قره باغ العليا.. «حديقة الأزمات السوداء»!

وسط تصارع الهويات والمصالح الإقليمية والدولية

قره باغ العليا.. «حديقة الأزمات السوداء»!
TT

قره باغ العليا.. «حديقة الأزمات السوداء»!

قره باغ العليا.. «حديقة الأزمات السوداء»!

بصورة مفاجئة في الأسبوع الماضي اندلعت اشتباكات عنيفة في منطقة القوقاز، تشكل فصلاً جديدًا من نزاع قديم، معظم نزاعات منطقة غرب آسيا، الغنية بتنوعها الإثني (العرقي) واللغوي والديني والمذهبي. لماذا الآن؟ كان السؤال الذي تسابق على طرحه معظم الخبراء العالميين منذ هذا الاندلاع المفاجئ للأعمال العدائية بين جمهوريتي أذربيجان وأرمينيا السوفياتيتين سابقًا على إقليم ناغورنو قره باغ (أو قره باغ العليا) خلال الأسبوع الماضي. وكالعادة، جاءت الإجابات منسجمة مع التوجهات السياسية لكل خبير.

تفجّر القتال خلال الأسبوع الماضي بين جمهوريتي أذربيجان وأرمينيا، في مدينة ستيباناكيرت، واشتد فيها مع تمدده على طول خط الهدنة بين حرس الحدود الأذربيجانيين ووحدات مسلحة من «الجمهورية المعلنة من جانب واحد» في إقليم قره باغ العليا. ويُقدّر أنه سقط بعد ثلاثة أيام من المعارك نحو 100 قتيل، بينهم 67 عسكريًا في الجانب الأذربيجاني. غير أن القتال لم يؤدّ إلى تغيير في الخرائط الميدانية، على الرغم من أن السلطات الأذربيجانية ادّعت السيطرة على أربع تلال تسيطر على طريق استراتيجي داخل الإقليم ذي الغالبية السكانية الأرمينية، الذي هو عبارة عن جيب داخل أذربيجان.
جدير بالذكر أن الإقليم، أو الجيب، المتنازع عليه تُطلَق عليه أسماء كثيرة تعتمد على الجهات ذات الصلة. فبالنسبة إلى روسيا ومعظم دول العالم الاسم الشائع هو «ناغورنيي كاراباخ»، التي تعني بالعربية «الحديقة (باغ) السوداء (قره) الجبلية»، بينما يسميه الأذربيجانيون والأتراك «يوكاري قره باغ»، حيث تعني كلمة «يوكاري» العليا وكلمة «قره» الأسود أو السوداء باللغة التركية و«باغ» تعني «حديقة أو بستان» باللغة الفارسية. وفي حين يطلق الإيرانيون على الإقليم اسم «قره باغ عليا»، يسميه الأرمن «أرستاخ».
وتمتد الاختلافات والخلافات إلى اسم عاصمة الإقليم أيضًا. فالأرمن يسمون المدينة ستيباناكيرت وهو مزيج إيراني إرمني معناه «قرية إسطفان» في إشارة إلى إسطفان أول «شهداء» المسيحية. أما بالنسبة للأتراك والإيرانيين فتحمل المدينة اسم «شوشة» إي «سَبَطانة المدفع». وتقوم هذه المدينة في موقع مأهول منذ القدم اغتيل فيه الآغا محمد خان مؤسس سلالة آل قاجار المالكة الإيرانية.
يغطي الإقليم المتنازع عليه مساحة 4400 كلم مربّع (أي ما يعادل نحو 40 في المائة من مساحة لبنان) ويقع كليًا داخل أراضي جمهورية أذربيجان. ويبلغ تعداد سكانه أكثر بقليل من 180 ألف نسمة، كلهم تقريبًا من الأرمن، لا سيما بعد تهجير الأقلية الأذربيجانية التي كانت تعيش فيه وكان تعدادها نحو 50 ألف نسمة.
ولكن على الرغم من صغر حجم قره باغ، وبالتالي أزمته، مقارنةً بالأزمات العالمية الكبرى اليوم، فإن اندلاع القتال من جديد في الإقليم الصغير أثار قلقًا من أزمة أكبر منه، مما أطلق جهودًا دبلوماسية محمومة لاحتواء التدهور في عدد من العواصم، بينها موسكو وطهران وواشنطن وأنقره، ناهيك من باكو عاصمة أذربيجان ويريفان عاصمة أرمينيا.
صحيفة «كوميرسانت» الروسية وصفت الوضع في الإقليم بأنه «قنبلة على وشك الانفجار» التي تهدد بتفجيرات أكبر في منطقة جنوب القوقاز. وفي العاصمة الإيرانية طهران اعتبرت صحيفة «كيهان»، التي تعبّر عن مواقف «المرشد الأعلى» علي خامنئي، أن التصعيد الأخير «هندسته واشنطن لصرف أنظار موسكو بعيدًا عن الحرب السورية». أما بالنسبة للمعلقين الأتراك، فإنهم يشيرون بأصابع الاتهام إلى سلطات أرمينيا ويعتبرونها «محرّك» التوتر لاستغلال المصاعب الحالية التي تعيشها أذربيجان بفعل انخفاض أسعار النفط. ومن جانبه، حذّر الرئيس الأرميني سيرج سركيسيان من أن التوتر الحالي قد ينسف الأمن ليس في منطقة القوقاز ومحيطها المباشر فحسب، بل قد تمتد ألسنة لهبها إلى عموم أوروبا.
* تغيّر أسلوب باكو
في إجابة عن التساؤل: لماذا الآن؟ جاء في افتتاحية ملتبسة لصحيفة «كيهان» الإيرانية، أن زيارة الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف لطهران خلال الشهر الماضي «جاءت مؤشرًا على أنه ينوي الابتعاد عن محور واشنطن - أنقرة والاقتراب من مواقف إيران وروسيا». ومن ثم، قرأت الصحيفة في التصعيد المتجدد «اختبارًا لمتانة الدعم الروسي والإيراني لأرمينيا». وخلاصة من يمكن استشفافه من كلام «كيهان» أن طهران مستعدة للتقليل من دعمها لأرمينيا إذا ما اقترب علييف من محور طهران - موسكو إقليميًا.
ومن جهة ثانية، يوم الخميس الماضي طار كل من وزيري الخارجية الروسي سيرغي لافروف والإيراني محمد جواد ظريف إلى باكو لإجراء مباحثات مع وزير خارجية أذربيجان إلمار محمد ياروف بحثًا عن «وقف إطلاق قابل للاستمرار تليه مباحثات حول مستقبل قره باغ العليا». وكان واضحًا مدى حرص موسكو وطهران على استغلال الوضع لدق إسفين بين سلطات باكو وحليفتيها في أنقرة وواشنطن.
وثمة إجابة أخرى على السؤال نفسه هي أن الولايات المتحدة، القوة العالمية التي كانت قد ضمنت هدنة 1994، باتت إما عازفة أو عاجزة عن تكرار ما كانت فعلته من قبل. ذلك أن استراتيجية الرئيس باراك أوباما القائمة على التراجع والانكفاء عالميًا تشمل وقف اضطلاع واشنطن بدوري الحكم وراعي السلام في أكثر من 60 منطقة ساخنة موزّعة على أنحاء العالم. غير أن الغياب الأميركي يفتح «فراغات» أمام قوى مناوئة يغريها ذلك الغياب بملئها، ومن ثم قلب الموازين لصالحها لاحقًا. كذلك من شأن هذه «الفراغات» إضعاف الثقة الذي كان يشعر به قادة أذربيجان، منذ عام 1994، إزاء التزام واشنطن بحمايتهم من طموحات موسكو وطهران وأطماعهما.
* الشعبان الآذري والأرمني
الصراع في قره باغ يتعلق بجماعتين اثنتين، هما الأرمن والآذريون (أو الأذربيجانيون)، وديانتين هما المسيحية والإسلام، وثلاث آيديولوجيات قومية هي القومية التركية (الطورانية)، والقومية الإيرانية والقومية الأرمينية. ويخوض هذا الصراع بلدان جاران هما أرمينيا وأذربيجان، وثلاث قوى إقليمية هي إيران وتركيا وإسرائيل، و«قوتان عالميتان» هما أميركا وروسيا.
الجانب الآيديولوجي الأول تمثله الجماعات القومية الأرمنية التي يعد أبرزها حزب الطاشناق القومي اليميني المتشدد الذي يؤمن بأنه آن أوان التخلي عما يعتبره استقلالاً شكليًا وضم الإقليم كليًا ونهائيًا إلى لجمهورية أرمينيا. ومن شأن هذه الخطوة أن تشكل بداية مسيرة إعادة تأسيس «أرمينيا الكبرى» التي يمكن أن تضم جيب آخر هو نخجوان (تلفظ ناخيتشيفان) ذو الغالبية الأذربيجانية، الذي هو الآن جمهورية ذاتية الحكم تتبع أذربيجان لكنها مفصولة عنها بأراضي أرمينيا. ثم، من أجل ربط قره باغ العليا بباقي أرمينيا ومن ثم ضم نخجوان، قد يسعى غلاة القوميين الأرمن كذلك لضم منطقة لاتشين ذات الغالبية الكردية.
والجانب الآيديولوجي الثاني يمثلون القوميون الترك في العاصمة الأذربيجانية باكو الذين يحلمون بيوم تتصل فيه أراضي أذربيجان بالوطن التركي الأم.. تركيا. وهذا يستوجب السيطرة التامة على قره باغ ثم لاتشين بالإضافة إلى قطاع يقطنه الأرمن على الحدود مع إيران.
* مشوار البحث عن هوية
منذ ظهور جمهورية أذربيجان كدولة مستقلة في أعقاب انهيار الاتحاد السوفياتي، واجهت هذه الدولة تعقيدات عويصة تتعلق بمسألة الهوية وموقعها في العالم. وكان حيدر علييف، الجنرال السابق في «جهاز أمن الدولة» السوفياتي (الكي جي بي)، الذي حكم أذربيجان قبل استقلالها عن موسكو وبعده لبضعة عقود، قد تجاهل هذه التعقيدات ذات الطابع الفكري النظري، وكان يؤمن أن كل ما تحتاجه الدولة الوليدة.. السلام والأمن.
علييف كان يستمتع بسبحة إصفهانية من العقيق، وفي الوقت نفسه، يعتز باحتفاظه بمسدسه البارابللوم الذي كان يحتفظ به منذ أيامه في «الكي جي بي»، مما يوحي بأنه ما كان يلقي بالاً لوجود «مسألة هوية» حقيقية، بل يعتقد أن مثل هذه الهواجس موجودة فقط في أذهان الأكاديميين. أيضًا لم يجدد الرئيس المؤسس للدولة الوليدة غضاضة في الإبقاء على الصيغة الروسية لعائلته، أي علييف بدلاً من علي.
القادة الآخرون كانت توجهاتهم مختلفة؛ مثلاً، الرئيس عياض مطلبوف الذي قاد الدولة بنهاية القبة السوفياتية وبدء مرحلة الاستقلال حاول الابتعاد عن روسيا وإرثها، والاقتراب رويدًا من إيران. وقرأ ملالي طهران في موقفه مؤشر ضعف فبدأوا يعرضون عضلاتهم في باكو. بل إنهم أسسوا فرعًا لـ«حزب الله» في العاصمة الأذربيجانية تحت قيادة الحاج علي كرم. وكحال لبنان، بعد بضع سنوات، بين الإيرانيون أنهم ليسوا مهتمين بالتعاون مع «حلفاء» بل يريدون «أتباعًا» يطيعون أوامرهم بلا تردد.
هذه السياسة الإيرانية في جمهورية تركية القومية وشيعية المذهب كأذربيجان أثارت ردة فعل قومية معادية استغلها دعاة القومية التركية وركبوا موجتها. ويذكر أن إيران كانت قد ارتكبت خطأ مبكرًا عام 1989 عندما زار باكو علي أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس «المجلس» في حينه. جاءت تلك الزيارة بعد وقت قصير من المجزرة التي ارتكبتها القوات السوفياتية بحق المتظاهرين المنادين بالاستقلال في باكو. ولكن بدلاً من إدانة القمع نصح ملالي طهران الأذربيجانيين بالبقاء في كنف الاتحاد السوفياتي وعدم الانسياق وراء دعوات «الشيطان الأميركي الأكبر». ومن ثم، زار رفسنجاني والوفد المرافق الجامع الكبير في باكو حيث أدى الصلاة وجرى توزيع لافتات وملصقات عليها صور آية الله الخميني.
وعن تلك المناسبة تقول المؤرخة ليلى قنبروف: «كشفت لنا تلك الزيارة أن كل الأنظمة الاستبدادية، سواءً كانت مسلمة أو شيوعية تربطها أخوة دم. لقد أدركنا أنه بينما كان الروس يقمعوننا، كان ملالي إيران يصفقون ويهللون».
خلال جولات القتال الأولى في قره باغ، يقال إن أعدادًا كبيرة من الأذربيجانيين تربو على نصف مليون نسمة فرت ولجأت إلى إيران، خشية توسع المعارك لتشمل عموم الجمهورية. وفي تقرير لها قبل أسبوع استرجعت وكالة «رجا نيوز»، التي يشرف عليها الحرس الثوري الإيراني في طهران، تلك الأيام كما يلي: «كثرة من شباب جمهورية أذربيجان جاءوا ليتعلموا أصول حرب العصابات في إيران. وأرسلت عشرات الشحنات من الأسلحة من إيران إلى داخل أذربيجان للدفاع عن مدينة شوشة (أي ستياباناكيرت) بناء على طلبات روشن جوادوف ورحيم قاضييف (وهما قائدان آذريان إبان الحرب في قره باغ)، كما جرى إنشاء مركز قيادة مشترك لإدارة العمليات. كذلك التحق كثير من المتطوعين من تبريز وأردبيل (في أذربيجان الإيرانية) للمشاركة في القتال».
* التوجه الإمبريالي
ولكن لم يطل وقت طويل حتى اتضح للعيان أن ما كانت طهران تسعى إليه هو إنشاء جماعة موالية لها، تمامًا كما حدث في لبنان والعراق، ولاحقًا في سوريا واليمن. هذا التوجّه «الإمبريالي» الإيراني استفز ومن استعدى كثرة من الأذربيجانيين، وعزز مواقع دعاة القومية التركية على حساب الولاء المذهبي.
أبوالفضل إيلتشي باي، أول رئيس منتخب لأذربيجان المستقلة - وهو مثل حيدر علييف من أبناء نخجوان - حاول إعادة تعريف هوية الدولة الوليدة باعتبارها جزءًا من «العالم التركي (الطوراني) الكبير»، الممتد من حدود الصين شرقًا إلى المجر غربًا. غير أنه كان يشعر بخوفين اثنين:
الخوف الأول هو ابتلاع إيران في نهاية المطاف، وطمسها هوية آذرييها الذين يزيد تعدادهم عن 12 مليونًا، وأن تسعى من ثم إلى ضم الجمهورية الوليدة مع «الوطن الأم». وللعلم، فإن المنطقة التي تعرف اليوم بـ«أذربيجان» كانت تضم عدة أقاليم، منها: آران وشروان وويروان ونخجوان، وكلها كانت ذات يوم تحت سلطة إيران، لكنها خسرتها لروسيا القيصرية في أعوام 1802 و1813 و1828 و1830.
ثم إن مدينة تبريز، عاصمة محافظة أذربيجان الشرقية في إيران لا تزال أكبر مدينة آذرية في العالم، والعاصمة الثقافية للمتكلمين باللغة الآذرية التي هي قريبة من اللغة التركية من حيث القواعد لكنها قريبة من الفارسية من حيث المفردات. ثم أن أراضي ما بات اليوم «أذربيجان» أعطت العالم عددًا من كبار الشعراء الفرس مثل نظام (من مدينة غنجه) وخاقاني (من إقليم شروان) وموجير (من بيلاقان).
أما خوف إيلتشي باي الثاني فتمثل في عودة العهد السوفياتي إلى المنطقة تحت قناع جديد. وكان الرجل الذي عانى لكثير في السجون الروسية لنشاطه في مجال حقوق الإنسان يرى في بناء علاقة قوية مع تركيا - العضو في حلف شمال الأطلسي (ناتو) -، ومن ثم، بسرعة، الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بحيث تغدو أذربيجان المستقلة جزءًا من فضاء العالم الغربي الواسع. أضف أن إيلتشي باي، من منطلق كونه علماني القناعات والعاطفة، رأى في تركيا - أتاتورك ملاذًا وحماية في وجه شيوعية السوفيات وملالي إيران، وهذا طبعًا قبل ما آلت إليه الأمور في تركيا لاحقًا مع إسلاميي رجب طيب إردوغان.
وهكذا، بفضل إيلتشي باي، نجح تيار القومية التركية بتغيير أحرف اللغة من السيريلية الروسية إلى النموذج التركي للأحرف اللاتينية، رافضًا العودة إلى الأحرف العربية - الفارسية التي كانت مستخدمة قبل ضم الروس القوقاز الجنوبي لإمبراطوريتهم. وكان ما أثار سخط الإيرانيين خصوصًا اختيار باكو الهلال (شهار العثمانيين) شعارًا على علم أذربيجان. ولقد هاجم آية الله موسوي أردبيلي، الذي كان كبير القضاة في طهران (وهو آذري) اختيار باكو الهلال شعارًا بقوله: «إن راية الهلال قاتل تحتها العثمانيون أمة علي - أي الشيعة - لقرون». وللعلم، فإن نحو 85 في المائة من الآذريين أو الأذربيجانيين شيعة.
* خيار أرمينيا
كان من النتائج الحتمية لسياسة إيلتشي باي «التركية» اصطفاف طهران وموسكو معًا لمنع التحاق أذربيجان بركب «ناتو» والمعسكر الغربي. وكان من الوسائل الفعالة في هذا السبيل دعم أرمينيا في النزاع حول قربه باغ العليا. ومعلوم أن أرمينيا كانت دائمًا تتطلع دائمًا إلى روسيا «المسيحية» كداعم لها في وجه التهديد المحتمل من محيطها «المسلم». غير أنها، وفق «السيناريو» الجديد، باتت مجبرة على تقبّل التعاون مع «إيران الملالي».
وهنا تجدر الإشارة إلى أن أرمينيا، الدولة الصغيرة والفقيرة نسبيًا التي لا تطل على أي بحر، كانت بحاجة للعون الروسي وللتسهيلات الإيرانية للتواصل مع العالم. والحقيقة أن إيران تؤمن نسبة كبيرة جدًا من حاجات أرمينيا من الكهرباء، وكل ما تحتاجه وتستهلكه من النفط والغاز. ومنذ 1995، كانت أرمينيا أكبر متلقي في العالم للمساعدات الإيرانية من حيث نسبة سكانها.
وعلى الصعيد العسكري، كونها تحظى برعاية وحظوة خاصة من روسيا في الحقبتين القيصرية والسوفياتية، تتمتع أرمينيا بتقاليد عسكرية يعتد بها. وهي اليوم في وضع أفضل ميدانيًا في المواجهة مع أذربيجان. غير أن القادة الأرمن يدركون أن دولتهم الصغيرة المحشورة بين تركيا معادية وأذربيجان متحرقة للانتقام، لا مستقبل لها بمعزل عن دعم قوى من روسيا وإيران. في المقابل، نفسيًا وشعوريًا، تميل القيادة الأرمنية إلى اعتبار أنها جزء من الغرب، لكنها اضطراريًا عليها أن تبقى قريبة من موسكو وطهران.
وهكذا، فإن الدائرة الثالثة من المعادلة القائمة تتشكل من حكومتي أرمينيا وأذربيجان وحلفائهما خارج حدود المنطقة.
إلهام علييف، رئيس أذربيجان الحالي وابن حيدر علييف، طوّر مزيجًا من «برغماتية» أبيه و«حصافته».. و«مثالية» إيلتشي باي، حيث أفلح في نسج علاقات طيبة مع كل من الولايات المتحدة وتركيا، كما أضاف إليهما إسرائيل كصديق وشريك. ولكن هذا الأمر ضايق إيران وكذلك موسكو، اللتين لا تريدان اقتراب الأميركيين والإسرائيليين كثيرًا من نفط بحر قزوين.
عام 2008، وصف الرئيس الإسرائيلي شيمعون بيريس إلهام علييف بـ«صديق يكاد يكون أخًا». وتبعًا للخبير النفطي مسعود وكيل، فإن خطط أذربيجان لبناء خطوط أنابيب استراتيجية لنقل نفط حوض بحر قزوين إلى الأسواق العالمية عبر تركيا والبحر المتوسط «تثير بصورة خاصة انزعاج طهران وموسكو الطامحتين لبناء خطوط مماثلة». والواقع أن أذربيجان، بحدودها الحالية، هي المكان الذي ولدت فيه صناعة النفط في القرن الـ19 عندما باشر رجال النفط الأميركيون، ومنهم آل روكفلر، باستغلال حقول النفط هناك. وخلال الحربين العالميتين كانت حقول نفط أذربيجان من أثمن جوائز المواجهتين.
من ناحية أخرى، يقول ألكسندر بنينغسن، الخبير الفرنسي - الروسي البارز بشؤون القوقاز، إنه حتى إبان الحقبة السوفياتية لم تتخلّ موسكو عن نهج الهيمنة القيصري تجاه الكيانات الصغيرة الخاضعة لنفوذها. أما بالنسبة لإيران فيقول الخبير الاستراتيجي البحري السابق سابقًا حميد زمرّدي: «بما يخص الجمهورية الإسلامية في إيران، فإنها لا يمكن أن تقبل مطلقًا بتقاسم موارد بحر قزوين النفطية مع أربع دول أخرى، ناهيك من القبول بأذربيجان كشريك مساوٍ».
في هذه الأثناء، لا يقدم إقليم قره باغ العليا، بحد ذاته، أي مغريات حقيقية لأي طرف. فضلاً عن أنه لا يشكل أهمية استراتيجية لأي منها. ولكن، مع هذا، بؤرة اهتمام وتركيز لكل أشكال النزاعات الإثنية والآيديولوجية والدينية والمحلية والإقليمية والوطنية والدولية التي تتجاذب الشرق الأوسط وتمعن بتمزيقه.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.