كيف غيّرت الطماطم حياة البشر حول العالم؟

من أطباق الفلاحين إلى مطاعم الأغنياء في باريس

كيف غيّرت الطماطم حياة البشر حول العالم؟
TT

كيف غيّرت الطماطم حياة البشر حول العالم؟

كيف غيّرت الطماطم حياة البشر حول العالم؟

تعدّ الطماطم، أو البندورة، واحدة من أهم الخضراوات التي يزرعها ويتناولها الناس حول العالم، ويقال أيضا إنها غيرت العالم الذي حولنا منذ سنوات طويلة، وغيرت نظرتنا إليه من نواحٍ كثيرة، خصوصا العادات والتقاليد، وسبل تحضير الطعام، بيعه، شراءه ومذاقه.
يطلق الإيطاليون على البندورة اسم الـ«بومودورو – pomodoro»، الذي يعني التفاحة الذهبية، أو الفاكهة الذهبية، منذ القرن السادس عشر، إلا أن البندورة التي نعرفها حمراء اللون لا علاقة لها بالذهب وأقرانه من الألوان. ويعود ذلك، حسب الأبحاث التي أجراها البروفسور ديفيد جانتيلكور من جامعة ليستر البريطانية، إلى أن الرحالة أو المكتشفين الأوائل للعالم الجديد (أميركا) لم يجلبوا معهم إلى العالم القديم (أوروبا) البندورة الحمراء التي يطلق عليها اسم – Tomato فحسب، بل جلبوا معهم أيضا البندورة الصفراء التي كان يطلق عليها اسم توماتيلوس – tomatillos، ومع أن الأوروبيين والإيطاليين بشكل خاص عزفوا عن استخدامها، فإن اسم بومودورو بقي ملتصقا بالبندورة الحمراء.
ورغم غرابة استخدام تعبير التفاحة الذهبية لنا في هذا العصر، فإن استخدام هذه التعابير على بعض أنواع الفاكهة وغيرها لم يكن غريبا على القرن السادس عشر.
ويقول الكاتب روبرت ابلبوم في قراءته لكتاب «بومودورو – تاريخ البندورة في إيطاليا» لديفيد جنتيل كور، إن الإيطاليين لم يعشقوا البندورة منذ البداية، وقد استغرقهم الأمر سنوات طويلة جدا لاحتضان الفاكهة الطيبة واللذيذة واعتبارها جزءا لا يتجزأ من مطبخهم العام والشهير. فالبندورة في بدايتها عندما وصلت إلى أوروبا وإيطاليا من البيرو أو الإكوادور أو تشيلي أو جزر غلاباغوس كانت تعد من فصيلة الباذنجانيات التي كانت من النباتات السامة، لاحتوائها على مادة النيكوتين الضارة بالصحة، ومنها نبات التبغ والباذنجان والبطاطا والفليفلة واللساس والبنج، وغيرها. وتم ذلك على يد العالم النباتي بيترو ماتثيولين عام 1548 في توسكانا، الذي كان، أو من اعتبرها، من الفصائل النباتية السامة.
ومع أن الإنجليز أحبوا البندورة في بداياتها، وخصوصا شكلها، فإنهم عاملوها أيضا معاملة النبات السامة، وبالتالي تجنبوها. ولهذا السبب أيضا، استخدمها الإيطاليون للزينة في البدايات لجمالها الطبيعي.
ويقال أيضا، إن السبب في اعتبار معظم الأوروبيين البندورة سامة يعود إلى الطريقة التي كان الناس في أوروبا في بدايات القرن السادس عشر ينتجون ويصنعون فيها صحونهم وأطباقهم. فقد كان الأغنياء يستخدمون الأطباق المصنوعة من «البوتر» أو «القصدير» الذي يعد غنيا بالرصاص، وبالتالي، ومن شأن المواد الغنية بالاسيد كالبندورة أن تنتقل إلى الطعام وأن تسبب التسمم، وأحيانا الموت المحتم. أما الفقراء الذين كانوا يستخدمون الأطباق المصنوعة من الخشب لم يواجهوا هذه المشكلة ولم ينفروا من البندورة، ولهذا أيضا لم تأكل البندورة إلا من قِبل الفقراء في إيطاليا حتى القرن الثامن عشر.
وعلى عكس البطاطا والباذنجان، لم يعرف الأوروبيون أيضا في البداية كيف يتعاملون مع البندورة، وبأي طريقة يستخدمونها. ولا بد من الذكر هنا أن أنواع البندورة في تلك الأزمنة كانت أكثر حموضة مما هي عليه اليوم. ولهذا يقال إن الإسبان كانوا أول من بدأ فعلا في استخدام البندورة والباذنجان والقرع والبصل في المطبخ، وقد علّموا الإيطاليين كيف يعملون على قلي هذه الخيرات. ويبدو أن الاستخدام المطبخي للبندورة بدأ في المناطق الريفية في جنوب إيطاليا الذي كان أكثر تأثرا بإسبانيا، وكان أكثر فقرا أيضا، ويعتمد على الأطباق النباتية التي يطلق عليها اليوم اسم «الحمية المتوسطية». وكان أهل الجنوب الإيطالي في جزر سردينيا وصقلية وكالابرالا يتناولون البندورة طازجة من دون طبخ مع زيت الزيتون والملح والفلفل الأسود الحار إلى جانب الخضراوات الأخرى والخبز والحبوب، وكان طبق البندورة طبقا رئيسا أيضا.
لا توجد أدلة على وجود صلصة البندورة التي نعرفها حاليا قبل القرن الثامن عشر، وقد كانت نابولي (في الجنوب) السبّاقة في نشر هذه الصلصة مع بيتزا المارغاريتا في القرن التاسع عشر. ويطلق على البيتزا مارغاريتا تيمنا بالملكة مارغاريتا التي كانت أول ملكة منذ غزو نابليون لإيطاليا تزور نابولي. واحتفاءً بها، تم إنتاج هذه البيتزا المصنوعة من ثلاثة مكونات تعكس العالم الإيطالي، وهي الحبق الأخضر وصلصة البندورة الحمراء وجبنة الموزاريلا البيضاء.
ولا عجب أن تكون منطقة سان مارزانو خارج نابولي، ولا تزال من أهم المناطق المعروفة بزراعة البندورة بشتى أنواعها لإنتاج الصلصة، والتصدير إلى الولايات المتحدة.
على أي حال، فإن انتشار البندورة على شكل واسع في العالم وإيطاليا جاء مع الهجرات الإيطالية إلى العالم الجديد، وخصوصا نيويورك في القرن التاسع عشر، التي عرفت تعليب البندورة المقشرة.
وبدلا من أن تأخذ أميركا البندورة من جاراتها القريبة في أميركا اللاتينية جاءتها من أوروبا عبر الإيطاليين، ويقال إن الرئيس الأميركي توماس جيفرسون جلب بذور البندورة من باريس في فرنسا إلى مونتيشيلو في فرجينيا في الولايات المتحدة. ومن دون انتقال البندورة إلى الولايات المتحدة لم يكن بالإمكان انتشارها على هذا النطاق الواسع حول العالم، فمن البيتزا التي انتشرت من إيطاليا إلى أميركا، ومن أميركا إلى كل بقاع العالم أصبحت الولايات المتحدة تنتج ما لا يقل عن 12 مليون طن من البندورة في السنة.
وجاء أول ذِكر للبندورة في كتب المستعمرات البريطانية في أميركا في عام 1710، أي بدايات القرن الثامن عشر، على يد العالم النباتي وليام سلمون.
ويقال إن أول وصفات استخدام صلصة البندورة مع الرافيولي كانت من الموسيقار المعروف نيكولو باغانيني، وهي تضم: الطحين، اللحم والزبدة، البندورة، نقانق اللوغانو، البصل ولسان الثور.
الثورة الصناعية والهجرات الإيطالية الحديثة إلى العالم الجديد وبقية أنحاء المعمورة، وتوسع رقعة التجارة العالمية. فترات الازدهار والركود والفاشية والنمو الاقتصادي الذي جاء بعد الحرب العالمية الثانية والكثرة التي نعيشها حاليا، كلها عوامل ساهمت في وضع البندورة على رأس لائحة الأطعمة التي يتناولها الناس هذه الأيام.
على أي حال، فقد استغرق الأمر ثلاثة قرون ليتقبل العالم الأوروبي البندورة ويبدأ في استغلالها ونشرها على نطاق واسع، ولا ينطبق هذا الأمر إلا على البطاطا من بين كثير من الفاكهة التي جلبها مع كريستوفر كولومبس من العالم الأميركي الجديد إلى القارة الأوروبية.
البندورة تعد من أهم الأنواع الفاكهة التي كانت على لائحة التبادل الكبير بين العالمين القديم والجديد، أو ما يعرف بالتبادل الكولومبي، وتقول الموسوعة الحرة بهذا الشأن إن التبادل الكبير «كان عبارة عن عملية تبادل على نطاق واسع للحيوانات، النباتات، والثقافة والأشخاص، والأمراض المعدية، والأفكار بين الأميركيين الأصليين والقادمين من أوروبا بعد رحلة كريستوفر كولومبوس في عام 1492. أدى التواصل بين الثقافتين إلى تبادر عدد من المحاصيل التي أدت إلى زيادة عدد السكان في نصفي الكرة الأرضية، حيث عاد المستكشفون إلى أوروبا محملين بالذرة، الطماطم، البطاطس والتي أصبحت من المحاصيل الرئيسية في أوروبا مع حلول القرن الثامن عشر. في الوقت ذاته، قدّم الأوروبيون محاصيل الكاسافا والفول السوداني إلى جنوب شرق آسيا ذات المناخ الاستوائي».
الاتصال بين العالمين أدى إلى انتشار كثير وعديد من النباتات والحيوانات والطيور، وبالتالي ارتفاع أعدادها في كلا العالمين. ولكن من جهة أخرى، أدى ذلك التبادل إلى انتشار الأمراض الجديدة بين أبناء القبائل في أميركا الجنوبية، وبالتالي إلى فناء والقضاء على أعداد كبيرة جدا من هؤلاء السكان الأصليين، مما غير من الطبيعة الديمغرافية ومستقبل البلدان التي كانوا يقطنونها إلى الأبد.
بأي حال، فعندما يجري الحديث عن التبادل الكبير، فإن الحديث يكون معنيا بتبادل الأمراض، الحيوانات، النباتات، الأفكار والسكان بين العالمين القديم والجديد. ومنه ولدت محاصيل مهمة جدا على الصعيد العالمي، مثل محاصيل البندورة والبطاطا والذرة والكوكا والتبغ الذي كان يستخدم بديلا عن العملة أحيانا. كما ساهم التبادل الكبير في توسيع رقعة المحاصيل القديمة وارتفاع إنتاجها كالقهوة والسكر.
وفي كتاب كريستوفر كومو «الطعام الذي غير التاريخ: كيف شكل الطعام الحضارات من العالم القديم إلى الحاضر» يقول كومو: «إن البندورة لم تكن تتحمل النقل والنقليات كما لم يطمح كثير من الناس لأكلها، وكان موطنها جنوب أوروبا، أو أوروبا الجنوبية التي تعد متخلفة للأوروبيين الشماليين، لكن نهاية القرن الثامن عشر بدأت المطاعم الغالية الثمن والمعروفة في باريس في استخدام البندورة في عدد لا بأس به من الأطباق، مما منحها سمعة طيبة في أوساط الطبقات الغنية، وساهم وساعد في انتشارها، كما حصل مع البطاطا، وخصوصا في الولايات المتحدة الأميركية على يد جيفرسون الذي نقل بذورها، كما سبق وذكرنا، وضمها إلى مطبخه الجديد.
وبعد تبنيها في أميركا وبدء صناعة الكاتشاب لأول مرة في ولاية لويزيانا في بداية القرن التاسع عشر، تم تغيير وضعها النباتي وتصنيفها من الفاكهة، كما اعتبرها علماء النبات خضراوات، كما أراد المزارعون في أميركا لتخفيض نسبة الضرائب عليها وحمايتها من الصادرات القادمة من المكسيك.
كما عملت البندورة على تشكيل التاريخ عندما أصبحت موضوعا للتقدم العلمي والأبحاث، حيث كانت من أول النباتات التي يتم تهجينها قبل الذرة في العشرينات من القرن الماضي. ويضيف كومو، أنه بعد الحرب العالمية الثانية، انتشرت ظاهرة البيوت الزجاجية الخاصة بإنتاج البندورة في أميركا الشمالية، وبدأت أوروبا في زراعة البندورة على مدار العام.
ما ينطبق على البندورة ينطبق على البطاطا من ناحية الانتشار، والانتقال من مزارع العالم القديم إلى مادة من المواد الرئيسية التي لا يمكن للعالم الاستغناء عنها أو العيش من دونها. ويمكن أن نلحظ التأثير الكبير للبطاطا على التاريخ الحديث في كارثة المجاعة الآيرلندية منتصف القرن التاسع عشر. فقد كانت البطاطا المصدر الأساسي لفقراء آيرلندا، ولأن الاعتماد عليها كان كليا، أدى إلى إتلاف إحدى الآفات الزراعية لمحاصيلها في آيرلندا وأوروبا إلى موت أكثر من مليون إنسان وهجرة عدد مماثل إلى الولايات المتحدة الأميركية، مما غير الطبيعة الثقافية والسكانية والبيئية والسياسية لكلا البلدين.
البندورة غيرت العالم بطرق مباشرة وبطرق غير مباشرة، فهي كانت جزءا مهما من المواد الأساسية في التبادل الكولومبي الكبير الذي غير خريطة النباتات والمحاصيل حول العالم، وكانت سببا من أسباب تحويل الخوف عند الأوروبيين من الخضراوات الغريبة والسامة، كما كان يقال، إلى غرام رهيب. ومن البيتزا التي تعدّ أحد أهم الأطعمة السريعة حول العالم والتي غيرت سبل تنازل الطعام عند البشر إلى الصلصة والكاتشاب اللذين يصعب أن يعمل مطبخ أو مطعم من دونهما. ومن البيتزا والصلصة أو الكاتشاب وتغيير مذاقات البشر إلى المزارع الزجاجية وتقنيات التعليب والتهجين لشتى الأنواع والخضراوات.
لم يحدث في التاريخ من قبل أن رافقت ثمرة صغيرة بحجم التفاحة الصغيرة الثورة الصناعية، والهجرات الإيطالية الكبيرة حول العالم، وفاشية موسيليني، وثورة التقنيات الجينية، كما حصل مع البندورة التي من دونها سيبدو العالم أكثر اختلافا، وأشبه بصور الأسود والأبيض.



البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة
TT

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم... مكونات صغيرة بقيمة غذائية كبيرة

البراعم الخضراء... اتجاه جديد ينعش المائدة ويمنح الأطباق أناقة خاصة، بعدما شقت طريقها إلى المطابخ الحديثة بوصفها إضافة حقيقية للوصفات الصحية.

فلم تعد البراعم النباتية كما كانت في السابق مجرد لمسة خضراء تزين أطباق السلطة، بل أصبحت من أبرز الاتجاهات الحديثة في عالم الطهي، مع ازدياد الاهتمام بالأطعمة الطازجة والمكونات التي تجمع بين الفائدة الصحية والمذاق المميز والشكل الأنيق. وخلال السنوات الأخيرة، بدأت هذه النباتات الصغيرة تنتقل من المطابخ العالمية إلى الموائد العربية، لتقدم حضوراً مختلفاً يثري الأطباق اليومية ويمنحها روحاً جديدة.

والبراعم هي المرحلة الأولى من نمو البذور، حيث تنبت في ظروف رطبة ونظيفة خلال أيام قليلة، ثم تخرج السيقان الدقيقة والأوراق الصغيرة الغنية بالعناصر الغذائية.

لفائف سوشي السلمون اللذيذة مع البراعم

ويشير خبراء التغذية إلى أن هذه المرحلة تشهد نشاطاً طبيعياً داخل البذرة؛ ما يجعل بعض مكوناتها أسهل في الهضم، مع ارتفاع نسبي في مستويات بعض الفيتامينات ومضادات الأكسدة.

كما تعد البراعم مصدراً جيداً للألياف والفيتامينات والمعادن، مع انخفاض نسبي في السعرات الحرارية، وهو ما يجعلها خياراً مناسباً للراغبين في تحسين نمطهم الغذائي أو تنويع وجباتهم اليومية بطريقة صحية وخفيفة.

يرى الشيف أحمد نبيل في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن البراعم من المكونات التي لفتت الانتباه بقوة خلال الفترة الأخيرة؛ لأنها تمنح قيمة غذائية مرتفعة في حجم صغير، كما أنها سهلة الاستخدام ويمكن إدخالها في عدد كبير من الوصفات من دون تعقيد.

ويقول إن «ما يميز البراعم قدرتها على تحويل طبق بسيط إلى وجبة أكثر أناقة وتوازناً، سواء من حيث اللون أو القوام أو النكهة، مشيراً إلى أن سر نجاحها في المطبخ يكمن في بساطتها؛ فهي لا تحتاج إلى مهارة خاصة ولا إلى تكلفة مرتفعة، لكنها تحدث فرقاً واضحاً في الطبق».

السلطات من أهم الأطباق التي تستخدم فيها البراعم لكنها لم تعد الوحيدة

براعم لكل مذاق

تتنوع البراعم الصالحة للأكل، ولكل نوع منها مذاقه واستخداماته الخاصة، ومن أبرز الأنواع الشائعة براعم الفاصوليا، والبروكلي، والعدس، والفجل، والبازلاء، ودوار الشمس، والجرجير، والحلبة.

ويشرح نبيل أن براعم الجرجير تتميز بنكهة عشبية خفيفة ولمسة منعشة؛ ما يجعلها مناسبة للسندويتشات والسلطات. أما براعم الفاصوليا فتشتهر بقوامها المقرمش وعصارتها الواضحة؛ ولذلك تُستخدم في الأطباق السريعة والشوربات وطواجن الخضراوات.

ويضيف أن براعم البروكلي تحظى بإقبال كبير؛ لما تحتويه من مركبات نافعة، إلى جانب مذاقها الخفيف المائل إلى الحدة الرقيقة.

في حين تعد براعم العدس خياراً مناسباً للمطبخ المصري والعربي؛ لأنها مألوفة في النكهة وغنية بالبروتين النباتي، ويمكن إضافتها إلى السلطات أو تقديمها مع الحبوب أو استخدامها في حشوات الفطائر.

أما براعم الفجل فتمنح الأطباق نكهة حارة ومنعشة تناسب محبي المذاقات القوية، بينما تضيف براعم دوار الشمس طعماً قريباً من المكسرات؛ وهو ما يجعلها مناسبة مع الجبن والخبز المحمص.

ولا تتوقف جاذبية البراعم عند حدود الفائدة الغذائية، بل تمتد إلى أثرها البصري في تقديم الطعام؛ فالألوان الخضراء الزاهية، والخيوط الدقيقة، والأوراق الصغيرة، تمنح الأطباق مظهراً أكثر حيوية وحداثة، وتجعل الوجبة تبدو أكثر عناية وتنسيقاً.

طريقة استخدامها

يقول الشيف أحمد نبيل إن الطاهي الذكي يمكنه استخدام البراعم بالطريقة نفسها التي يستخدم بها الأعشاب الطازجة أو اللمسات النهائية، أي بكميات محسوبة، تضيف نكهة ولمسة جمالية من دون أن تطغى على المكونات الأساسية.

كما تناسب البراعم نمط الحياة السريع؛ إذ لا تحتاج إلى وقت طويل في التحضير، ويمكن إضافتها نيئة إلى السلطات والسندويتشات، أو إدخالها في الطهي الخفيف خلال الدقائق الأخيرة حتى تحتفظ بقوامها ونضارتها. كذلك يمكن استخدامها فوق أطباق الشوربة الساخنة عند التقديم، أو إضافتها إلى البيض المخفوق، أو مزجها مع الأرز والخضراوات.

الشيف المصري أحمد نبيل (الشرق الأوسط)

وصفات سهلة وشهية

وفي المطبخ المصري يمكن إدخال البراعم بسهولة ومن دون خروج عن المألوف؛ فإضافتها على سبيل المثال إلى طبق الفول يمنح الوجبة نكهة طازجة وتوازناً مع القوام الكريمي. كما يمكن وضعها داخل ساندويتشات الجبن القريش مع شرائح الطماطم والخيار، أو إضافتها إلى الطعمية مع السلطة.

وتصلح أيضاً بجوار الكفتة المشوية أو شرائح اللحم البقري أو الدجاج؛ حيث تضيف خفة وانتعاشاً يوازنان النكهات المشوية والدسمة.

ومن الوصفات التي يقترحها نبيل سلطة مصرية بالبراعم، تتكون من الطماطم المقطعة والخيار والبصل الأحمر الرقيق وبراعم الفجل، مع عصير الليمون وزيت الزيتون ورشة سماق. ويقول إنها تصلح إلى جانب الأسماك أو المشويات، كما يمكن تقديمها وجبة خفيفة مستقلة.

ويقترح أيضاً طبق أرز بالخضراوات والبراعم، حيث يُطهى الأرز بالطريقة المعتادة، ثم تُضاف إليه في النهاية براعم البازلاء أو الفاصوليا مع الجزر المبشور والبصل الأخضر؛ ليحصل الطبق على لون جديد وملمس مقرمش محبب.

ويتابع: «وتتميز البراعم بمرونة كبيرة في الاستخدام داخل المطبخ، ومن أبرز طرق تقديمها مزجها مع سلطة الكولسلو أو السلطة المصرية، أو استخدامها في سلطة البطاطس مع براعم العدس أو الفاصوليا، ويمكن إضافتها إلى اللفائف والسندويتشات بدلاً من الخس».

ويواصل: «أيضاً أستخدمها في حشوات السندويتشات مع الجبن أو التونة، أو أضعها فوق ساندويتشات الجبن بعد تحميصها، أو أضيفها إلى الحساء أو اليخنات عند التقديم».

ويقترح أيضاً: «تقليبها مع الخضراوات المشوحة، أو خلطها مع الجبن الكريمي أو اللبنة لصنع صلصات تغميس، أو خلطها مع عجينة الفطائر أو المخبوزات المالحة، أو تناولها طازجة في أطباق البراعم المشكلة، وتُستخدم أيضاً في تزيين أطباق العجة أو البيض المخفوق بها، وفي لفائف الأرز أو السوشي النباتي».

أما لمحبي الوجبات السريعة الصحية، فينصح بإعداد سندويتش من خبز الحبوب الكاملة محشو بشرائح الدجاج المشوي واللبنة أو الجبن الطري، مع كمية وفيرة من دوار الشمس، مؤكداً أن هذه الإضافة البسيطة تجعل الساندويتش أكثر إشباعاً وتوازناً.

نصائح مهمة

ورغم سهولة استخدام البراعم، فإن اختيار المنتج الجيد يظل أمراً أساسياً، وينصح الشيف أحمد نبيل بشراء البراعم التي تبدو نضرة وجافة نسبياً وغير لزجة، وخالية من أي بقع داكنة أو رائحة غير طبيعية.

كما يفضل حفظها في الثلاجة داخل عبوة جيدة التهوية، واستهلاكها خلال فترة قصيرة؛ للحفاظ على جودتها وطزاجتها.

ومن المهم غسل البراعم جيداً قبل الاستخدام، والحرص على شرائها من مصادر موثوقة، مع تفضيل الطهي الخفيف لبعض الأنواع عند الحاجة؛ حيث ينصح بتجنب تناولها نيئة بالنسبة للأطفال والحوامل وكبار السن وذوي المناعة الضعيفة.

معكرونة مع شرائح السمك والبراعم

من السوق... أو من مطبخك

وبدأت شركات مصرية متخصصة في إنتاج البراعم الطازجة مثل «منابت» في طرح منتجاتها داخل الأسواق، مع التركيز على تقديمها جاهزة للاستخدام، والاهتمام بالنظافة وتعقيم المياه وبيئة الزراعة، وهو ما يعكس اتساع الطلب على هذا النوع من الأغذية.

ومن جهة أخرى يمكن زراعة البراعم في المنزل بسهولة باستخدام برطمان زجاجي نظيف وبذور مخصصة للإنبات.

وتُنقع البذور عدة ساعات، ثم تُصفى وتُشطف يومياً؛ حتى تظهر البراعم خلال ثلاثة إلى خمسة أيام.

ويؤكد نبيل أن هذه الطريقة تمنح الأسرة منتجاً طازجاً، كما تتيح تعريف الأطفال بالغذاء الصحي من خلال تجربة بسيطة وممتعة.

وما بين المذاق المقرمش، والمظهر الأنيق، والقيمة الغذائية المرتفعة، يرى نبيل أن البراعم تبدو مرشحة لحضور أوسع على المائدة اليومية، بوصفها مكوناً صغيراً يصنع فرقاً واضحاً في الطب.


رحلات «استكشاف المذاقات»...فكرة تبدأ من الأرض وتنتهي على الطاولة

تشكيلة من ثمار البحر (الشرق الأوسط)
تشكيلة من ثمار البحر (الشرق الأوسط)
TT

رحلات «استكشاف المذاقات»...فكرة تبدأ من الأرض وتنتهي على الطاولة

تشكيلة من ثمار البحر (الشرق الأوسط)
تشكيلة من ثمار البحر (الشرق الأوسط)

هناك إقبال شديد على ما يُعرف بسياحة فنون الطهي أو «استكشاف المذاقات»، بعدما أصبح الطعام عاملاً حاسماً يجذب الزوار ويؤثر في قراراتهم.

وتشير تقارير حديثة إلى أن نحو واحد من كل خمسة مسافرين حول العالم يضع تجربة الطعام في صدارة أولوياته، بينما يذهب نصفهم تقريباً إلى حجز المطاعم قبل تأكيد رحلات الطيران، في مؤشر واضح على التحول الكبير في مفهوم السفر الحديث. وتعتبر إزمير واحدة من أبرز الوجهات التي أعادت تعريف تجربة السفر من خلال المذاق. هذه المدينة المطلَّة على بحر إيجة تقدم أطباقاً تقليدية، وتروي حكاية غنية من التنوع الثقافي والمنتجات المحلية الطازجة، بدءاً من الأعشاب البرية، ووصولاً إلى أرقى تجارب الطعام العالمية.

تعتمد إزمير على الأسماك في مطبخها (الشرق الأوسط)

ومن المدن المشهورة بثرواتها النباتية التي تجعل من الأعشاب والخضراوات المحلية جزءاً أساسياً من هويتها الغذائية إزمير في تركيا، فالمعروف عن أطباقها أنها تعتمد على الهليون البري والخبيزة والقراص، إلى جانب «الجيبز»، تُحضَّر بزيت الزيتون الشهير في المنطقة، وتُقدَّم كمقبلات تجمع بين البساطة والعمق في النكهة.

ولا تكتمل التجربة دون مرافقة هذه الأطباق بالمأكولات البحرية الطازجة من بحر إيجه، مثل الروبيان والأخطبوط، في مزيج يعكس روح الساحل التركي. كما تبرز أطباق مثل أزهار الكوسا المحشوة والخرشوف بزيت الزيتون كرموز للمطبخ المحلي. وخلال فصل الربيع، تتحول المدينة إلى ساحة احتفال بالنكهات عبر مهرجانات موسمية، أبرزها مهرجان ألاجاتي للأعشاب، ومهرجان أورلا للأرضي شوكي؛ حيث تمتزج الثقافة بالطهي في أجواء نابضة بالحياة.

يعتبر الكوسا من المنتجات المحلية التي يتفنن بها الطهاة في إزمير (الشرق الأوسط)

ضمن رحلة الذواقة، تشكّل أورلا محطة لا يمكن تجاوزها. هذه البلدة الساحلية أصبحت مركزاً لتجارب الطهي الراقية التي تعتمد على مفهوم «من المزرعة إلى الطاولة»؛ حيث تُستخدم مكونات محلية طازجة في إعداد أطباق مبتكرة.

وقد نجح طهاة المنطقة في إعادة تقديم الوصفات التقليدية بروح عصرية، ما أكسبهم تقديراً عالمياً ووجوداً في «دليل ميشلان». وتتيح هذه التجارب للزوار تذوق أطباق مميزة تجمع بين الأصالة والإبداع.

زهرة الكوسا المحشوة (الشرق الأوسط)

كما تحتضن أورلا مساراً فريداً لمزارع الكروم؛ حيث يمكن للزوار التجول بين البساتين وتذوق منتجات محلية، بعضها أعيد إحياؤه بعد أن كان مهدداً بالاندثار.

بعيداً عن المطاعم الفاخرة، تحتفظ إزمير بسحرها الحقيقي في شوارعها. فمأكولات الشارع هنا ليست مجرد وجبات سريعة، بل تجربة ثقافية متكاملة.

من الفطور التقليدي الذي يشمل «البويوز» و«الجيفريك» و«البيشي»، إلى ساندويتش «الكومرو» الشهير، تقدم المدينة خيارات غنية تلبي مختلف الأذواق. ولا تغيب الحلويات عن المشهد؛ حيث تبرز «الشامبالي» وكرات العجين المقلية كوجبات خفيفة تحظى بشعبية واسعة.


مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
TT

مطاعم لندن تستوحي أطباقها من العروض الفنية

من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)
من مسرحية «كينكي بوتس» (الشرق الأوسط)

تُعدّ لندن واحدة من أبرز العواصم الثقافية في العالم، ويحتل المسرح مكانة مركزية في هويتها الفنية والتاريخية. فمنذ قرون، شكّلت المدينة مسرحاً حياً للإبداع، احتضنت أعمال كبار الكتّاب مثل ويليام شكسبير، وأسهمت في تطور الفنون الأدائية لتصبح مقصداً عالمياً لعشاق المسرح من مختلف أنحاء العالم.

طبق «غوتي فانكايا» (الشرق الأوسط)

وتبرز منطقة كوفنت غاردن بوصفها قلباً نابضاً لهذا المشهد المسرحي، حيث تمتزج العراقة بالحداثة في فضاء يعجّ بالمسارح التاريخية والعروض المتنوعة.

شهرة لندن في مجال المسرح لا تقتصر على عدد مسارحها أو تنوع عروضها فحسب، بل تمتد لتشمل تأثيرها العالمي ودورها في دعم الإبداع وصناعة النجوم، لتبقى واحدة من أهم المراكز المسرحية التي ترسم ملامح الفن الحي على مستوى العالم.

ولم يعد المسرح في لندن تجربة فنية بحتة فحسب، بل أصبح جزءاً من أسلوب حياة متكامل يمزج بين الثقافة والترفيه والطعام، حيث برز في السنوات الأخيرة توجه لدمج تجربة الأكل مع العروض المسرحية.

حلوى أناناس جاليبي (الشرق الأوسط)

باتت الكثير من المطاعم والمقاهي تتعاون مع المسارح لتقديم عروض مشتركة، تشمل وجبات قبل العرض أو بعده، أو حتى تجارب طعام مستوحاة من موضوع المسرحية نفسها.

هذا التداخل بين فنون الطهي والمسرح يمنح الجمهور تجربة حسّية متكاملة، تعزز من جاذبية المشهد الثقافي في لندن، وتكرّس مكانتها بوصفها مدينة لا تكتفي بتقديم الفن، بل تعيشه بكل تفاصيله.َ

ومن الأمثلة اللافتة على هذا التقارب بين الفن والطعام، يقوم حالياً مطعم «كولونيل صعب» Colonel Saab بتقديم تجربة طعام هندية في فرعه في «ترافالغر سكوير» من خلال ابتكار لائحة طعام استوحى أسماءها من شخصيات بارزة في مسرحية «كينكي بوتس» البريطانية العالمية، ويتعاون المطعم مع العرض المسرحي الذي يُعرَض في مسرح «لندن كوليسيوم» في شارع سانت مارتنز لاين مع اهتمام خاص باستقبال رواد المسرح في أجواء مناسبة لما قبل العروض.

دجاج بالكاري (الشرق الأوسط)

ويقدم المطعم هذه التجربة فترة النهار والليل، اخترنا مشاهدة العرض المسرحي الليلي عند الساعة السابعة والنصف مساءً، فتم حجز العشاء الباكر عند الساعة الخامسة بعد الظهر.

لـ«كولونيل صعب» فرعان الأول في «هولبورن» والآخر في «ترافالغر سكوير» وكلاهما يتميز بالديكورات الرائعة والتحف الفنية التي جاء بها صاحب المطعم رجل الأعمال روب بارتاب شوداري من منزل أهله في الهند.

عند وصولك إلى المطعم ستكون لائحة الطعام الخاصة بالعرض المسرحي بانتظارك، رُسم عليها من الخارج صورة الحذاء الأحمر الذي تدور أحداث المسرحية حوله، واللافت أن أسماء جميع الأطباق لها علاقة بأسماء أبطال العرض المسرحي أو مستوحاة من أغانيه.

لحم بقري مشوي على الطريقة الهندية (الشرق الأوسط)

تتألف القائمة من أربعة أطباق بسعر 75 جنيهاً إسترلينياً، تبدأ بمشروب لذيذ يحمل اسم «كينكي بوتس» بممزوج بأزهار البيلسان والرمان والتوت ومقبل صغير بطعم الجوافة على شكل كعب، وصلصة التوت الأحمر، وصلصة التمر الهندي، وكريمة متبلة، ونودلز مقرمشة.

يمكنك اختيار أحد المقبلات من بين طبقين، مثل «لاند أوف لولا» وطبقين رئيسيين مثل Everybody Say Yeah (لحم بقري مقلي بالفلفل)، وHold Me In Your Heart، وهو كاري الباذنجان الصغير بطعم حامض.

وتُختتم هذه التجربة بلمسة حلوة تحمل اسم Raise You Up، وتتكون من كريمة، وجيلي الأناناس (جليابّي)، والفستق.

لقطة من مسرحية كينكي بوتس (الشرق الأوسط)

المعروف عن المطعم أن هدفه هو تعريف ذواقة لندن بالنكهات الأصلية والمتنوعة في الهند وتقديم ما يأكله الهنود في منازلهم والشوارع ، بالإضافة إلى الأكل الذي يقدم في القصور أيضاً.

وبعد تناول ألذ الأطباق ستفصلك دقيقة واحدة مشياً على الأقدام عن المسرح لتبدأ بالاستمتاع بقصة العرض المبهجة احتفالاً بالإنتاج الجديد لهذا العمل الموسيقي الفائز بجوائز «توني» و«غرامي» و«أوليفييه» الذي يجمع نجم برنامج «Strictly Come Dancing» يوهانس راديبي والمغني مات كاردل، وتدور أحداث القصة حول مالك معمل للأحذية يكوّن شراكة غير متوقعة مع شخصية مثيرة للجدل تدعى «لولا» لإنقاذ المصنع الذي ورثه عن أبيه من الإفلاس والإقفال.