الكزبرة.. استخدمت لتحسين مذاق الطعام منذ بدايات العصر الحجري الحديث

قبل أن يحولها أهل اليونان إلى عطر

الكزبرة.. استخدمت لتحسين مذاق الطعام منذ بدايات العصر الحجري الحديث
TT

الكزبرة.. استخدمت لتحسين مذاق الطعام منذ بدايات العصر الحجري الحديث

الكزبرة.. استخدمت لتحسين مذاق الطعام منذ بدايات العصر الحجري الحديث

لطالما استخدم الناس الكزبرة الخضراء في مختلف الأطباق لتحسين مذاق الطعام ومنحه بعدا آخر.
وكانت والدتي كالكثير من أبناء جيلها - وكما يفعل الهنود مثلما اكتشفت مؤخرا - تعمل على تنظيف الكزبرة، وغسلها قبل تقطيعها وفرمها وقليها مع فصوص الثوم المشرحة بالزيت مع الملح والفلفل الأسود المطحون. وبعد القلي كانت تضيفها إلى اليخنة نهاية عملية الطبخ أو قبل خمس دقائق أو عشر دقائق من الانتهاء من الطبخ، وخصوصا يخنة الفاصوليا والأرز الملوخية والبامية والسبانخ وغيره من اليخنات الفلسطينية واللبنانية التقليدية الطيبة.
وتعتبر هذه الطريقة باختتام وتتويج طبخ الأطباق التقليدية من أحد أعمدة المطابخ الآسيوية وخصوصا المطابخ الهندية والبنغالية والباكستانية. ويطلق عليها عادة اسم «تادكا - Tadka وأحيانا شونك - Chaunk باللغة الهندية (مثلا قلي الزنجبيل مع حبوب الكمون والخردل الأسود والفلفل الأخضر الحار والطازج والقرنفل والثوم وأوراق الكاري والشمرة والحلبة والبصل بالسمنة). وتعني كلمتي تادكا وشونك بالإنجليزية تامبرينغ - Tempering، أي ضبط درجة النغم بالعربية أو لطف أو عدل. وبكلام آخر أن هذه العادة التي نستخدم فيها الكزبرة في بلداننا هي اللمسات الأخيرة على أطباقنا المفضلة كما يفعل الفرنسيون وغيرهم مع الفلمبيه Flambé نهاية الطبخ لتلهيب وتنشيط الطعم إلى أقصى حد.
الكثير من دول العالم تستخدم الكزبرة في مآكلها، مثل دول جنوب شرق آسيا، دول جنوب آسيا، دول أميركا اللاتينية، الدول الأفريقية، الهند، الصين، البرتغال، دول القوقاز، ودول وسط آسيا، دول حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد انتشر استخدامها مؤخرا في الكثير من البلدان الأوروبية الشمالية، ويمكن العثور عليها في الكثير من المحلات التجارية بسبب العولمة واتساع رقعة التجارية العالمية. ومع هذا فإن أكثر ما تستخدم الكزبرة، في الشوربة الصينية وخلطة بهارات الماسالا الهندية والسلسا المكسيكية.
وعادة ما يستغل الناس كل عناصر النبتة، أي أوراقها وجذوعها وحبوبها، لكن الأوراق والحبوب ما يستخدمه الناس عادة للطبخ رغم الفرق الكبير في طعم كل منها. ويكثر استخدام الأوراق في دول جنوب آسيا والمكسيك والصين وتايلاند وخصوصا في السلطات والصلصات التي تعرف باسم تشاتني - Chutney (أنواع من الأطباق المصنوعة من خليط من الخضار والتوابل الحارة التي تستخدم كمادة مرافقة للطبق الرئيسي لتساعد على ترطيب الطعم أو تغييره - ومنها ما هو حلو ومنها ما هو حار). وفيما يستخدمها الكثير من الناس في تزيين الأطباق، يستخدمها الهنود في صناعة أطباق الدال - Dal المصنوعة من العدس والحبوب، ويستخدمها البعض بكثرة في الأطباق التقليدية قبل التقديم.
وكما هو معروف فإن لجذور الكزبرة طعم قوي أقوى من الأوراق، ومه هذا تستخدم كثيرا في الأطباق الآسيوية وخصوصا في تايلاند وفي تحضير معجون الكاري في الأطباق الهندية.
يكثر استخدام حبوب الكزبرة أيضا قبل طحنها في الأطباق الآسيوية والهندية وخصوصا أطباق الكاري وعمليات تحضير الغرام ماسلا (تضم أيضا الكمون والقرنفل وجوز الطيب والقرفة والفلفل الأسود وورق الغار وحب الهال). ويفضل أن تستخدم الحبوب طازجة لأنها تفقد طعمها بشكل سريع. ويكثر استخدام حبوب الكزبرة في طبقي السامبار والراسام في جنوب الهند وهما طبقان يعتمدان على التمر الهندي والكثير من التوابل. وفيما يلجأ البعض إلى تناول الحبوب محمصة، يستخدمها البعض في تصنيع المخللات أو الكبيس وفي صناعة الخبز والنقانق.
الاسم العلمي للكزبرة هو «كورياندوم ستافيوم» - Coriandum Sativum ويطلق على الكزبرة اسم «كورياندا» باللغة الإنجليزية (coriander)، ويعود أصل الكلمة الإنجليزي إلى الفرنسية القديمة - coriander الذي يتدرج نفسه من اللغة اللاتينية –«كورياندروم» - coriandrum المأخوذ عن اليونانية القديمة κορίαννον - koriannon. كما يتدرج الاسم الإسباني سيلانترو - Cilantro من الاسم اللاتيني أيضا ويستخدم بكثرة في أميركا الشمالية للتدليل على ورق الكزبرة التي تستخدم بكثرة بدورها في المكسيك.
ومعنى كزبرة في معجم اللغة العربية المعاصرة كزبرة: «كسبرة؛ نبات عشبي من فصيلة الخيميات أو البقدونسيات، أوراقه وردية اللون أو بيض، أزهاره صغيرة القد، يستعمل تابلا وتضاف أوراقه إلى بعض المآكل، ويدخل في تركيب بعض المشروبات، كما يستعمل في الأدوية ضد الصداع والتشنج، وهو هاضم ومقو كزبرة خضراء. كزبرة بيرجبلية: نبات عشبي بري معمر من الطحالب. يكثر في الأماكن الرطبة الظليلة. وهو من النباتات الصحية، ويستعمل استعمال الشاي، لكنه يحث على النوم. كزبرة ثعلب: نبات عشبي طبي معمر، وقد يزرع فيؤكل ورقه في السلطة، وله طعم خاص».
وتقول الموسوعة الحرة: القزبر والقسبر أو الكزبرة أو الكسبرة أو التقدة، وهي نبات عشبي حولي يتبع الفصيلة الخيمية.
وتضم الفصيلة الخيمية عادة البقدونس والشبت والجزر والكمون واليانسون والطكرفس والكراويا والقزع. ومن أجناس هذه الفصيلة: الخلة – الدبيق – الكاشريس.
لا يعرف الكثير عن أصول الكزبرة، لكن المعلومات المتوفرة تشير إلى أن تاريخ هذه النبتة الطيبة والبرية يعود إلى 5000 قبل الميلاد، وكان موطنها الأول غرب آسيا أو جنوب أوروبا وما يعرف بحوض البحر الأبيض المتوسط. وقد جاء ذكر الكزبرة بالكتابات السنسكريتية وكانت من المواد التي تترك في قبور الفراعنة وعثر على سلتين منها في قبر توت عنخ آمون.
وقد ذكر «بليني» أن أفضل أنواع الكزبرة التي ترد إلى إيطاليا كانت من مصر، ولقد ذكرت الكزبرة في بردية إيبرس 17 مرة وفي بردية برلين ثلاث مرات، وجاءت أيضا في بردية هيرست، والدليل على أهمية الكزبرة من الناحية العلاجية أنها ذكرت في سفر الخروج من التوراة.
ولطالما اعتقد الإغريق قديما أنها من النباتات التي تحسن القدرات الجنسية، وتحدث الطبيب ديوسكوريديس قديما كثيرا عن فوائدها الصحية.
وتم العثور على آثارها في اليونان في بيلوس في منطقة البيلوبونيس الشهيرة، وكانت تستخدم في القرن الثاني قبل الميلاد لاستخراج العطر وتستخدم حبوبها كبهارات للطبخ أوراقها أعشاب صحية وطبية.
اكتشف علماء الآثار بقايا الكزبرة في موقع أو كهف نحال حيمر قرب البحر الميت في فلسطين يعود تاريخها إلى ما قبل العصر الحجري الحديث أو في بداياته (بين 5500 و8500 قبل الميلاد).
ويقال إن الصينيين دأبوا على استخدام الكزبرة منذ مئات السنين في الطبخ، وقد وصلت إلى هناك أثناء حكم سلالة هان عام 202 قبل الميلاد. وككل الثقافات والحضارات والثقافات الأخرى. وقد انتشرت زراعة الكزبرة في الولايات المتحدة الأميركية وخصوصا في ماساتشوستس منذ بداية القرن السابع عشر، وكانت من أولى الأعشاب التي بدأت المستعمرات الأميركية بزراعتها في العالم الجديد. ومن أميركا جاءت الكزبرة إلى بريطانيا نهاية القرن السابع عشر.
وبدأ الفرنسيون لأول مرة بتقطير الكزبرة في القرن ذاته لاستخراج الكحول منها.
تحتوي الكزبرة مواد هامة ولهذا كان لها نصيب كبير في الاستخدامات الطبية منذ قديم الزمان، وأهم هذه المواد، مركباته اللينالو، الليمونين، الزيت الطيار، الزيوت الدهنية، والبورنيول وبارا سايمن، الفاباينين، الكافور، الجيرانيول، كومارينات، فلافونيدات، فثاليدات، بالإضافة إلى البوتاسيوم والكالسيوم والمغنسيوم والحديد وفيتامين سي. ومن ناحية هذه الاستخدامات الطبية التاريخية فقد قال أبقراط: «إن في الكزبرة حرارة وبرودة وهي تزيل روائح البصل والثوم إذا مضغت رطبة ويابسة».



الشيف مايكل رفيدي يقدم نكهات رام الله بواشنطن

مطبخ مفتوح وروائح فواحة تنبعث منه (نيويورك تايمز)
مطبخ مفتوح وروائح فواحة تنبعث منه (نيويورك تايمز)
TT

الشيف مايكل رفيدي يقدم نكهات رام الله بواشنطن

مطبخ مفتوح وروائح فواحة تنبعث منه (نيويورك تايمز)
مطبخ مفتوح وروائح فواحة تنبعث منه (نيويورك تايمز)

خلال العشاء في مطعم «ألبي» الفلسطيني بواشنطن العاصمة، يقدم أحد النُدل صينية عليها مناشف يد ساخنة. عند فتح إحداها، فاجأتني تلك الرائحة العطرة التي فاحت منها؛ إنها رائحة جولة شديدة العذوبة وسط زهور تنمو على حجر تحت أشعة الشمس.

ربما يقدم مطعم آخر شيئاً بين الأطباق الرئيسية لتنظيف الفم، لكن هنا يبدو أن الروح هي الهدف.

منشفة اليد مجرد جزء من تفاصيل كثيرة ينتبه إليها العاملون في «ألبي» بهدوء، ودون لفت للأنظار في قاعة الطعام ذات الإضاءة الصفراء بلون الكهرمان المطلّة على الماء، التي كانت صناعية في الماضي، والتي تغطي أرضيتها سجاجيد منسوجة مفروشة تحت الطاولات، ومعلّق بها ستائر بلون الزعفران من السقف حتى الأرض، عازلة المكان عن العالم الخارجي.

إن هذا ما تتوقعه من عشاء جيد. المفاجئ في هذه الأجواء الراقية هو الشعور بالمتعة الواضحة الجلية؛ بل حتى إنه يمكن وصفها بحقيقتها؛ وهي المرح.

يعتبر "ألبي" من أشهر المطاعم الشرق أوسطية في واشنطن (نيويورك تايمز)

ربما تبدأ الوجبة بورقة مكتوب عليها بخط اليد وتحمل رسماً، وتكون مختلفة كل مرة. وفي يوم ملبّد بالغيوم، كُتب على الورقة، التي حصلت عليها، «رغم أن الطقس ربما يكون كئيباً وتخيّم عليه الغيوم، بالتأكيد وجودك يضيء المكان». ويمتد موقد أرضي طوله 10 أقدام وفرن جانبي يُوقد بالخشب بطول الجزء الخلفي من المطبخ المفتوح. يمرّ كل شيء على القائمة تقريباً عبر لهيب النار.

التمر المشوي الوارد من البحر الميت رائع وكبير، ويُقدم ساخناً مثل الكستناء على عربات الشوارع في الشتاء. إنه لذيذ ومكرمل، ومغطى بالسمن المنوقع في رأس الحانوت، وهو خليط من البهار الشمال أفريقي الترابي الدافئ من الداخل. تخفف عصرة الليمون حدّة ودسامة الطبق، وتجعل رشة من الملح حلاوته أكثر قوة.

ويمكن قياس مقدار الشعور بسعادة تناول وجبة في «ألبي» بالخبز الذي يشبه خبز البيتا، لكنه أكثر امتلاءً، ويُقدم كل منها على الطاولة ويؤكل في الهواء الطلق، وسرعان ما تُطهى كل الرطوبة في العجين على البخار في حرارة الفرن الجنونية. ويستخدم الطاهي مايكل رفيدي العجين اللاذع؛ لذا يوجد مذاق حاد ولمحة من الحياة البرية في نكهته.

إنه يخلط مع العجين البطاطس أيضاً، لجعله هشاً بدرجة كبرى. هل هذا يفسر لماذا تظهر عليه فجوات مميزة، لكن دون أن يفرغ منه الهواء، بعد أخذ المرء قطعة منه؟

تظهر الأزهار، التي تُستخدم في بلاد الشام لقرون بوصفها طعاماً ودواء، على القائمة. ويمنح زيت أزهار البرتقال عمقاً حلو المذاق؛ مثل عسل النحل لقطع اليوسفي وتوازن أعلى كرات اللبنة المغمسة بزيت الزيتون، حتى تصبح كثيفة ومخملية مثل الجبن. وتُنثر أجزاء متفرقة من بتلات الزهور على هالة من «الميرينغ» أعلى طبق المهلبية، وهو بودينغ اللبن اللين المهتز. يُغمر ثمر الورد، الذي يشبه ثمار التوت الأحمر الصغير، في شراب ليمثل قاعدة وأساس مشروب كوكتيل فوّرا منعش.

أطباق تقليدية مع لمسات عصرية (نيويورك تايمز)

من التقليدي طحن براعم الزهور مع الـ«بانغ تارت» (فطائر التارت التلايلاندية) لتكوين خليط من البهار يُستخدم في إعداد الكبّة النية، وهو طبق من اللحم النيئ قليل الدهن الذي يُفرى مع البرغل حتى يصبح قوامه «ناعم كريمي». ويقدّر رفيدي هذا، ثم يرتجل، حيث يقدم نسختين من الطبق كل ليلة، تكون إحداهما دائماً نباتية. كان هناك خلال فصل الشتاء بنجر (شمندر) مشوي ذو مذاق حلو قليلاً مع لحم الضأن المعطر بالمسك، بفضل مذاق السماق. وفي الربيع، كان هناك طبق من تونة الزعنفة الصفراء المتألقة مع البازلاء المدخنة على البارد، لتعطي مذاقاً يشبه اللحم مع بقاء أثره على اللسان.

حتى الأصناف المألوفة تُقدم بشكل جديد، مثل المحار المدهون بالزبد والموضوع مباشرة على الفحم، والذي يحمل قوة مشروب العرقسوس؛ وهو مشروب يعود إلى العصور الوسطى باليانسون. تُقّطع البطاطس إلى شرائح رقيقة، ثم تُخبز وتُضغط وتُقلى في زيت غزير، وتُقدم على شكل صف طويل من المكعبات الذهبية المتقنة التي تشبه في مذاقها مذاق الشاورما المقطوعة من السيخ.

هل من الممكن تحسين طبق دون خسارة طبيعته الريفية الأصيلة الجوهرية التي تمثل قلبه؟ لا أعتقد أنني قد ذقت حمّصاً أفضل من الحمص الذي يُقدم هنا في هذا المطعم، سواء كان يعلوه فطر الموريل وصفار البيض فاقع اللون المطهو في الدهن، أو الفول المدمس المعدّ من فول غير مطهو بشكل زائد على الحد، فإنه مشوي داخل غلافه الخارجي، ثم تزال قشرته وتُوضع فوقه التتبيلة بعد ذلك.

نشأ رفيدي، الذي يدير أيضاً مطعم «لا شوكران» الصغير، وهو نصفه باريسي ونصفه بيروتي، وكذلك مقهى «يلو»، في ولاية ماريلاند وله جذور في الضفة الغربية، فجداه لأبويه من رام الله. وهو طفل، كان يأكل الصفيحة (فطائر اللحم) باردة من الثلاجة ليلاً، وقد كان طبقه المفضل الذي تعدّه جدته؛ وهو لحم ضأن مفري مبهّر مع الخضراوات، ويُثخن بالطحينة، ويُخبز على شرائط من العجين نفسه مثل الخبز المتحدي للجاذبية.

مع ذلك، كان الطابع الأولي لمطعم «ألبي»، الذي كان افتتاحه عام 2020، أقرب إلى الشام. ولجذب الزبائن إلى المطعم، أراد جعله «سهل التقرب منه»، على حد قوله. وكانت هناك كلمات عربية أقل في قائمة الطعام.

الشيف مايكل رفيدي في مطبخه (نيويورك تايمز)

شعر رفيدي، الذي تدرب على أصناف المطبخين الفرنسي والأميركي الجديد، بأنه لا يزال في مرحلة تعلم طهو أجداده؛ لقد سافر إلى رام الله للمرة الأولى عام 2022، وكان أول طبق أعدّته له عائلته هناك هو البازلاء، وهو يخنة مشبعة من البازلاء توضع على الأرز المضاف إليه شعرية محمرة مكسّرة، والتي تظهر حالياً في «ألبي»، إلى جانب لحم بقري من الضلوع الضخمة المشوية.

الربيع الماضي، أغلق المطعم أبوابه لإجراء أعمال التجديد، وعند إعادة افتتاحه، رأى أن الوقت قد حان للحديث بشكل مباشر أكثر عن تراثه. لقد أضاف إلى قائمة الطعام طبق المقلوبة، وهي مثل كعكة ملمّعة من الأرز مع طبقات اللحم والخضار، التي تُقلب، ومن هنا جاء اسمها، بحيث تصبح الحبوب المقرمشة في الأعلى. ويطهو رفيدي الأرز جزئياً في مرقة السلطعون، ويتركه ليجف لمدة يوم من أجل الحصول على طقطقة مثالية، ثم يقلي السلطعون، ويصنع الطبقات ويطهو كل شيء معاً.

وعلى جانب؛ توجد دقّة السلطعون الغزاوية، والطماطم المهروسة، والفلفل الحار والسلطعون، المخمّران بالليمون والشبت، ويكون ساخناً بشكل منعش وبارد في آن واحد. تعلّم رفيدي إعداد الدقّة من ليلى الحداد، وهي مؤلفة كتاب طهو فلسطينية تقيم في ماريلاند. ويمثل السلطعون خليج تشيزابيك والسلطعون الأزرق الذي يصطادونه من مياه غزة، والذي يعدّ متوفراً تاريخياً، حيث يُطلق عليه «الذهب الأزرق».

لاحظ رفيدي أنه من الصعب إعداد هذا الصنف، الذي عادة ما يُقدم في الولائم، على نطاق صغير محدود. وأفضل طريقة هنا هي السفرة (165 دولاراً للفرد)، وهو وجبة من 5 أطباق رئيسية تتجاهل الحسابات الرياضية بكل سرور، إلى جانب أطباق تنتشر على الطاولة مثل أرغفة الخبز والأسماك.

ربما يكون الهوس حتمياً في أي مطعم على هذا المستوى. ويُمنح كل طبق، وكل لفتة، كثيراً من الوقت والجهد. مع ذلك، لا يكون أي من ذلك بهدف التفاخر، حيث لا يهتم رفيدي فحسب بالمثالية المجردة؛ ولكن ببناء عالم متحقق بالكامل، ونابض بالحياة في كل تفاصيله، وجعله عالمك.

الشيف مايكل رفيدي (نيويورك تايمز)

لا يوجد تبجيل هادئ مهموس، ولا مسافة الحذر التي يُحرَص عليها في معابد الطعام الأخرى. الخدمة متقنة راقية، لكنها أيضاً دافئة وذات طابع شخصي، حيث يشعر المرء بالاهتمام بشكل عاطفي. عند عودتي إلى المكان في زيارة أخرى، سأل أحد النُدل عن ابنتي، وتذكر المحادثات التي أجريناها منذ شهرين.

في وقت تستطيع فيه المطاعم الفاخرة الراقية أن تبدو لامعة ومتألقة على السطح، من اللطيف والمهدئ للنفس الوجود في مكان تكون فيه المتعة ملموسة وواضحة. ربما يكون بيت شعر للرومي، وهو مخفي قليلاً على قائمة مشروبات الكوكتيل، مثل رسالة، وهو: «أعرف أنك متعب؛ لكن تعال... هذا هو الطريق».

* خدمة «نيويورك تايمز»


ما ميزة القطفة الأولى من شاي دارجيلنغ؟

ما ميزة القطفة الأولى من شاي دارجيلنغ؟
TT

ما ميزة القطفة الأولى من شاي دارجيلنغ؟

ما ميزة القطفة الأولى من شاي دارجيلنغ؟

مع بداية الربيع في مرتفعات دارجيلنغ عند سفوح جبال الهيمالايا، تبدأ أول براعم الشاي الظهور بعد أشهر من السكون الشتوي. وتُعرَف هذه المرحلة باسم «القطفة الأولى»، وهي فترة قصيرة ينتظرها خبراء الشاي وهواة مذاقاته الدقيقة؛ لأنها تمنح الأوراق خصائص مختلفة عن بقية مواسم الحصاد، ففي هذا الوقت من العام تكون البراعم طرية، والعطر أكثر صفاءً، والنكهة أقرب إلى الخفة والانتعاش، ما يجعل الفنجان انعكاساً مباشراً لبداية الموسم وتحوّلات الطبيعة.

تعود خصوصية شاي دارجيلنغ إلى البيئة التي ينمو فيها بقدر ما تعود إلى طريقة إنتاجه، فالمنطقة الواقعة في شمال شرقي الهند تتميّز بارتفاعاتها الشاهقة، وضبابها المتكرر، وتربتها الغنية، وتفاوت درجات الحرارة بين النهار والليل. هذه العناصر الطبيعية تمنح الأوراق نمواً بطيئاً نسبياً، وتساعد على تكوين طبقات عطرية دقيقة قد تجمع بين اللمسات الزهرية والفاكهية والعشبية الخفيفة، ولهذا يوصف شاي دارجيلنغ غالباً بأنه من أكثر أنواع الشاي تعبيراً عن المكان الذي يأتي منه.

وتبرز مزايا القطفة الأولى في قوامها الخفيف ونكهتها المتوازنة، فهي لا تحمل كثافة الشاي الأسود التقليدي، ولا تميل إلى المرارة الواضحة إذا حُضّرت بعناية، بل تُقدّم مذاقاً ناعماً ومشرقاً يناسب من يفضّلون المشروبات الأقل ثقلاً. وقد تظهر في الكوب ملامح تشبه العنب الأبيض أو الزهور الربيعية أو العسل الخفيف، مع نهاية نظيفة لا تطغى على الحواس، لذلك يُنظر إلى هذه القطفة على أنها تجربة تذوّق أكثر من كونها مشروباً يومياً عادياً.

ولا تنفصل جودة هذا الشاي عن طريقة القطف اليدوي التي تعتمد غالباً على اختيار «ورقتين وبرعم» من أعلى النبتة، هذه الدقة في الحصاد تساعد على الحفاظ على الأوراق الصغيرة في أفضل حالاتها، وتمنح المنتج النهائي نقاءً في الطعم ووضوحاً في الرائحة. كما أن سرعة نقل الأوراق بعد قطفها، وطرق التجفيف والأكسدة، تؤثر في النتيجة النهائية، إذ إن أي اختلاف بسيط في المعالجة قد يغيّر لون المشروب وقوامه وحدّة نكهته.

ومن الناحية الثقافية، يشكّل الشاي جزءاً من الهوية اليومية في دارجيلنغ، حيث ترتبط مزارعه بتاريخ طويل من العمل الزراعي والخبرة المتوارثة، فالقطفة الأولى ليست مجرد محصول مبكر، بل إشارة إلى بداية دورة جديدة في المزارع، وإلى العلاقة المستمرة بين السكان المحليين والأرض والمناخ. وتمنح هذه الخلفية الشاي بُعداً إضافياً يجعله مرتبطاً بالحِرفة وبالظروف الطبيعية التي لا يمكن فصلها عن مذاقه.

وتُعد علامة «تي دبليو جي تي» من بين أشهر علامات بيع الشاي؛ لأنها تُعول على محصولها من الشاي مباشرة من مزارع الشاي الأصلية موثوقة المصدر. وتشتهر أيضاً بابتكاراتها الحصرية، إذ تُقدم مجموعة واسعة من خلطات الشاي المصنوعة يدوياً.

فمع بداية كل ربيع، تبدأ العلامة رحلتها إلى جبال الهيمالايا بحثاً عن أندر القطفات وأكثرها تميّزاً لتصدر بعدها محصولها المحدود الذي يضم طبقات من الفواكه والمكسّرات المحمّصة، ضِمن نكهة معقّدة ومتوازنة تترك أثراً طويلاً على براعم التذوّق.

وللحصول على أفضل ما يقدّمه هذا الشاي، يُفضَّل تحضيره بماء لا يبلغ درجة الغليان الكامل، مع مدة نَقع قصيرة نسبياً؛ حتى لا تفقد الأوراق رقتها أو تتحول النكهة إلى حدّة زائدة، كما يُنصَح بتذوقه دون حليب أو إضافات في البداية؛ لأن مزاياه الأساسية تكمن في طبقاته الخفيفة وتفاصيله العطرية، وبذلك يقدِّم شاي دارجيلنغ، ولا سيما قطفته الأولى، مثالاً على كيف يمكن لعوامل بسيطة مثل الارتفاع والمناخ والتوقيت والحرفة أن تصنع مشروباً ذا شخصية واضحة ومذاق متفرّد.

في الخلاصة، تتجمع مزايا شاي دارجيلنغ في توازن نادر بين خفة القوام، وصفاء العطر، وتعدد النكهات الطبيعية التي تصنعها المرتفعات والمناخ وطريقة القطف اليدوي. فالقطفة الأولى تمنح الفنجان طابعاً ربيعياً واضحاً يجمع بين الرقّة والانتعاش، ويجعل هذا الشاي خياراً مناسباً لمن يبحثون عن مذاق هادئ ودقيق يعكس منشأه أكثر مما يعتمد على الإضافات أو المعالجة الثقيلة.


الجزر... لون ونكهة

شريحة من كعكة الجزر مع كريمة الجبن
شريحة من كعكة الجزر مع كريمة الجبن
TT

الجزر... لون ونكهة

شريحة من كعكة الجزر مع كريمة الجبن
شريحة من كعكة الجزر مع كريمة الجبن

قد يبدو الجزر مكوناً عادياً في المطبخ، لكنه قادر على لعب أدوار متعدِّدة في أطباق لا حصر لها، مانحاً إياها اللون والنكهة والقيمة الغذائية في آنٍ واحد.

ولا يكتفي الجزر بإضافة لونه البرتقالي الزاهي إلى الأطباق، بل يمنحها أيضاً مذاقاً متوازناً يجمع بين الحلاوة الطبيعية والنكهة الخفيفة؛ ما يجعله شريكاً مثالياً للحساء والسلطات والأطباق المشوية واليخنات، وحتى المخبوزات والحلويات.

ويرى الشيف المصري سيد إمام أنَّ الجزر من أكثر الخضراوات التي تتمتَّع بمرونة كبيرة في الطهي، إذ يمكن توظيفه في عشرات الوصفات دون أن يفقد شخصيته المميزة. ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «إن قيمته لا تقتصر على الجانب الغذائي فحسب، بل تمتد إلى قدرته على تحسين النكهة وإضفاء عمق طبيعي على كثير من الأطباق من دون الحاجة إلى إضافات كثيرة».

ويتميَّز الجزر بغناه بالبيتا كاروتين، إلى جانب احتوائه على الألياف الغذائية ومجموعة من مضادات الأكسدة المهمة. ومن هنا ارتبط اسمه دائماً بدعم صحة العينين، وتعزيز المناعة، والمساعدة على تحسين عملية الهضم.

كما أنه من الخضراوات منخفضة السعرات الحرارية؛ ما يجعله خياراً مفضلاً للراغبين في اتباع نظام غذائي متوازن.

وسرُّ مكانة الجزر في المطابخ حول العالم يعود إلى نكهته المتوازنة التي تجمع بين الحلاوة الخفيفة والعمق الطبيعي؛ ما يجعله قادراً على التكيُّف مع وصفات لا حصر لها، وفق تعبير إمام.

وأضاف: «عند تناوله طازجاً يمنح إحساساً بالانتعاش والقرمشة، بينما تتحوَّل نكهته تدريجياً عند الطهي إلى مذاق أكثر حلاوة وعمقاً». ويتابع: «أما عند شوائه في الفرن فتظهر نكهة السكر الطبيعية فيه بشكل أوضح، فتتشكَّل على سطحه طبقة خفيفة من الكراميل تضفي عليه طابعاً شهياً من الصعب مقاومته».

والجزر من المكونات التي تنسجم بسهولة مع طيف واسع من التوابل والأعشاب؛ فالكمون والكزبرة والزنجبيل والكركم تبرز دفء نكهته.

بينما تمنحه الحمضيات؛ مثل البرتقال والليمون قدراً من التوازن والانتعاش، كما يتناغم بصورة لافتة مع الشبت والبقدونس والكزبرة الخضراء، فضلاً عن الطحينة والزبادي واللبنة التي تضيف إليه ملمساً كريماً ونكهات شرقية محببة.

الطهي الهادئ يبرز عمق نكهة الجزر

وصفات مهمة

من أكثر الوصفات التي تبرز جمال هذا المكون البسيط، شوربة الجزر المشوي بالزنجبيل، بحسب إمام.

ويرى أن سرَّ نجاح هذه الشوربة يكمن في شوي الجزر أولاً قبل إضافته إلى المرق؛ فهذه الخطوة تمنحه عمقاً إضافياً في الطعم، وتضاعف من حلاوته الطبيعية.

ويوضح أنَّه لتحضير هذه الشوربة يُقطَّع الجزر إلى شرائح متوسطة، ويُقلب بقليل من زيت الزيتون، ثم يُشوى حتى يكتسب لوناً ذهبياً.

قليل من الأعشاب والتوابل كفيل بتحويل الجزر إلى طبق رئيسي

وفي قدر منفصل يُغلى مرق الخضراوات مع قطعة من الزنجبيل وغصن من الزعتر، ثم يُضاف البصل والثوم المكرملان والجزر المشوي.

وبعد أن تنضج المكونات تُهرَس حتى تصبح ناعمة القوام، ثم تُقدَّم مع رشة من الزعتر الطازج أو قليل من الفلفل الأسود.

والنتيجة شوربة مخملية القوام، غنية بالنكهات الدافئة والمتوازنة، تكشف كيف يمكن لعدد محدود من المكونات أن ينتج طبقاً غنياً ومتوازناً في النكهة.

ولا تتوقف استخدامات الجزر عند الشوربات؛ إذ يحتل مكانة بارزة في أطباق الخضراوات المشوية؛ فعند مزجه مع البطاطا الحلوة والبصل الأحمر والشمندر، ورشه بزيت الزيتون وقليل من عصير البرتقال الطازج، يتحوَّل إلى طبق جانبي متكامل يرافق المشويات وأطباق اللحوم والدواجن.

وخلال عملية الشوي تبرز الحلاوة الطبيعية للخضراوات وتتداخل نكهاتها لتمنح الطبق مذاقاً أكثر عمقاً.

شوي الجزر

ويقدِّم الشيف سيد إمام مجموعة من النصائح للحصول على أفضل نتيجة عند شوي الجزر، أهمها تقطيع القطع بأحجام متقاربة لضمان نضجها بالتساوي.

وعدم تكديسها داخل الصينية حتى تسمح الحرارة بتكوين اللون الذهبي المطلوب، كما يُفضَّل إضافة الأعشاب الطازجة في الدقائق الأخيرة من الطهي للحفاظ على عطرها ونكهتها.

وفي السلطات يؤدي الجزر دوراً مختلفاً تماماً؛ فبشره طازجاً يضيف قرمشة محببة ولوناً زاهياً يجعل الطبق أكثر جاذبية.

ويقترح إمام مزجه مع السمسم المحمص وبذور عباد الشمس واللوز والزبيب الذهبي للحصول على سلطة غنية بالقوام والنكهات.

أما التتبيلة، فتتكون من عصير الليمون وزيت الزيتون وقليل من الخردل والعسل، وهي كفيلة بتحويل المكونات البسيطة إلى طبق منعش يناسب وجبات الغداء الخفيفة، أو يُقدَّم إلى جانب الأطباق الرئيسية.

ويشير إمام إلى أنَّ الجزر من أفضل الخضراوات المناسبة للتحضير المسبق؛ إذ يحتفظ بجودته لأيام عدة داخل الثلاجة سواء كان كاملاً أو مقطعاً أو مبشوراً.

ولهذا يمكن استخدامه في تجهيز الوجبات الأسبوعية، وإضافته بسهولة إلى السلطات أو الشوربات أو أطباق الأرز والحبوب.

حضور بارز في المطبخ الشرقي

كما يحضر الجزر بقوة في وصفات المطبخ الشرقي المعاصر؛ حيث يمكن تقديمه مشوياً مع قطع اللحم الضأن المتبلة بالزعتر. أو مزجه مع اللحم البقري المشوي والشعير والطماطم في سلطات متكاملة تجمع بين القيمة الغذائية والطعم الشهي.

ومن الأطباق المصرية المعروفة التي يُستخدَم فيها الجزر البسلة بالجزر أو التورللي، كذلك يمكن تحويله إلى تغميسة مبتكرة من خلال شويه مع الثوم والتوابل، ثم هرسه مع الطحينة وقليل من عصير الليمون؛ لتُقدَّم مع الخبز المحمص أو الخضراوات الطازجة.

ومن الوصفات التي يقترحها الشيف إمام أيضاً فطائر الجزر بالكزبرة والزنجبيل، وهي وصفة تجمع بين البساطة والغنى بالنكهة.

ويُخلط فيها الجزر المبشور مع الكزبرة الطازجة والبصل الأخضر والبيض وقليل من الدقيق والتوابل، ثم تُشكَّل أقراص صغيرة تُطهى في مقلاة ساخنة حتى تكتسب لوناً ذهبياً.

ويمكن تقديمه مع سلطة بلدي خضراء أو صلصة الزبادي بالأعشاب؛ لتكون وجبةً خفيفةً أو طبقاً جانبياً مناسباً لمختلف الأوقات.

حلاوة طبيعية في المخبوزات والحلويات

أما في عالم الحلويات، فيحتفظ الجزر بمكانة خاصة بفضل قدرته على منح المخبوزات الرطوبة والحلاوة الطبيعية. وتُعدُّ كيكة الجزر من أشهر الأمثلة على ذلك؛ حيث يضفي الجزر المبشور قواماً طرياً، ونكهة متوازنة تتناغم مع القرفة وجوزة الطيب والمكسرات.

ويؤكد إمام أنَّ نجاح هذه الكيكة يعتمد على استخدام جزر طازج ومبشور حديثاً؛ للحفاظ على عصاراته الطبيعية داخل العجين.

ويختم الشيف إمام حديثه بالتأكيد على أنَّ الجزر من المكونات التي لا تحظى أحياناً بالتقدير الذي تستحقه، رغم قدرته على إحداث فرق واضح في الطعم والشكل والقيمة الغذائية.

فسواء حُضِّر في شوربة دافئة خلال الشتاء، أو أضفى لونه الزاهي على سلطة صيفية، أو منح المخبوزات حلاوتها الطبيعية، يظلُّ الجزر واحداً من تلك المكونات القليلة القادرة على الجمع بين البساطة، والفائدة، والنكهة في طبق واحد.