منارة الإسلام الوسطي يحتفي بخادم الحرمين الشريفين

الأزهر يرحب بالزيارة التاريخية ويثمن دور المملكة في إعادة ترميمه

صورة تاريخية للجامع الأزهر عام 1880
صورة تاريخية للجامع الأزهر عام 1880
TT

منارة الإسلام الوسطي يحتفي بخادم الحرمين الشريفين

صورة تاريخية للجامع الأزهر عام 1880
صورة تاريخية للجامع الأزهر عام 1880

رحب الأزهر الشريف بزيارة خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، التاريخية لمصر. وثمن الأزهر دور المملكة العربية السعودية في إعادة ترميم الجامع الأزهر العريق. وقالت مشيخة الأزهر في بيان لها، أمس: إن «خادم الحرمين سوف يزور اليوم (السبت) الأزهر ويلتقي شيخه الدكتور أحمد الطيب، في زيارة هي الأولى من نوعها يقوم بها عاهل سعودي للأزهر الذي يعد قلعة الوسطية في العالم الإسلامي». وبينما قالت المشيخة: إن «لقاء خادم الحرمين وشيخ الأزهر سوف يتناول سبل تدعيم التعاون وتنسيق الجهود بين الأزهر والسعودية في نشر الفكر الوسطي ومحاربة التطرف والإرهاب وإرساء دعائم السلام في العالم أجمع»، أكدت مصادر في الأزهر، أن «الأزهر بمؤسساته وعلمائه وطلابه يحتفون بزيارة خادم الحرمين بشكل كبير».
يعد الجامع الأزهر بالقاهرة من أهم المساجد في مصر وأشهرها في العالم الإسلامي.. وهو جامع وجامعة منذ إنشائه قبل أكثر من ألف سنة على يد جوهر الصقلي، قائد المعز لدين الله، أول الخلفاء الفاطميين في مصر، عندما بنى القاهرة الفاطمية عام 970م، ليصبح المسجد ثاني أقدم جامعة قائمة بشكل مستمر في العالم بعد جامعة القيروان في تونس.
وهو أقدم أثر فاطمي قائم في مصر، وقد اختلف المؤرخون في أصل تسمية هذا الجامع، والراجح أن الفاطميين سموه الأزهر تيمنا بفاطمة الزهراء بنت الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، وإشادة بذكراها. وقد أنشئ الجامع الأزهر ليكون مسجدا جامعا للقاهرة، أسوة بجامع عمرو بن العاص في الفسطاط وجامع ابن طولون في القطائع، ثم ما لبث أن تحول إلى أحد أشهر المعاهد الدينية في العالم الإسلامي.
ويستقبل الأزهر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان خلال زيارته التاريخية لمصر، لتفقد الأعمال التي تقوم بها السعودية لترميم الجامع بمنحة مقدمة من الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز. وأصدرت المملكة العربية السعودية في سبتمبر (أيلول) عام 2014، أمرا ملكيا بإعادة ترميم الجامع الأزهر، تلك المنارة العريقة التي تضيء نور الوسطية في العالم كله، والتي جاوز عمرها 1060 سنة، وترميم مقر مشيخة الأزهر القديمة المقابل للجامع، بالإضافة إلى إنشاء مدينة متكاملة لطلبة البعوث الإسلامية في مدينة القاهرة الجديدة (شرق القاهرة) على مساحة 176 فدانا.
وقالت مصادر في الأزهر: إن «زيارة الملك سلمان للجامع الأزهر هي الأولى لأول عاهل سعودي يزور الجامع»، لافتة إلى أن «العديد من الملوك والزعماء زاروا الجامع الأزهر، أشهرهم الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا وزوجته دوقة كورنوال كاميلا، فقد زارا الأزهر في مارس (آزار) عام 2006، كما زاره الرئيس ياسر عرفات، وهواري بومدين، رئيس الجزائر الراحل، ورجب طيب إردوغان رئيس تركيا، والرئيس فؤاد معصوم، رئيس العراق، والرئيس محمود عباس أبو مازن، رئيس السلطة الفلسطينية، ومحمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد الإمارات».
مضيفة، أن «تاريخ المقر القديم لمشيخة الأزهر في المنطقة المقابلة للجامع الأزهر، يعود إلى عام 1933 ويعتبر من أجمل المنشآت في المنطقة التي تضم جامعتي الأزهر بالدراسة وسوق خان الخليلي»، مشيرة إلى أنه «كان هناك ممر أسفل الطريق يربط بين مقر المشيخة القديم وصحن الجامع الأزهر، من خلاله ينتقل شيخ الأزهر للصلاة في الجامع، حين يأتي موعد الصلاة؛ لكن هذا الممر أغلق منذ فترة طويلة». ورجحت المصادر، أن تتم إعادة الممر الذي يربط بين المشيخة والجامع الأزهر من جديد، ليكون مقر المشيخة القديمة بعد تطويرها وترميمها مقرا دائما لشيخ الأزهر لاستقبال الوفود، ويكون المقر الحالي للمشيخة في حديقة الخالدين بالدراسة لباقي هيئات الأزهر.
استغرق بناء الجامع عامين، وأقيمت أول صلاة جمعة في 7 رمضان عام 361 هـ 972 م. وقد شهد الجامع الأزهر كثيرا من الإصلاحات والتجديدات التي تمت خلال العصر المملوكي في عهد السلطان بيبرس والسلاطين بعده.. من أشهر الأروقة فيه والتي يمتد تاريخها إلى القرن الـ14 الهجري «الصعايدة، الشنوانية، الفشنية، المغاربة، السفارية، البرناوية، البرابرة، اليمينة والبغداية.. وهناك أروقة مثل الحنفية، الحنابلة، الجوهرية، الطيبرسية والأقبقاوية».
وتبنت المملكة العربية السعودية ترميم الجامع العتيق بالتعاون مع وزارة الآثار المصرية، وأكد محمد عبد العزيز، مساعد وزير الآثار لشؤون الآثار الإسلامية، أن «المنحة التي قدمت من المملكة لترميم الجامع تقدر بنحو بقيمة 30 مليون جنيه»، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أن العمل بدأ بالجامع الأزهر في أبريل (نيسان) من العام الماضي، وما زالت أعمال الترميم والإنشاء جارية للانتهاء من جميع أعمال التنفيذ.
وأوضح عبد العزيز، أن أعمال الترميم بالجامع الأزهر تتضمن تقوية الأساسات وحقن التربة وترميم المئذنة وتجديدها، وأعمال ترميمات دقيقة للعناصر المعمارية والزخرفية في المبنى الرئيس للجامع الأزهر الشريف وملحقاته، فضلا عن ترميم المبنى القديم لمشيخة الأزهر المواجه للجامع الأزهر بالقرب من مسجد الإمام الحسين، باستخدام التقنيات المستخدمة نفسها في الحرم المكي الشريف.
وعن مرحلة التسليم، قال مساعد وزير الآثار المصري لشؤون الآثار الإسلامية، إن «تسليم الجامع الأزهر عقب انتهاء أعمال الترميم بالجامع.. ومن المقرر أنه سيتم الانتهاء في أبريل من العام المقبل».
وكان للأزهر ناظر يتولى أموره، حتى أصدر السلطان العثماني سليمان القانوني «فرمانا» بضرورة تنصيب شيخ للأزهر يختاره العلماء، وقد تم اختيار الشيخ محمد بن عبد الله الخراشي، وقد تولى المشيخة حتى الآن 44 شيخا، آخرهم الشيخ الحالي أحمد الطيب.
وظل منصب شيخ الأزهر ينتخب من طرف الشيوخ، وفي عام 1911 صدر قانون الأزهر المؤسس لجماعة كبار العلماء المكونة من 30 عالما من خيرة علماء الأزهر، وكان يشترط القانون حينها أن يكون شيخ الأزهر عضوا بهذه الهيئة؛ لكن عام 1945 عند وفاة شيخ الأزهر محمد المراغي عيّن الملك فاروق الشيخ مصطفى عبد الرازق، الذي لم يكن حينئذ عضوا في جماعة كبار العلماء. وفي عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، صدر عام 1961 القانون 103 الذي ألغى جماعة كبار العلماء، التي تحولت إلى مجمع البحوث الإسلامية المكون من 50 عضوا على الأكثر، ثم تشكلت الجماعة من جديد وأطلق عليها هيئة كبار العلماء بعد ثورة «25 يناير» عام 2011، ونصت على أن يتم اختيار شيخ الأزهر ومفتي مصر من بينها.
مواقف شيوخ الأزهر عبر العصور
لشيوخ الأزهر أدوار كثيرة على مر العصور في مواجهة العدوان على مصر، فقد قاد شيوخ الأزهر المقاومة فى أكتوبر (تشرين الأول) عام 1798 ضد الفرنسيين أثناء حملة نابليون بونابرت، وقد ضرب الفرنسيون الأزهر والقاهرة من فوق جبل المقطم، ووقف شيوخ الأزهر ضد الحملة الإنجليزية على مصر سنة 1807 وأفتوا بوجوب الجهاد.
ما تميز به دور الأزهر الوطني هو زعامته الشعبية أمام الاحتلال الفرنسي للقاهرة في 8 صفر سنة 1213هـ 21 يوليو (تموز) عام 1798م، وفى رحاب الجامع الأزهر خطط علماؤه لثورة القاهرة الأولى وتحملوا ويلاتها.
فيما قام الأزهر (المؤسسة والعلماء)، بدور عظيم ومؤثر أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1376هـ 1956م، واعتلى منبره الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، منددا بالعدوان الغاشم على مصر، وقام شيخ الجامع الأزهر عبد الرحمن تاج بمراسلة ملوك ورؤساء عدد من الدول الأوروبية في الشرق والغرب من أجل القيام بعمل حاسم لإنجاز سحب قوات العدو فورا من مصر، وليس هذا فحسب؛ بل كان الأزهر يقوم بجمع التبرعات وإرسال الكتائب من طلبة الأزهر وعلمائه إلى ميادين القتال للتطوع في الجيش. كما تصدى علماء الأزهر لحملة «فريزر» على مصر عام 1222هـ 1807م، فلم يكتفوا بتعطيل الدراسة بالأزهر حتى يتفرغ الأساتذة والطلبة للجهاد؛ بل عملوا على قيادة الشعب واستنفاره وإلهاب مشاعره الدينية.
ويُعد موقف علماء الأزهر وطلابه إبان الحرب العالمية الثانية حلقة من حلقات دوره الوطني في حماية مصر، وفي خطبته بمسجد الرافعي في سبتمبر (أيلول) عام 1941، قال شيخ الأزهر، المراغي، وقتها مقولته الشهيرة: «نسأل الله أن يجنبنا ويلات حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل».. وقد أحدثت مقولته ضجة أقلقت الحكومة البريطانية.
ومؤخرا، وأثناء زيارة الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، للأزهر في فبراير (شباط) عام 2013، وجه له شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب نقدا شديدا، مستنكرا ما يتعرض له صحابة الرسول، صلى الله عليه وسلم، والسيدة عائشة، أم المؤمنين، رضي الله عنها، من سب من قبل البعض في إيران.
كما عبر شيخ الأزهر خلال لقائه نجاد، رفضه المحاولات الشيعية لاختراق الدول السنية والمساس بمذهب أهل السنة والجماعة، كما استنكر ما يتعرض له أهل السنة والجماعة في إيران من تمييز وتضييع لحقوقهم وواجباتهم، وأكد الطيب وقتها، في حديث صارم لنجاد، رفضه التام التدخل الإيراني في شؤون دول الخليج.
شيوخ الأزهر
جميع من تولى منصب مشيخة الأزهر كانوا مصريين، ما عدا، الشيخ حسن العطار (مغربي)، والشيخ محمد الخضر حسين (تونسي) وقد عاش الاثنان في مصر، وقد تولى ثلاثة شيوخ من أسرة واحدة مشيخة الأزهر، جد وابن وحفيد، وهم الشيخ أحمد العروسي، وابنه الشيخ محمد أحمد العروسي، وحفيده الشيخ مصطفى محمد أحمد العروسي.
ومن أشهر مشايخ الأزهر: محمد عبد الله الخراشي، وإبراهيم بن محمد بن شهاب الدين البرماوي، ومحمد النشرتي، وعبد الباقي القليني، ومحمد شنن، وإبراهيم موسى الفيومي، وعبد الله الشبراوي، وعبد الرءوف السجيني، وأحمد بن عبد المنعم الدمنهوري، وأحمد العروسي، وعبد الله الشرقاوي، ومحمد الشنواني، وأحمد بن علي الدمهوجي، وحسن بن محمد العطار، وحسن القويسني، وأحمد عبد الجواد، وإبراهيم البيجوري، ومحمد المهدي العباسي، وشمس الدين الإنبابي، وحسونة النواوي، وعبد الرحمن القطب، وعلي بن محمد الببلاوي، وعبد الرحمن الشربيني، ومحمد أبو الفضل الجيزاوي، ومحمد الأحمدي الظواهري، ومصطفى عبد الرازق، ومحمد مأمون الشناوي، وعبد المجيد سليم.
وأيضا الشيخ إبراهيم حمروش، والشيخ عبد المجيد سليم، ومحمد الخضر حسين، وعبد الرحمن تاج، ومحمود شلتوت، وحسن مأمون، ومحمد الفحام، وعبد الحليم محمود، ومحمد عبد الرحمن بيصار، وجاد الحق علي جاد الحق، ومحمد سيد طنطاوي، وأحمد الطيب.
نظام التعليم بالأزهر
يُقدر عدد الكتب في الأزهر بنحو ثمانية آلاف مُصنف، تتضمن ألف مُصنف، هي عبارة 19 ألف مجلد، وهذا العدد تطور فيما بعد بشكل كبير.. وقد شهد الأزهر أول حلقة درس تعليمي عندما جلس قاضي القضاة، أبو الحسن علي بن النعمان، في صفر 365 هـ أكتوبر (تشرين الأول) عام 975م، ليقرأ مُختصر أبيه في فقه آل البيت.. واكتسب الأزهر، لأول مرة، صفته العلمية بوصفه معهدا للدراسة المنظمة.
وكان الطالب يلتحق بالأزهر بعد أن يتعلم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب وحفظ القرآن دون التزام بسن معينة، ليتردد على حلقات العلماء ويختار ما يريد من العلماء القائمين على التدريس، حتى يحصل على شهادة الإجازة في التدريس، وظل هذا النظام متبعا حتى الخديوي إسماعيل الذي أصدر أول قانون للأزهر عام 1872 لتنظيم حصول الطلاب على الشهادة العالمية، وحدد المواد التي يجتازها الطالب بـ11 مادة دراسية، شملت الفقه والأصول والحديث والتفسير والتوحيد والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق.
وصدر المرسوم الملكي عام 1936 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها للقيام على حفظ الشريعة الإسلامية وأصولها وفروعها واللغة العربية وعلى نشرها.
وحاليا، جامع الأزهر بصفته مسجدا يتبع مشيخة الأزهر الموجودة في مقرها الجديد بحديقة الخالدين بالدراسة بحي الأزهر، أما جامعة الأزهر، فلها مقران، الأول بمنطقة بالدراسة بجوار الجامع الأزهر والآخر في ضاحية مدينة نصر (شرق القاهرة)، فضلا عن قطاع المعاهد الأزهرية، ومجمع البحوث الإسلامية، وهيئة «كبار العلماء». وتقول المصادر ذاتها: إن «مقر المشيخة الحالي الذي يقع فوق ربوة عالية عند تقاطع شارع الأزهر مع طريق صلاح سالم، روعي في تصميمه واجهاته الخارجية استخدام النمط العربي والتراثي من مشربيات وعقود، من الخامات الحديثة، مع تطويعها للزخرف الإسلامي».
ويشكل المبنى الجديد لمشيخة الأزهر مع مبنى دار الإفتاء المصرية، الذي افتتح عام 1995 ومبنى دار الكتب الأزهرية الذي اكتمل تشييده في عام 1997، بانوراما معمارية حديثة تطل فوق تلال منطقة الدراسة على القاهرة التاريخية، وتتوافق معها في الوقت نفسه بطرازها الإسلامي.
وأوضحت المصادر، أن «شؤون الجامع الأزهر وإدارته المختلفة المتخصصة بشؤون التعليم والدعوة، سواء داخل مصر أو خارجها، تدار من مبنى المشيخة الحالي بحديقة الخالدين بالدراسة، والتي يقع بها مكتب شيخ الأزهر».



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended