مراسل {نيويورك تايمز} في الشرق الأوسط: أبهرتني التغييرات في السعودية

بن هبارد قال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يعد نفسه مراسلاً حربيًا.. {ولكن تركيزي كان منصبًا على العالم العربي الذي شهد كثيرًا من الحروب أيضًا}

مدائن صالح بعدسة «نيويورك تايمز» أثناء زيارة بن هبارد للموقع الأثري
مدائن صالح بعدسة «نيويورك تايمز» أثناء زيارة بن هبارد للموقع الأثري
TT

مراسل {نيويورك تايمز} في الشرق الأوسط: أبهرتني التغييرات في السعودية

مدائن صالح بعدسة «نيويورك تايمز» أثناء زيارة بن هبارد للموقع الأثري
مدائن صالح بعدسة «نيويورك تايمز» أثناء زيارة بن هبارد للموقع الأثري

بن هبارد، مراسل صحيفة نيويورك تايمز في الشرق الأوسط، قضى 10 سنوات في المنطقة دارسا ومراسلا للصحيفة الأميركية غطى خلالها الأحداث التي مرت بالعالم العربي ولاسيما الحرب الأهلية السورية وأصدائها وتداعياتها على أرجاء المنطقة كافة وصعود الجماعات المسلحة وتدفق المهاجرين على جزيرة ليسبوس اليونانية.
وخلال عمله في المنطقة زار كثيرًا من الدول العربية ولاسيما السعودية التي زارها أكثر من 10 مرات منذ ما يقرب من ثلاث سنوات.
وأعرب بن هبارد، خلال مقابلته مع صحيفة «الشرق الأوسط»، عن انبهاره بالتغييرات التي تشاهدها المملكة. وجاء الحوار معه على النحو التالي:

* هل يمكنك أن تعطي للقراء العرب فكرة مبسطة عن نفسك؟
- أنا مراسل منطقة الشرق الأوسط لصحيفة نيويورك تايمز، وأعيش حاليا في مدينة بيروت. أنا أميركي نشأت في ولاية كولورادو ودرست التاريخ، واللغة العربية، والصحافة قبل بداية حياتي المهنية. ولي عشر سنوات الآن لم أغادر فيها العالم العربي، في عامين منها كنت طالبا أدرس اللغة العربية في الجامعة الأميركية بالقاهرة، وثمانية أعوام أعمل بدوام كامل صحافيا. ولقد غطيت مجموعة واسعة من الدول الأخبار الصحافية، بما في ذلك مصر، وسوريا، ولبنان، والمملكة العربية السعودية، وتركيا، وليبيا. انتقلت للعمل لدى صحيفة نيويورك تايمز بعد عملي في وكالة أسوشيتدبرس الإخبارية في عام 2013، وكان أغلب تركيزي خلال هذه الفترة منصبا على الحرب الأهلية السورية وأصدائها وتداعياتها على أرجاء المنطقة كافة، ومنذ صعود الجماعات المسلحة مثل جبهة النصرة وتنظيم داعش، وتدفق المهاجرين على جزيرة ليسبوس اليونانية.
* كيف بدأت حياتك المهنية في مجال الصحافة؟
- أردت أن أكون كاتبا قبل أن أكون صحافيا، ولكنني أدركت في نهاية المطاف أنني في حاجة إلى وظيفة وأردت الكتابة بحثا عن لقمة العيش، ومن ثم كانت الصحافة هي أفضل خياراتي. ولقد كنت قارئا شغوفا بالقراءة منذ نعومة أظفاري وجاء جُل اهتمامي بالكتابة من واقع رغبتي في الإنتاج الأدبي؛ حيث كنت أحب القراءة كثيرا.
حصلت على شهادة الماجستير في الصحافة من جامعة كاليفورنيا فرع بيركلي، وحصلت على التدريب المهني من وكالة أسوشيتدبرس الإخبارية، التي وفرت لي الوظيفة التي كنت أحتاج إليها. ولقد عملت هناك لمدة خمسة أعوام قبل انتقالي للعمل لدى صحيفة نيويورك تايمز.
* كم كانت مدة رحلتك إلى سجن «الحائر» السعودي؟
- كانت أولى زياراتي للمملكة العربية السعودية في عام 2013، ثم عاودت زيارة المملكة منذ ذلك التاريخ نحو 10 مرات، ومنبهر بالتغييرات هناك؛ حيث تعرفت على شرائح مختلفة من المجتمع السعودي، وعقدت صداقات جيدة للغاية هناك. ثم ازداد عدد الزيارات للمملكة في الآونة الأخيرة، نظرا إلى التغيرات الجارية في المملكة التي لفتت انتباهي كثيرا نحوها كما كان الأمر لدى الكثير من قراء الصحيفة.
إنني منبهر بالتغييرات التي تشهدها المملكة؛ نظرا إلى الموقف الاقتصادي الراهن، والدينامكيات التي تمر بالمنطقة، والنسبة الكبيرة من الشباب في البلاد. كما ينتابني الفضول كذلك حيال المبادرات الجديدة التي يترأسها ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وآمل أن أتشرف بمقابلته حتى يتسنى لي أن أتفهم ذلك القائد السعودي الجديد الذي يحاول التعامل مع التحديات الكبرى التي تواجه المملكة ومعالجتها.
* كيف يمكنك أن تصف تجربتك في سجن «الحائر»؟
- رتبت الأمر لزيارة السجن عبر عدد من الاتصالات مع وزارة الداخلية السعودية، الذين يفتخرون ببرامج المناصحة المطبقة هناك ويسعدون بعرضها على الزوار، بما في ذلك الدبلوماسيون الأجانب والصحافيون. واستغرقت زيارتي للسجن نصف يوم، ولقد رافقني مساعد مدير السجن خلال زيارتي لمختلف الأقسام هناك.
* هل تقابلت مع أي متشددين؟ من كانوا؟ وماذا كانت قصتهم؟
– أتيحت لي الفرصة للتحدث مع بعض السجناء. ولقد زرنا الأستوديو الإذاعي في السجن وتقابلنا مع الرجل الذي يقدم عرضا مضحكا يقوم من خلاله بتقليد اللهجات من مختلف مناطق المملكة. وقال الرجل إنه ألقي القبض عليه قبل عدة سنوات لمحاولته السفر إلى العراق لمحاربة القوات الأميركية، وها هو يتجاذب أطراف الحديث معي ويقدم عرضا كوميديا لرفاقه داخل السجن. وقال: إنه مسرور بأنه لم يتمكن من السفر إلى العراق؛ لأن الأمور قد تحولت إلى الأسوأ بكثير هناك. وبطبيعة الحال، من الصعب جدا معرفة مقدار القصص التي يرويها السجناء عندما تتحدث إليهم برفقة مساعد مدير السجن.
* أتعتقد أن هذه هي أفضل قصة إخبارية لديك حتى الآن؟ وإن لم تكن، هلا تكرمت وأخبرت القراء بقصة مثيرة أخرى تمكنت من تغطيتها؟
– في العام الماضي، أخذت نحو 10 أيام للسفر في مختلف أنحاء المملكة العربية السعودية بحثا عن قصة حول السياحة في المملكة. وذهبت إلى العلا ومدائن صالح (الحجر) وجزيرة فرسان، ولقد كانت كلها مناطق مغلفة بجمال طبيعي يأخذ الروح والعقل في منتهى الروعة والجمال. ثم ذهبت إلى مدينة بريدة؛ حيث كنت أعمل على قصة صحافية أخرى مع بعض من الأصدقاء الذين ذهبوا بي إلى مهرجان غادة في عنيزة. ولقد كان أمرا مدهشا وجميلا أن أرى كيف يكون المهرجان الثقافي في ذلك الجزء من المملكة العربية السعودية؛ حيث إنهم في أغلب الأمر لا يأتيهم الكثير من الزوار الأجانب، ولقد انتهى الأمر بي وهم يعاملونني كأحد المشاهير؛ حيث كان الشباب السعودي يحاول التقاط الصور لي بهواتفهم الذكية.
* هل لك أن تخبرنا قليلا بتجربتك مع أي لغة مختلفة أخرى؟ وكيف ساعدك ذلك في حياتك المهنية؟
– لقد درست عددا من اللغات المختلفة، واعتدت الحديث باللغة الفرنسية الشيء القليل، ولكن كان تركيزي بالأساس على تعلم اللغة العربية، من حيث القراءة والكتابة، ولقد أدى ذلك إلى التخلي عن تعلم أغلب اللغات الأخرى. ولكن معرفتي باللغة العربية كان له أبلغ الأثر في عملي الصحافي؛ حيث أتاحت لي عقد المقابلات الصحافية من دون الحاجة إلى مترجم، والقدرة على قراءة الصحف المحلية والمواقع الإلكترونية العربية، وإقامة صداقات مع مختلف الشخصيات في المملكة العربية السعودية وغيرها من البلدان في المنطقة، الذين كان سيصعب التواصل معهم للغاية من دون معرفتي باللغة العربية. فمعرفة اللغة يسمح للمراسل بالوصول إلى مستويات عميقة من الثقافة المحلية بطريقة تخدم كثيرا العمل الصحافي.
* لقد عملت مراسلا في كثير من الصراعات ومن مختلف البلدان، ومن دون شك شاهدت كثيرًا من الأمور المزعجة. فهل تلك الخبرات لا تزال عالقة في ذهنك أو لعلك تناسيتها في خضم مشاكل العمل والحياة وتنتهي علاقتك بها بمجرد انتهاء المهمة؟
– قضيت بعض الوقت في مناطق الحروب، ولكنني لا أعد نفسي مراسلا حربيا. يركز بعض الناس على الصراعات، ولكن كان تركيزي منصبا على العالم العربي، الذي شهد كثيرا من الحرب كذلك، ومن ثم كان لزاما علي تغطيتها. وقضيت بعض الوقت في سوريا مع قوات المعارضة في إدلب وحلب في عام 2012. ولقد كانت تجربة رائعة ومذهلة ومخيفة في آن واحد. ومثل هذه التجارب لا تخلف أثرا نفسيا في ذاتي بعد انقضائها، ولكنني أتذكر عودتي لمنزلي في بيروت بعد خروجي من سوريا وأنصت في عصبية لأزيز الطائرات، متسائلا إن كان يتحتم علي القلق من إحدى الغارات الجوية الوشيكة.
* هل لديك من نصيحة تود أن تمنحها للمراسلين أو الصحافيين العرب على وجه الخصوص؟
- إن قواعد العمل الصحافي لا تتغير باختلاف المكان أو الزمان: اعمل بجد، وابحث عن الحقيقة المجردة، وابذل الجهود المخلصة في فهم وإدراك جوانب القضية كافة التي تغطيها، وحافظ على شكوكك الصحافية حيال تصريحات المسؤولين!
تكمن الصعوبة في منطقة الشرق الأوسط «وليس في العالم العربي فقط» في أن الحديث يميل كثيرا نحو الاستقطاب، وأن الناس لا يريدون إلا الاستماع للمعلومات التي تؤيد الموقف الذي يتخذونه فحسب، كما أنهم يرفضون الاستماع إلى وسائل الإعلام أو للمعلومات الآتية من منظور أو زاوية أخرى مغايرة. ومن ثم، بدلا من إخبار الناس حول تعقيدات القضايا والدوافع المختلفة التي تحرك مختلف اللاعبين، ينتهي الأمر بوسائل الإعلام إلى ترسيخ ما يعتقده الكثير من الناس بالفعل. وبتلك الطريقة، من وجهة نظري، تزداد صعوبة بناء التفاهم الذي يمكن من خلاله المساعدة في تسوية بعض من الصراعات المشتعلة في المنطقة.
* كيف تتوقع أن تنتهي الأزمة السورية؟
– لسوء الحظ، لا أرى أي إشارات تفيد بنهاية الصراع السوري على المدى القريب. فليس لدى أي طرف المقدرة على تحقيق الانتصار عسكريا، ولكنهم كما يبدو ليسوا مستعدين كذلك للوصول إلى تسوية للأزمة عن طريق التفاوض. وأعتقد أن هذه الحرب سوف تستمر لمزيد من الوقت.
* كم ساعة تقضيها في العمل أسبوعيا؟ وهل يفسح العمل المجال لك قضاء بعض الأوقات الشخصية؟
- ليست لدي فكرة عن عدد ساعات العمل التي أقضيها في الأسبوع، ولكن بالتأكيد هو عدد كبير! وبالنسبة إلي، فإن أفضل شيء في مهنة المراسل الصحافي هو أني أتولى إدارة وقتي بنفسي إلى حد كبير. فلا يعبأ أحد متى آتي إلى المكتب أو متى أغادر طالما أنا على رأس الأخبار، وأستمر في إنتاج الأعمال الجيدة. ويعني ذلك أنني أقضي الليالي الطويلة في العمل وفي عطلات نهاية الأسبوع كذلك، وإجمالي عدد الساعات يصل إلى أكثر مما يمكن أن أقضيه في أي وظيفة عادية. ولكن من يريد وظيفة عادية في مهنته هذه؟
* ما نصيحتك للشباب الذي يبدأون أولى خطواتهم في العمل الصحافي؟
– أفضل ما يمكن للمراسل الجديد عمله هو العثور على وظيفة يقومون فيها بفعل ما يحبونه سواء كان ذلك في الكتابة، أو التصوير بالفيديو، أو افتتاح المواقع الإلكترونية. وأفضل وسيلة للتقدم والتميز هو بذل مزيد من الوقت والجهد وتجربة الأشياء الجديدة، والفشل والتعلم من تجاربك الفاشلة. وكما يحلو لصديقي الكاتب والشاعر الأميركي جون إيفانز أن يقول: «إن الكتابة مثل تمرينات الضغط الرياضية، فكلما مارست التمرين، صار سهلا وبسيطا عليك».



كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم


المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

أثار إطلاق «ميتا» وكيلها الذكي «ميوز» مخاوف لدى المواقع الإخبارية بعدما بات وسيطاً جديداً يقف بين الناشرين والمستخدمين. وعدّ خبراء هذا التطور «تحدياً قد يعيد رسم خريطة التوزيع الرقمي، ويدفع المواقع إلى إعادة النظر في شروط إتاحة محتواها».

«ميتا» أطلقت في سبتمبر (أيلول) الماضي «ميوز»، بوصفه «وكيل ذكاء اصطناعي شخصياً لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يستطيع فتح المتصفح وملء الاستمارات والتفاوض نيابة عن المستخدم، كما يواصل العمل حتى بعد إغلاق التطبيق».

ووفق ما أوردت وكالة «رويترز» أخيراً «بلغ عدد مرات تنزيل التطبيق نحو 3 ملايين خلال أول أسبوعين من إتاحته». وأفاد موقع «تك كرانش» بأن «ميوز» تجاوز في مراحله الأولى ما حققه «تشات جي بي تي» من تنزيلات ومستخدمين نشطين يومياً في المرحلة نفسها. ودفع هذا الإقبال الشركة إلى دعوة المستخدمين للتقدم بطلبات وصول مبكر إلى مزايا متقدمة مرتقبة.

غير أن الأسابيع الأولى لـ«ميوز» كشفت أن السؤال الأهم ليس ما يستطيع الوكيل فعله، بل من يقرر السماح له بالوقوف وسيطاً بين الشركات وعملائها. إذ بينما فتحت «شوبيفاي» متاجرها أمامه، حجبته «أمازون» عن التصفح والشراء على موقعها.

وتشير «وثائق السلامة الخاصة» بـ«ميتا» إلى أن نشاط «ميوز» حين يتصفح الإنترنت «سيظهر بوصفه نشاطاً للمستخدم نفسه». في المقابل تشترط «أمازون» أن «يُعرف الوكلاء عن أنفسهم في كل طلب يُرسل عبر الويب».

ولا تقتصر تداعيات هذا الانقسام على التجارة الإلكترونية، إذ يرى تحليل نشرته مجلة «فوربس» نهاية الشهر الماضي أن «الناشرين الذين يعتمدون على منصات التكنولوجيا في التوزيع، يواجهون الآن وسيطاً إضافياً». فـ«الوكيل الذكي بإمكانه قراءة تقارير الناشر من دون أن يُسجل زيارة واحدة للصفحة».

رئيس قسم الاتصال في جامعة خورفكان بالإمارات محمد مالك أبلغ «الشرق الأوسط» في لقاء معه أن «وضع المسألة باعتبارها خياراً ثنائياً: نسمح للوكيل أو نحجبه، ليس النموذج الذي ستستقر عليه الصناعة، لأن لكل خيار تكلفة واضحة».

وأوضح أنه «إذا فتحت المؤسسة محتواها بالكامل، فقد تستفيد من الظهور داخل إجابات الوكيل، لكنها تخاطر بأن يحصل المستخدم على القيمة التي يريدها من دون الوصول إلى الموقع الأصلي. وإذا حجبت الوكلاء بالكامل، فهي تحافظ نظرياً على السيطرة على محتواها، لكنها تخاطر بأن تصبح أقل حضوراً أمام شريحة من الجمهور تعتمد بصورة متزايدة على هذه الأدوات».

مالك عدّ ما قامت به «أمازون» مثالاً على أن «المؤسسات الكبرى بدأت بالفعل تتعامل مع الوكلاء باعتبارهم وسطاء يمكن قبولهم أو رفضهم وفق مصالحها». ولفت إلى أن «الطريق الثالث الأكثر واقعية، هو الانتقال من الوصول المجاني وغير المشروط إلى الوصول المنظم والقابل للترخيص والقياس». ثم أشار إلى «بوادر عملية لهذا النموذج، إذ عقدت مؤسسات إعلامية صفقات ترخيص مع شركات ذكاء اصطناعي، بينما لجأت أخرى إلى القضاء أو تقييد الوصول. كما طورت كلاودفلير (شركة أميركية متخصّصة في خدمات البنية التحتية للإنترنت) نماذج مثل الدفع مقابل الزحف ثم الدفع مقابل الاستخدام بحيث يتحكم الناشر في وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى ويطلب مقابلاً مالياً».

من جهة ثانية، أعرب مالك عن اعتقاده أن العلاقة يمكن أن تتطور إلى نموذج أكثر توازناً «يقوم على ثلاثة أمور، الترخيص، والإسناد، وتقاسم القيمة... ما يعني أن يسمح الناشر للوكيل بالوصول إلى قدر معين من المحتوى، مقابل تعويض مالي، وإظهار اسم المؤسسة بوضوح، وتوفير رابط للمادة الأصلية، مع الاحتفاظ بالمحتوى الحصري خلف الاشتراك».

وأوضح أن «المعركة الحقيقية خلال السنوات المقبلة لن تكون بين المؤسسات الإعلامية والذكاء الاصطناعي، بقدر ما ستكون حول شروط الوساطة الجديدة، من يسمح بالوصول إلى المحتوى؟ وبأي سعر؟ وكيف يُنسب إلى مصدره؟ ومن يحتفظ ببيانات المستخدم؟».

من جانبه، رأى أحمد عبد الله، مستشار التسويق الرقمي والاستراتيجي، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن «التحدي أمام الناشرين لم يعُد في سرعة الوصول إلى المعلومات، إنما المشكلة الحقيقية ستكون في القيمة التي تقدمها المؤسسة نفسها، وما الذي يميز ما تقدمه عن غيرها».

وتوقع من ثم أن «يتحول اهتمام الجمهور من الخبر نفسه إلى تحليله... فالجمهور سيبحث عن التحليل، وعن العمق في التعامل مع الخبر، وعن الزوايا المختلفة في معالجته، هذه هي القيمة التي يمكن أن تقدمها أي مؤسسة إعلامية للقارئ، بعيداً عن المحتوى المنسوخ الذي لا يختلف عما ينتجه الذكاء الاصطناعي». وأضاف عبد الله: «هناك أيضاً التحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الحصرية، والمحتوى الذي لا يمكن إنتاجه بالطرق المعتادة أو باستخدام الذكاء الاصطناعي». وعن علاقة المؤسسة بجمهورها، شدد عبد الله على أنه «يمكن بناء هذه العلاقة عبر النشرات البريدية والتطبيقات والمجتمعات الرقمية، بدلاً من أن يتمحور كل شيء حول محركات البحث وعدد النقرات ومنصات التواصل الاجتماعي».


جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟