رصد مسيرة 4 إرهابيين من «داعش» إلى أوروبا

تظاهروا بأنهم سوريون أنهكتهم الحرب ضمن قوافل المهاجرين بجوازات سفر مزورة

الإرهابيون الأربعة وصلوا بجوازات سفر سورية مزورة تحت غطاء المهاجرين إلى أوروبا (واشنطن بوست)
الإرهابيون الأربعة وصلوا بجوازات سفر سورية مزورة تحت غطاء المهاجرين إلى أوروبا (واشنطن بوست)
TT

رصد مسيرة 4 إرهابيين من «داعش» إلى أوروبا

الإرهابيون الأربعة وصلوا بجوازات سفر سورية مزورة تحت غطاء المهاجرين إلى أوروبا (واشنطن بوست)
الإرهابيون الأربعة وصلوا بجوازات سفر سورية مزورة تحت غطاء المهاجرين إلى أوروبا (واشنطن بوست)

صباح أحد أيام أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وصل 198 مهاجرًا إلى جزيرة ليروس، وبدوا جميعًا متلهفين على الوصول إلى ملاذ داخل أوروبا، لكن في صفوفهم اختبأ أربعة رجال كانوا يحملون أجندة مختلفة تمامًا.
تظاهر الأربعة بأنهم سوريون أنهكتهم الحرب، وحملوا جميعًا جوازات سفر مزورة تحمل هويات زائفة، وكانوا جميعًا في طريقهم لتنفيذ مهمة دموية لحساب تنظيم «داعش».
وتمكن اثنان من الأربعة من التظاهر بأنهم مهاجرون طوال الطريق حتى بلغوا باريس، حيث فجرا نفسيهما في الساعة 9 و20 دقيقة من 13 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بالقرب من مجمع استاد فرنسا، لينجزا بذلك المهمة الموكلة إليهما في إطار أسوأ هجمات تتعرض لها الأراضي الفرنسي منذ الحرب العالمية الثانية.
أما الاثنان الآخران فلم يتمكنا من التمادي حتى هذه النقطة. ورغم أن هؤلاء الأربعة جرى توقيفهم في اليونان بسبب كذبهم بخصوص هويتهم، فإن هذا لم يتجاوز بضعة أسابيع، قبل أن يسمح لهم باستئناف رحلتهم إلى أعماق أوروبا. وتكشف قصة هؤلاء الأربعة عن تفاصيل لم تعلن من قبل، ترسم لنا صورة لقارة وجدت نفسها فجأة أمام أخطر تهديد أمني منذ نهاية الحرب الباردة. وقد تم التمكن من التعرف على قصصهم من خلال عقد لقاءات مع مسؤولين استخباراتيين والاطلاع على وثائق تحقيقات فرنسية، بجانب عقد مقابلة مع قائد لدى «داعش».
من جانبهم، أعرب مسؤولون أمنيون أوروبيون عن اعتقادهم بأن «داعش» زرع خلايا إرهابية داخل القارة على مدار العام الماضي، ويعود أحد الأسباب وراء نجاحه في ذلك إلى إخفاق الاتحاد الأوروبي في إدراك حقيقة أبعاد أزمة المهاجرين التي فتحت نفقًا إلى داخل القارة أمام التنظيم الإرهابي المسلح.
والآن، تعمل أوروبا مع تركيا على غلق أبوابها وإنهاء موجات الهجرة التي اجتاحتها العام الماضي، لكن تبقى الحقيقة أن أكثر من مليون مهاجر - رقم قياسي - دخل القارة بالفعل. وتتخوف وكالات الاستخبارات الأوروبية من أن مئات الآلاف منهم نجح في ذلك من دون المرور عبر إجراءات فحص مناسبة عند نقطة الدخول: اليونان.
ومع أن الغالبية العظمى من المهاجرين كانت تفر من أتون الحرب والفقر بالفعل، فإنه على مدار الأشهر الست الماضية ألقي القبض على أكثر من ثلاثين مسلحا مشتبها بهم أو قتلوا، كانوا تخفوا في صورة لاجئين أثناء تخطيطهم أو تنفيذهم أعمالا إرهابية؛ من بينهم سبعة على الأقل مرتبطون بصورة مباشرة بالهجمات الدموية التي تعرضت لها باريس وبروكسل.
من جانبه، يتفاخر «داعش» بأنه لا يزال لديه أكثر من ذلك بكثير في انتظار الفرصة المناسبة.
وقد كشفت اعترافات رجلين دخلا القارة عن طريق ليروس بهدف تفجير نفسيهما في فرنسا، لكن عجزا عن تحقيق هدفهما، نقاط الضعف داخل منظومة عشوائية خلقت مخاطر مجهولة الأبعاد حتى الآن.
مطلع سبتمبر (أيلول) الماضي، قبيل وصولهم إلى ليروس، وجهت الدعوة إلى الرجال الأربعة لحضور اجتماع سري في مدينة سورية كبرى يسيطر عليها «داعش». وقد جرى الاحتفاء باثنين منهما لاحقًا - وهما اللذان فجرا نفسيهما خارج استاد فرنسا - خلال مقطع فيديو صادر عن «داعش»، بوصفهما مسلحين من العراق لم يكشف اسماهما. أما الاثنان الآخران فهما محمد عثمان، باكستاني يقول إنه يبلغ 23 عامًا، وعادل حدادي، جزئراي يبلغ 28 عامًا.
كان عثمان وحدادي قد انضما إلى «داعش» عام 2014، حسبما اعترفا أمام محققين أوروبيين. داخل سوريا، خاضا تدريبًا مكثفًا على استخدام الأسلحة الأوتوماتيكية، لكن لم يكن العنف غريبًا عن أي منهما.
بالنسبة لحدادي، كان من قبل على قوائم المراقبة للاستخبارات الجزائرية بسبب نشاطاته، بينما كان يشتبه في ارتباط عثمان بجماعة «عسكر طيبة» الباكستانية الإرهابية المتورطة في حصار مومباي عام 2008.
وقد شكل هذا الاجتماع السري نقطة تحول في مسار حياتيهما، حيث أخبرهما مسؤول رفيع بالتنظيم أنه حان الوقت كي يغادرا أرض «الخلافة»، مضيفًا أنه: «جرى تكليفكما بمهمة الذهاب لفرنسا وأن تصبحوا شهداء». وخلال مقابلات مع محققين أوروبيين ذكر الرجلان بفخر كيف وقع الاختيار عليهما لمثل هذه المهمة.
من أجل الوصول إلى ليروس، انتقل الرجال الأربعة إلى تركيا ومنها باتجاه الساحل. ومن هناك، استقلوا قاربا لأحد المهربين مكدسا باللاجئين.
يذكر أن الغالبية العظمى من طالبي اللجوء السياسي القادمين من تركيا يصلون إلى جزر يونانية يقع بعضها على مسافة نصف ساعة بالقارب. وقد بلغت أعداد الوافدين - تقدر بعدة آلاف يوميًا - درجة من الضخامة جعلت اليونان، التي ترزح بالفعل تحت وطأة التداعي الاقتصادي بسبب الركود وإجراءات تقليص الموازنة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي، عاجزة عن التعامل مع السيل المنهمر عليها.
ورغم أن «فرونتكس»، الوكالة المعنية بحدود الاتحاد الأوروبي، شاركت في بعض إجراءات التفحص الأولية، فإن العبء الأكبر وقع على عاتق حرس السواحل اليونانيين وقوات الشرطة المحلية بالجزر، الذين واجهوا مهمة تفوق قدراتهم.
ولم يكن بحوزة كثير من الوافدين – خصوصا السوريين الفارين من الحرب - جوازات سفر أو وثائق سفر رسمية. ومع ذلك، تقدر وكالات الاستخبارات والأمن الأوروبية أنه حتى وقوع هجمات باريس في نوفمبر الماضي، خضع 20 في المائة فقط من الوافدين إلى القارة للتفحص الدقيق.
وخلال مقابلة معها، قالت زاتشارولا تسيريغوتي، ليفتنانت جنرال لدى الشرطة اليونانية، إن العبء فاق قدرات قوات الشرطة، مضيفة أن اليونان ناشدت الاتحاد الأوروبي إمدادها بمزيد من العون، لكن هذا لم يتحقق إلا بعد وقوع هجمات باريس.
صباح 3 أكتوبر الماضي، حاول الإرهابيون الثلاثة الاختلاط بالمهاجرين الذين وصلوا للشاطئ ذلك اليوم. وكانوا بين 47 طالبا للجوء على الأقل قالوا إنهم سوريون فارون من الحرب، لكن كانت هناك كذلك جنسيات أخرى، بينهم صوماليون ويمنيون وأفغان وفلسطينيون.
وعندما حان دورهم، قدم المسلحان العراقيان للسلطات جوازات سفر سورية مزورة. وتوحي بقايا هذه الأوراق التي عثر عليها قرب جثتيهما عند استاد فرنسا أنها تنتمي لمجموعة تزيد على 3.800 جواز سفر - جميعها أصلية - استولى عليها «داعش» بعد تقدمه داخل سوريا عام 2013.
ولم يخضع ادعاء الرجلين بأنهما سوريان يطلبان اللجوء السياسي لتحقيق جاد من جانب «فرونتكس» أو السلطات اليونانية. وبجانب عشرات اللاجئين الذين رسوا على السواحل اليونانية ذلك اليوم، لم يتم احتجازهم، وإنما أخبروا بضرورة رحيلهم عن اليونان في غضون ستة أشهر.
وتكشف وثائق سرية أن العراقيين اللذين زعما أنهما سوريان - ولم تكشف هويتهما الحقيقية بعد - انتقلا بسرعة برًا إلى صربيا، حيث جرى تسجيلهم داخل معسكر للاجئين في بريزيفو في 7 أكتوبر. وبحلول نوفمبر، كانا قد التقيا بالمتورطين الآخرين في هجمات باريس.
بحلول 13 نوفمبر، أصبح المهاجمان الوحيدين المولودين خارج أوروبا المتورطين في هجمات باريس التي نفذها 9 أشخاص وأسفرت عن مقتل 130 شخصًا بأماكن مختلفة بالعاصمة الفرنسية. إلا أنه في ذلك اليوم كان التسعة ربما سيصبحون 11 مهاجمًا ليسقط مزيد من الضحايا، لولا طرح السلطات بضعة أسئلة إضافية في ليروس.
مثل العراقيين، قدم عثمان وحداد بوثائق سورية مزورة يعتقد مسؤولون استخباراتيون أوروبيون حاليًا أنها جاءت من المخزون ذاته الذي يملكه «داعش». إلا أنه لدى استجوابهما من جانب «فرونتكس»، فإنهما على خلاف العراقيين، انهارا.
كان عثمان، باكستاني، لا يتحدث العربية جيدًا - الأمر الذي سرعان ما كشف كذب ادعائه بأنه سوري، بينما لم تكن لدى حداد أي معلومات تقريبًا عن المدينة التي ادعى أنها محل ميلاده: حلب السورية.
تبعًا لإرشادات الاتحاد الأوروبي، كان أقصى ما يمكن لمسؤولي الوكالة الأوروبية عمله هو تسليمهما إلى اليونانيين، وهو ما حدث بالفعل. وسرعان ما ضمتهم السلطات اليونانية إلى حشد متنام بسرعة من المهاجرين الاقتصاديين الذين استغلوا وثائق مزيفة للحصول على اللجوء. وجرى نقل الرجلين إلى جزيرة كوس اليونانية، حيث تعرضا لعقوبة مخففة، الأمر الذي أصبح عادة داخل اليونان، تتمثل في 3 أشهر من السجن مع إيقاف التنفيذ، بجانب أمر بضرورة رحيلهما عن البلاد في غضون شهر. ولم تبد السلطات اليونانية اهتماما بالوجهة التي سيقصدانها لاحقًا.
وبعد نيلهما حريتهما في 28 أكتوبر، بعث حدادي برسالة نصية إلى مسؤول «داعش» الذي يتولى توجيههما عبر تطبيق «واتساب» تقول: «نريد مالاً». وسرعان ما جاء المال عبر الأسلوب ذاته المستخدم غالبًا من جانب المهاجرين، حوالة من تركيا إلى اليونان. ومع امتلاكهما كثيرا من المال الآن، مضى الرجلان في رحلتهما. وكانا على بعد 25 يومًا فقط من رفاقهم من «داعش» الذين وصلوا إلى باريس.
ورغم علمهما بأن الأهداف المخطط ضربها في باريس، فإن الرجلين قالا إنهما لم يكونا على علم بمواقع الأهداف تحديدًا. كما أنهما لم يكونا على علم بهوية باقي منفذي الهجمات فيما عدا العراقيين اللذين سافرا معهما. إلا أن تأخرهما في اليونان أثر بالسلب على خطة مشاركتهما في الهجوم، الأمر الذي ربما أسهم في إنقاذ أرواح. وفور وقوع هجمات باريس، سارعت السلطات الأوروبية لإطلاق تحقيق ضخم، وبدأت في مراجعة خطوات منفذي الهجمات. وبعد العثور على جواز سفر سوري قرب استاد فرنسا، توصل المحققون إلى أن اثنين من المهاجمين وصلا إلى اليونان على أنهما لاجئان سوريان في 3 أكتوبر، ومع مراجعة البيانات بدأ البحث عن اثنين آخرين وصلا في اليوم ذاته على أنهما لاجئان سوريان أيضًا بوثائق مزورة.
وفي 10 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، تلقت الشرطة النمساوية صورهما وأسمائهما السورية المزيفة من الاستخبارات الفرنسية. وفي غضون أربع ساعات، ألقي القبض عليهما داخل معسكر لاجئين بالنمسا. ويجري حاليًا احتجاز الرجلين، حدادي وعثمان، في أحد سجون النمسا.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended