منارة الإسلام الوسطي يحتفي بخادم الحرمين الشريفين

الأزهر يرحب بالزيارة التاريخية ويثمن دور المملكة في إعادة ترميمه

صورة تاريخية للجامع الأزهر عام 1880
صورة تاريخية للجامع الأزهر عام 1880
TT

منارة الإسلام الوسطي يحتفي بخادم الحرمين الشريفين

صورة تاريخية للجامع الأزهر عام 1880
صورة تاريخية للجامع الأزهر عام 1880

رحب الأزهر الشريف بزيارة خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، التاريخية لمصر. وثمن الأزهر دور المملكة العربية السعودية في إعادة ترميم الجامع الأزهر العريق. وقالت مشيخة الأزهر في بيان لها، أمس: إن «خادم الحرمين سوف يزور اليوم (السبت) الأزهر ويلتقي شيخه الدكتور أحمد الطيب، في زيارة هي الأولى من نوعها يقوم بها عاهل سعودي للأزهر الذي يعد قلعة الوسطية في العالم الإسلامي». وبينما قالت المشيخة: إن «لقاء خادم الحرمين وشيخ الأزهر سوف يتناول سبل تدعيم التعاون وتنسيق الجهود بين الأزهر والسعودية في نشر الفكر الوسطي ومحاربة التطرف والإرهاب وإرساء دعائم السلام في العالم أجمع»، أكدت مصادر في الأزهر، أن «الأزهر بمؤسساته وعلمائه وطلابه يحتفون بزيارة خادم الحرمين بشكل كبير».
يعد الجامع الأزهر بالقاهرة من أهم المساجد في مصر وأشهرها في العالم الإسلامي.. وهو جامع وجامعة منذ إنشائه قبل أكثر من ألف سنة على يد جوهر الصقلي، قائد المعز لدين الله، أول الخلفاء الفاطميين في مصر، عندما بنى القاهرة الفاطمية عام 970م، ليصبح المسجد ثاني أقدم جامعة قائمة بشكل مستمر في العالم بعد جامعة القيروان في تونس.
وهو أقدم أثر فاطمي قائم في مصر، وقد اختلف المؤرخون في أصل تسمية هذا الجامع، والراجح أن الفاطميين سموه الأزهر تيمنا بفاطمة الزهراء بنت الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، وإشادة بذكراها. وقد أنشئ الجامع الأزهر ليكون مسجدا جامعا للقاهرة، أسوة بجامع عمرو بن العاص في الفسطاط وجامع ابن طولون في القطائع، ثم ما لبث أن تحول إلى أحد أشهر المعاهد الدينية في العالم الإسلامي.
ويستقبل الأزهر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان خلال زيارته التاريخية لمصر، لتفقد الأعمال التي تقوم بها السعودية لترميم الجامع بمنحة مقدمة من الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز. وأصدرت المملكة العربية السعودية في سبتمبر (أيلول) عام 2014، أمرا ملكيا بإعادة ترميم الجامع الأزهر، تلك المنارة العريقة التي تضيء نور الوسطية في العالم كله، والتي جاوز عمرها 1060 سنة، وترميم مقر مشيخة الأزهر القديمة المقابل للجامع، بالإضافة إلى إنشاء مدينة متكاملة لطلبة البعوث الإسلامية في مدينة القاهرة الجديدة (شرق القاهرة) على مساحة 176 فدانا.
وقالت مصادر في الأزهر: إن «زيارة الملك سلمان للجامع الأزهر هي الأولى لأول عاهل سعودي يزور الجامع»، لافتة إلى أن «العديد من الملوك والزعماء زاروا الجامع الأزهر، أشهرهم الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا وزوجته دوقة كورنوال كاميلا، فقد زارا الأزهر في مارس (آزار) عام 2006، كما زاره الرئيس ياسر عرفات، وهواري بومدين، رئيس الجزائر الراحل، ورجب طيب إردوغان رئيس تركيا، والرئيس فؤاد معصوم، رئيس العراق، والرئيس محمود عباس أبو مازن، رئيس السلطة الفلسطينية، ومحمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد الإمارات».
مضيفة، أن «تاريخ المقر القديم لمشيخة الأزهر في المنطقة المقابلة للجامع الأزهر، يعود إلى عام 1933 ويعتبر من أجمل المنشآت في المنطقة التي تضم جامعتي الأزهر بالدراسة وسوق خان الخليلي»، مشيرة إلى أنه «كان هناك ممر أسفل الطريق يربط بين مقر المشيخة القديم وصحن الجامع الأزهر، من خلاله ينتقل شيخ الأزهر للصلاة في الجامع، حين يأتي موعد الصلاة؛ لكن هذا الممر أغلق منذ فترة طويلة». ورجحت المصادر، أن تتم إعادة الممر الذي يربط بين المشيخة والجامع الأزهر من جديد، ليكون مقر المشيخة القديمة بعد تطويرها وترميمها مقرا دائما لشيخ الأزهر لاستقبال الوفود، ويكون المقر الحالي للمشيخة في حديقة الخالدين بالدراسة لباقي هيئات الأزهر.
استغرق بناء الجامع عامين، وأقيمت أول صلاة جمعة في 7 رمضان عام 361 هـ 972 م. وقد شهد الجامع الأزهر كثيرا من الإصلاحات والتجديدات التي تمت خلال العصر المملوكي في عهد السلطان بيبرس والسلاطين بعده.. من أشهر الأروقة فيه والتي يمتد تاريخها إلى القرن الـ14 الهجري «الصعايدة، الشنوانية، الفشنية، المغاربة، السفارية، البرناوية، البرابرة، اليمينة والبغداية.. وهناك أروقة مثل الحنفية، الحنابلة، الجوهرية، الطيبرسية والأقبقاوية».
وتبنت المملكة العربية السعودية ترميم الجامع العتيق بالتعاون مع وزارة الآثار المصرية، وأكد محمد عبد العزيز، مساعد وزير الآثار لشؤون الآثار الإسلامية، أن «المنحة التي قدمت من المملكة لترميم الجامع تقدر بنحو بقيمة 30 مليون جنيه»، مضيفا لـ«الشرق الأوسط» أن العمل بدأ بالجامع الأزهر في أبريل (نيسان) من العام الماضي، وما زالت أعمال الترميم والإنشاء جارية للانتهاء من جميع أعمال التنفيذ.
وأوضح عبد العزيز، أن أعمال الترميم بالجامع الأزهر تتضمن تقوية الأساسات وحقن التربة وترميم المئذنة وتجديدها، وأعمال ترميمات دقيقة للعناصر المعمارية والزخرفية في المبنى الرئيس للجامع الأزهر الشريف وملحقاته، فضلا عن ترميم المبنى القديم لمشيخة الأزهر المواجه للجامع الأزهر بالقرب من مسجد الإمام الحسين، باستخدام التقنيات المستخدمة نفسها في الحرم المكي الشريف.
وعن مرحلة التسليم، قال مساعد وزير الآثار المصري لشؤون الآثار الإسلامية، إن «تسليم الجامع الأزهر عقب انتهاء أعمال الترميم بالجامع.. ومن المقرر أنه سيتم الانتهاء في أبريل من العام المقبل».
وكان للأزهر ناظر يتولى أموره، حتى أصدر السلطان العثماني سليمان القانوني «فرمانا» بضرورة تنصيب شيخ للأزهر يختاره العلماء، وقد تم اختيار الشيخ محمد بن عبد الله الخراشي، وقد تولى المشيخة حتى الآن 44 شيخا، آخرهم الشيخ الحالي أحمد الطيب.
وظل منصب شيخ الأزهر ينتخب من طرف الشيوخ، وفي عام 1911 صدر قانون الأزهر المؤسس لجماعة كبار العلماء المكونة من 30 عالما من خيرة علماء الأزهر، وكان يشترط القانون حينها أن يكون شيخ الأزهر عضوا بهذه الهيئة؛ لكن عام 1945 عند وفاة شيخ الأزهر محمد المراغي عيّن الملك فاروق الشيخ مصطفى عبد الرازق، الذي لم يكن حينئذ عضوا في جماعة كبار العلماء. وفي عهد الرئيس الأسبق جمال عبد الناصر، صدر عام 1961 القانون 103 الذي ألغى جماعة كبار العلماء، التي تحولت إلى مجمع البحوث الإسلامية المكون من 50 عضوا على الأكثر، ثم تشكلت الجماعة من جديد وأطلق عليها هيئة كبار العلماء بعد ثورة «25 يناير» عام 2011، ونصت على أن يتم اختيار شيخ الأزهر ومفتي مصر من بينها.
مواقف شيوخ الأزهر عبر العصور
لشيوخ الأزهر أدوار كثيرة على مر العصور في مواجهة العدوان على مصر، فقد قاد شيوخ الأزهر المقاومة فى أكتوبر (تشرين الأول) عام 1798 ضد الفرنسيين أثناء حملة نابليون بونابرت، وقد ضرب الفرنسيون الأزهر والقاهرة من فوق جبل المقطم، ووقف شيوخ الأزهر ضد الحملة الإنجليزية على مصر سنة 1807 وأفتوا بوجوب الجهاد.
ما تميز به دور الأزهر الوطني هو زعامته الشعبية أمام الاحتلال الفرنسي للقاهرة في 8 صفر سنة 1213هـ 21 يوليو (تموز) عام 1798م، وفى رحاب الجامع الأزهر خطط علماؤه لثورة القاهرة الأولى وتحملوا ويلاتها.
فيما قام الأزهر (المؤسسة والعلماء)، بدور عظيم ومؤثر أثناء العدوان الثلاثي على مصر عام 1376هـ 1956م، واعتلى منبره الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، منددا بالعدوان الغاشم على مصر، وقام شيخ الجامع الأزهر عبد الرحمن تاج بمراسلة ملوك ورؤساء عدد من الدول الأوروبية في الشرق والغرب من أجل القيام بعمل حاسم لإنجاز سحب قوات العدو فورا من مصر، وليس هذا فحسب؛ بل كان الأزهر يقوم بجمع التبرعات وإرسال الكتائب من طلبة الأزهر وعلمائه إلى ميادين القتال للتطوع في الجيش. كما تصدى علماء الأزهر لحملة «فريزر» على مصر عام 1222هـ 1807م، فلم يكتفوا بتعطيل الدراسة بالأزهر حتى يتفرغ الأساتذة والطلبة للجهاد؛ بل عملوا على قيادة الشعب واستنفاره وإلهاب مشاعره الدينية.
ويُعد موقف علماء الأزهر وطلابه إبان الحرب العالمية الثانية حلقة من حلقات دوره الوطني في حماية مصر، وفي خطبته بمسجد الرافعي في سبتمبر (أيلول) عام 1941، قال شيخ الأزهر، المراغي، وقتها مقولته الشهيرة: «نسأل الله أن يجنبنا ويلات حرب لا ناقة لنا فيها ولا جمل».. وقد أحدثت مقولته ضجة أقلقت الحكومة البريطانية.
ومؤخرا، وأثناء زيارة الرئيس الإيراني السابق، محمود أحمدي نجاد، للأزهر في فبراير (شباط) عام 2013، وجه له شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب نقدا شديدا، مستنكرا ما يتعرض له صحابة الرسول، صلى الله عليه وسلم، والسيدة عائشة، أم المؤمنين، رضي الله عنها، من سب من قبل البعض في إيران.
كما عبر شيخ الأزهر خلال لقائه نجاد، رفضه المحاولات الشيعية لاختراق الدول السنية والمساس بمذهب أهل السنة والجماعة، كما استنكر ما يتعرض له أهل السنة والجماعة في إيران من تمييز وتضييع لحقوقهم وواجباتهم، وأكد الطيب وقتها، في حديث صارم لنجاد، رفضه التام التدخل الإيراني في شؤون دول الخليج.
شيوخ الأزهر
جميع من تولى منصب مشيخة الأزهر كانوا مصريين، ما عدا، الشيخ حسن العطار (مغربي)، والشيخ محمد الخضر حسين (تونسي) وقد عاش الاثنان في مصر، وقد تولى ثلاثة شيوخ من أسرة واحدة مشيخة الأزهر، جد وابن وحفيد، وهم الشيخ أحمد العروسي، وابنه الشيخ محمد أحمد العروسي، وحفيده الشيخ مصطفى محمد أحمد العروسي.
ومن أشهر مشايخ الأزهر: محمد عبد الله الخراشي، وإبراهيم بن محمد بن شهاب الدين البرماوي، ومحمد النشرتي، وعبد الباقي القليني، ومحمد شنن، وإبراهيم موسى الفيومي، وعبد الله الشبراوي، وعبد الرءوف السجيني، وأحمد بن عبد المنعم الدمنهوري، وأحمد العروسي، وعبد الله الشرقاوي، ومحمد الشنواني، وأحمد بن علي الدمهوجي، وحسن بن محمد العطار، وحسن القويسني، وأحمد عبد الجواد، وإبراهيم البيجوري، ومحمد المهدي العباسي، وشمس الدين الإنبابي، وحسونة النواوي، وعبد الرحمن القطب، وعلي بن محمد الببلاوي، وعبد الرحمن الشربيني، ومحمد أبو الفضل الجيزاوي، ومحمد الأحمدي الظواهري، ومصطفى عبد الرازق، ومحمد مأمون الشناوي، وعبد المجيد سليم.
وأيضا الشيخ إبراهيم حمروش، والشيخ عبد المجيد سليم، ومحمد الخضر حسين، وعبد الرحمن تاج، ومحمود شلتوت، وحسن مأمون، ومحمد الفحام، وعبد الحليم محمود، ومحمد عبد الرحمن بيصار، وجاد الحق علي جاد الحق، ومحمد سيد طنطاوي، وأحمد الطيب.
نظام التعليم بالأزهر
يُقدر عدد الكتب في الأزهر بنحو ثمانية آلاف مُصنف، تتضمن ألف مُصنف، هي عبارة 19 ألف مجلد، وهذا العدد تطور فيما بعد بشكل كبير.. وقد شهد الأزهر أول حلقة درس تعليمي عندما جلس قاضي القضاة، أبو الحسن علي بن النعمان، في صفر 365 هـ أكتوبر (تشرين الأول) عام 975م، ليقرأ مُختصر أبيه في فقه آل البيت.. واكتسب الأزهر، لأول مرة، صفته العلمية بوصفه معهدا للدراسة المنظمة.
وكان الطالب يلتحق بالأزهر بعد أن يتعلم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب وحفظ القرآن دون التزام بسن معينة، ليتردد على حلقات العلماء ويختار ما يريد من العلماء القائمين على التدريس، حتى يحصل على شهادة الإجازة في التدريس، وظل هذا النظام متبعا حتى الخديوي إسماعيل الذي أصدر أول قانون للأزهر عام 1872 لتنظيم حصول الطلاب على الشهادة العالمية، وحدد المواد التي يجتازها الطالب بـ11 مادة دراسية، شملت الفقه والأصول والحديث والتفسير والتوحيد والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق.
وصدر المرسوم الملكي عام 1936 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها للقيام على حفظ الشريعة الإسلامية وأصولها وفروعها واللغة العربية وعلى نشرها.
وحاليا، جامع الأزهر بصفته مسجدا يتبع مشيخة الأزهر الموجودة في مقرها الجديد بحديقة الخالدين بالدراسة بحي الأزهر، أما جامعة الأزهر، فلها مقران، الأول بمنطقة بالدراسة بجوار الجامع الأزهر والآخر في ضاحية مدينة نصر (شرق القاهرة)، فضلا عن قطاع المعاهد الأزهرية، ومجمع البحوث الإسلامية، وهيئة «كبار العلماء». وتقول المصادر ذاتها: إن «مقر المشيخة الحالي الذي يقع فوق ربوة عالية عند تقاطع شارع الأزهر مع طريق صلاح سالم، روعي في تصميمه واجهاته الخارجية استخدام النمط العربي والتراثي من مشربيات وعقود، من الخامات الحديثة، مع تطويعها للزخرف الإسلامي».
ويشكل المبنى الجديد لمشيخة الأزهر مع مبنى دار الإفتاء المصرية، الذي افتتح عام 1995 ومبنى دار الكتب الأزهرية الذي اكتمل تشييده في عام 1997، بانوراما معمارية حديثة تطل فوق تلال منطقة الدراسة على القاهرة التاريخية، وتتوافق معها في الوقت نفسه بطرازها الإسلامي.
وأوضحت المصادر، أن «شؤون الجامع الأزهر وإدارته المختلفة المتخصصة بشؤون التعليم والدعوة، سواء داخل مصر أو خارجها، تدار من مبنى المشيخة الحالي بحديقة الخالدين بالدراسة، والتي يقع بها مكتب شيخ الأزهر».



«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
TT

«مغامرة بالغة الخطورة»... لماذا ترفع مصر سقف التحذير في حوض النيل؟

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال الندوة التثقيفية للقوات المسلحة في إطار احتفالات مصر بيوم الشهيد والمحارب القديم (الرئاسة المصرية)

تزامن التحذير الرئاسي المصري من محاولات لـ«إشعال الفتن والصراعات العبثية» في حوض النيل والقرن الأفريقي، مع تصاعد التوترات في المنطقة، وسط خلافات مصرية مع إثيوبيا بشأن ملف «سد النهضة» والاتفاقية الإطارية لدول الحوض، وإدانات من القاهرة للوجود الإسرائيلي والاعتراف بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال».

ويعتقد خبراء في الشأن الأفريقي، تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التحذير المهم يأتي في ظل توترات وصراعات بالمنطقة، ومن أجل تجنب التداعيات الخطيرة على دول حوض النيل ومنطقة القرن الأفريقي، من المطامع بالبحر الأحمر أو المنطقة.

تحذير مصري

قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في كلمة الاثنين: «نحذر من محاولات إشعال الفتن في حوض النيل والقرن الأفريقي، فهذه مغامرات بالغة الخطورة، ستترتب عليها تداعيات لا قدرة لأحد على احتوائها، ولن يكون أي طرف بمنأى عن آثارها».

وأضاف: «مصر التي تنادي دائماً بالتعاون والتكامل مع الدول الشقيقة في حوض النيل، لن تسمح بجر المنطقة إلى صراعات عبثية، تهدد حاضرها ومستقبلها».

رفع مستوى التحذير

عن رفع مصر مستوى التحذير، قالت مساعد وزير الخارجية للشؤون الأفريقية الأسبق السفيرة منى عمر، إن الرئيس السيسي قدم نظرة شمولية للأوضاع، حيث كان يتحدث عن الإطار الإقليمي بصفة عامة، سواء في جانبه العربي أو الأفريقي. ومصر «لم ترفع سقف التحذير فجأة، بل إن الرئيس كان دائماً، وفي كافة المناسبات يتحدث عن أهمية تجنب الخلافات القائمة التي قد تؤدي إلى تداعيات خطيرة على منطقة القرن الأفريقي، وعلى مصر بالتبعية».

بالنظر إلى الخريطة الأفريقية، هناك جملة من الأزمات، بدءاً من الوضع في السودان، واستمرار الحرب منذ 2023، وما حدث في الصومال، بخاصة في منطقة «أرض الصومال» الانفصالية والتدخلات الإسرائيلية في تلك المنطقة، وتأثير ذلك على الممرات الاستراتيجية في باب المندب، حسب منى عمر.

وفيما يتعلق بالداخل الإثيوبي، تقول إن «هناك الكثير من القلاقل والقوميات المتناحرة، وهو ما قد يؤدي في حالة استمرار الوضع على ما هو عليه إلى انهيار دولة بحجم إثيوبيا، الأمر الذي سيؤثر بدوره على كل دول الجوار، نظراً لأن كل هذه القوميات لها انتماءات وتداخلات مع دول الجوار»، في إشارة لخلافات أخيرة بين أديس أبابا وإقليم تيغراي.

تضاف إلى ذلك الخلافات القائمة بالفعل ما بين إثيوبيا وإريتريا من جهة، وأخرى مكتومة بين إثيوبيا والصومال، حسب عمر.

وقبل أيام، وجه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تحذيراً شديد اللهجة إلى الحكومة الإريترية، مؤكداً أن بلاده «لن تمنح أسمرة فرصة أخرى لأي محاولة لإلحاق الضرر بها، وأن أي تحرك من هذا القبيل سيكون الأخير».

وأكدت السفيرة منى عمر أن كل هذه الأمور من شأنها إحداث وقيعة بين الدول بصفة عامة، سواء الدول العربية أو الأفريقية، وقد تتطور إلى مواجهات عسكرية أو غيرها مما لا تحمد عقباه، مضيفة: «وهذا هو الدافع الذي جعل الرئيس السيسي يتناول هذا الموضوع للتنبيه من خطورة الأوضاع td المنطقة».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2024، طالبت وزارة الري المصرية، دول حوض نهر النيل الموقّعة على «عنتيبي»، بمراجعة مواقفها من الاتفاقية، والعودة إلى النقاش بشأن التعاون بينها، بعد أن تسبب ملف «سد النهضة» الإثيوبي بخلافات بين القاهرة وأديس أبابا.

وتخشى دولتا مصب نهر النيل، مصر والسودان، من أن يؤثر السد سلباً على حصتيهما من مياه نهر النيل، وتطالبان بإبرام اتفاق ثلاثي قانوني ملزم بشأن ملء وتشغيل السد، بينما ترى إثيوبيا أن الأمر لا يستلزم توقيع اتفاق، وتجمدت المفاوضات منذ 2024.

ويرى نائب رئيس «المجلس المصري للشؤون الأفريقية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، أن التحذير الرئاسي «يأتي في ضوء تنامي التوترات بالمنطقة، التي تزيد التحديات بالقرن الأفريقي في ظل مخاطر تهدد الملاحة في باب المندب ومساع إثيوبية بصورة أحادية للوجود في البحر الأحمر، وتصعيد اللهجة مع إريتريا، بخلاف الوجود الإسرائيلي عبر الاعتراف بالإقليم الانفصالي، وهذه كلها أمور قد تشعل المنطقة».

ويعتقد حليمة أنه «سيكون هناك تحرك مصري نشط لضمان الالتزام بالقوانين والمواثيق الدولية ذات الصلة، سواء ما يتعلق بالأطماع الإسرائيلية في البحر الأحمر، أو ملف سد النهضة الإثيوبي، أو محاولات التوسع الإثيوبي بالقوة في البحر الأحمر، وذلك لضمان أمن المنطقة واستقرارها وحماية الأمن القومي المصري».


أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
TT

أولويات اليمن التنموية على طاولة «البنك الدولي»

ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)
ملايين اليمنيين يعتمدون على المساعدات الدولية في ظل الانقلاب الحوثي (إ.ب.أ)

وضعت الحكومة اليمنية حزمة من الأولويات الاقتصادية والخدمية على طاولة المشاورات مع «البنك الدولي»؛ في محاولة لتعزيز فرص التعافي الاقتصادي وتحسين الخدمات الأساسية بالبلاد، في وقت تزداد فيه التحديات الإقليمية والاقتصادية بفعل التصعيد العسكري بالمنطقة، وما قد يخلّفه من آثار على سلاسل التوريد وإمدادات الطاقة.

وجاءت هذه المشاورات ضمن مناقشة إعداد «إطار الشراكة القُطرية الجديد» بين اليمن و«البنك الدولي» للفترة من 2026 إلى 2030، حيث عرضت الحكومة جملة من البرامج والمشروعات التي تتطلع إلى تمويلها خلال السنوات المقبلة، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تمس حياة المواطنين بشكل مباشر.

ووفق مصادر رسمية، فقد ركزت جلسة المشاورات الموسعة بين الجانبين على تحديد أولويات التمويل التنموي، وبحث آليات دعم البرامج التي تسهم في تحسين الخدمات العامة وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، في ظل الظروف المعقدة التي يمر بها الاقتصاد اليمني نتيجة سنوات الصراع.

معظم اليمنيين فقدوا قدرتهم الشرائية مع اتساع رقعة الفقر وانعدام فرص العيش (إ.ب.أ)

وحضر جلسات النقاش عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، من بينهم وزراء: الكهرباء والطاقة، والمياه والبيئة، والزراعة والثروة السمكية، والتربية والتعليم، والأشغال العامة، والصناعة والتجارة، والشؤون الاجتماعية، والصحة والسكان، إضافة إلى قيادة «البنك المركزي اليمني».

وتناولت المناقشات احتياجات الحكومة خلال المرحلة المقبلة، وسبل مواءمة البرامج التنموية مع الاستراتيجيات الوطنية وخطط التعافي الاقتصادي، بما يضمن توجيه التمويل الدولي نحو القطاعات الأكبر تأثيراً في حياة المواطنين.

الأولويات الحكومية

ركزت الحكومة اليمنية في نقاشاتها مع «البنك الدولي» على معالجة الاختلالات الحادة في قطاع الكهرباء والطاقة، بوصفه أحد أكبر القطاعات تأثيراً في الاقتصاد الوطني والخدمات العامة.

ويعدّ العجز في إنتاج الطاقة أحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات اليمنية، حيث يعاني معظم المدن من انقطاعات متكررة في التيار الكهربائي؛ نتيجة ضعف البنية التحتية وارتفاع تكلفة الوقود، إضافة إلى الأضرار التي لحقت بالمنشآت خلال سنوات الصراع.

العجز في الطاقة يحتل أولوية لدى الحكومة اليمنية الجديدة (إعلام محلي)

وترى الحكومة اليمنية أن تحسين قطاع الكهرباء يمثل خطوة أساسية لدعم النشاط الاقتصادي وتشجيع الاستثمارات، فضلاً عن دوره المباشر في تحسين الخدمات العامة مثل المياه والصحة والتعليم.

وفي هذا السياق، بحثت المشاورات مع «البنك الدولي» إمكانية تمويل مشروعات لتوسيع إنتاج الطاقة وإعادة تأهيل محطات التوليد وشبكات النقل والتوزيع، إلى جانب دعم التوجه نحو الطاقة المتجددة، بما يساعد على تقليل الاعتماد على الوقود المستورد وخفض التكاليف التشغيلية.

كما تطرقت النقاشات إلى أهمية تطوير خدمات المياه والصرف الصحي والبنية التحتية الحضرية، بوصفها من المتطلبات الأساسية لتحسين مستوى المعيشة في المدن والمناطق الريفية.

الزراعة والأمن الغذائي

إلى جانب قطاع الطاقة، حظي القطاع الزراعي باهتمام خاص خلال المشاورات بين الحكومة اليمنية و«البنك الدولي»، نظراً إلى أهميته في دعم الأمن الغذائي وتوفير فرص العمل.

وأكد وزير الزراعة والثروة السمكية في الحكومة اليمنية، سالم السقطري، أن إطلاق مشاورات إعداد «إطار الشراكة القُطرية» يمثل خطوة مهمة نحو صياغة تدخلات تنموية أعلى استجابة للتحديات التي تواجه اليمن، خصوصاً في القطاعات الإنتاجية.

نحو 70 % من اليمنيين يعتمدون على الزراعة التي تضررت جراء التغيرات المناخية (الأمم المتحدة)

وأوضح أن قطاع الزراعة والري والثروة السمكية يعدّ من أهم القطاعات القادرة على الإسهام في تعزيز الأمن الغذائي وتحسين سبل العيش، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من السكان تعتمد على الأنشطة الزراعية والسمكية مصدراً رئيسياً للدخل.

ووفق التقديرات، فإن نحو 70 في المائة من سكان اليمن يعيشون في المناطق الريفية التي يعتمد اقتصادها بدرجة كبيرة على الزراعة، في حين يسهم القطاع الزراعي بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

وتبرز أهمية هذا القطاع في ظل تفاقم أزمة الأمن الغذائي، حيث تشير تقديرات أممية إلى أن أكثر من 17 مليون شخص يعانون من مستويات مختلفة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي ضوء ذلك، شدد المسؤولون اليمنيون على ضرورة توجيه الاستثمارات الدولية نحو دعم الإنتاج الزراعي المحلي، وتعزيز قدرة القطاعين الزراعي والسمكي على الإسهام في تلبية الاحتياجات الغذائية للسكان.

إعادة تأهيل البنية التحتية

كما ركزت النقاشات على أهمية إعادة تأهيل البنية التحتية للقطاعين الزراعي والسمكي، خصوصاً ما يتعلق بمنشآت وشبكات الري والأراضي الزراعية المتضررة والبنية التحتية لمصايد الأسماك.

وتعرضت هذه المنشآت لأضرار واسعة خلال سنوات الصراع، إضافة إلى التأثيرات المتصاعدة للتغيرات المناخية التي أسهمت في تراجع الإنتاج الزراعي في عدد من المناطق.

الحكومة اليمنية تراهن على دعم القطاع السمكي لمواجهة انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

وأشار وزير الزراعة اليمني إلى أن «إطار الشراكة» المقترح مع «البنك الدولي» يتضمن توجهاً لدعم تنمية الأعمال الزراعية وسلاسل القيمة الغذائية، وتحسين إدارة الموارد المائية، وتطوير قطاع مصايد الأسماك والاستزراع السمكي.

كما يشمل التوجه توسيع فرص التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بالقطاع الزراعي، بما يسهم في تعزيز الإنتاج المحلي وخلق فرص عمل جديدة في الريف.

وأكد السقطري استعداد وزارته للتعاون الكامل مع مجموعة «البنك الدولي»، ووزارة التخطيط والتعاون الدولي، وبقية الجهات الحكومية وشركاء التنمية؛ لتحديد أولويات واضحة للتدخلات المستقبلية.

وشدد على أهمية أن يركز إطار الشراكة الجديد على الانتقال التدريجي من مرحلة الاستجابة الإنسانية إلى دعم الإنتاج والتنمية الاقتصادية المستدامة، بما يساعد المجتمعات المحلية على تعزيز قدرتها في الاعتماد على الذات وتحقيق تعافٍ اقتصادي تدريجي.

ويأمل المسؤولون اليمنيون أن يسهم التعاون مع «البنك الدولي» في توفير التمويل اللازم لتنفيذ هذه البرامج والمشروعات، بما يعزز فرص الاستقرار الاقتصادي ويحسن مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين في مختلف المحافظات.


الحرب على إيران تضغط الاقتصاد اليمني وسط سعي حكومي للاحتواء

العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
TT

الحرب على إيران تضغط الاقتصاد اليمني وسط سعي حكومي للاحتواء

العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)
العليمي التقى لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية لمناقشة تداعيات الحرب على الاقتصاد والمعيشة (سبأ)

تضع الحرب الأميركية - الإسرائيلية ضد إيران، والردود الإيرانية التي استهدفت منشآت مدنية واقتصادية في دول الخليج العربي، وتعطيل الملاحة عبر مضيق هرمز، اقتصاد اليمن الهش أمام اختبار جديد، حيث تجد البلاد نفسها عُرضة لارتدادات مباشرة تشمل ارتفاع أسعار الوقود والشحن والتأمين.

وتتزايد الضغوط على العملة والأسواق المحلية في اليمن في ظل الاعتماد الكبير على الواردات الخارجية لتأمين معظم الاحتياجات من الغذاء الطاقة، بينما تؤكد الحكومة امتلاك مخزون سلعي يكفي أشهراً عدة، في وقت تشير مؤشرات السوق إلى ركود حاد وتراجع القدرة الشرائية لدى السكان.

وتحاول الحكومة اليمنية احتواء التداعيات المحتملة للحرب الإقليمية؛ إذ حددت لجنة إدارة الأزمات الاقتصادية والإنسانية، خلال اجتماع طارئ برئاسة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، أولوية حماية المعيشة واستقرار العملة الوطنية، والعمل على تحييد البلاد قدر الإمكان عن الارتدادات الاقتصادية للتصعيد العسكري في المنطقة.

وناقش الاجتماع الحكومي مستجدات الأوضاع الاقتصادية والخدمية والإنسانية في ضوء التطورات الأمنية المتسارعة وتأثيرها المحتمل على سلاسل إمداد الغذاء والدواء والوقود، ودعا العليمي الجهات المعنية إلى الجاهزية للتعامل مع مختلف السيناريوهات، بما يضمن استمرار تدفق الواردات الأساسية ودفع رواتب الموظفين.

مجلس القيادة الرئاسي اليمني بحث في اجتماع له تداعيات التصعيد الإقليمي (سبأ)

وحسب الإعلام الرسمي، عرض رئيس الحكومة شائع الزنداني ومحافظ البنك المركزي أحمد غالب المؤشرات المالية والنقدية وخطط الاستجابة الحكومية للحد من تأثيرات الحرب، وقدَّما تطمينات بمستويات الأداء المالية العامة والاحتياطات الخارجية.

ومن المتوقع أن يشهد اليمن ارتفاعاً كبيراً في أسعار الوقود محلياً، بعد الارتفاع الذي تشهده عالمياً بسبب المواجهة المشتعلة في المنطقة؛ وهو ما سينعكس سريعاً على مختلف القطاعات الاقتصادية، عبر زيادة تكاليف النقل وارتفاع أسعار السلع والخدمات، ما يضاعف الضغوط المعيشية على السكان.

ويرى الأكاديمي والخبير الاقتصادي اليمني يوسف سعيد أحمد أنه من المبكر رصد كل آثار الحرب على الاقتصاد، غير أن المؤشرات الأولية تشير إلى تداعيات محتملة واسعة، خصوصاً مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط العالمية بعد تصاعد الحرب في الخليج.

القدرة الشرائية لليمنيين مهدَّدة بمزيد من التدهور بعد اندلاع الحرب ضد إيران (أ.ف.ب)

ويشير في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تجاوز سعر النفط حاجز 90 دولاراً للبرميل يضع اليمن في موقع المتضرر الأكبر؛ إذ تحولت البلاد منذ أواخر 2021 إلى مستورد صافٍ للنفط ومشتقاته بعد توقف صادراتها النفطية نتيجة هجمات الحوثيين على مواني التصدير.

هشاشة وانعدام يقين

وينوّه أحمد، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى احتمال أن يؤدي إغلاق مضيق هرمز وارتفاع تكاليف التأمين على الشحنات، التي قد تصل إلى ثلاثة آلاف دولار إضافية لكل حاوية متجهة إلى المواني اليمنية، إلى ارتفاع أسعار النفط وتكاليف التأمين على الشحنات؛ ما يؤدي بدوره إلى زيادة تكلفة النقل وأسعار السلع والخدمات.

كما يرجح تأثر سوق الصرف وتحويلات المغتربين والدعم الخارجي إذا طال أمد الحرب؛ ما يعزز حالة عدم اليقين في الاقتصاد.

وسط الركود الذي تعيشه الأسواق اليمنية تشتدّ المخاوف من ارتفاع وشيك للأسعار (أ.ف.ب)

وتفيد التقديرات الحكومية بأن المخزون السلعي من المواد الأساسية لا يزال عند مستويات آمنة، تكفي لفترة تقارب ستة أشهر، بدعم من تدخلات وتمويلات قدمتها السعودية، إلا أن خبراء الاقتصاد يرجّحون أن ما يتوافر في الأسواق لا يرقى إلى مستوى المخزون الاستراتيجي الحقيقي.

ولكون الاقتصاد اليمني اقتصاد حرب، ويعاني الهشاشة، فمن المتوقع أن يدفع ثمناً كبيراً في هذه الأزمة، حسب الخبير الاقتصادي مصطفي نصر الذي يؤكد أن ارتفاع تكلفة الشحن والتأمين البحريين سيؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع مباشرة في الأسواق اليمنية، خصوصاً وأن البلد تستورد معظم احتياجاتها من السلع الأساسية.

ويبين نصر لـ«الشرق الأوسط» أن التأثيرات التي تتعرض لها اقتصادات الدول المانحة، وفي مقدمها السعودية، قد يؤثر على المنح والمساعدات التي يتلقاها اليمن، خصوصاً أنه من الدول الهشة التي لا تملك استراتيجيات لتقييم المخاطر، أو مناعة لمواجهة مثل هذه الصدمات والتخفيف من المخاطر.

التصعيد الإقليمي يهدّد بمضاعفة الأزمة الإنسانية في اليمن والمزيد من خفض التمويل (أ.ف.ب)

وينفي نصر، وهو رئيس مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي، إمكانية حصول اليمن على بعض الفوائد من هذه الحرب، مثل توجه خطوط الملاحة إلى ميناء عدن؛ بسبب عدم قدرته وكفاءته على استيعاب حركة السفن المتوقعة، إلا أنه يتوقع انخفاض الدعم الذي تتلقاه الجماعة الحوثية من إيران بفعل ما تتعرض له من استنزاف قدراتها الاقتصادية والعسكرية.

ضرورة الإجراءات الاستباقية

تعهدت الحكومة اليمنية التي أُعيد تشكيلها أخيراً، بإعلان أول موازنة للدولة منذ 7 أعوام، واحتواء التضخم وتحسين معيشة السكان وانتظام صرف المرتبات وتحسين الخدمات الأساسية، ودعم استقلالية البنك المركزي وحماية العملة.

ويذهب الأكاديمي الاقتصادي محمد قحطان إلى أن الحرب الدائرة تتصل بصراع أوسع على شكل النظام الاقتصادي العالمي ومستقبل النفوذ الأميركي، وهي بعض المعطيات التي تحتم على الحكومة اليمنية ومجلس القيادة الرئاسي استشعار الخطر أمامها.

على الرغم من الاستقرار النسبي للعملة اليمنية تواجه الآن تهديد تأثيرات الحرب في المنطقة (أ.ف.ب)

ويشدد، خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط»، على ضرورة استئناف تصدير النفط والغاز اليمني إلى الصين، والتي تُعدّ، بأمس الحاجة إلى بدائل الطاقة مع توقف الإمدادات من إيران ودول الخليج، إلى جانب الإسراع بإصلاح مصافي النفط في عدن لتغطية احتياجات السوق اليمنية من خلال عقود مع شركات صينية.

ويحذّر قحطان، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة تعز، من أن استمرار الصراع لفترة طويلة قد يفاقم الأزمة الاقتصادية والإنسانية في اليمن؛ نظراً لاعتماد الحكومة الكبير على المساعدات الخارجية والواردات الغذائية، ما قد يدفع البلاد نحو مزيد من التدهور في الأمن الغذائي وأمن الطاقة ما لم تُتخذ إجراءات استباقية لمنع ذلك.

وحذَّرت منظمة الأغذية والزراعة (فاو) في تقرير لها مطلع هذا العام من تفاقم انعدام الأمن الغذائي في اليمن الذي يواجه نحو 18 مليون شخص من سكانه خطر الجوع الحاد، بسبب مخاطر متداخلة من التطرفات المناخية والحرب وأزمات التمويل.