مخيم «أمبره» شاهد على مآسي اللاجئين الماليين.. وعددهم تجاوز 100 ألف

«الشرق الأوسط» تعاين الوضع الإنساني الصعب على الحدود الموريتانية ـ المالية

مخيم «أمبره» شاهد على مآسي اللاجئين الماليين.. وعددهم تجاوز 100 ألف
TT

مخيم «أمبره» شاهد على مآسي اللاجئين الماليين.. وعددهم تجاوز 100 ألف

مخيم «أمبره» شاهد على مآسي اللاجئين الماليين.. وعددهم تجاوز 100 ألف

يشكل مخيم «أمبره» الواقع في الحدود المالية – الموريتانية الوجه الآخر للمأساة التي تعيشها دولة مالي، ومشهد يعيد فيه التاريخ المالي نفسه على الأراضي الموريتانية، حيث دبت الحياة من جديد في المخيم البالغ من العمر أكثر من عشرين عاما، فهو يعود إلى الواجهة كلما قرر أحد قادة القبائل في شمال مالي أن يحيي عهد التمرد.
فعلى بعد خمسين كيلومترا من الحدود، وبالقرب من مدينة باسكنو، إحدى كبرى حواضر الشرق الموريتاني، ينتصب مخيم «أمبره» على مساحة كبيرة تجعل منه مدينة من الخيام بنيت على عجل لإنقاذ عشرات آلاف من النازحين الماليين الهاربين من جحيم حرب لا تهدأ إلا لتزداد اشتعالا.

«الشرق الأوسط» قامت بجولة ميدانية في مخيم «أمبره»، الذي تشير بعض التقديرات غير الرسمية إلى أن قاطنيه تجاوزوا مائة ألف لاجئ، أغلبهم من نساء وأطفال العرب والطوارق الذين يؤكدون أنهم فروا من شمال مالي خوفا من التصفية العرقية.

ويقول عمر ولد عمران، أحد السكان العرب الذين فروا من مدينة تمبكتو، لـ«الشرق الأوسط» التي التقته بعد ساعات من وصوله إلى المخيم: «لقد فررنا من تمبكتو منذ بداية العملية العسكرية إلى بادية الظوية (100 كلم شمال تمبكتو)، وبعد أن جاءتنا الأخبار بأن عمليات نهب واسعة استهدفت منازلنا ومحلاتنا التجارية في تمبكتو ودويتري، وأن هنالك تصفيات حدثت في مناطق قريبة منا، قررنا الفرار بأرواحنا إلى موريتانيا».

كان ولد عمران يجلس في كيس سيارة عابرة للصحراء برفقة زوجاته وأطفاله، وقد بدت على الجميع مظاهر التعب والإعياء في نهاية رحلة صحراوية شاقة، حيث يقول: «منذ أن دخلنا الأراضي الموريتانية لم نجد إلا الخير، حيث أصبحنا ننام مطمئنين لأول مرة منذ أسابيع، بعدما كنا لا ننام خوفا من قصف الطائرات الفرنسية، والآن وصلنا إلى مخيم (أمبره) حيث يوجد إخوتنا وأهلنا».

وقبل أن ينزل من السيارة التي نقلته إلى الأراضي الموريتانية قال ولد عمران الذي تجاوز الخمسين سنة: «نحن نطلب من العالم والمجموعة الدولية أن يساووا بين الناس في مالي، وأن لا يتم تغليب جنس على حساب آخر.. فكل ما نريده هو العدالة، فنحن لسنا من السلفيين ولا من الحركة الوطنية لتحرير أزواد، نحن مجرد أناس عاديين نبحث عن مكان آمن للعيش فيه وتربية أطفالنا وتعليمهم».

أمثال ولد عمران كثيرون يأتون إلى المخيم وهم يحملون روايات متعددة حول الأوضاع في مدن شمال مالي، ورغم تضاربها فإن الخوف يبقى هو الرابط الوحيد بينها، حيث تحكي تلك الروايات عن تصفية العرب والطوارق من ذوي البشرة الفاتحة. ويقول أحد اللاجئين لـ«الشرق الأوسط»: «لقد نجوت بأعجوبة من القتل على يد الجنود الماليين في مدينة ديابالي، وذلك حين كنت برفقة ستة رجال من أقاربي عندما أوقفتنا عناصر من الجيش المالي، وبدأ في التحقيق معنا، قبل أن يقتادوا رفاقي فرادى إلى مكان معزول وهناك تمت تصفيتهم، وأثناء ذلك وصل جنود فرنسيون أمروا مباشرة بإطلاق سراحي».

وفي أحد أحياء المخيم التقت «الشرق الأوسط» برجل خمسيني اسمه يب ولد عثمان، كان يعمل مديرا لمدرسة في مدينة ليره المالية، قال إن ابنه البالغ من العمر سبعة عشر عاما قتل من طرف جنود الجيش المالي في مدينة ديابالي فقط لأنه «عربي فاتح اللون، وينتمي إلى جماعة الدعوة والتبليغ».

وأثناء حديثه التفت ولد عثمان إلى صندوق بجواره وأخرج منه بعض الوثائق ليعرضها أمام الكاميرا، من بينها صورة لابنه الذي قال إن الجيش المالي قتله، إضافة إلى أوراق مدنية تثبت أنه مالي الجنسية، قبل أن يقول: «إن الجيش المالي ارتكب جرائم فظيعة في حقنا، فسبق أن قتل أخي وأحد أعمامي في انتفاضة 1992، وما حدث في الأشهر الأخيرة أعاد إلى ذهني تلك الأحزان والمصائب، وأنا لا أفكر في العودة إلى وطني ما دام هنالك من يريد قتلي فقط لأنني عربي».

أما والدة الشاب المقتول فقد رفضت في البداية الحديث لـ«الشرق الأوسط» مكتفية بالبكاء، وأمام إلحاح زوجها على ضرورة الحديث عن تجربتها، قالت: «لن نعود إلى تلك الأرض التي أحرقت فيها قلوبنا، وانتزعت منا فيها فلذات أكبادنا»، قبل أن يقاطعها زوجها: «إنها أرضنا التي سنحيا ونموت فيها، ويوما ما سنعود إلى هنالك».

وقبل توديعهم، قال ولد عثمان: «إن الجرائم لم تتوقف حتى الآن، سمعنا أن الجنود الماليين قتلوا في تمبكتو يوم الأحد الماضي رجلا عربيا أعرفه شخصيا لأنه كان يعمل مديرا لمدرسة (النور المبين)».

تتعدد الروايات والقصص التي يرافقها إحساس بالظلم لا تخطئه العين في وجوه مئات اللاجئين الذين يصلون يوميا إلى مخيمات اللاجئين في الأراضي الموريتانية، وبحوزة كل لاجئ منهم رواية خاصة أتى بها من بوادي الشمال المالي، حيث يؤكد اللاجئون الجدد أن حالة من الذعر انتشرت في أوساط البدو، وتحدثوا عن رجل في المخيم أصيب بالجنون بعد أن فقد أثر زوجته وأبنائه في الصحراء، وهم يحاولون الفرار من إحدى البوادي بعد أن سمعوا باقتراب الجيش المالي منهم.

وفي مستشفى مخيم «أمبره» ترقد سيدة في الثلاثين من العمر، أصيبت بحالة من الهلع الهستيري عندما قصفت الطائرات الفرنسية مدينة تمبكتو التاريخية، فحاولت الفرار لتسقط على سلم منزلها مما تسبب في موت جنينها وتعرضها لعدد من الكسور في مناطق مختلفة من جسدها تطلبت تدخلا جراحيا.

ويقول تيو جوليان لـ«الشرق الأوسط»، وهو أحد أطباء «منظمة أطباء بلا حدود»، التي تشرف على المستشفى المؤقت، وهو الذي عاين السيدة عند وصولها إلى المخيم: «إن هذه السيدة تعاني من حالة نفسية صعبة زيادة على وضعها الصحي المتردي»، مشيرا إلى أن مثل هذه الحالات منتشر بقوة بين نساء المخيم، حيث فقد الكثير من الحوامل أبناءهن وفقد بعض المواليد أمهاتهن.

خلال جولتها الميدانية التقت «الشرق الأوسط» برجل يدعى المهدي أغ اللال، من قبيلة الأنصار الطوارقية، ينحدر من مدينة سيت أغراتن التابعة لمنطقة تمبكتو، قال: «سمعنا أن هنالك عمليات تصفية تعرض لها العرب والطوارق على يد الجيش المالي وبعض السكان المحليين، بالنسبة لأقاربي ومن أعرفه من الناس لم يتعرضوا لهذه التصفية الحمد لله، ولكن بعضهم قتله الذعر الذي سببته هذه الأخبار المتداولة بشكل واسع، وآخرون قتلهم الخوف من الطائرات الفرنسية، حيث فر الكثيرون إلى الصحراء الواسعة دون أن يحملوا معهم زادا أو متاعا».

المهدي أغ اللال كان قد فر إلى موريتانيا منذ بداية الأحداث في يناير (كانون الثاني) 2012، وهو الآن يعمل على استقبال اللاجئين الجدد، وتنظيم أمورهم في مخيم «أمبره» وربطهم بالمنظمات الدولية. وقال: «لم يسبق أن فررت من أرضي، ولكن الوضع كان ينذر بالانفجار في أية لحظة، ونحن أناس ضعاف لسنا على صلة بالسلفيين، فلا أنا ولا أي من أبنائي أو أقاربي يرتبط بهؤلاء الناس، كما أننا لسنا من الحركة الوطنية لتحرير أزواد، ونحن نعارض الانفصال عن مالي لأننا نريد العافية فقط».

وأضاف: «إننا نقبل التعامل مع أي سلطة تأتي لتحكمنا من أجل المحافظة على أمننا وسلمنا. حكمتنا مالي فقبلنا بذلك وتعاملنا معها، وحكمنا السلفيون فقبلنا ذلك لأننا لا نسعى لخلق المشكلات مع أي جهة. والآن ها نحن خارج أرضنا نبحث عن مكان آمن نلجأ إليه بينما ابتلعت الأرض من أشعل هذه الحرب ودفعنا نحن الثمن».

أغ اللال عندما التقيناه كان يستعد للذهاب إلى المستشفى وسط المخيم، وذلك بعد أن التقى من بين القادمين الجدد برجل بترت ساقه اليمنى في عملية جراحية بالجزائر بسبب معاناته من داء السكري، سألنا الرجل المريض: «كيف يمكنني العودة إلى الجزائر لحضور موعد مع طبيبي؟ لقد وجدت نفسي هنا خوفا على روحي من التصفية، وها أنا أخاف أن يقتلني المرض».

كثيرة هي الحالات الإنسانية في مخيم «أمبره» الذي أصبح يعاني من الاكتظاظ الكبير بعد تضاعف اللاجئين فيه بعد العملية العسكرية الأخيرة، حيث أصبحت الخيمة الواحدة ملاذا لأكثر من خمسة أسر، بينما بقي الكثير من اللاجئين بلا مأوى في انتظار اكتمال الأشغال التي بدأتها المفوضية السامية لغوث اللاجئين من أجل بناء مئات الخيام كتوسعة جديدة للمخيم.

وبالتوازي مع اتساع مساحة المخيم وتضاعف ساكنيه يزداد التحدي الأمني أمام السلطات الموريتانية التي خصصت عدة وحدات من الدرك الوطني للمرابطة على مشارف المخيم ومداخله، إضافة إلى دوريات تجوب محيطه البعيد، بينما تتجول دوريات أخرى وسطه وترافق الأجانب العاملين في المنظمات الأممية والدولية.



«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
TT

«تهديدات القراصنة» تثير ذُعر أهالي البحارة المصريين المختطفين في الصومال

مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)
مساعد وزير الخارجية المصري خلال استقباله السفير الصومالي في القاهرة يوم الاثنين (الخارجية المصرية)

انتابت أسر بحارة مصريين مختطفين على متن ناقلة نفط استولى عليها قراصنة قبالة السواحل اليمنية حالة من الذعر والهلع، عقب تداول مقطع فيديو حديث لثلاثة من أبنائهم مقيدين داخل السفينة التي جرى اقتيادها إلى المياه الإقليمية الصومالية.

وكانت ناقلة النفط «M-T Eureka» قد تعرضت للخطف من قبل مسلحين في الثاني من مايو (أيار) الحالي، قرب سواحل شبوة جنوب اليمن، قبل أن تبحر لاحقاً باتجاه خليج عدن وصولاً إلى السواحل الصومالية. ويضم طاقم السفينة 8 مصريين و4 هنود.

وضمن تحركاتها للإفراج عنهم، التقى مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية، محمد كريم شريف، بالسفير الصومالي لدى القاهرة علي عبدي أواري، في وقت متأخر الاثنين، مشدداً على «ضرورة العمل للإفراج العاجل عن جميع البحارة المصريين المحتجزين، وضمان سلامتهم وعودتهم في أقرب وقت». كما برزت متابعة برلمانية وصفت بأنها «دائمة ومستمرة ودقيقة» من لجنة العلاقات الخارجية بمجلس النواب المصري مع وزارة الخارجية، وفق ما قالت وكيلة اللجنة سحر البزار.

وعبرت البرلمانية المصرية في تصريح لـ«الشرق الأوسط» عن اطمئنانها للتحركات الدبلوماسية المصرية، خصوصاً أن «أحداثاً وظروفاً سابقة تعرض لها المصريون في الخارج لقيت استجابة وحلولاً حاسمة من جانب السلطات المصرية بمستوياتها كافة».

ولم يتضمن مقطع الفيديو، الذي وثّق الظهور الأول لثلاثة من البحارة المصريين المختطفين على متن السفينة، أي إشارة إلى تاريخ تصويره أو موقعه، فيما ظهر إلى جوارهم مسلحون من القراصنة الذين نفذوا عملية الاختطاف، وهم يطلقون أعيرة نارية بصورة عشوائية، في مشهد أثار حالة واسعة من الرعب بين البحارة الذين سُمعت استغاثاتهم ومناشداتهم بعدم إطلاق النار عليهم.

أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

وتواصلت النداءات المطالبة بالإفراج عن البحارة عقب انتشار التسجيل المصور، عاكسة حجم القلق الذي يخيّم على أسرهم سواء عبر وسائل إعلام محلية أو صفحات تواصل اجتماعي أطلق مصريون عبرها وسوم «#أنقذوا_طاقم_يوريكا» «_MT #استغاثة» «#حق_البحارة»، تضامناً مع المحتجزين ودعوات لتسريع التحرك لإنقاذهم.

وقال سالم شعبان جابر، شقيق أدهم، طباخ السفينة المحتجزة قبالة السواحل الصومالية، في تصريحات محلية، إن والدته دخلت في حالة انهيار عقب مشاهدتها الفيديو الذي ظهر فيه شقيقه وسط إطلاق نار من القراصنة.

وعلّقت أميرة محمد، زوجة أحد البحارة المختطفين، على الفيديو المتداول بعبارة مقتضبة غلب عليها الألم: «حسبي الله ونعم الوكيل»، وفق منشور عبر حسابها بموقع «فيسبوك»، الذي شهد متابعة وعبارات تضامن ملحوظة.

وخلال لقائه السفير الصومالي بالقاهرة، أكد مساعد وزير الخارجية المصرية أهمية تدخل السلطات الصومالية في هذه الأزمة، والعمل على إطلاق سراح المواطنين المصريين. فيما أبرز السفير أواري الجهود المبذولة لإطلاق سراح البحارة والاتصالات الرفيعة المستوى الجاري اتخاذها في هذا الصدد.

وكانت وزارة الخارجية المصرية قد أعلنت في بيان قبل أسبوع أنها وجهت سفارتها في الصومال بمتابعة التطورات بشكل مستمر، والتواصل على أعلى المستويات لضمان أمن المختطفين وتسريع إجراءات الإفراج عنهم.

وفي توقيت متزامن، قال مساعد وزير الخارجية المصري، حداد الجوهري، في تصريحات تلفزيونية، إن الوزارة تولي الملف اهتماماً بالغاً، وتعمل على توفير الدعم اللازم لأسر البحارة، بالتوازي مع التحركات الدبلوماسية الجارية.

وكان التواصل المباشر قد انقطع بين المخطوفين المصريين وذويهم منذ آخر مكالمة هاتفية مقتضبة جرت قبل نحو أسبوعين.

والمخطوفون المصريون هم محمد راضي المحسب، ومؤمن أكرم أمين، ومحمود الميكاوي، وسامح السيد، وإسلام سليم، ومحمد عبد الله، وأحمد درويش، وأدهم جابر.

ومع تزايد قلق الأهالي والتحركات الحكومية والبرلمانية، أبدى اللواء رضا يعقوب، الخبير المصري المتخصص في شؤون الإرهاب الدولي، تفاؤله بإمكانية حل أزمة البحارة المختطفين في الصومال عبر المسارات الدبلوماسية، «أو حتى من خلال تحرك عسكري إذا اقتضت الضرورة»، وفق تصريحاته لـ«الشرق الأوسط».

ووصف يعقوب ظاهرة اختطاف البحارة بأنها «شكل من أشكال الإرهاب الدولي العابر للحدود»، محذراً من قابليتها للتكرار والانتشار، خصوصاً في البيئات البحرية التي تمثل «مناطق رخوة وخصبة» لنشاط جماعات القرصنة والتنظيمات المسلحة.

وأكد أن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب «جهداً دولياً منسقاً وتعاوناً استخباراتياً عالي المستوى»، لافتاً إلى أن القرصنة البحرية «قد تتحول إلى عدوى تنتقل من دولة إلى أخرى» إذا لم يتم احتواؤها مبكراً.

وأشار إلى أن التنسيق الأمني يعتمد بالأساس على تبادل المعلومات الاستخباراتية، إلى جانب الاستفادة من صور الأقمار الاصطناعية وعمليات المسح الجوي والبحري لرصد المناطق الخطرة وتعقب تحركات الخاطفين.

وعلى مدى سنوات، عرفت سواحل القرن الأفريقي ظاهرة القرصنة التي بلغت ذروتها في 2008 واستمرت على مدى عقد، مسببة اضطراباً واسعاً في حركة الملاحة بالمنطقة، قبل أن تتراجع تراجعاً ملحوظاً لعدة سنوات. إلا أن هذه الأنشطة عادت للظهور مجدداً منذ أواخر عام 2023، بالتزامن مع تصاعد التوترات في الممرات البحرية الإقليمية وازدياد المخاطر على خطوط التجارة الدولية.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


7 خضراوات معلبة تتفوق غذائياً على نظيرتها الطازجة

الشمندر الطازج يتطلب تقشيراً وتقطيعاً ووقت طهو طويلاً نسبياً (بيكسلز)
الشمندر الطازج يتطلب تقشيراً وتقطيعاً ووقت طهو طويلاً نسبياً (بيكسلز)
TT

7 خضراوات معلبة تتفوق غذائياً على نظيرتها الطازجة

الشمندر الطازج يتطلب تقشيراً وتقطيعاً ووقت طهو طويلاً نسبياً (بيكسلز)
الشمندر الطازج يتطلب تقشيراً وتقطيعاً ووقت طهو طويلاً نسبياً (بيكسلز)

لم تعد الخضراوات المعلبة خياراً ثانوياً أو أقل قيمة من الخضراوات الطازجة كما يعتقد البعض؛ إذ يُظهر كثير من الدراسات أن بعضها يحتفظ بقيمته الغذائية؛ بل قد يتفوق في بعض الحالات من حيث الفائدة، وسهولة الاستخدام، وطول مدة التخزين. كما توفر هذه الخضراوات خياراً عملياً يساعد في تقليل الهدر الغذائي وتسهيل إعداد الوجبات اليومية، وفقاً لموقع «هيلث».

1- الطماطم

تُعدّ الطماطم المعلبة من أبرز الأمثلة على الخضراوات التي قد تقدّم فوائد غذائية تفوق الطازجة في بعض الجوانب؛ إذ تؤدي عملية التسخين المستخدمة في التعليب إلى زيادة توافر «الليكوبين»، وهو أحد مضادات الأكسدة القوية المرتبطة بصحة القلب وتقليل خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان.

ورغم أن الطماطم الطازجة تحتوي أيضاً «الليكوبين»، فإن الجسم يمتصه بكفاءة أعلى عند الطهو أو التعليب. كما تُقطف الطماطم المعلبة وتعالَج في ذروة نضجها؛ مما يساعد في الحفاظ على نكهتها وقيمتها الغذائية.

في المقابل، قد تكون الطماطم الطازجة خارج موسمها أقل نكهة، وربما تفقد جزءاً من عناصرها الغذائية خلال النقل والتخزين. لذلك؛ فإن الاحتفاظ بالطماطم المعلبة بأشكالها المختلفة، مثل المقطّعة أو المهروسة أو معجون الطماطم، يُعدّ خياراً عملياً لتحضير الحساء والصلصات واليخنيات والطواجن بسهولة، دون القلق من فسادها السريع.

2- اليقطين

يتطلب تحضير اليقطين الطازج وقتاً وجهداً... لذلك؛ يُعدّ اليقطين المعلب خياراً عملياً ومناسباً في كثير من الأحيان، فهو يوفر الألياف، وفيتامين «إيه» الذي يدعم صحة العين ووظائف المناعة، والبوتاسيوم الذي يساعد في تنظيم ضغط الدم، إضافة إلى مضادات الأكسدة المقاومة للأمراض... كل ذلك في شكل جاهز للاستخدام.

ونظراً إلى أن اليقطين المعلب يُطهَى قبل التعبئة، فإنه يتميز بقوام أنعم ونكهة أعلى تركيزاً، مقارنة بكثير من أنواع اليقطين الطازج. ويمكن استخدامه بسهولة في الحساء، ودقيق الشوفان، والعصائر، والكعك، والفطائر، وحتى صلصات المعكرونة.

3- الشمندر

يتطلب الشمندر الطازج تقشيراً وتقطيعاً ووقت طهو طويلاً نسبياً، بينما يوفر الشمندر المعلب العناصر الغذائية نفسها تقريباً، مثل حمض الفوليك الذي يدعم نمو الخلايا، والبوتاسيوم، والنيترات التي تساعد في تحسين تدفق الدم، ولكن بجهد تحضير أقل بكثير.

وبما أن الشمندر المعلب يكون مطهواً ومُطرّى مسبقاً، فإنه تُمكن إضافته بسهولة إلى السلطات، وأطباق الحبوب، واللفائف، أو استخدامه في الصلصات. كما أن مدة صلاحيته الأطول تسهم في تقليل هدر الطعام، خصوصاً لدى الأشخاص الذين لا يستخدمونه بشكل متكرر.

4- الذرة

غالباً ما تعالَج الذرة المعلبة مباشرة بعد الحصاد؛ مما يساعد في الحفاظ على نكهتها وقيمتها الغذائية. وعلى الرغم من أن الذرة الطازجة تكون مميزة خلال موسم الصيف؛ فإن الذرة المعلبة توفر جودة ثابتة على مدار العام دون الحاجة إلى تقشير أو تحضير.

تحتوي الذرة الألياف، وفيتامينات «بي» التي تساعد في تحويل الطعام طاقةً ودعماً لوظائف الأعصاب، إضافة إلى مضادات الأكسدة، مثل اللوتين والزياكسانثين، التي تدعم صحة العين.

كما تسهّل الذرة المعلبة إضافة الخضراوات إلى وجبات سريعة، مثل التاكو، والشوربات، والسلطات، والطواجن. ويُفضّل اختيار الأنواع المكتوب عليها «من دون إضافة ملح» للتحكم في مستويات الصوديوم.

الذرة المعلبة غالباً ما تعالَج مباشرة بعد الحصاد (بيكسلز)

5- الفاصولياء الخضراء

تفقد الفاصوليا الخضراء الطازجة جودتها بسرعة في الثلاجة، بينما توفر الفاصولياء الخضراء المعلبة حلاً عملياً مع احتفاظها بالعناصر الغذائية، مثل فيتامين «كيه» الذي يدعم صحة العظام وتخثر الدم، إضافة إلى الألياف.

ورغم أن قوام الفاصولياء الخضراء المعلبة يكون ألين من الطازجة، فإنها مناسبة للحساء والطواجن والأطباق الجانبية. كما أنها لا تحتاج إلى تقليم أو طهو بالبخار؛ مما يجعلها خياراً مثالياً للأيام المزدحمة.

ويمكن تقليل نسبة الصوديوم فيها عبر غسلها جيداً قبل الاستخدام.

6- الخرشوف

يُعدّ الخرشوف الطازج الكامل من الخضراوات التي يصعب تحضيرها؛ إذ يتطلب تقليماً وطهواً طويلاً قبل الوصول إلى الأجزاء الصالحة للأكل. أما قلوب الخرشوف المعلبة فتجعل تناوله أسهل وأكبر راحة.

ويحتوي الخرشوف أليافاً ومركبات نباتية، مثل السينارين، إضافة إلى مضادات أكسدة أخرى قد تدعم عملية الهضم من خلال المساعدة في تكسير الدهون وتعزيز وظائف الكبد الطبيعية.

ويكون الخرشوف المعلب مطهواً مسبقاً وطرياً؛ مما يجعله سهل الإضافة إلى أطباق المعكرونة، والسلطات، والبيتزا، والصلصات، وأطباق الحبوب. وتُعدّ الأنواع المحفوظة في الماء الخيار الأفضل عند الرغبة في تقليل الصوديوم أو الزيت.

الخرشوف الطازج الكامل يُعدّ من الخضراوات التي يصعب تحضيرها (بيكسلز)

7- البازلاء

تتميز البازلاء الطازجة بموسم قصير، كما تبدأ فقدان حلاوتها سريعاً بعد الحصاد. أما البازلاء المعلبة، فتُعدّ خياراً عملياً غنياً بالألياف والبروتين النباتي، إضافة إلى فيتامين «سي» الذي يدعم المناعة، وحمض الفوليك.

وتناسب البازلاء المعلبة كثيراً من الأطباق، مثل الحساء، والفطائر، وأطباق الأرز، وسلطات المعكرونة. كما أن سعرها المناسب، وقدرتها على البقاء طويلاً، يجعلانها خياراً مثالياً لتوفير خضراوات جاهزة في المنزل دون الحاجة إلى التسوق المتكرر.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended