قبل يومين زار وزير الخارجية الأميركي جون كيري متحف نصب السلام الذي يشكل شهادة محزنة على القصف النووي الذي دمر مدينتي هيروشيما وناغازاكي وأودى بحياة أكثر من 140 ألف شخص وخلف الآلاف من المصابين والمشوهين.. وكتب وزير الخارجية في الكتاب الذهبي للمتحف أن «كل العالم يجب أن يرى قوة هذا النصب ويشعر بها»، وكان قصف هاتين المدينتين سببا لاستسلام اليابان وانتهاء الحرب العالمية الثانية.
كيري الّذي كان أول وزير خارجية أميركي وأرفع مسؤول حكومي في بلده يزور نصب هيروشيما عبر عن «تأثره العميق» أمام «قوة» هذا المكان لكنه لم يعتذر. ولم يجد اليابانيون الذي حملوا مأساة الحرب والإذلال بعد هزيمتهم واستسلامهم أنفسهم أسارى تلك المرحلة المحزنة. خرجوا من أجداث التاريخ يتطلعون للمستقبل، فكانت اليابان معجزة الصناعة والتقدم، والتسامح أيضا، وأصبحت أهم حليف للولايات المتحدة؛ ماذا لو بقيت تلاحق ثاراتها؟
اليابانيون أنفسهم ارتكبوا الفظائع في الحرب العالمية الثانية، ومن بينها تسخير أكثر من ربع مليون فتاة للترويح الجنسي عن جنودها، ساقوهن قسرا من الصين وكوريا والفلبين، كما تساق السبايا، ولم تعتذر اليابان صراحة عما فعلت، ولكنها وجدت ألف سبيل وسبيل للتواصل مع الضحايا والعبور فوق بحور الكراهية، كما لم يسجن الضحايا أنفسهم في ذلك التابوت المظلم، رغم مرارة ما حدث.
أوروبا الجميلة التي نراها اليوم كانت غابة متوحشة بسبب الحروب والصراعات الدموية التي ارتكبت فيها الفظائع، ليس أقلها الحروب الدينية التي أحرقت القارة ونشرت الدمار في أرجائها، وتتالت بعدها حروب مقدسة، تنصب فيها المشانق ويساق الناس للمقصلة باسم الرب، ثم محاكم التفتيش والحروب الصليبية، وانتهاء بحقبة الاستعمار الأسود التي استعبدت نصف الكرة الأرضيّة لصالح المستعمر الأبيض.
جروح أوروبا فيما بينها تداوت واندملت بالتسامح والغفران، وأصبح التاريخ جزء من الذاكرة يتم إيداعه في المتاحف ودور المحفوظات، بينما يتحرر الناس من سطوته وهيمنته.
كل التاريخ كان أودية من دماء ودموع، لكن من يريد أن يغوص فيها؟، ومن يريد أن يسكن تلك الأودية؟.
والسؤال: كيف تحترم التاريخ دون أن تقع فريسته؟، كيف تنعش الذاكرة كيلا تنسى مآسيها دون أن تسكن بيت عزاء، أو تحول حياتك إلى كابوس مستدام؟.
لا يمكن لأحد يسير نحو المستقبل وهو يحمل كل هذا الركام فوق ظهره، سيقع ويتعثر الخطى، وسيجد نفسه قبالة هذه التركة الثقيلة المشحونة بالتعصب والكراهية، ولذلك فكل حروب التاريخ وأحزانه وفجائعه لا بد أن تودع في المتحف يتأملها الزائر كي لا ينسى، وكي لا يعيد أخطاءها، وليستفيد من تجاربها، لكن ليس عليه أن يصنع منها قبورا ويقف حارسا لتلك المقابر.
اليوم أصبح التاريخ عبئا على حاضرنا ومستقبلنا، يقيم علاقاتنا، ويرسم خطوط تواصلنا، ويصيغ شكل الهويات حولنا، ويمنعنا قسرا من رؤية الإنسان الشريك في الوطن والحياة إلا من خلال ظلال التاريخ وقوالبه وأحكامه، لم نعد نتحمّل كل هذا التاريخ أن يسير أمامنا، مكانه الطبيعي خلفنا، المستقبل هو من يجب أن يقودنا.
9:8 دقيقه
حراس المقابر
https://aawsat.com/home/article/615031/%D8%AD%D8%B1%D8%A7%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A7%D8%A8%D8%B1
حراس المقابر
حراس المقابر
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



