سجنا باغرام وغوانتانامو قاسمهما المشترك احتجاز المتهمين بالإرهاب.. وسوء المعاملة

بعد «القاعدة» وطالبان.. الجمهوريون الأميركيون يتوعّدون «داعش»

المعسكر الأول شديد الحراسة في غوانتانامو («الشرق الأوسط»)
المعسكر الأول شديد الحراسة في غوانتانامو («الشرق الأوسط»)
TT

سجنا باغرام وغوانتانامو قاسمهما المشترك احتجاز المتهمين بالإرهاب.. وسوء المعاملة

المعسكر الأول شديد الحراسة في غوانتانامو («الشرق الأوسط»)
المعسكر الأول شديد الحراسة في غوانتانامو («الشرق الأوسط»)

بينما يشكل معتقل غوانتانامو الأميركي أشهر حالة عالمية من نوعها تتعلّق بالسجناء المتهمين بأعمال إرهابية من خلفية التطرف الديني، فإن معتقل (أو سجن) باغرام في أفغانستان، لا يقل سوءًا من حيث أوضاع السجناء. وهذا السجن الذي تسلمته السلطات الأفغانية أخيرا بعد فترة من الإشراف الأميركي يضم في جنباته عددًا كبيرًا من المتهمين المتطرّفين والإرهابيين، سواء من أفغانستان أو دول أخرى، في طليعتها باكستان. وتزداد التخمينات حول أهمية هذه الخطوة مع ظهور خطر تنظيم داعش، وإصرار الجمهوريين الأميركيين في سنة الانتخابات الرئاسية على رفض قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما بغلق معتقل غوانتانامو الذي يهددون الإرهابيين به.

منذ تولي الرئيس الأميركي باراك أوباما الرئاسة عام 2009، وعد بإغلاق معتقل غوانتانامو المثير للجدل. ومع اقتراب موعد انتهاء ولايته الثانية والأخيرة، لا يزال المعسكر موجودًا، وإن تقلص عدد سجنائه. وفي هذه الأثناء، تزداد التحديات والصعوبات على أوباما لوضع بصمة تاريخية في مسيرته الرئاسية جراء العراقيل التي يستمر بمواجهتها من الجمهوريين في الكونغرس، الذين يعتبرون بغالبيتهم هذا المعتقل أداة مفيدة في مكافحة الإرهاب، كما يؤمن البعض منهم بأهمية إبقاء المعتقل على حاله. إلى ذلك، قال رافاييلو بانتوتشي، رئيس قسم الدراسات الأمنية في المعهد الملكي للخدمات المتحدة بالعاصمة البريطانية لندن، لـ«الشرق الأوسط» إن رهان أوباما الصعب مع اقتراب ساعة الصفر مهم جدا له «فإن استطاع إغلاقه سيعد انتصارا تاريخيا لأبعاده الإنسانية وإثباتًا للجميع أنه استطاع تحقيق وعده».

طي صفحة من التاريخ الأميركي

وفي أواخر شهر فبراير (شباط) الماضي، عرض أوباما خطته المرتقبة لإغلاق معتقل غوانتانامو الأميركي، بجزيرة كوبا، تقضي بمواصلة بلاده نقل السجناء الذين لا يشكلون خطرًا كبيرًا إلى دول أخرى، وتفصل كيف يمكن الاستعانة بـ13 منشأة أميركية بديلة، وتوفير ملايين الدولارات سنويًا على دافعي الضرائب الأميركيين. كذلك أكد الرئيس الأميركي أن إغلاق المعتقل يرمي إلى «طي صفحة من تاريخنا، ويعكس الدروس التي تعلمناها منذ أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وهي دروس يجب أن ترشد بلادنا في مسيرتها قدمًا».
والحال أن المعتقل ما زال يضم نحو 91 متهمًا بـ«التطرف»، بينهم 35 تمت الموافقة على الإفراج عنهم، وللعلم، سبق للمعتقل أن ضم في مرحلة ما بين جدرانه نحو 700 سجين، واقترن اسمه حول العالم بالتعذيب والاعتقال المطوّل واللباس البرتقالي. وعلى أثر ذلك سارع السيناتور الجمهوري ماركو روبيو، الذي كان يسعى للحصول على ترشيح حزبه للرئاسة، إلى انتقاد الخطة، واعدًا بزيادة عدد سجناء غوانتانامو في حال انتخابه. وتابع: «لن نكتفي بمنع إغلاق غوانتانامو عندما أصبح رئيسًا، بل إذا ألقينا القبض على إرهابي حيًا، فلن يحصل على محاكمة في مانهاتن (بنيويورك). ولن يُرسل إلى نيفادا، بل سيذهب إلى غوانتانامو، وسنحصل على كل المعلومات التي لديه».
جدير بالذكر أن خطة إغلاق معتقل غوانتانامو التي استغرقت صياغتها شهرين لا تشمل تفاصيل تقنية دقيقة حول الموقع المحتمل لمنشأة أميركية بديلة، مع أن مسؤولين عسكريين ذكروا سابقا اسمَي قاعدة فورت ليفينوورث في مدينة كنزاس أو سجن البحرية الأميركية في مدينة تشارلستون بولاية ساوث كارولينا كوجهتين محتملتين للمعتقلين. غير أن هذين الموقعين يلقيان اعتراضات ساسة محليين. وفي حين أكد أوباما طويلاً ضرورة نقل العدد الأكبر من سجناء غوانتانامو إلى الخارج، ومحاكمة بعضهم أمام محاكم عسكرية، فرض الكونغرس حظرًا على النقل إلى الولايات المتحدة، مما ضاعف العراقيل القانونية.

«داعش» في الصورة

ومن العراقيل الأخرى التي تواجه حلم أوباما بترك بصمته والإيفاء بوعده سعي المشرّعين في الكونغرس لطرح مشروع قرار لضمان احتجاز مقاتلي تنظيم داعش في معتقل غوانتانامو٬ والاعتراض على سعي البيت الأبيض لإغلاق المعتقل. وللعلم، الخطة الحالية التي يعتمد عليها قادة البنتاغون٬ هي اعتقال مقاتلي تنظيم داعش في العراق لفترة قصيرة٬ وبعد الانتهاء من استجوابهم يُفرج عنهم أو تسليمهم إلى السلطات العراقية أو الكردية. وينصّ مشروع القرار الذي يدفع به الجمهوريون في الكونغرس - والذي جرى الكشف عنه أخيرا - أنه «نظرًا للحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وتنظيم داعش٬ وقدرة قوات العمليات الخاصة على اعتقال مزيد من المعتقلين٬ فإن المكان الصحيح لاحتجاز المعتقلين من تنظيم داعش هو معتقل غوانتانامو».
وفي حين يقول السيناتور الجمهوري مارك كيرك: «لا مكان آخر يمكن احتجاز الإرهابيين أفضل من غوانتانامو٬ وهو المكان الذي يجب أن يتم إرسال الإرهابيين من (داعش) إليه عندما يقوم جنودنا بالقبض عليهم»، لا يرى الخبير بانتوتشي أن الإبقاء على المعتقل هو الخيار الصحيح، بقوله إن «غوانتانامو كان في الأساس حلاً مؤقتًا، وعليه فإن إبقاءه ليس الجواب النهائي، بل هناك آلية معتمدة للتعامل مع المشبوهين والمتطرفين».
والواقع أن معتقل غوانتانامو ليس السجن الوحيد الذي تديره أو كانت تديره السلطة الأميركية، الذي تعرض لانتقادات لاذعة من قبل منظمات حقوق الإنسان، بسبب تهم تعرض المعتقلين للتعذيب والضرب. ومع أن الإعلام عادة ما ركز في السابق على معتقل أبو غريب في العراق، فإن سجن باغرام في أفغانستان، شهد فظاعات أشد.

«باغرام» من إدارة أميركية إلى أحضان الدفاع الأفغانية

على بعد 80 كلم شمال العاصمة الأفغانية كابل، في ولاية بروان التاريخية، يقع سجن باغرام العسكري المثير للجدل والسيئ الصيت. وكان أسس هذا السجن بعدما حوّلت القوات الأميركية قاعدة باغرام الجوية - التي كانت قد أنشئت في ثمانينات القرن الماضي بعد غزو القوات السوفياتية السابقة أفغانستان - إلى سجن مركزي احتفظت فيه بمئات من سجناء من طالبان بعد انهيار نظامها وعشرات من مقاتلي تنظيم «القاعدة» الذين كانوا يقاتلون إلى جانب حركة طالبان.
سجن باغرام يحتوي على عدد من العنابر وزّع السجناء عليها وفقا لخطورتهم، ولقد أشرفت القوات الأميركية على السجن إشرافًا مباشرًا لمدة 13 سنة، ولكن وجهت لها انتقادات لاذعة من قبل منظمات حقوق الإنسان لما قيل من تعرض المعتقلين للتعذيب والضرب. وخلال عام 2002 كشفت تقارير مستقلة عن وفاة معتقلين اثنين من طالبان إثر تعرّضهما للضرب والتعذيب على أيدي القوات الأميركية الخاصة.
وفي العاشر من شهر ديسمبر (كانون الأول) عام 2014 سلّمت الولايات المتحدة إدارة سجن باغرام إلى الحكومة الأفغانية بصورة كاملة، ومعه تسلمت الإدارة الأفغانية نحو 3 آلاف سجين بينهم أكثر من 50 من جنسيات أجنبية جلّهم من الباكستانيين.
هذه الخطوة اعتبرت انتصارًا للسيادة الوطنية واسترجاعًا لآخر ملف أمني من القوات الأجنبية إلى نظيرتها الأفغانية. ولقد شكلت الحكومة الأفغانية لجنة قضائية في حينه للنظر في ملفات السجناء وماضيهم برئاسة القاضي عبد الشكور دادرس، وقررت اللجنة الإفراج عن غالبية السجناء معتبرة أنهم «اعتقلوا بسبب إخباريات ومعلومات مغلوطة وكاذبة»، كما تقرر تسليم عدد من السجناء الباكستانيين إلى إسلام آباد.
وتفيد شهادات أحد المفرج عنهم لـ«الشرق الأوسط»، بعدما أمضى أربع سنوات في السجن بأنه اعتقل ظلما بسبب إشاعات وأخبار ملفقة بأنه يدعم طالبان في حربها ضد القوات الأميركية. وأشار الرجل - الذي طلب عدم كشف هويته - إلى أنه تعرض إلى شتى أنواع التعذيب والتهديد والشتم بغية أخذ الاعترافات منه. وأردف أنه كان يسمع صرخات السجناء من داخل العنابر التي جرى فيها توزيعهم، وأنه كان يحتجز في غرفة صغيرة وضيقة لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار.
وقال محمد جان، وهو سجين سابق في باغرام من ولاية باكتيكا بشرق أفغانستان، إنه سُجِنَ بسبب وشاية أحد الأفراد من قريته كان يكنّ له العداء. وبسبب هذه الوشاية أمضى عشر سنوات في السجن من دون أن تُعرَف أسباب اعتقاله، مدعيًا أنه تعرض لأبشع أنواع التعذيب والصعق بالكهرباء، وأنه عندما عاد إلى قريته تعرف عليه أهله وأقرباؤه بصعوبة كبيرة.
وفي أغسطس (آب) من عام 2008، نشرت صحيفة «الغارديان» البريطانية تحقيقًا باسم «شبح باغرام» يزعم أن «سيدة القاعدة» الباكستانية عافية صديقي، التي تقضي حكمًا مؤبدًا في أحد سجون ولاية تكساس الأميركية حاليًا، أمضت بعض الوقت في باغرام وكانت المرأة الوحيدة هناك. وفي شهادات معتقلين آخرين، أكدوا أنهم كانوا يسمعون صراخها عند تعذيبها. وفي ضوء مقترحات إغلاق غوانتانامو، يلح السؤال: ماذا عن معتقلات مماثلة كباغرام في أفغانستان؟

سجن «باغرام».. مركز توقيف مؤقت

يؤكد أفضال أشرف، كبير مستشاري العلاقات الدبلوماسية بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن والضابط الكبير بسلاح الجو البريطاني سابقا – كان قد أمضى جزءا من خدمته في أفغانستان - قال لـ«الشرق الأوسط» إن الغموض يخيم على سجن باغرام. واستطرد موضحًا «الوثائق المعنية بآلية المعتقل والمعتقلين فيه صعب الحصول عليها، وليست متداولة بين عامة الناس». وتابع «ليس للحكومة الأفغانية معايير الشفافية كالمعايير الأميركية التي تخضع تحت القانون للمساءلة الشعبية دائمًا». وجراء هذا التعتيم، يمكن الجزم أن ما يحدث داخل المعتقل بعيد عن نظر الرأي العام.
من جانبه، يرى بانتوتشي أن «هناك اختلافا كبيرا بين باغرام غوانتانامو»، مضيفًا «غوانتانامو معتقل خارج الأراضي الأميركية أسسه الأميركيون لاحتجاز المشبوهين مؤقتًا، وأصبح ذلك الاحتجاز المؤقت سجنًا مطوّلاً. وبخلاف ذلك، فإن باغرام قاعدة عسكرية في أفغانستان قرب المطار، كان يحتجز بها الأميركيون سجناء حرب هناك. وعند تسليم الولايات المتحدة إدارة السجن للحكومة الأفغانية، أتى ذلك مؤشرًا إلى أن أميركا أرادت تقليص دورها في أفغانستان». ويعود سبب التأخير، بحسب أفضال أشرف، إلى «ضرورة تأمين السجن من قبل الأميركيين قبل تسليم عهدته للحكومة الأفغانية». وإن كان تحت الإدارة الأميركية أو الأفغانية، ويعتبر بانتوتشي باغرام «محطة انتقال» قبل غوانتانامو، «لأن عددًا كبيرًا من الذين اعتقلوا في أفغانستان وباكستان جرى نقلهم إلى غوانتانامو بعدها».

معظم بيك لـ«الشرق الأوسط»: بعد فظاعة باغرام أسعدني خبر نقلي إلى غوانتانامو

«بعد تجربتي في باغرام، أسعدني خبر نقلي لغوانتانامو، فطبيعة باغرام المسمومة والمحبطة كانت سيئة جدا. وخلال وجودي هناك شاهدت حالتي وفاة لمسجونين قتلا تحت التعذيب من قبل جنود أميركيين». هكذا بدأ معظم بيك، المعتقل البريطاني من أصل باكستاني السابق في كل من باغرام وغوانتانامو، حواره مع «الشرق الأوسط».
معظم بيك المقيم في بريطانيا حاليا هو الناطق الرسمي باسم منظمة «سجناء الأقفاص» البريطانية، وهي منظمة حقوقية تحقق في عمليات التسليم الاستثنائي. كان معظم قد اعتقل في باغرام لمدة 11 شهرًا. وبحسب ما روى، تعرض لتعذيب واضطهاد خلالها. وعن تجربته في باغرام، قال: «أحد الذين قتلوا تعذيبا في المعتقل لقي حتفه أمام عيني؛ إذ ضربه الجنود الأميركيون حتى لفظ آخر أنفاسه وكانت يداه مقيدتين فوق جسمه في قفص». وتابع معظم «جرى تعذيبي أنا أيضًا في باغرام، إذ قيدوني وضربوني، وفي الزنزانة المجاورة التي جرى استجوابي فيها ولاستفزازي وضعوا أمامي صورًا لزوجتي فيما كنت أسمع صرخات امرأة مجاورة. وتحت التعذيب أقنعوني أن صرخات الألم هذه هي صرخات زوجتي.. وبعد هذه التجربة العصيبة.. خبر نقلي لغوانتانامو لم يكن بهذا السوء، وبالفعل لم تكن تجربتي في معتقل غوانتانامو بالقسوة ذاتها، فالتعذيب الجسدي كان أقل وحتى التعذيب عن طريق الاستفزاز لم يكن بقسوة باغرام».
وأطلق سراح بيك من غوانتانامو في يناير (كانون الثاني) 2005 من دون أي إدانات، ولا يزال بيك بحكم عمله على تواصل مع كثير من السجناء الذين جرى إطلاق سراحهم من غوانتانامو أخيرا، وأكدوا له أن الوضع داخل المعتقل يزداد سوءا وأن التعذيب في المعتقل بات أسوأ، كما اضطر بعض السجناء للإضراب عن الطعام مطالبة بأبسط حقوقهم.



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».


ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)

عندما وصف رجل ألماني في شريط على «يوتيوب» سوسن شبلي، السياسية الألمانية الشابة من أصل فلسطيني، والتي تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنها: «دمية متحدثة باسم الإسلاميين»، ظنت أن محكمة ألمانية سترد لها حقها بعد «الإهانة» التي تعرضت لها، ولكنها فوجئت عندما حكمت المحكمة بأن هذه الصفة وغيرها من التي ألصقها بها الرجل، هي «ضمن حرية التعبير التي يصونها القانون الألماني»، وليست إهانة ولا تحريضاً على الكراهية.

في الواقع، لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض لها شبلي لتوصيفات عنصرية كهذه. فهي وغيرها من السياسيين المسلمين القلائل في ألمانيا، والسياسي الأسود الوحيد كرامبا ديابي، معتادون على سماع كثير من الإهانات، بسبب ديانتهم ولونهم فقط؛ حتى أنهم يتلقون تهديدات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات، تصل أحياناً لحد التهديد بالقتل.
ورغم أن هذه التهديدات التي يتعرض لها السياسيون المسلمون في ألمانيا تجلب لهم التضامن من بقية السياسيين الألمان، فإن أكثر من ذلك لا يُحدث الكثير.
في ألمانيا، تصنف السلطات ما يزيد على 12 ألف شخص على أنهم من اليمين المتطرف، ألف منهم عنيفون، وهناك خطر من أن ينفذوا اعتداءات داخل البلاد.
يشكل اليمينيون المتطرفون شبكات سرية، ويتواصلون عادة عبر الإنترنت، ويتبادلون الأحاديث داخل غرف الـ«تشات» الموجودة داخل الألعاب الإلكترونية، تفادياً للمراقبة.
وفي السنوات الماضية، ازداد عنف اليمين المتطرف في ألمانيا، وازداد معه عدد الجرائم التي يتهم أفراد متطرفون بارتكابها. وبحسب الاستخبارات الألمانية الداخلية، فإن اعتداءات اليمين المتطرف زادت خمسة أضعاف منذ عام 2012.
وفي دراسة لمعهد «البحث حول التطرف» في جامعة أوسلو، فإن ألمانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية التي تشهد جرائم من اليمين المتطرف، وتتقدم على الدول الأخرى بفارق كبير جداً. فقد سجل المعهد حوالي 70 جريمة في هذا الإطار بين عامي 2016 و2018، بينما كانت اليونان الدولة الثانية بعدد جرائم يزيد بقليل عن العشرين في الفترة نفسها.
في الصيف الماضي، شكل اغتيال سياسي ألماني يدعى فالتر لوبكه، في حديقة منزله برصاصة أطلقت على رأسه من الخلف، صدمة في ألمانيا. كانت الصدمة مضاعفة عندما تبين أن القاتل هو يميني متطرف استهدف لوبكه بسبب سياسته المؤيدة للاجئين. وتحدث كثيرون حينها عن «صرخة يقظة» لأخذ خطر اليمين المتطرف بجدية. ودفن لوبكه ولم يحدث الكثير بعد ذلك.
فيما بعد اغتياله بأشهر، اعتقل رجل يميني متطرف في ولاية هسن، الولاية نفسها التي اغتيل فيها السياسي، بعد أن قتل شخصين وهو يحاول الدخول إلى معبد لليهود، أثناء وجود المصلين في الداخل بهدف ارتكاب مجزرة. أحدثت تلك المحاولة صرخة كبيرة من الجالية اليهودية، وعادت أصوات السياسيين لتعلو: «لن نسمح بحدوثها مطلقاً مرة أخرى»، في إشارة إلى ما تعرض له اليهود في ألمانيا أيام النازية. ولكن لم يحدث الكثير بعد ذلك.
وقبل بضعة أيام، وقعت مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة في مدينة هاناو في الولاية نفسها، استهدفا من قبل يميني متطرف لأن من يرتادهما من المسلمين. أراد الرجل أن يقتل مسلمين بحسب رسالة وشريط فيديو خلَّفه وراءه بعد أن قتل 9 أشخاص، ثم توجه إلى منزله ليقتل والدته، ثم نفسه. أسوأ من ذلك، تبين أن الرجل كان يحمل سلاحاً مرخصاً، وينتمي لنادي الرماية المحلي.
بات واضحاً بعد استهداف هاناو، أن السلطات الألمانية لم تولِ اليمين المتطرف اهتماماً كافياً، وأنها لا تقدر حقيقة خطره على المجتمع، رغم أنها كشفت قبل أيام من جريمة هاناو عن شبكة يمينية متطرفة، كانت تعد لاعتداءات على مساجد في أنحاء البلاد، أسوة بما حصل في كرايستشيرش في نيوزيلندا.
وجاء الرد على اعتداء هاناو بتشديد منح رخص السلاح، وبات ضرورياً البحث في خلفية من يطلب ترخيصاً، على أن يرفض طلبه في حال ثبت أنه ينتمي لأي مجموعة متطرفة، ويمكن سحب الترخيص لاحقاً في حال ظهرت معلومات جديدة لم تكن متوفرة عند منحه. كما يبحث وزراء داخلية الولايات الألمانية تأمين حماية للمساجد وللتجمعات الدينية للمسلمين واليهود.
ولكن كل هذه الإجراءات يعتقد البعض أنها لا تعالج المشكلة الأساسية التي تدفع باليمين المتطرف لارتكاب أعمال عنف. وفي كل مرة تشهد ألمانيا اعتداءات، يوجه سياسيون من اليسار الاتهامات لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، بالمسؤولية عنها بشكل غير مباشر. ويواجه الحزب الذي دخل البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى عام 2018، وبات أكبر كتلة معارضة، اتهامات بأنه «يطبِّع سياسة الكراهية»، وبأنه يحرض على العنف ضد اللاجئين والمهاجرين، من خلال ترويجه لخطاب الكراهية. وحتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى حظر الحزب للتصدي للعنف المتزايد لليمين المتطرف.
والواقع أن مشكلة اليمين المتطرف تزداد منذ أن دخل «البديل لألمانيا» إلى «البوندستاغ». فهو - كما حملته الانتخابية - يركز خطابه على مواجهة سياسة اللاجئين التي اعتمدتها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل. وكثير من الأسئلة التي يتقدم بها نوابه في البرلمان تهدف لإثبات خطأ هذه السياسة، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج. ورغم أن نوابه في البرلمان يحرصون على عدم تخطي القانون في خطاباتهم، فإن كثيراً من السياسيين المنتمين لهذا الحزب؛ خصوصاً في الولايات الشرقية، لا يترددون في الحديث بلغة لا يمكن تمييزها عن لغة النازيين. أبرز هؤلاء السياسيين بيورغ هوكيه الذي لم يستطع أعضاء في حزبه تمييز ما إذا كانت جمل قرأها صحافي لهم، هي مقتطفات من كتاب «كفاحي» لهتلر، أم أنها أقوال لهوكيه.
كل هذا خلق أجواء سلبية ضد المسلمين في ألمانيا، وحوَّل كثيرين من الذين ولدوا لأبوين مهاجرين إلى غرباء في بلدهم. في هاناو، يقول كثيرون من الذين فقدوا أصدقاءهم في المجزرة، بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، ولا بأنهم جزء مقبول من المجتمع. وبعضهم يرى أنه ما دام حزب «البديل لألمانيا» مقبولاً بين الأحزاب الأخرى، فإن خطاب الكراهية سيستمر، والجرائم كالتي حصلت في هاناو ستتكرر.
ما يزيد من هذه المخاوف ومن الشبهات، أن السلطات الألمانية لم تأخذ خطر اليمين المتطرف على محمل الجد طوال السنوات الماضية. وهناك فضائح متتالية داخل المؤسسات الأمنية تظهر أنها مليئة بمؤيدين أو متعاطفين مع اليمين المتطرف؛ خصوصاً داخل الشرطة والجيش. ويواجه رئيس المخابرات الداخلية السابق هانس يورغ ماسن اتهامات بأنه متعاطف مع اليمين المتطرف، وهو ما دفع جهازه لغض النظر عن تحركاتهم طوال السنوات الماضية، والتركيز عوضاً عن ذلك على خطر الإسلام المتطرف. ومنذ مغادرته المنصب، أصدرت المخابرات الداخلية تقييماً تقول فيه بأن خطر اليمين المتطرف بات أكبر من خطر الإسلام المتطرف في ألمانيا.
وطُرد ماسن الذي ينتمي للجناح المتطرف في حزب ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) من منصبه، بعد اعتداءات كيمنتس في صيف عام 2018، بسبب رد فعله على التطورات هناك. وعارض ماسن ميركل في قولها بأن شريط فيديو من هناك أظهر ملاحقة نازيين جدد للاجئين، شتماً وضرباً. وخرج ماسن ليقول بأنه لم يتم التثبت من الشريط بعد، ويشكك في وجود نازيين جدد هناك. وكانت تظاهرات كبيرة قد خرجت ضد لاجئين في كيمنتس، بعد جريمة قتل ارتكبها لاجئان (عراقي وسوري) بحق أحد سكان البلدة.
وتعرض كذلك لانتقادات بعد جريمة هاناو لقوله بأن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية، وهو الخط نفسه الذي اتخذه حزب «البديل لألمانيا» عندما رفض طبع المجرم بأنه يميني متطرف؛ خصوصاً أن الأخير تحدث في شريط الفيديو عن «التخلص» من جنسيات معينة من دول عربية ومسلمة.
ويعيد ماسن صعود عنف اليمين المتطرف لموجة اللجوء منذ عام 2015، إلا أن ألمانيا شهدت عمليات قتل وملاحقات عنصرية قبل موجة اللجوء تلك. ففي عام 2011 كشف عن شبكة من النازيين الجدد عملت بالسر طوال أكثر من 12 عاماً، من دون أن يكشف أمرها، ما سبب صدمة كبيرة في البلاد. ونجح أفراد هذه الشبكة في قتل تسعة مهاجرين لأسباب عنصرية بين عامي 2000 و2007، إضافة إلى تنفيذهم 43 محاولة قتل، و3 عمليات تفجير، و15 عملية سرقة.
وقبل اكتشاف الخلية، كانت الشرطة تستبعد أن تكون عمليات القتل ومحاولات القتل تلك تتم بدوافع عنصرية، رغم أن جميع المستهدفين هم من أصول مهاجرة. وعوضاً عن ذلك، كانت التخمينات بأن الاستهدافات تلك لها علاقة بالجريمة المنظمة والمافيات التركية.
ورغم أن الكشف عن ارتباط هذه الجرائم باليمين المتطرف زاد الوعي الألماني لخطر هذه الجماعات، وأطلق نقاشات في الصحافة والمجتمع والطبقة السياسية، فإن التعاطي مع الجرائم التي لحقت، والتي اشتبه بأن اليمين المتطرف وراءها، لم يكن تعاطياً يحمل كثيراً من الجدية.