الكزبرة.. استخدمت لتحسين مذاق الطعام منذ بدايات العصر الحجري الحديث

قبل أن يحولها أهل اليونان إلى عطر

الكزبرة.. استخدمت لتحسين مذاق الطعام منذ بدايات العصر الحجري الحديث
TT

الكزبرة.. استخدمت لتحسين مذاق الطعام منذ بدايات العصر الحجري الحديث

الكزبرة.. استخدمت لتحسين مذاق الطعام منذ بدايات العصر الحجري الحديث

لطالما استخدم الناس الكزبرة الخضراء في مختلف الأطباق لتحسين مذاق الطعام ومنحه بعدا آخر.
وكانت والدتي كالكثير من أبناء جيلها - وكما يفعل الهنود مثلما اكتشفت مؤخرا - تعمل على تنظيف الكزبرة، وغسلها قبل تقطيعها وفرمها وقليها مع فصوص الثوم المشرحة بالزيت مع الملح والفلفل الأسود المطحون. وبعد القلي كانت تضيفها إلى اليخنة نهاية عملية الطبخ أو قبل خمس دقائق أو عشر دقائق من الانتهاء من الطبخ، وخصوصا يخنة الفاصوليا والأرز الملوخية والبامية والسبانخ وغيره من اليخنات الفلسطينية واللبنانية التقليدية الطيبة.
وتعتبر هذه الطريقة باختتام وتتويج طبخ الأطباق التقليدية من أحد أعمدة المطابخ الآسيوية وخصوصا المطابخ الهندية والبنغالية والباكستانية. ويطلق عليها عادة اسم «تادكا - Tadka وأحيانا شونك - Chaunk باللغة الهندية (مثلا قلي الزنجبيل مع حبوب الكمون والخردل الأسود والفلفل الأخضر الحار والطازج والقرنفل والثوم وأوراق الكاري والشمرة والحلبة والبصل بالسمنة). وتعني كلمتي تادكا وشونك بالإنجليزية تامبرينغ - Tempering، أي ضبط درجة النغم بالعربية أو لطف أو عدل. وبكلام آخر أن هذه العادة التي نستخدم فيها الكزبرة في بلداننا هي اللمسات الأخيرة على أطباقنا المفضلة كما يفعل الفرنسيون وغيرهم مع الفلمبيه Flambé نهاية الطبخ لتلهيب وتنشيط الطعم إلى أقصى حد.
الكثير من دول العالم تستخدم الكزبرة في مآكلها، مثل دول جنوب شرق آسيا، دول جنوب آسيا، دول أميركا اللاتينية، الدول الأفريقية، الهند، الصين، البرتغال، دول القوقاز، ودول وسط آسيا، دول حوض البحر الأبيض المتوسط. وقد انتشر استخدامها مؤخرا في الكثير من البلدان الأوروبية الشمالية، ويمكن العثور عليها في الكثير من المحلات التجارية بسبب العولمة واتساع رقعة التجارية العالمية. ومع هذا فإن أكثر ما تستخدم الكزبرة، في الشوربة الصينية وخلطة بهارات الماسالا الهندية والسلسا المكسيكية.
وعادة ما يستغل الناس كل عناصر النبتة، أي أوراقها وجذوعها وحبوبها، لكن الأوراق والحبوب ما يستخدمه الناس عادة للطبخ رغم الفرق الكبير في طعم كل منها. ويكثر استخدام الأوراق في دول جنوب آسيا والمكسيك والصين وتايلاند وخصوصا في السلطات والصلصات التي تعرف باسم تشاتني - Chutney (أنواع من الأطباق المصنوعة من خليط من الخضار والتوابل الحارة التي تستخدم كمادة مرافقة للطبق الرئيسي لتساعد على ترطيب الطعم أو تغييره - ومنها ما هو حلو ومنها ما هو حار). وفيما يستخدمها الكثير من الناس في تزيين الأطباق، يستخدمها الهنود في صناعة أطباق الدال - Dal المصنوعة من العدس والحبوب، ويستخدمها البعض بكثرة في الأطباق التقليدية قبل التقديم.
وكما هو معروف فإن لجذور الكزبرة طعم قوي أقوى من الأوراق، ومه هذا تستخدم كثيرا في الأطباق الآسيوية وخصوصا في تايلاند وفي تحضير معجون الكاري في الأطباق الهندية.
يكثر استخدام حبوب الكزبرة أيضا قبل طحنها في الأطباق الآسيوية والهندية وخصوصا أطباق الكاري وعمليات تحضير الغرام ماسلا (تضم أيضا الكمون والقرنفل وجوز الطيب والقرفة والفلفل الأسود وورق الغار وحب الهال). ويفضل أن تستخدم الحبوب طازجة لأنها تفقد طعمها بشكل سريع. ويكثر استخدام حبوب الكزبرة في طبقي السامبار والراسام في جنوب الهند وهما طبقان يعتمدان على التمر الهندي والكثير من التوابل. وفيما يلجأ البعض إلى تناول الحبوب محمصة، يستخدمها البعض في تصنيع المخللات أو الكبيس وفي صناعة الخبز والنقانق.
الاسم العلمي للكزبرة هو «كورياندوم ستافيوم» - Coriandum Sativum ويطلق على الكزبرة اسم «كورياندا» باللغة الإنجليزية (coriander)، ويعود أصل الكلمة الإنجليزي إلى الفرنسية القديمة - coriander الذي يتدرج نفسه من اللغة اللاتينية –«كورياندروم» - coriandrum المأخوذ عن اليونانية القديمة κορίαννον - koriannon. كما يتدرج الاسم الإسباني سيلانترو - Cilantro من الاسم اللاتيني أيضا ويستخدم بكثرة في أميركا الشمالية للتدليل على ورق الكزبرة التي تستخدم بكثرة بدورها في المكسيك.
ومعنى كزبرة في معجم اللغة العربية المعاصرة كزبرة: «كسبرة؛ نبات عشبي من فصيلة الخيميات أو البقدونسيات، أوراقه وردية اللون أو بيض، أزهاره صغيرة القد، يستعمل تابلا وتضاف أوراقه إلى بعض المآكل، ويدخل في تركيب بعض المشروبات، كما يستعمل في الأدوية ضد الصداع والتشنج، وهو هاضم ومقو كزبرة خضراء. كزبرة بيرجبلية: نبات عشبي بري معمر من الطحالب. يكثر في الأماكن الرطبة الظليلة. وهو من النباتات الصحية، ويستعمل استعمال الشاي، لكنه يحث على النوم. كزبرة ثعلب: نبات عشبي طبي معمر، وقد يزرع فيؤكل ورقه في السلطة، وله طعم خاص».
وتقول الموسوعة الحرة: القزبر والقسبر أو الكزبرة أو الكسبرة أو التقدة، وهي نبات عشبي حولي يتبع الفصيلة الخيمية.
وتضم الفصيلة الخيمية عادة البقدونس والشبت والجزر والكمون واليانسون والطكرفس والكراويا والقزع. ومن أجناس هذه الفصيلة: الخلة – الدبيق – الكاشريس.
لا يعرف الكثير عن أصول الكزبرة، لكن المعلومات المتوفرة تشير إلى أن تاريخ هذه النبتة الطيبة والبرية يعود إلى 5000 قبل الميلاد، وكان موطنها الأول غرب آسيا أو جنوب أوروبا وما يعرف بحوض البحر الأبيض المتوسط. وقد جاء ذكر الكزبرة بالكتابات السنسكريتية وكانت من المواد التي تترك في قبور الفراعنة وعثر على سلتين منها في قبر توت عنخ آمون.
وقد ذكر «بليني» أن أفضل أنواع الكزبرة التي ترد إلى إيطاليا كانت من مصر، ولقد ذكرت الكزبرة في بردية إيبرس 17 مرة وفي بردية برلين ثلاث مرات، وجاءت أيضا في بردية هيرست، والدليل على أهمية الكزبرة من الناحية العلاجية أنها ذكرت في سفر الخروج من التوراة.
ولطالما اعتقد الإغريق قديما أنها من النباتات التي تحسن القدرات الجنسية، وتحدث الطبيب ديوسكوريديس قديما كثيرا عن فوائدها الصحية.
وتم العثور على آثارها في اليونان في بيلوس في منطقة البيلوبونيس الشهيرة، وكانت تستخدم في القرن الثاني قبل الميلاد لاستخراج العطر وتستخدم حبوبها كبهارات للطبخ أوراقها أعشاب صحية وطبية.
اكتشف علماء الآثار بقايا الكزبرة في موقع أو كهف نحال حيمر قرب البحر الميت في فلسطين يعود تاريخها إلى ما قبل العصر الحجري الحديث أو في بداياته (بين 5500 و8500 قبل الميلاد).
ويقال إن الصينيين دأبوا على استخدام الكزبرة منذ مئات السنين في الطبخ، وقد وصلت إلى هناك أثناء حكم سلالة هان عام 202 قبل الميلاد. وككل الثقافات والحضارات والثقافات الأخرى. وقد انتشرت زراعة الكزبرة في الولايات المتحدة الأميركية وخصوصا في ماساتشوستس منذ بداية القرن السابع عشر، وكانت من أولى الأعشاب التي بدأت المستعمرات الأميركية بزراعتها في العالم الجديد. ومن أميركا جاءت الكزبرة إلى بريطانيا نهاية القرن السابع عشر.
وبدأ الفرنسيون لأول مرة بتقطير الكزبرة في القرن ذاته لاستخراج الكحول منها.
تحتوي الكزبرة مواد هامة ولهذا كان لها نصيب كبير في الاستخدامات الطبية منذ قديم الزمان، وأهم هذه المواد، مركباته اللينالو، الليمونين، الزيت الطيار، الزيوت الدهنية، والبورنيول وبارا سايمن، الفاباينين، الكافور، الجيرانيول، كومارينات، فلافونيدات، فثاليدات، بالإضافة إلى البوتاسيوم والكالسيوم والمغنسيوم والحديد وفيتامين سي. ومن ناحية هذه الاستخدامات الطبية التاريخية فقد قال أبقراط: «إن في الكزبرة حرارة وبرودة وهي تزيل روائح البصل والثوم إذا مضغت رطبة ويابسة».



المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
TT

المطاعم اللبنانية في لندن بين الإغلاق والافتتاح... والبقاء للأقوى

أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)
أطباق لذيذة تحمل نكهة أكل المنزل (الشرق الأوسط)

مشهد المطاعم اللبنانية حالياً في لندن متقلب وغير مستقر، حيث سمعنا منذ أيام قليلة عن إقفال عدد كبير من مطاعم «مروش» التي تُعد من أبرز الأسماء التي ساهمت في ترسيخ حضور المطبخ اللبناني في العاصمة البريطانية على مدى أكثر من أربعة عقود. وجاء هذا الخبر بعد اختفاء أسماء معروفة أخرى من الساحة اللندنية مثل «عبد الوهاب» و«نورا»، وهي مطاعم لعبت دوراً أساسياً في التعريف بالمطبخ اللبناني واستقطاب أجيال من الزبائن من العرب والبريطانيين على حد سواء.

ديكورات تذكرك ببيوت لبنان العتيقة (الشرق الأوسط)

لكن الصورة ليست سوداوية بالكامل، فبالتوازي مع هذه الإغلاقات، تشهد لندن افتتاح مطاعم لبنانية جديدة تسعى إلى تقديم تجربة مختلفة تجمع بين الأصالة والحداثة، ومن بينها مطعم «كينز» وغيره من المشاريع التي تعكس استمرار جاذبية المطبخ اللبناني وقدرته على التجدد. وبين أفول أسماء صنعت تاريخاً طويلاً وولادة علامات جديدة تحمل رؤى مختلفة، يبرز سؤال جوهري حول التحولات التي يشهدها قطاع المطاعم اللبنانية في لندن ومستقبله في سوق تتغير ملامحه باستمرار، مع إقرار بأن البقاء سيكون للأقوى بينها. وفي ظل هذا المشهد، أصبح افتتاح أي مطعم لبناني جديد يحمل رؤية واضحة حدثاً يستحق التوقف عنده. من هنا يأتي مطعم «كينز» (Kinz) في منطقة نوتينغ هيل، الذي يسعى إلى إعادة تقديم المطبخ اللبناني كما يعرفه أبناؤه: مطبخاً قائماً على المشاركة والكرم والنكهات الأصيلة، ولكن ضمن إطار عصري يواكب الذائقة اللندنية المعاصرة.

الكبة من الأكلات اللذيذة في "كينز" (الشرق الأوسط)

كنا من بين أوائل الزوار الذين قصدوا «كينز» بعد يومين فقط من افتتاحه. والمفارقة أن اللافتة الخارجية للمطعم لم تكن قد رُكبت بعد، إلا أن ذلك لم يمنع عشاق الطعام من العثور على العنوان الجديد. فالمكان كان مكتظاً بالكامل، فيما تنوعت جنسيات الحاضرين في مشهد يعكس الفضول الكبير الذي أثاره المطعم منذ أيامه الأولى.

ويحتل المطعم مبنى تاريخياً كان سابقاً فرعاً لبنك «لويدز» يعود إلى ثلاثينات القرن الماضي، من تصميم المعماري البريطاني الشهير السير إدوارد موف. وقد نجح القائمون على المشروع في الحفاظ على الكثير من الملامح المعمارية الأصلية للمبنى، مع إعادة توظيفها ضمن تصميم داخلي أنيق يجمع بين الحداثة والتراث، واللافت هو أن هناك تفاصيل صغيرة تعيد إلى ذاكرة اللبنانيين حيثيات صغيرة يرونها كل يوم في شوارع بيروت ودكاكينها مثل الخيم المقلمة التي تظلل مدخلها وواجهاتها وأرضية وبلاط بيوتها القديمة الأملس من كثرة المشي عليه، فيُخيَّل للناظر أن الزمن أذابه من كثرة المشي عليه، والزهرة التي رسمت على فناجين القهوة التراثية التي حولها «كينز» إلى شعار على شكل دبوس يضعه الندل على زيهم وأسياخ توضع عليها المشويات.

ديكور بسيط وجميل (الشرق الأوسط)

منذ اللحظة الأولى يلفت الانتباه المدخل الواسع والأسقف المرتفعة التي تمنح المكان إحساساً بالرحابة. كما جرى الحفاظ على عدد من التفاصيل الأصلية في الجدران، ومنها بقايا كلمات إنجليزية تعود إلى متجر كان ملاصقاً للبنك في الماضي، في لمسة تضيف بعداً تاريخياً للمكان.

ويقود سلم طويل إلى الطابق العلوي حيث تتوزع جلسات مريحة تطل على القاعة الرئيسية، بينما يوفر الطابق الأعلى مساحة أكثر خصوصية للراغبين في أجواء هادئة. وعلى امتداد السلم تتزين الجدران بصور فوتوغرافية كبيرة توثق مشاهد من لبنان بعدسات مصورين محليين.

جلسات جميلة ومتوزعة بشكل مريح (الشرق الأوسط)

أما أبرز مفاجآت التصميم فتتمثل في غرفة الطعام الخاصة الموجودة في الطابق العلوي، والتي تتسع لمجموعة محدودة من الضيوف. وتلفت الأنظار فيها وحدات الإضاءة المصممة على شكل أزهار بيضاء، والتي قامت شركة لبنانية بتصميمها وتنفيذها في بيروت خصيصاً لهذا المشروع.

وعند العودة إلى الطابق الأرضي، تبدو العناية بالتفاصيل واضحة في توزيع الطاولات؛ إذ تفصل بينها مساحات مريحة تتيح للزبائن الاستمتاع بوجباتهم من دون الشعور بالازدحام. كما تسود المكان ألوان هادئة مستوحاة من طبيعة البحر المتوسط وحقول الزيتون.

أما لمن يرغب في استكشاف تاريخ المبنى، فيمكنه اختيار الجلوس داخل الغرفة الخلفية التي كانت في السابق خزنة البنك. ولا يزال الباب الحديدي السميك والثقيل قائماً حتى اليوم، شاهداً على الوظيفة الأصلية للمكان قبل تحوله إلى أحد أكثر العناوين الجديدة إثارة للاهتمام في نوتينغ هيل.

أصحاب مطعم "كينز" الجديد (الشرق الأوسط)

ويقف وراء المشروع رشا خوري بروزو، الشريكة المالكة لمطعم «أكوب»، بالتعاون مع الشقيقين جاد وكريم لحود، في رؤية مشتركة ترتكز على الكرم والدفء العائلي وتقاليد الضيافة اللبنانية الأصيلة.وتعتمد قائمة الطعام على مفهوم المشاركة، حيث تنقسم الأطباق بين مجموعة من المقبلات اللبنانية التقليدية وأطباق رئيسية أكبر حجماً مستوحاة من وصفات توارثتها الأجيال.

وفي حديث مع رشا خوري بروزو وجاد لحود، أوضحت رشا أن الفكرة الأساسية للمطعم تقوم على تقديم أطباق لبنانية تشبه «أكل البيت» بأسعار معقولة. وقالت إنها لا تؤمن بالمبالغة في أسعار الطعام إلى درجة تحول دون تمكين الناس من الاستمتاع بمكونات جيدة وأطباق محضرة بعناية.

من جهته، أوضح جاد لحود أن معظم الوصفات المدرجة على قائمة الطعام تعود إلى والدته إيلين لحود، التي لا تزال تشرف بنفسها على إعداد عدد من الأطباق داخل المطبخ، بمساعدة فريق متعدد الجنسيات، حفاظاً على النكهة المنزلية الأصيلة التي يقوم عليها مفهوم المطعم.

ويولي «كينز» اهتماماً خاصاً بالأطباق النباتية المستوحاة من مطبخ القرى اللبنانية. ومن أبرزها فتة الباذنجان الغنية باللبن والرمان والمكسرات والخبز المقرمش، إضافة إلى الملفوف المحشي.

وعند المدخل، سيكون بإمكان الزوار شراء المأكولات الجاهزة مثل الكبة والفطاير وخلطات التوابل والمعلبات المنزلية.

ديكورات جميلة وبسيطة بنفس الوقت (الشرق الأوسط)

وعندما سألنا رشا وجاد عن شعورهما بعد الإقبال الكبير الذي شهده المطعم خلال أيامه الأولى، بدت الدهشة واضحة على وجهيهما. وقالت رشا: «الأمر لا يصدق. لا توجد حتى الآن لافتة تحمل اسم المطعم فوق الباب، ومع ذلك لم نكن نتوقع هذا الكم من الزبائن. بعض الأطباق نفدت اليوم لأننا لا نخزن الطعام ولا نثلجه، وكل شيء يُحضّر طازجاً وفي وقته».

ومن التفاصيل المحببة أيضاً أن المطعم يحيي جانباً من الثقافة الاجتماعية اللبنانية من خلال دمج طاولات الزهر والطاولة في تصميم البار وبعض المساحات المشتركة، في استحضار لذكريات الجلسات الطويلة التي تجمع الأهل والأصدقاء.

غرفة طعام خاصة للمجموعات الباحثة عن الخصوصية (الشرق الأوسط)

ويحمل المطعم اسم «كينز» أو «كِنز» بكسر الكاف، في إشارة إلى الكنز الثقافي والغذائي الذي يمثله المطبخ اللبناني. وهو اسم يعكس فلسفة المشروع القائمة على الحفاظ على الوصفات التقليدية والنكهات الأصيلة، مع تقديمها برؤية معاصرة تناسب جمهور لندن المتنوع.

في وقت أصبحت فيه المطاعم اللبنانية المتميزة أقل عدداً مما كانت عليه في السابق، يبدو «كينز» إضافة مرحَّباً بها إلى المشهد الغذائي في العاصمة البريطانية. فالمطعم لا يراهن على الفخامة أو الاستعراض بقدر ما يراهن على وصفات عائلية صادقة، ومكونات جيدة، وأجواء تذكر بزمن كانت فيه مائدة الطعام اللبنانية مساحة للقاء والمشاركة والكرم. وربما لهذا السبب بالتحديد، امتلأت طاولاته منذ أيامه الأولى.


كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟
TT

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

كيف تستبدل الملح في طعامك وتحافظ على المذاق؟

لا يكاد مطبخ في العالم يخلو من الملح، ذلك المكون البسيط الذي يملك قدرة استثنائية على إبراز النكهات ومنح الأطعمة توازناً محبباً.

رشَّة صغيرة تُبرز نكهة الطبق ومكوناته، إلا أنه من الناحية الصحية يُخفي الملح جانباً مقلقاً وفق الأطباء وخبراء التغذية؛ إذ يرتبط الإفراط في تناوله بارتفاع ضغط الدم ومضاعفات صحية تؤثر في القلب والأوعية الدموية، لا سيما لدى أصحاب الأمراض المزمنة.

الملح يتسلل إلى النظام الغذائي اليومي عبر أطعمة كثيرة

تقول إخصائية التغذية الدكتورة بسنت أحمد: «رغم التحذيرات الطبية المتزايدة، لا يزال الملح يتسلل إلى النظام الغذائي اليومي عبر أطعمة كثيرة لا تبدو شديدة الملوحة».

وتتابع: «ومن ذلك المخبوزات، والصلصات الجاهزة، واللحوم المصنعة، والشوربات المعلبة، والوجبات السريعة»، وتضيف: «لذلك فإن الحل لا يكمن فقط في إبعاد (المملحة) عن المائدة، بل في إعادة اكتشاف مكونات طبيعية تمنح الأطباق النكهة الكاملة دون الإضرار بالصحة».

الأعشاب الطازجة تضيف شخصية حقيقية للطعام

وتلفت إلى أن «الملح يظل عنصراً ضرورياً للجسم عند تناوله باعتدال؛ لاحتوائه على الصوديوم والكلوريد اللذين يلعبان دوراً مهماً في توازن السوائل ووظائف الأعصاب والعضلات». وتتابع: «لكن التحدي الحقيقي يكمن في إيجاد التوازن، وهو ما يتحقق عبر التدرج في تقليل الملح، والاعتماد على مكونات طبيعية تعزز النكهة بطريقة أكثر تنوعاً وثراءً».

وبينما يظن البعض أن تقليل الملح يعني التخلي عن النكهة، يؤكد خبراء الطهي أن هناك بدائل طبيعية قادرة على منح الطعام مذاقاً غنياً ومتنوعاً دون الاعتماد المفرط على الصوديوم. ويقول الشيف المصري علي عبد الحميد لـ«الشرق الأوسط» إن «الطعام المتوازن لا يعتمد على الملح وحده، بل على تناغم النكهات بين الحموضة، والأعشاب، والتوابل، والمكونات الطازجة، وهذه العناصر قادرة على إبراز مذاق الطبق بصورة أكثر أناقة وعمقاً».الحموضة... السر الأقرب إلى تأثير الملح

من أكثر البدائل التي يعتمدها الطهاة المحترفون لإبراز النكهات، المكونات الحمضية مثل الخل وعصير الليمون؛ فالحموضة تمتلك تأثيراً قريباً من تأثير الملح في إيقاظ المذاق وإضفاء الحيوية على الطبق.

بدائل للملح تفتح المجال لنكهات أكثر تنوعا وأناقة على المائدة من شيف علي عبد الحميد (الشرق الأوسط)

ويعد خل البلسميك وخل التفاح من الخيارات المفضلة في هذا المجال، لما يتمتعان به من مذاق متوازن يجمع بين الحلاوة الخفيفة والحموضة الناعمة، ويمكن استخدامهما في تتبيلات السلطات، وتتبيل اللحوم والأسماك، أو إضافتهما إلى الشوربات واليخنات لمنحها عمقاً إضافياً.

ويشير عبد الحميد إلى أن «غلي خل البلسميك على نار هادئة يمنحه كثافة ونكهة مركزة تصلح لوضعها فوق الخضراوات المشوية أو شرائح الطماطم الطازجة؛ وهو ما يخلق مذاقاً غنياً يقلل الحاجة إلى الملح». ويتابع: «أما الحمضيات، وفي مقدمتها الليمون و(برش الليمون) والبرتقال، من أكثر العناصر قدرة على إنعاش النكهات في أطباق مثل السمك والخضار مثل البروكلي والسبانخ المطهوة لأنه يخفف المذاق المر في بعضها».

الأعشاب الطازجة... نكهات متوسطية منعشة

تلعب الأعشاب العطرية دوراً أساسياً في المطابخ العالمية لروائحها الذكية، ولقدرتها كذلك على بناء طبقات معقدة من النكهات تغني عن الإفراط في استخدام الملح، على حد قوله. ويأتي الريحان في مقدمة هذه الأعشاب، بفضل مذاقه الذي يجمع بين الحلاوة الخفيفة والدفء العطري؛ مما يجعله مثالياً مع صلصات الطماطم والمعكرونة والبيتزا والشوربات، كما أنه ينسجم بشكل مفاجئ مع بعض الفواكه الصيفية مثل الفراولة والبطيخ.

أما الشبت فيتميز بنكهة منعشة تحمل لمسات قريبة من الكرفس والشمر؛ وهو ما يجعله مناسباً لأطباق السمك والبطاطا والسلطات الباردة، كذلك تمنح أعشاب مثل الأوريغانو وإكليل الجبل والبقدونس أبعاداً مختلفة للأطباق، وتضفي عليها طابعاً أقرب إلى مطابخ البحر المتوسط. ويرى عبد الحميد أن «الأعشاب الطازجة تضيف مذاقاً لذيذاً للطعام، وتجعل الطبق أكثر توازناً وتعقيداً دون الحاجة إلى كميات كبيرة من الملح».

البابريكا والتوابل... دفء يُثري المذاق

تشمل بدائل الملح أيضاً مجموعة واسعة من التوابل القادرة على منح الطعام عمقاً ودفئاً ونكهات متعددة الطبقات. وتُعد البابريكا من أبرز هذه الخيارات، سواء بنسختها الحلوة أو الحارة أو المدخنة؛ فهي تضفي لوناً جذاباً ومذاقاً غنياً يناسب اليخنات والمخللات وأطباق البيض والخضراوات المشوية.

يقول عبد الحميد: «تمنح توابل مثل الكمون، والكزبرة، والهيل، والقرفة، وجوزة الطيب دفئاً إضافياً للأطباق وطابعاً أكثر ثراءً للأطعمة؛ إذ تمنح كل منها شخصية مختلفة للطبق وتساعد على تقليل الحاجة إلى الملح».

الثوم والبصل... أساس النكهة العميقة

يُنظر إلى الثوم والبصل بوصفهما من أهم أسرار الطهي في المطابخ الشرقية والعالمية؛ فكلاهما يمنح الطعام مذاقاً غنياً ومركباً، ويقلل الحاجة إلى إضافة كميات كبيرة من الملح وفق عبد الحميد، ويقول: «يتميز الثوم بقدرته على منح الصلصات والشوربات والمقليات نكهة قوية ومحببة، سواء استُخدم طازجاً أو مشوياً».

أما مسحوق البصل أو البصل المجفف، فيوفر نكهة أكثر تركيزاً من البصل الطازج مع لمسة خفيفة من الحلاوة، ويمكن إضافته إلى الحساء، واليخنات، والصلصات، وأطباق القلي السريع لمنحها مذاقاً متكاملاً دون الحاجة إلى الكثير من الملح. ويشير إلى أن «الاعتماد على الثوم والبصل في بناء النكهة يجعل الطعام أكثر دفئاً وغنى، ويمنح المكونات الأخرى فرصة للتألق».

الخميرة الغذائية... مذاق يشبه طعم الجبن

من البدائل الحديثة التي بدأت تجد طريقها إلى المطابخ الصحية، الخميرة الغذائية، وهي رقائق أو مسحوق يتميز بمذاق قريب من الجبن المعتق. وتستخدم عادةً مع المعكرونة، والفشار، والحبوب، والصلصات؛ حيث تضيف نكهة لذيذة وعميقة دون احتوائها على منتجات الألبان أو نسب مرتفعة من الصوديوم. وبات كثير من الطهاة يفضلون استخدامها إرضاءً لمحبي الخيارات النباتية لأنها تمنح الطعام مذاقاً أكثر ثراءً، حسب الشيف المصري.


السعودية في مهرجان «نكهة لندن»

يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)
يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)
TT

السعودية في مهرجان «نكهة لندن»

يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)
يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)

تستضيف لندن مهرجان «تيست أوف لندن» أو «نكهة لندن» أحد أبرز الفعاليات العالمية المتخصصة في فنون الطهي، إذ يجمع نخبة من المطاعم والطهاة والعلامات الغذائية من مختلف أنحاء العالم، ويستقطب آلاف الزوار سنوياً في حديقة «ريجنت بارك»، ما يجعله منصة مهمة للتعريف بالثقافات الغذائية وتبادل الخبرات والتجارب الطهوية.

وتشارك هذا العام هيئة الفنون الطهوية السعودية، إحدى الهيئات الإحدى عشرة المتخصصة التابعة لوزارة الثقافة، بالمهرجان من خلال جناحها الرسمي «مذاق الثقافة السعودية»، وذلك بهدف تعريف زوار المهرجان بالمطبخ السعودي وتقاليده العريقة وقيم الضيافة الأصيلة التي تميزه، خلال الفترة من 17 إلى 21 يونيو (حزيران) 2026.

يشارك في المهرجان نخبة من الطهاة والمطاعم (هيئة الفنون الطهوية السعودية)

ويتيح الجناح للزوار فرصة استكشاف الموروث الطهوي السعودي من خلال مجموعة من الأطباق التقليدية والمشروبات والمنتجات المحلية المتنوعة.

يستقطب المهرجان الذواقة في لندن (الشرق الأوسط)

وتشمل عروض التذوق أطباقاً بارزة مثل الحنيذ والبليلة والمطبق، إلى جانب مشروبات مستوحاة من الهوية السعودية، ونكهات آيس كريم تعتمد على مكونات محلية من بينها الكليجة وعسل السدر.

يعتبر المهرجان من أهم الفعاليات التي تستضيفها لندن سنوياً (الشرق الأوسط)

كما يضم الجناح تشكيلة من العلامات التجارية السعودية في مجالي الأغذية والحرف اليدوية، تشمل الفخار والعطور والشوكولاته والتمور والشاي والقهوة والفواكه المجففة والمكسرات. وتمنح هذه التجربة الزوار فرصة أوسع للتعرف على الثقافة السعودية من خلال منتجات مستوحاة من تراث المملكة وتقاليدها الحرفية الراسخة، بما يعكس قيم الضيافة السعودية الأصيلة.

يقام مهرجان «تيست أوف لندن» في حديقة ريجنت بارك (الشرق الأوسط)

وتجسد هذه المشاركة جهود هيئة الفنون الطهوية في إبراز الإرث الطهوي للمملكة على الساحة الدولية، وتعزيز حضور المطبخ السعودي عالمياً، إلى جانب إتاحة فرص للتبادل الثقافي والتواصل مع جمهور دولي واسع.