بصورة مفاجئة في الأسبوع الماضي اندلعت اشتباكات عنيفة في منطقة القوقاز، تشكل فصلاً جديدًا من نزاع قديم، معظم نزاعات منطقة غرب آسيا، الغنية بتنوعها الإثني (العرقي) واللغوي والديني والمذهبي. لماذا الآن؟ كان السؤال الذي تسابق على طرحه معظم الخبراء العالميين منذ هذا الاندلاع المفاجئ للأعمال العدائية بين جمهوريتي أذربيجان وأرمينيا السوفياتيتين سابقًا على إقليم ناغورنو قره باغ (أو قره باغ العليا) خلال الأسبوع الماضي. وكالعادة، جاءت الإجابات منسجمة مع التوجهات السياسية لكل خبير.
تفجّر القتال خلال الأسبوع الماضي بين جمهوريتي أذربيجان وأرمينيا، في مدينة ستيباناكيرت، واشتد فيها مع تمدده على طول خط الهدنة بين حرس الحدود الأذربيجانيين ووحدات مسلحة من «الجمهورية المعلنة من جانب واحد» في إقليم قره باغ العليا. ويُقدّر أنه سقط بعد ثلاثة أيام من المعارك نحو 100 قتيل، بينهم 67 عسكريًا في الجانب الأذربيجاني. غير أن القتال لم يؤدّ إلى تغيير في الخرائط الميدانية، على الرغم من أن السلطات الأذربيجانية ادّعت السيطرة على أربع تلال تسيطر على طريق استراتيجي داخل الإقليم ذي الغالبية السكانية الأرمينية، الذي هو عبارة عن جيب داخل أذربيجان.
جدير بالذكر أن الإقليم، أو الجيب، المتنازع عليه تُطلَق عليه أسماء كثيرة تعتمد على الجهات ذات الصلة. فبالنسبة إلى روسيا ومعظم دول العالم الاسم الشائع هو «ناغورنيي كاراباخ»، التي تعني بالعربية «الحديقة (باغ) السوداء (قره) الجبلية»، بينما يسميه الأذربيجانيون والأتراك «يوكاري قره باغ»، حيث تعني كلمة «يوكاري» العليا وكلمة «قره» الأسود أو السوداء باللغة التركية و«باغ» تعني «حديقة أو بستان» باللغة الفارسية. وفي حين يطلق الإيرانيون على الإقليم اسم «قره باغ عليا»، يسميه الأرمن «أرستاخ».
وتمتد الاختلافات والخلافات إلى اسم عاصمة الإقليم أيضًا. فالأرمن يسمون المدينة ستيباناكيرت وهو مزيج إيراني إرمني معناه «قرية إسطفان» في إشارة إلى إسطفان أول «شهداء» المسيحية. أما بالنسبة للأتراك والإيرانيين فتحمل المدينة اسم «شوشة» إي «سَبَطانة المدفع». وتقوم هذه المدينة في موقع مأهول منذ القدم اغتيل فيه الآغا محمد خان مؤسس سلالة آل قاجار المالكة الإيرانية.
يغطي الإقليم المتنازع عليه مساحة 4400 كلم مربّع (أي ما يعادل نحو 40 في المائة من مساحة لبنان) ويقع كليًا داخل أراضي جمهورية أذربيجان. ويبلغ تعداد سكانه أكثر بقليل من 180 ألف نسمة، كلهم تقريبًا من الأرمن، لا سيما بعد تهجير الأقلية الأذربيجانية التي كانت تعيش فيه وكان تعدادها نحو 50 ألف نسمة.
ولكن على الرغم من صغر حجم قره باغ، وبالتالي أزمته، مقارنةً بالأزمات العالمية الكبرى اليوم، فإن اندلاع القتال من جديد في الإقليم الصغير أثار قلقًا من أزمة أكبر منه، مما أطلق جهودًا دبلوماسية محمومة لاحتواء التدهور في عدد من العواصم، بينها موسكو وطهران وواشنطن وأنقره، ناهيك من باكو عاصمة أذربيجان ويريفان عاصمة أرمينيا.
صحيفة «كوميرسانت» الروسية وصفت الوضع في الإقليم بأنه «قنبلة على وشك الانفجار» التي تهدد بتفجيرات أكبر في منطقة جنوب القوقاز. وفي العاصمة الإيرانية طهران اعتبرت صحيفة «كيهان»، التي تعبّر عن مواقف «المرشد الأعلى» علي خامنئي، أن التصعيد الأخير «هندسته واشنطن لصرف أنظار موسكو بعيدًا عن الحرب السورية». أما بالنسبة للمعلقين الأتراك، فإنهم يشيرون بأصابع الاتهام إلى سلطات أرمينيا ويعتبرونها «محرّك» التوتر لاستغلال المصاعب الحالية التي تعيشها أذربيجان بفعل انخفاض أسعار النفط. ومن جانبه، حذّر الرئيس الأرميني سيرج سركيسيان من أن التوتر الحالي قد ينسف الأمن ليس في منطقة القوقاز ومحيطها المباشر فحسب، بل قد تمتد ألسنة لهبها إلى عموم أوروبا.
* تغيّر أسلوب باكو
في إجابة عن التساؤل: لماذا الآن؟ جاء في افتتاحية ملتبسة لصحيفة «كيهان» الإيرانية، أن زيارة الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف لطهران خلال الشهر الماضي «جاءت مؤشرًا على أنه ينوي الابتعاد عن محور واشنطن - أنقرة والاقتراب من مواقف إيران وروسيا». ومن ثم، قرأت الصحيفة في التصعيد المتجدد «اختبارًا لمتانة الدعم الروسي والإيراني لأرمينيا». وخلاصة من يمكن استشفافه من كلام «كيهان» أن طهران مستعدة للتقليل من دعمها لأرمينيا إذا ما اقترب علييف من محور طهران - موسكو إقليميًا.
ومن جهة ثانية، يوم الخميس الماضي طار كل من وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والإيراني محمد جواد ظريف إلى باكو لإجراء مباحثات مع وزير خارجية أذربيجان إلمار محمد ياروف بحثًا عن «وقف إطلاق قابل للاستمرار تليه مباحثات حول مستقبل قره باغ العليا». وكان واضحًا مدى حرص موسكو وطهران على استغلال الوضع لدق إسفين بين سلطات باكو وحليفتيها في أنقرة وواشنطن.
وثمة إجابة أخرى على السؤال نفسه هي أن الولايات المتحدة، القوة العالمية التي كانت قد ضمنت هدنة 1994، باتت إما عازفة أو عاجزة عن تكرار ما كانت فعلته من قبل. ذلك أن استراتيجية الرئيس باراك أوباما القائمة على التراجع والانكفاء عالميًا تشمل وقف اضطلاع واشنطن بدوري الحكم وراعي السلام في أكثر من 60 منطقة ساخنة موزّعة على أنحاء العالم. غير أن الغياب الأميركي يفتح «فراغات» أمام قوى مناوئة يغريها ذلك الغياب بملئها، ومن ثم قلب الموازين لصالحها لاحقًا. كذلك من شأن هذه «الفراغات» إضعاف الثقة الذي كان يشعر به قادة أذربيجان، منذ عام 1994، إزاء التزام واشنطن بحمايتهم من طموحات موسكو وطهران وأطماعهما.
* الشعبان الآذري والأرمني
الصراع في قره باغ يتعلق بجماعتين اثنتين، هما الأرمن والآذريون (أو الأذربيجانيون)، وديانتين هما المسيحية والإسلام، وثلاث آيديولوجيات قومية هي القومية التركية (الطورانية)، والقومية الإيرانية والقومية الأرمينية. ويخوض هذا الصراع بلدان جاران هما أرمينيا وأذربيجان، وثلاث قوى إقليمية هي إيران وتركيا وإسرائيل، و«قوتان عالميتان» هما أميركا وروسيا.
الجانب الآيديولوجي الأول تمثله الجماعات القومية الأرمنية التي يعد أبرزها حزب الطاشناق القومي اليميني المتشدد الذي يؤمن بأنه آن أوان التخلي عما يعتبره استقلالاً شكليًا وضم الإقليم كليًا ونهائيًا إلى لجمهورية أرمينيا. ومن شأن هذه الخطوة أن تشكل بداية مسيرة إعادة تأسيس «أرمينيا الكبرى» التي يمكن أن تضم جيب آخر هو نخجوان (تلفظ ناخيتشيفان) ذو الغالبية الأذربيجانية، الذي هو الآن جمهورية ذاتية الحكم تتبع أذربيجان لكنها مفصولة عنها بأراضي أرمينيا. ثم، من أجل ربط قره باغ العليا بباقي أرمينيا ومن ثم ضم نخجوان، قد يسعى غلاة القوميين الأرمن كذلك لضم منطقة لاتشين ذات الغالبية الكردية.
والجانب الآيديولوجي الثاني يمثلون القوميون الترك في العاصمة الأذربيجانية باكو الذين يحلمون بيوم تتصل فيه أراضي أذربيجان بالوطن التركي الأم.. تركيا. وهذا يستوجب السيطرة التامة على قره باغ ثم لاتشين بالإضافة إلى قطاع يقطنه الأرمن على الحدود مع إيران.
* مشوار البحث عن هوية
منذ ظهور جمهورية أذربيجان كدولة مستقلة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، واجهت هذه الدولة تعقيدات عويصة تتعلق بمسألة الهوية وموقعها في العالم. وكان حيدر علييف، الجنرال السابق في «جهاز أمن الدولة» السوفياتي (الكي جي بي)، الذي حكم أذربيجان قبل استقلالها عن موسكو وبعده لبضعة عقود، قد تجاهل هذه التعقيدات ذات الطابع الفكري النظري، وكان يؤمن أن كل ما تحتاجه الدولة الوليدة.. السلام والأمن.
علييف كان يستمتع بسبحة إصفهانية من العقيق، وفي الوقت نفسه، يعتز باحتفاظه بمسدسه البارابللوم الذي كان يحتفظ به منذ أيامه في «الكي جي بي»، مما يوحي بأنه ما كان يلقي بالاً لوجود «مسألة هوية» حقيقية، بل يعتقد أن مثل هذه الهواجس موجودة فقط في أذهان الأكاديميين. أيضًا لم يجدد الرئيس المؤسس للدولة الوليدة غضاضة في الإبقاء على الصيغة الروسية لعائلته، أي علييف بدلاً من علي.
القادة الآخرون كانت توجهاتهم مختلفة؛ مثلاً، الرئيس عياض مطلبوف الذي قاد الدولة بنهاية القبة السوفياتية وبدء مرحلة الاستقلال حاول الابتعاد عن روسيا وإرثها، والاقتراب رويدًا من إيران. وقرأ ملالي طهران في موقفه مؤشر ضعف فبدأوا يعرضون عضلاتهم في باكو. بل إنهم أسسوا فرعًا لـ«حزب الله» في العاصمة الأذربيجانية تحت قيادة الحاج علي كرم. وكحال لبنان، بعد بضع سنوات، بين الإيرانيون أنهم ليسوا مهتمين بالتعاون مع «حلفاء» بل يريدون «أتباعًا» يطيعون أوامرهم بلا تردد.
هذه السياسة الإيرانية في جمهورية تركية القومية وشيعية المذهب كأذربيجان أثارت ردة فعل قومية معادية استغلها دعاة القومية التركية وركبوا موجتها. ويذكر أن إيران كانت قد ارتكبت خطأ مبكرًا عام 1989 عندما زار باكو علي أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس «المجلس» في حينه. جاءت تلك الزيارة بعد وقت قصير من المجزرة التي ارتكبتها القوات السوفياتية بحق المتظاهرين المنادين بالاستقلال في باكو. ولكن بدلاً من إدانة القمع نصح ملالي طهران الأذربيجانيين بالبقاء في كنف الاتحاد السوفياتي وعدم الانسياق وراء دعوات «الشيطان الأميركي الأكبر». ومن ثم، زار رفسنجاني والوفد المرافق الجامع الكبير في باكو حيث أدى الصلاة وجرى توزيع لافتات وملصقات عليها صور آية الله الخميني.
وعن تلك المناسبة تقول المؤرخة ليلى قنبروف: «كشفت لنا تلك الزيارة أن كل الأنظمة الاستبدادية، سواءً كانت مسلمة أو شيوعية تربطها أخوة دم. لقد أدركنا أنه بينما كان الروس يقمعوننا، كان ملالي إيران يصفقون ويهللون».
خلال جولات القتال الأولى في قره باغ، يقال إن أعدادًا كبيرة من الأذربيجانيين تربو على نصف مليون نسمة فرت ولجأت إلى إيران، خشية توسع المعارك لتشمل عموم الجمهورية. وفي تقرير لها قبل أسبوع استرجعت وكالة «رجا نيوز»، التي يشرف عليها الحرس الثوري الإيراني في طهران، تلك الأيام كما يلي: «كثرة من شباب جمهورية أذربيجان جاءوا ليتعلموا أصول حرب العصابات في إيران. وأرسلت عشرات الشحنات من الأسلحة من إيران إلى داخل أذربيجان للدفاع عن مدينة شوشة (أي ستياباناكيرت) بناء على طلبات روشن جوادوف ورحيم قاضييف (وهما قائدان آذريان إبان الحرب في قره باغ)، كما جرى إنشاء مركز قيادة مشترك لإدارة العمليات. كذلك التحق كثير من المتطوعين من تبريز وأردبيل (في أذربيجان الإيرانية) للمشاركة في القتال».
* التوجه الإمبريالي
ولكن لم يطل وقت طويل حتى اتضح للعيان أن ما كانت طهران تسعى إليه هو إنشاء جماعة موالية لها، تمامًا كما حدث في لبنان والعراق، ولاحقًا في سوريا واليمن. هذا التوجّه «الإمبريالي» الإيراني استفز ومن استعدى كثرة من الأذربيجانيين، وعزز مواقع دعاة القومية التركية على حساب الولاء المذهبي.
أبوالفضل إيلتشي باي، أول رئيس منتخب لأذربيجان المستقلة - وهو مثل حيدر علييف من أبناء نخجوان - حاول إعادة تعريف هوية الدولة الوليدة باعتبارها جزءًا من «العالم التركي (الطوراني) الكبير»، الممتد من حدود الصين شرقًا إلى المجر غربًا. غير أنه كان يشعر بخوفين اثنين:
الخوف الأول هو ابتلاع إيران في نهاية المطاف، وطمسها هوية آذرييها الذين يزيد تعدادهم عن 12 مليونًا، وأن تسعى من ثم إلى ضم الجمهورية الوليدة مع «الوطن الأم». وللعلم، فإن المنطقة التي تعرف اليوم بـ«أذربيجان» كانت تضم عدة أقاليم، منها: آران وشروان وويروان ونخجوان، وكلها كانت ذات يوم تحت سلطة إيران، لكنها خسرتها لروسيا القيصرية في أعوام 1802 و1813 و1828 و1830.
ثم إن مدينة تبريز، عاصمة محافظة أذربيجان الشرقية في إيران لا تزال أكبر مدينة آذرية في العالم، والعاصمة الثقافية للمتكلمين باللغة الآذرية التي هي قريبة من اللغة التركية من حيث القواعد لكنها قريبة من الفارسية من حيث المفردات. ثم أن أراضي ما بات اليوم «أذربيجان» أعطت العالم عددًا من كبار الشعراء الفرس مثل نظام (من مدينة غنجه) وخاقاني (من إقليم شروان) وموجير (من بيلاقان).
أما خوف إيلتشي باي الثاني فتمثل في عودة العهد السوفياتي إلى المنطقة تحت قناع جديد. وكان الرجل الذي عانى لكثير في السجون الروسية لنشاطه في مجال حقوق الإنسان يرى في بناء علاقة قوية مع تركيا - العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) -، ومن ثم، بسرعة، الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بحيث تغدو أذربيجان المستقلة جزءًا من فضاء العالم الغربي الواسع. أضف أن إيلتشي باي، من منطلق كونه علماني القناعات والعاطفة، رأى في تركيا - أتاتورك ملاذًا وحماية في وجه شيوعية السوفيات وملالي إيران، وهذا طبعًا قبل ما آلت إليه الأمور في تركيا لاحقًا مع إسلاميي رجب طيب إردوغان.
وهكذا، بفضل إيلتشي باي، نجح تيار القومية التركية بتغيير أحرف اللغة من السيريلية الروسية إلى النموذج التركي للأحرف اللاتينية، رافضًا العودة إلى الأحرف العربية - الفارسية التي كانت مستخدمة قبل ضم الروس القوقاز الجنوبي لإمبراطوريتهم. وكان ما أثار سخط الإيرانيين خصوصًا اختيار باكو الهلال (شهار العثمانيين) شعارًا على علم أذربيجان. ولقد هاجم آية الله موسوي أردبيلي، الذي كان كبير القضاة في طهران (وهو آذري) اختيار باكو الهلال شعارًا بقوله: «إن راية الهلال قاتل تحتها العثمانيون أمة علي - أي الشيعة - لقرون». وللعلم، فإن نحو 85 في المائة من الآذريين أو الأذربيجانيين شيعة.
* خيار أرمينيا
كان من النتائج الحتمية لسياسة إيلتشي باي «التركية» اصطفاف طهران وموسكو معًا لمنع التحاق أذربيجان بركب «ناتو» والمعسكر الغربي. وكان من الوسائل الفعالة في هذا السبيل دعم أرمينيا في النزاع حول قربه باغ العليا. ومعلوم أن أرمينيا كانت دائمًا تتطلع دائمًا إلى روسيا «المسيحية» كداعم لها في وجه التهديد المحتمل من محيطها «المسلم». غير أنها، وفق «السيناريو» الجديد، باتت مجبرة على تقبّل التعاون مع «إيران الملالي».
وهنا تجدر الإشارة إلى أن أرمينيا، الدولة الصغيرة والفقيرة نسبيًا التي لا تطل على أي بحر، كانت بحاجة للعون الروسي وللتسهيلات الإيرانية للتواصل مع العالم. والحقيقة أن إيران تؤمن نسبة كبيرة جدًا من حاجات أرمينيا من الكهرباء، وكل ما تحتاجه وتستهلكه من النفط والغاز. ومنذ 1995، كانت أرمينيا أكبر متلقي في العالم للمساعدات الإيرانية من حيث نسبة سكانها.
وعلى الصعيد العسكري، كونها تحظى برعاية وحظوة خاصة من روسيا في الحقبتين القيصرية والسوفياتية، تتمتع أرمينيا بتقاليد عسكرية يعتد بها. وهي اليوم في وضع أفضل ميدانيًا في المواجهة مع أذربيجان. غير أن القادة الأرمن يدركون أن دولتهم الصغيرة المحشورة بين تركيا معادية وأذربيجان متحرقة للانتقام، لا مستقبل لها بمعزل عن دعم قوى من روسيا وإيران. في المقابل، نفسيًا وشعوريًا، تميل القيادة الأرمنية إلى اعتبار أنها جزء من الغرب، لكنها اضطراريًا عليها أن تبقى قريبة من موسكو وطهران.
وهكذا، فإن الدائرة الثالثة من المعادلة القائمة تتشكل من حكومتي أرمينيا وأذربيجان وحلفائهما خارج حدود المنطقة.
إلهام علييف، رئيس أذربيجان الحالي وابن حيدر علييف، طوّر مزيجًا من «برغماتية» أبيه و«حصافته».. و«مثالية» إيلتشي باي، حيث أفلح في نسج علاقات طيبة مع كل من الولايات المتحدة وتركيا، كما أضاف إليهما إسرائيل كصديق وشريك. ولكن هذا الأمر ضايق إيران وكذلك موسكو، اللتين لا تريدان اقتراب الأميركيين والإسرائيليين كثيرًا من نفط بحر قزوين.
عام 2008، وصف الرئيس الإسرائيلي شيمعون بيريس إلهام علييف بـ«صديق يكاد يكون أخًا». وتبعًا للخبير النفطي مسعود وكيل، فإن خطط أذربيجان لبناء خطوط أنابيب استراتيجية لنقل نفط حوض بحر قزوين إلى الأسواق العالمية عبر تركيا والبحر المتوسط «تثير بصورة خاصة انزعاج طهران وموسكو الطامحتين لبناء خطوط مماثلة». والواقع أن أذربيجان، بحدودها الحالية، هي المكان الذي ولدت فيه صناعة النفط في القرن الـ19 عندما باشر رجال النفط الأميركيون، ومنهم آل روكفلر، باستغلال حقول النفط هناك. وخلال الحربين العالميتين كانت حقول نفط أذربيجان من أثمن جوائز المواجهتين.
من ناحية أخرى، يقول ألكسندر بنينغسن، الخبير الفرنسي - الروسي البارز بشؤون القوقاز، إنه حتى إبان الحقبة السوفياتية لم تتخلّ موسكو عن نهج الهيمنة القيصري تجاه الكيانات الصغيرة الخاضعة لنفوذها. أما بالنسبة لإيران فيقول الخبير الاستراتيجي البحري السابق سابقًا حميد زمرّدي: «بما يخص الجمهورية الإسلامية في إيران، فإنها لا يمكن أن تقبل مطلقًا بتقاسم موارد بحر قزوين النفطية مع أربع دول أخرى، ناهيك من القبول بأذربيجان كشريك مساوٍ».
في هذه الأثناء، لا يقدم إقليم قره باغ العليا، بحد ذاته، أي مغريات حقيقية لأي طرف. فضلاً عن أنه لا يشكل أهمية استراتيجية لأي منها. ولكن، مع هذا، بؤرة اهتمام وتركيز لكل أشكال النزاعات الإثنية والآيديولوجية والدينية والمحلية والإقليمية والوطنية والدولية التي تتجاذب الشرق الأوسط وتمعن بتمزيقه.

