نمط السلسلة فالأحداث تتابع، ويفضل مشاهدة البرنامج بالتسلسل الزمني.
* هل وجدت صعوبة في إنتاج مثل هذا النوع من البرامج؟
- نعم، كان الأمر صعبا للغاية. كان من الصعب إيجاد النساء المناسبات اللاتي هن رائدات أعمال حقيقيات، وهذا تطلب من فريق العمل كثيرا من الجهد لاختيار الأفضل.
* هل يمكن أن تقدمي لقراء جريدة العرب الدولية لمحة عن برامجك المقبلة؟
- أطمح في أن أتعمق أكثر في مجال تمكين المرأة، وأن أنتج برنامجا حول هذا الموضوع، يغطي الشرق الأوسط من السعودية إلى السودان، على أن يكون برنامجا عميقا وحقيقيا يعمل على تنوير فكر النساء اللاتي يشاهدنه.
* من تجربتك الشخصية، هل تعتقدين أن هناك اختلافات كبيرة في الاهتمامات بين المشاهدين في منطقة الشرق الأوسط، والمشاهدين الأميركيين، كونك شخصية إعلامية توجهت إلى هاتين الفئتين من المشاهدين؟
لم أنتج فقط برامج للمشاهدين الأميركيين، بل لكل المشاهدين في أميركا اللاتينية أيضًا، أتمتع بخلفية كبيرة عن البرامج في أميركا اللاتينية؛ لذلك خبرتي ليست مقتصرة على أميركا فقط، لأنني كنت منهمكة بشكل كبير في شؤون أميركا الوسطى وأميركا اللاتينية. لقد قدمت برامج لها علاقة مباشرة بأميركا الوسطى للشبكة العالمية لأميركا الوسطى، وكانت خبرتي على مدى 20 عاما في هذا الميدان، أي في ميدان البرامج الموجهة لأميركا اللاتينية بشكل خاص، وأنا أعتقد أن رعايا أميركا اللاتينية، رغم اختلافهم بالطبع، يشبهون العرب، رغم أن المشاهدين المصريين والتونسيين والإماراتيين أيضا يختلفون فيما يحبون مشاهدته. وهؤلاء أيضًا يختلفون عن المشاهد الأميركي. لكن فيما يتعلق بسؤالك حول حجم الاختلاف بين المشاهدين العرب والأميركيين، أستطيع القول إن هناك اختلافًا أساسيا في بعض المستويات، لكن فيما يتعلق بالاهتمامات الإنسانية الأساسية الخاصة بما يريد البشر أن يشاهدوه، فأعتقد أنها متشابهة.



«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
TT

«قمة الذكاء الاصطناعي» تواجه تعقيدات التنوّع اللغوي

ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)
ماكرون مع إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية (أ.ف.ب)

ما عاد ثمة ريب في أن الذكاء الاصطناعي أصبح إحدى أكثر التقنيات تأثيراً في تشكيل الاقتصاد العالمي. وعلى مدى العقد الماضي، هيمنت حفنة من شركات التكنولوجيا والحكومات، خاصة في الولايات المتحدة وأوروبا، على العديد من الإنجازات في مجال التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي التوليدي. ومن الأبحاث الرائدة إلى المناقشات التنظيمية المحورية، جرت صياغة أجندة الذكاء الاصطناعي العالمية داخل «وادي السيليكون»، وواشنطن، وبروكسل ولندن.

مع ذلك، أثناء انعقاد «قمة الذكاء الاصطناعي العالمية» التاريخية عام 2026 في نيودلهي، شرعت الهند في مسعى أكثر طموحاً وهو إعادة تموضعها، ليس فقط كمشارك في ثورة الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً كـ«مهندس رئيس» لمستقبلها.

صورة من «القمة» (أ.ف.ب)

منصة عالمية فريدة

لقد شارك في هذه «القمة»، التي استغرقت ستة أيام، نخبة من صنّاع السياسات والباحثين والمستثمرين والمديرين التنفيذيين من شركات التكنولوجيا الرائدة، بينهم ممثلون عن شركات عملاقة. وضمّت قائمة الرؤساء التنفيذيين في القمة أسماءً لامعة، على صعيد صناعة الذكاء الاصطناعي العالمية، مثل سوندار بيتشاي («غوغل» و«ألفابيت»)، وسام ألتمان («أوبن إيه آي»)، وداريو أمودي («أنثروبيك»)، وديميس هاسابيس («غوغل ديب مايند»)، إضافة إلى الملياردير موكيش أمباني، رئيس شركة «ريلاينس إندستريز»، الذي تتخذ مجموعته خطواتٍ حثيثة بمجال البنية التحتية للذكاء الاصطناعي.

وأيضاً وفّرت «القمة» منصة عالمية فريدة، باستضافتها نخبةً من قادة العالم، منهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، ورئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، والأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بجانب رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي.

وبينما أثنى ماكرون على الإطار الرقمي المتميز للهند، داعياً إلى إقرار نموذج للذكاء الاصطناعي السيادي لحماية المصالح الوطنية، حذّر غوتيريش من أن «مستقبل الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يُقرره عدد قليل من الدول، أو يُسيطر عليه عدد قليل من المليارديرات»، داعياً إلى نهج أكثر شمولاً وإنصافاً في تطور هذه التكنولوجيا.

تكنولوجيا أساسية

في أي حال، سلطت القمة الضوء على اتجاه عالمي أوسع نطاقاً. إذ لم يعد الذكاء الاصطناعي حكراً على عدد قليل من مراكز الأبحاث النخبوية، بل غدا تكنولوجيا أساسية تُؤثر على مختلف الصناعات في جميع أنحاء العالم. وبالفعل، سلطت «قمة» نيودلهي الضوء بشكل واضح على الإمكانات الاقتصادية والاجتماعية الفورية للذكاء الاصطناعي. وبالنسبة الهند والعديد من دول «الجنوب العالمي»، جرى التركيز على كيفية نشره على نطاق واسع لتسريع وتيرة جهود التنمية.

وهكذا خرجت رسالة «القمة» مؤكدة ألاّ يبقى الذكاء الاصطناعي تكنولوجيا حصرية تسيطر عليها قلة من الاقتصادات الغنية، بل وجوب تطويره إلى أداة متاحة للجميع، تستطيع معالجة التحدّيات العالمية كالرعاية الصحية، ورصد المناخ، والإنتاجية الزراعية.

في هذا الصدد، وصف سوندار بيتشاي، الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل»، الذكاء الاصطناعي بأنه «نقلة نوعية في المنصات»، وحث على السعي إليه «بجرأة» و«بمسؤولية» لتجنب اتساع «الفجوة بمجال الذكاء الاصطناعي». وشدد على الإمكانات الهائلة للذكاء الاصطناعي، مُعلناً أنه أكثر أهمية من اكتشاف النار أو الكهرباء.

غوتيريش يلقي كلمته (UNIC)

استثمارات تكنولوجية ضخمة

من ناحية ثانية، شهدت «القمة» كذلك مواقف مهمة بشأن الاستثمارات في منظومة الذكاء الاصطناعي المزدهرة في الهند. إذ كشف ألتمان، عن أن الهند من أهم أسواق «أوبن إيه آي»، وأنها تضم أكثر من 100 مليون مستخدم نشط أسبوعياً لخدمة «تشات جي بي تي»؛ لتحتل بذلك المرتبة الثانية عالمياً بعد الولايات المتحدة. أما «غوغل» فأعلنت مجموعة من الالتزامات، بينها مسارات جديدة للألياف الضوئية، ضمن مبادرة «أميركا ـ الهند كونكت» لتعزيز الاتصال الرقمي بين البلدين ومواقع أخرى في نصف الكرة الجنوبي. وعلاوة على ذلك، أعلنت Google.org عن مبادرة منفصلة بعنوان «تحدي الذكاء الاصطناعي من أجل الابتكار الحكومي»، كدعوة عالمية للمنظمات التي تُطوّر حلولاً مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على إحداث نقلة نوعية في الخدمات العامة.

من جهتها، أعلنت مجموعة «أداني»، من القطاع الخاص، عن تخصيص استثنائي بقيمة 100 مليار دولار أميركي، لبناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي في الهند، باستخدام الطاقة المتجددة بحلول عام 2035. وأوضحت المجموعة أن هذا الاستثمار سيحفز استثمارات إضافية بقيمة 150 مليار دولار في قطاعات مجاورة، تتضمن تصنيع الخوادم، ومنصات الحوسبة السحابية السيادية، والبنية التحتية الكهربائية المتقدمة. كما خصصت الهند 1.1 مليار دولار أميركي لصندوق رأسمال استثماري مدعوم من الدولة، مخصص للشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم.

وبالتوازي، برزت مبادرة شركة «كوالكوم»، التي كشفت عن برنامج استثماري بقيمة 150 مليون دولار، مصمّم خصيصاً لدعم الشركات الناشئة في مجال الذكاء الاصطناعي، يركز على البرمجيات المتقدمة وتكنولوجيا أشباه الموصلات. ومن المقرر أن يتعاون هذا البرنامج مع شركتي «تاتا للإلكترونيات» و«سارفام للأبحاث» الناشئة.

وبشكل عام، تجاوزت التزامات الاستثمار المرتبطة بـ«القمة» 250 مليار دولار أميركي، لتشمل مزيجاً متنوعاً من مبادرات القطاع الخاص والحكومة. ويؤكد محللون على أهمية هذه الاستثمارات، بفضل تزايد اعتماد أنظمة الذكاء الاصطناعي على القدرات الحاسوبية؛ ما يستلزم بنية تحتية ضخمة للبيانات.

الأثر الملموس للذكاء الاصطناعي

أيضاً، كان من أبرز المواضيع التي برزت في «القمة» التوسع في نطاق التطبيقات العملية للذكاء الاصطناعي. عرضت الشركات الناشئة والمؤسسات البحثية بفخر تكنولوجيات رائدة تهدف إلى إحداث ثورة في تشخيص الرعاية الصحية، وتعزيز الإنتاجية الزراعية، وتحسين فرص الحصول على التعليم. ومن بين العروض التوضيحية البارزة، أداة تشخيصية تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على تحديد اعتلال العين السكري من خلال تحليل متطور للصور؛ ما يتيح إمكانية الكشف المبكّر في العيادات التي تتسم بمستوى محدود من الرعاية المتخصصة.

وقدمت شركات أخرى أدوات ذكاء اصطناعي مبتكرة مصمّمة لتحليل حالة المحاصيل باستخدام صور الأقمار الاصطناعية؛ الأمر الذي يمدّ المزارعين بمعلومات قيّمة لتحسين المحاصيل وتقليل الأثر البيئي. وتُظهر هذه التطبيقات بوضوح كيف يتجاوز الذكاء الاصطناعي البحث التجريبي، ويتغلغل في قطاعات ذات آثار اجتماعية واقتصادية مباشرة وعميقة.

سباق البنية التحتية

في سياق متصل، تمحوَرت إحدى الركائز الأساسية للمناقشات على الطلب المتزايد بسرعة على البنية التحتية الحاسوبية اللازمة لبناء أنظمة الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويتطلب تدريب نماذج اللغة الضخمة المعاصرة كميات هائلة من القدرة الحاسوبية وأجهزة متخصصة. وعليه، غدت شركات مثل «إنفيديا» ركيزة أساسية في منظومة الذكاء الاصطناعي العالمية، مع اعتماد وحدات معالجة الرسوم الخاصة بها الكثير من نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تطوراً في العالم. ومن المقرر أن تدمج هذه المبادرة آلاف وحدات معالجة الرسوم العالية الأداء، والمخصصة تحديداً لدعم الجامعات ومختبرات الأبحاث والشركات الناشئة الواعدة.

سد الفجوات اللغوية

التحدّي المعقّد المتمثل في التنوّع اللغوي ناقشته «القمة» بعناية. وتاريخياً، جرى تدريب معظم نماذج الذكاء الاصطناعي اللغوية الرائدة، بشكل أساسي، على بيانات اللغة الإنجليزية. ولكن، يتواصل مليارات الأشخاص حول العالم بلغات أخرى. وبالتالي، قدّم المطوّرون أنظمة ذكاء اصطناعي جديدة مصممة بدقة لمواجهة هذا التحدي. وهنا يبرز BharatGen Param2، كنموذج لغوي ضخم مصمم خصيصاً لدعم جميع اللغات الهندية الـ22 المعترف بها دستورياً. كذلك، عرضت شركة «سارفام إبه آي» نموذجاً متعدد اللغات ضخماً مبنياً على بنية «مزيج من الخبراء»؛ بهدف تحسين الكفاءة وقابلية التوسع بشكل كبير.

التحديات

أخيراً، لا تزال التحديات قائمة، وبخاصة الحاجة إلى تعزيز صناعة أشباه الموصلات، ودعم مؤسسات البحث المتقدمة، وتعميق التعاون الدولي. ولكن مع هذا، أشارت المناقشات والالتزامات المقنعة، التي شهدتها «القمة» بقوة إلى أن مشهد الذكاء الاصطناعي العالمي يشهد بالفعل تطوراً كبيراً. وفي حين يمكن أن يكون الذكاء الاصطناعي قد بدأ عصره الحديث في عدد محدود من مختبرات التكنولوجيا، فإن الخبراء يؤكدون أن مستقبله سيتشكل من خلال نظام بيئي عالمي مترابط أوسع نطاقاً.


منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
TT

منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار

ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)
ازداد التفاعل مع حفل الأوسكار على منصات التواصل (رويترز)

عزّز التفاعل مع حفل توزيع جوائز الأوسكار على منصّات التواصل الاجتماعي المنافسة مع التلفزيون. فوفق بيانات لشركة «نيلسن» المتخصّصة في قياسات وأبحاث سوق الإعلام، نشرتها شبكة «إيه بي سي» الأميركية أخيراً، اجتذب البث التلفزيوني لحفل الأوسكار هذا العام 17.9 مليون مشاهد في الولايات المتحدة، بانخفاض بنسبة 9 في المائة عن العام الماضي، وهذه أدنى نسبة مشاهدة منذ عام 2022.

وتبعاً للشبكة نفسها، وتزامناً مع تراجع مشاهدة البث التلفزيوني للحفل السنوي السينمائي الكبير، ازداد التفاعل مع الحفل على منصات التواصل الاجتماعي بنسبة 42 في المائة هذا العام بالمقارنة مع عام 2025 ليصل إلى ‌أكثر من 184 مليون مشاركة.

خبراء التقدم بـ«الشرق الأوسط» رأوا أن «منصّات التواصل تفرض الآن واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار»، وذكروا أن المنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظة بلحظة. والبيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الآن الطروحات التي ترى أن العالم دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي.

الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي بليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، قالت لـ«الشرق الأوسط» معلّقةً إن ما يحدث «جزء من التحوّل في أنماط استهلاك المحتوى حول العالم، في ظل الاعتماد على الهواتف الجوالة ومنصات التواصل الاجتماعي».

وأردفت أن «البيانات الخاصة بحفل الأوسكار تعزّز الطروحات التي تقول إن العالم قد دخل رسمياً عصر ما بعد التلفزيون التقليدي... وحتى الرياضة التي كانت الحصن الأخير للتلفزيون التقليدي شهدت انتقالاً لحقوق البث نحو المنصات الرقمية». ولفتت في هذا الصدد إلى صفقة «نتفليكس» مع «WWE بقيمة 5 مليارات دولار، واستحواذ شركة «Prime Video» على حق تغطية مباريات دوري الكرة الأميركية (NFL)، مضيفةً أن «هذه مؤشرات لا يمكن تجاهلها وستسهم في سحب جزء كبير من جمهور التلفزيون نحو منصات المشاهدة الرقمية».

إلا أن أستاذة الإعلام في جامعة بنغازي ترى أن «التلفزيون يستطيع مع هذا تبني بعض الاستراتيجيات التي تضمن بقاءه ضمن هذه البيئة التنافسية»، وأن من بين هذه الاستراتيجيات «استراتيجية محرك الاكتشاف» عبر تصميم المحتوى القصير ليعمل «محرك اكتشاف» يحوّل المشاهدين الرقميين إلى جمهور مخلص للتلفزيون. ثم هناك استراتيجية ثانية تعتمد على «تفعيل نموذج التلفزيون الاجتماعي»، موضحةً أن هذه الأخيرة «تعتمد على تبني نموذج التسويق عبر البث المباشر من خلال دمج التفاعلية في الوقت الفعلي».

وأوضحت د. مي عبد الغني أن «التلفزيون يظل المصدر الأكثر ثقة للأخبار في الأوقات العصيبة مقارنةً بمنصات التواصل المزدحمة... ولكنّ تعزيز هذه المكانة يتطلب الالتزام الصارم بالتدقيق المهني وتطوير مهارات الكوادر البشرية للتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي».

وبالمناسبة، في ضوء التنافس بين المنصات والتلفزيون، من المقرر أن ينتقل بث حفل الأوسكار عام 2029 من شبكة «إيه بي سي» إلى موقع «يوتيوب» التابع لشركة «غوغل».

من جهة أخرى، أوضح محمد فتحي، الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن «منصات التواصل تفرض واقعاً جديداً بشأن مشاهدات حفل الأوسكار». وأشار إلى أن «قواعد اللعبة التنافسية بين التلفزيون والمنصات الرقمية تغيّرت، فتحولت من صراع بقاء إلى تكامل استراتيجي». ثم تابع أن «المعلنين ما عادوا الآن يكتفون بالإعلان التلفزيوني، إذ تثبت البيانات أن العلامات التجارية التي تدمج حملاتُها بين التلفزيون والمنصات تحقق عائداً أعلى بنسبة تصل إلى 800 في المائة». وأضاف أن «المنافسة ليست على جذب المشاهد لترك التلفزيون، بل على الاستحواذ على انتباهه في أثناء المشاهدة؛ فالمنصات الرقمية تتنافس لتكون المكان الذي يناقش فيه المشاهدون الأحداث لحظةً بلحظة».

ولفت فتحي إلى أن «التلفزيون فقد القدرة على الاحتكار، ولم يعد البوابة الوحيدة للأحداث، بل أصبح جزءاً من منظومة كبرى... نتيجة تغيير سلوك المشاهدة. فالمشاهد اليوم لا يشاهد 3 ساعات متواصلة، ويفضل اللحظات المفضلة والمقاطع القصيرة والقصص».

واستطرد أن «تراجع التلفزيون سيكون مفزعاً... نعم... إذا استمر التلفزيون بنفس الشكل القديم». لكنه استدرك ليشير إلى قدرته على الاستمرار بسبب بثّه الأحداث الرياضية والحفلات، وقدرته على الوصول إلى شريحة جمهور غير قادرة على امتلاك شاشات ذكية أو الوصول إلى الإنترنت، وهي شريحة تتقلص بمرور الوقت».

واختتم بالقول إن «المنافسة بين التلفزيون والمنصات الرقمية لم تعُد تهدف لإقصاء الآخر، بل أدّت إلى خلق نظام تكاملي، فالتلفزيون يتراجع بوصفه وسيلة وحيدة للبث، فيما تعمل المنصّات الرقمية مسوّقاً للأحداث وداعماً أكبر للانتشار».


حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
TT

حرب إيران تزيد مخاوف «التضليل المعلوماتي»

مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)
مشهد من العاصمة اللبنانية بيروت لآثار "حرب إيران" (آ ب)

بينما تتواصل المعارك العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، اندلعت حرب أخرى على منصّات التواصل الاجتماعي، إذ جرى تداول صور ومقاطع فيديو لآثار المعارك ثبت أنَّها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، ما أثار مخاوف متصاعدة بشأن معركة «تضليل معلوماتي» بموازاة الحرب الدائرة.

ولقد علّق خبراء بالقول إنَّ الذكاء الاصطناعي بات أداةً مركزيةً في «حروب المعلومات»، لا سيما مع قدرته على إنتاج محتوى مضلّل بسرعة وبتكلفة منخفضة. وطالبوا بوضع قواعد لحوكمة التكنولوجيا؛ لمواجهة التأثير المتصاعد لـ«التضليل المعلوماتي».

جدير بالذكر، أنَّ مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي تداولوا أخيراً قائمةً تضمَّنت مدناً وأهدافاً أميركية عدة، زعموا إنَّ إيران تعتزم استهدافها. إلا أنَّ بحثاً أجراه «معهد بوينتر» الأميركي المتخصِّص في الدراسات الإعلامية، أكّد أن «القائمة المتداولة غير صحيحة. وأنها اعتمدت على أخبار قديمة تضمَّنت تنبؤات بطبيعة الأهداف المحتملة في الحرب».

روبوت يعمل بتقنية الذكاء الاصطناعي (آ ف ب)

كذلك، إبان معارك «حرب إيران» نشرت صحيفة «طهران تايمز» الإيرانية صورةً تظهر مقارنةً بين معدّات رادار أميركية في قاعدة قيل إنها على أرض قطر قبل «تدميرها بالكامل». وبعد ذلك نشرت «وكالة الصحافة الفرنسية» أن باحثين اكتشفوا أنَّ الصورة مأخوذة من «غوغل إيرث» وتعود إلى العام الماضي، وهي تظهر قاعدةً أميركيةً في البحرين جرى التلاعب بها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وعليه، حذَّر الخبراء من تداعيات انتشار «التضليل المعلوماتي» في الحروب، لا سيما مع ازدياد واقعية المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي.

دور الذكاء الاصطناعي

الدكتور حسن عبد الله، نائب رئيس جامعة شرق لندن بالعاصمة البريطانية، قال لـ«الشرق الأوسط» خلال لقاء معه: «إن زمن الحروب والأزمات يشهد تصاعداً ملحوظاً في ظاهرة التضليل المعلوماتي، حيث تتحوَّل المعلومات إلى سلاح موازٍ للأسلحة العسكرية». وأردف: «وفي سياق التوترات والحروب المرتبطة بإيران، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مزدوجة الاستخدام؛ إذ يمكن أن يسهم في تسريع الوصول إلى المعلومات وتحليلها، لكنه في المقابل، يتيح أيضاً إنتاج ونشر محتوى مضلل بسرعة غير مسبوقة».

وأوضح عبدالله: «الذكاء الاصطناعي يساعد على إنتاج نصوص وصور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للغاية، وهذا ما يُعرف بالتزييف العميق»، مشيراً في هذا الصدد إلى «أزمات دولية سابقة شهدت تداول مقاطع مفبركة لعمليات عسكرية أو تصريحات منسوبة لقادة سياسيين لم تحدث في الواقع. والحال، أن التضليل المعلوماتي في عصر الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الكذب، بل على إنتاج روايات مقنعة يصعب التحقُّق منها بسرعة».

وطرح عبد الله أسباباً عدة لانتشار حملات التضليل إبان الحروب، من أبرزها: «التأثير في الرأي العام، وإضعاف ثقة المجتمعات بالمؤسسات الرسمية، وإرباك الخصوم عبر نشر معلومات متناقضة». وتابع أن «الحروب الحديثة أظهرت كيفية انتشار الشائعات بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً عندما تكون المعلومات الرسمية محدودة أو متأخرة».

ثم استطرد: «في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة عسكرية فقط؛ بل أصبحت أيضاً معركة على المعلومات والروايات... في ظلِّ التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، برز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً مؤثرةً في تشكيل السرديات الإعلامية، ونشر محتوى مضلل على نطاق واسع».

ولفت إلى «انتشار صور ومقاطع فيديو ادعت تدمير قواعد عسكرية أو سقوط طائرات حربية، تَبيَّن لاحقاً أنَّ بعضها مُولَّد بالذكاء الاصطناعي، أو مواد قديمة جرى تعديلها رقمياً وإعادة نشرها في سياق جديد»، وتطرّق إلى «حالات أخرى جرى فيها تداول مقاطع قيل إنها توثِّق ضربات صاروخية أو معارك في المدن، لكنها في الحقيقة كانت مقتطفات من ألعاب فيديو عسكرية مثل لعبة (أرما - Arma)، التي استُخدمت مراراً في التضليل الإعلامي بسبب واقعية رسومها».

وواصل الدكتور حسن عبد الله شرحه، موضحاً أنه «في مواجهة هذه التحديات، بدأت الحكومات بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي، مثل (قانون الخدمات الرقمية/ DSA)، وقواعد الشفافية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي... ثم إن هذه التطورات تكشف عن أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتحوَّل إلى سلاح إعلامي بقدر ما هو أداة تكنولوجية». واختتم بالتشديد على أن «حماية الحقيقة في زمن الحروب لم تعد مسؤولية الصحافيين وحدهم، بل باتت تتطلب أيضاً تعاون الحكومات والمنصّات الرقمية والمؤسسات الإعلامية لضمان أن تبقى المعلومات الموثوقة أقوى من التضليل».

شعار "معهد بروكينغز" (لينكد إن)

أوقات الحروب والنزاعات

وكما سبقت الإشارة، يزداد انتشار الصور المُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي و«الشائعات المضللة» في أوقات الحروب والنزاعات. وحقاً، تكرَّر المشهد ذاته خلال الحرب الروسية - الأوكرانية، وخلال احتجاجات لوس أنجليس في الولايات المتحدة العام الماضي، ما يثير مخاوف بشأن تأثير هذا النوع مع المحتوى على الجمهور وصُناع القرار، لا سيما مع اعتماد كثيرين على منصات التواصل الاجتماعي للحصول على معلومات بشأن الحروب والنزاعات. وخلال حوار مع «الشرق الأوسط»، قالت الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل: «في أوقات الحروب تصبح الساحة مفتوحةً لنشر التضليل المعلوماتي، وفي عصر الذكاء الاصطناعي، الذي يقود هذه الحرب، بات الإعلام ونشر المعلومات جزءاً من أسلحة أطراف النزاع».

ولفتت حمود إلى انتشار مقاطع فيديو لاحتراق مبانٍ أو تدمير قواعد عسكرية تُبيَّن أنها مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي. وحذَّرت من «سرعة انتشار هذا النوع من المحتوى عبر منصات التواصل الاجتماعي؛ لأنَّ تأثير المعلومات المضللة، خصوصاً، في زمن الحروب، يكون كبيراً جداً حتى لو اكتُشف زيفها فيما بعد، وهذا يشير إلى خطورة التضليل المعلوماتي وقت الحرب».

وتابعت حمود مؤكدة على «أهمية المضي في اتخاذ خطوات لكبح جماح التكنولوجيا، ووضع قواعد صارمة لحوكمتها... مع ملاحظة أن الكلام المتكرِّر عن حوكمة الذكاء الاصطناعي لا يبدو فاعلاً على الأرض حتى الآن».

وبالفعل، تتكرَّر بين الحين والآخر المطالبات بـ«حوكمة» الذكاء الاصطناعي، ولكن، على الرغم من محاولات دول عدة وضع قواعد لمنصات التواصل الاجتماعي، فإنَّ الخبراء ما زالوا يحذِّرون من تفاقم تأثير المعلومات المنتشرة عبر تلك المنصات، لا سيما «المحتوى العنيف والمضلل».

في مواجهة التحديات المستجدّة بدأت الحكومات الغربية بوضع قواعد لتنظيم المحتوى الرقمي

تقرير «معهد بروكينغز»

هذا، وكان قد ورد في تقرير نشره «معهد بروكينغز» الأميركي عام 2023 أنه «على الرغم من أن نشر مقاطع فيديو عن القتل والعنف عبر الإنترنت ليس جديداً، فإنه في كثير من الأحيان يخدم أغراضاً متضاربة، ما بين إعلام الجمهور أو دفعه للتطرف».

وحول هذا، رأى يوشنا إكو، الباحث الإعلامي الأميركي، ورئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك، في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الصراعات والحروب تزيد الشغف والرغبة في الحصول على المعلومات، ويُشكِّل فرض قيود على انتشار المعلومات بيئةً خصبةً للتضليل المعلوماتي، وأن الذكاء الاصطناعي ساعد على انتشار التضليل المعلوماتي لما يوفره من إمكانات في إنتاج صور ومقاطع فيديو تبدو واقعيةً للوهلة الأولى». وحذَّر إكو، بالتالي، من «تأثير المحتوى المضلل على الجمهور الذي قد يجد صعوبةً في تمييز المحتوى الدقيق من المضلل». وشدَّد على ضرورة «رفع وعي المستخدمين بوصفه وسيلةً أساسيةً لمكافحة التضليل المعلوماتي مع زيادة فاعلية الإعلام في نقل المعلومات والتحقّق منها».