محمد السادس: أمن الخليج العربي واستقراره من أمن المغرب.. ومن يضركم يضرنا

شدد في كلمته على الشراكة التي تربط بلاده بدول الخليج

جانب من القمة الخليجية ــ المغربية التي دشنها خادم الحرمين الشريفين في الرياض أمس (تصوير: بندر الجلعود)
جانب من القمة الخليجية ــ المغربية التي دشنها خادم الحرمين الشريفين في الرياض أمس (تصوير: بندر الجلعود)
TT

محمد السادس: أمن الخليج العربي واستقراره من أمن المغرب.. ومن يضركم يضرنا

جانب من القمة الخليجية ــ المغربية التي دشنها خادم الحرمين الشريفين في الرياض أمس (تصوير: بندر الجلعود)
جانب من القمة الخليجية ــ المغربية التي دشنها خادم الحرمين الشريفين في الرياض أمس (تصوير: بندر الجلعود)

ألقى العاهل المغربي الملك محمد السادس كلمة أمام القمة الخليجية - المغربية التي دشنها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، أمس، في العاصمة السعودية، شدد فيها على الشراكة التي تربط بلاده بدول الخليج العربية، وأكد أنها «ليست وليدة المصالح العرفية أو المصالح العابرة، وإنما تستمد قوتها من الإيمان الصادق بوحدة المصير ومن تطابق وجهات النظر بخصوص قضايانا المشتركة».
وأكد أن هذه القمة تأتي في ظروف صعبة، حيث تعيش المنطقة العربية على وقع محاولات تغيير الأنظمة وتقسيم الدول، «كما هو حاصل في سوريا والعراق وليبيا، مع ما يواكب ذلك من قتل وتشريد وتمزيق لأبناء الوطن العربي».
وبيّن أن عقد هذه القمة ليس موجها إلى أحد بشكل خاص، خصوصا حلفاءنا، بل هي مبادرة طبيعية ومنطقية لدول تدافع عن مسارها مثل جميع الدول، وقال «إننا أمام مؤامرات، إنهم يريدون المس بأمننا الجماعي. إنهم يريدون المس بما تبقى من بلداننا التي استطاعت الحفاظ على استقرارها وأنظمتها، وأقصد هناك دول الخليج والمغرب والأردن التي تشكل واحة أمن وسلام لمواطنيها وعنصر استقرار في محيطها»، وأضاف «أننا نواجه الأخطار والتهديدات نفسها على اختلاف مصادرها، فالدفاع عن أمننا ليس فقط واجبا مشتركا، بل هو واحد لا يتجزأ»، وفيما يلي نص الكلمة:
«جئت اليوم بقلب ملؤه المحبة والاعتزاز، كعادتي حينما أحل بمنطقة الخليج.. أقدم شكري إلى الملك سلمان بن عبد العزيز على تفضله باستضافة هذه القمة المهمة لجميع قادة دول مجلس التعاون وعلى مشاركتي فيها. كما أعرب عن اعتزازي وتقديري للدعم المادي والمعنوي الذي تقدمونه إلى المغرب، لإنجاز مشاريعه التنموية والدفاع عن قضاياه العادلة.
لقاؤنا اليوم يجسد عمق روابط الأخوة والتقدير التي تجمعنا وقوة علاقة التعاون والتضامن بين بلداننا، فرغم بُعد المسافات التي تفصل بيننا فإننا توحدنا روابط قوية لا تقتصر على اللغة والدين والحضارة، وإنما تستند أيضا إلى التمسك بالمبادئ والقيم التوجهات البناءة نفسها، كما نتقاسم التحديات ونواجه التهديدات نفسها.. خصوصا في المجال الأمني، لكن لماذا هذه القمة الأولى من نوعها؟!.. ولماذا اليوم؟!.. لقد تمكنا من وضع الأسس المتينة لشراكة استراتيجية.
فالشراكة المغربية - الخليجية ليست وليدة المصالح العرفية أو المصالح العابرة، وإنما تستمد قوتها من الإيمان الصادق بوحدة المصير، ومن تطابق وجهات النظر بخصوص قضايانا المشتركة.. لذلك نجتمع اليوم لإعطاء دفعة قوية لهذه المشاركة التي بلغت درجة من النضج، وأصبحت تفرض علينا تطوير إطارها المؤسسي وآلياتها المدنية.
الأمل العربي المشترك لا يأتي بالاجتماعات ولا بالخطابات ولا بالقمم الدورية والشكلية أو القرارات الجاهزة غير الفاعلة للتطبيق، وإنما يتطلب العمل الجاد والتعاون الملموس.. وتأسيس التجارب الناجحة والاستفادة منها، وفي مقدمتها التجربة الرائدة لمجلس التعاون.. إنها رسالة أمل لأنفسنا وإشارة قوية لشعوبنا على قدرتنا على بلورة مشاريع تنموية مشتركة.
إن هذه القمة تأتي في ظروف صعبة، فالمنطقة العربية تعيش على وقع محاولات تغيير الأنظمة وتقسيم الدول، كما هو حاصل في سوريا والعراق وليبيا، مع ما يواكب ذلك من قتل وتشريد وتمزيق لأبناء الوطن العربي.
وبعد ما تم تقديمه كربيع عربي خلف خرابًا ودمارًا ومآسي إنسانية، ها نحن اليوم نعيش خريفا كارثيا يستهدف وضع اليد على خيرات باقي البلدان العربية، ومحاولة ضرب التجارب الناجحة كدول أخرى مثل المغرب من خلال المس بنموذج الوطن المتميز.
إننا نحترم سيادة الدول وتوجهاتها في إقامة وتطوير علاقاتها مع من تريد من الشركاء، ولسنا هنا لنحاسب بعضنا على خياراتنا السياسية والاقتصادية، غير أن هناك تحالفات جديدة قد تؤدي إلى التفرقة وإعادة ترتيب أوراق المنطقة، وفي الحقيقة محاولة إشعال الفتنة وخلق فوضى جديدة لن تستثني أي بلد، وستكون لها تداعيات خطيرة على المنطقة بل على الوضع العالمي.
ورغم حرص المغرب على الحفاظ على العلاقة مع حلفائه، فقد توجه في الآونة الأخيرة نحو تنويع شراكاته على المستوى السياسي والاستراتيجي والاقتصادي، وفي هذا الإطار تندرج زيارتنا الناجحة إلى روسيا خلال الشهر الماضي التي تميزت إلى الارتقاء بعلاقاتنا إلى شراكة استراتيجية، وتوقيع اتفاقيات مهيكلة في كثير من المجالات الحيوية، ومع الهند وجمهورية الصين الشعبية.
المغرب حر في قراراته وخياراته، وسيظل وفيا لالتزاماته تجاه شركائه بما ينبغي ألا يروا من ذلك أي مس بمصالحهم.
عقد هذه القمة ليس موجها إلى أحد بشكل خاص، خصوصا حلفاءنا، بل هي مبادرة طبيعية ومنطقية لدول تدافع عن مسارها مثل جميع الدول. الخليج يتحملون التكاليف وتبعات الحروب المتوالية التي تعرفها المنطقة.. الوضع خطير خصوصا في ظل الخلط الفاضح في المواقف، وازدواج الخطاب بين التعبير عن الصداقة والتحالف، ومحاولة الطعن من خلف.
إننا أمام مؤامرات، إنهم يريدون المس بأمننا الجماعي، إنهم يريدون المس بما تبقى من بلداننا التي استطاعت الحفاظ على استقرارها وأنظمتها، وأقصد هناك دول الخليج والمغرب والأردن التي تشكل واحة أمن وسلام لمواطنيها وعنصر استقرار في محيطها، إننا نواجه الأخطار والتهديدات نفسها على اختلاف مصادرها، فالدفاع عن أمننا ليس فقط واجبا مشتركا بل هو واحد لا يتجزأ.
المغرب يعتبر دائما أمن واستقرار الخليج العربي من أمن المغرب، من يضركم يضرنا، وما يمسنا يمسكم، وما يحرص على تجسيده في كل الظروف والأحوال بالتصدي لكل التهديدات التي تستهدف المنطقة في حرب الخليج الأولى، وعملية (عاصفة الحزم) والتعاون الاستخباراتي والأمني المتواصل.
إن المخططات العدوانية التي تستهدف المس باستقرارنا متواصلة، ولم تتوقف، فبعد تمزيق عدد من بلدان المشرق العربي ها هي اليوم تستهدف غربه، وآخرها المناورات التي تحاك ضد الوحدة الترابية في بلدكم المغرب.. وهذا ليس جديدا، فخصوم المغرب يستعملون كل الوسائل المباشرة وغير المباشرة في مناورة مكشوفة.. فهم يحرضون حسب الظروف.
ومع التمادي في المؤامرات أصبح شهر أبريل الذي يصادف اجتماعات مجلس الأمن حول قضية الصحراء فزاعة أمام المغرب وأداة لمحاولة ابتزازه.
لا يفوتنا أن نعبر عن اعتزازنا وتقديرنا لوقوفكم الدائم بجانب بلادنا بالدفاع عن الوحدة الترابية.. فالصحراء كانت دائما قضية دول الخليج أيضا، ومن ذلك الوقت لم تدخر دول الخليج أي جهد بالدفاع عن سيادة المغرب.
غير أن الوضع خطير هذه المرة وغير مسبوق في تاريخ هذا النزاع المشتعل، فقد بلغ الأمر بشن الحرب بالوكالة لاستخدام بان كي مون وسيلة لمحاولة المس بحقوق المغرب التاريخية والمشروعة في صحرائه من خلال تصريحاته المنحازة وتصرفاته غير المقبولة بشأن الصحراء المغربية، لكن لا تستغربوا، فإذا عرف السبب بطل العجب، فماذا يمكن لمون أن يفعله وهو يعترف بأنه ليس على اطلاع كامل على ملف الصحراء المغربية، مثل كثير من القضايا الأخرى، وماذا يمكن أن يقوم الأمين العام بفعله وهو رهينة بين أيدي مساعديه ومستشاريه.
ومعروف أن بعض هؤلاء لهم خلفيات سياسية، ويخدمون مصالح أطراف أخرى دون الالتزام بما يقتضيه انتماؤهم للأمم المتحدة من واجب الحياد والموضوعية الذي هو أساس العمل الأممي. بان كي مون ما هو إلا بشر لا يمكنه الإلمام بكل القضايا المطروحة على الأمم المتحدة.
وأود تأكيد أن المغرب ليس له أي مشكلة مع الأمم المتحدة ولا مع مجلس الأمن، وإنما المشكلة مع الأمين العام وبعض مساعديه بسبب مواقفهم من المغرب.. ولقد كان المغرب دائم التنسيق في هذا الملف مع دول العالم.
لقد حان وقت الصدق والحقيقة، أن العالم العربي يمر بفترة عصيبة، فما تعيشه الدول ليست استثناء وإنما يدخل ضمن مخططات مبرمجة تستهدفنا جميعا، فالإرهاب لا يسيء فقط إلى الإسلام، وإنما يتخذه البعض ذريعة لتقسيم دولنا وإشعال الفتن فيها.. وإبراز صورة غير حقيقية عن الإسلام.
إن الأمر لا يتعلق بقضية دولة معينة، وإنما بحاجتنا إلى وعي جماعي في هذه التحديات. إننا نعيش مرحلة فاصلة بين ماذا نريد وكيف يريد الآخرون أن نكون. إننا اليوم أكثر حاجة إلى وحدة ووضوح المواقف بين جميع الدول العربية، فإما أن نكون جميعا مثل الجسد الواحد والبنيان المرصوص وإما أن نكون كما لا نريد».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.