أثار الاختفاء المفاجئ للميليشيات المسلحة من شوارع وضواحي العاصمة الليبية طرابلس تساؤلات كثيرة حول ماذا كان الهدوء والصمت، الذي تلتزمه حتى الآن، هو بمثابة الهدوء الذي يسبق العاصفة، وقيامها ربما بمحاولة تعطيل عمل حكومة الوفاق الوطني المقترحة من بعثة الأمم المتحدة، بعد دخولها بحرا إلى العاصمة، أم أن هناك مبررات أخرى لهذا الاختفاء المفاجئ.
وعلمت «الشرق الأوسط» أن هذه الميليشيات تلقت تحذيرات عبر أجهزة اللاسلكي بتعرضها لرد عنيف وفوري، إذا ما أقدمت على محاولة التدخل في عمل حكومة السراج، الذي رافقه سبعة من أعضاء المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، والتي يتوقع أن يصل وزراؤها لاحقا عبر البر من تونس. لكن الحكومة الجديدة لم تتسلم بعد المقر الرسمي للحكومة للبدء في ممارسة أعمالها، حيث ما زالت تقوم باجتماعاتها في القاعدة البحرية الرئيسية في العاصمة، التي وصلتها أول من أمس عن طريق البحر قادمة من مقرها المؤقت في تونس.
ونفت ما يسمى بحكومة الإنقاذ الوطني، التي يترأسها خليفة الغويل وغير المعترف بها دوليا، رسميا قيامها بتسليم مبنى رئاسة الوزراء سواء لحكومة السراج، أو لأي جهة أخرى، فيما كشف محمد العماري، عضو المجلس الرئاسي للحكومة المدعومة من الأمم المتحدة، النقاب عن مفاوضات مع الميليشيات التي تتولى تأمين المقر، وقال في تصريحات له أمس إن هناك اتصالات مع الجهة المشرفة على المقر أمنيا وعسكريا، لافتا النظر إلى أن هذه الميليشيات تواصلت مع مجلس رئاسة حكومة السراج، وأنها باتت تتلقى تعليماتها منها، وأنها مستعدة للتسليم متى قرر المجلس ذلك.
لكن السراج لم ينتظر تسليم مقر الحكومة، حيث انخرط فعليا في عقد سلسلة اجتماعات مع عدة أطراف محلية، في محاولة لتأكيد وجوده بشكل عملي وملموس في العاصمة. كما عقد السراج برفقة أعضاء المجلس الرئاسي لحكومته اجتماعا مع المجلس الأعلى للدولة، في سابقة هي الأولى من نوعها للمجلس، الذي ظهر من العدم ولم تعرف ملابسات إنشائه رسميا بعد، كما عقد اجتماعا مماثلا ضم عمداء بلدية طرابلس الكبرى.
وأمضى السراج ليلته الأولى بمسقط رأسه بطرابلس في القاعدة البحرية، التي تمترست عند مداخلها آليات للشرطة ومجموعة من القوات الخاصة لحمايتها، حيث بدا أنه يحظى بدعم مجموعة مسلحة رئيسية في المدينة، يطلق عليها اسم «النواصي»، وهي تتبع وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، وتتمتع بقدرة تسليحية عالية. وكان السراج قد أعلن مساء أول من أمس رسميا عن بدء حكومته في مباشرة أعمالها للمرة الأولى من العاصمة طرابلس، إذ أعلن في بيان متلفز عن بدء ما سماه بمرحلة جديدة من الحوار والتواصل الداخلي مع أبناء الشعب الليبي، بكافة توجهاته على أرضية الاتفاق السياسي الليبي، وما يحمله من تطمينات وضمانات لكل الأطراف. وقال موجها كلامه للشعب الليبي: «إننا بعون الله وبمساندة الجميع سنعمل على بناء دولة المؤسسات والقانون بمشاركة كل الليبيين، والعمل على وقف إطلاق النار وسفك دماء الليبيين في كل أنحاء البلاد، وتوحيد جهود الليبيين لمواجهة خطر تنظيم داعش»، وتابع موضحا: «لقد بدأنا بالفعل في الخطوات العملية اللازمة لتوحيد مؤسسات الدولة، خصوصًا المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، وقد تم البدء بوضع تصور لإيجاد الخطط والمعالجات الاقتصادية والمالية اللازمة لحل الأزمات الحالية، ورفع المعاناة عن المواطن البسيط».
إلى ذلك، قال سكان محليون ومصادر أمنية في طرابلس لـ«الشرق الأوسط» إن الأمور كانت طيلة ساعات أمس طبيعية جدا، حيث لم يظهر أي نشاط للميليشيات المسلحة التي تعج بها طرابلس، والتي اعتادت في السنوات الخمس التي تلت إسقاط نظام العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011، أن تعيث فسادا في المدينة.
وتجاهل سكان المدينة تهديدات حكومة طرابلس، وتحذيرات المفتي المقال من منصبه الصادق الغرياني، الذي ما زال يتخذ موقفا مناوئا من حكومة السراج، ويرفض كما هو حال برلمان طرابلس، الاعتراف بها. وتزامن ذلك مع تردد معلومات عن فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على ثلاثة مسؤولين ليبيين، من بينهم رئيسا برلمان وحكومة طرابلس، بالإضافة إلى رئيس مجلس النواب صالح عقيلة الموجود في شرق البلاد. لكن ناطقة باسم الاتحاد الأوروبي قالت في المقابل لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا قرار رسميا بعد بفرض عقوبات تشمل منع السفر، وحظر أرصدة مالية»، ضد من وصفتهم بمعرقلي عملية السلام في ليبيا. بيد أن أمل سكان العاصمة، البالغ عددهم نحو مليون ونصف مليون نسمة، لا يتوقف فقط عند عودة الاستقرار الأمني، بل يشمل إمكانية قيام حكومة السراج بحل المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والأمنية الراهنة. ورغم أنه لا يوجد أي إحصاء رسمي لعدد عناصر الميليشيات المسلحة في طرابلس، فإن مصادر أمنية تقدر عدد المقاتلين في صفوف هذه الميليشيات بنحو 30 ألف مقاتل. لكن هؤلاء اختفوا تماما أمس، خلافا لما كان متوقعا من شوارع طرابلس، فيما تسعى حكومة السراج إلى إثبات وجودها بشكل ملموس على الأرض، بعدما دعاه رئيس حكومة طرابلس خليفة الغويل إلى مغادرة المدينة، واصفا إياه بـ«المتسلل غير الشرعي».
وفتحت المحلات التجارية أمس منذ الصباح الباكر، وانتشرت عناصر من شرطة المرور في أنحاء متفرقة من المدينة لتنظيم حركة السير التي بدت خفيفة مقارنة بأيام أخرى، وازدحمت بعض مقاهي شارع قرقارش الراقي في شمال غربي طرابلس بالزبائن، كما فتحت معظم المدارس أبوابها، بينما فضلت أخرى أن تبقي أبوابها مغلقة أمام الطلاب.
من جهتها، بدأت وكالة الأنباء الموالية لحكومة الغويل في تغيير نبرتها تجاه الحكومة الجديدة، حيث بثت أمس تقريرا قالت فيه إن طرابلس تعيش حياة طبيعية واستقرارا للأوضاع الأمنية، مشيرة إلى أن العملية التعليمية تسير بشكل طبيعي، وإنه لم تتم ملاحظة أي انتشار للمظاهر المسلحة داخل المدينة أو في ضواحيها. وبينما بدأ سعر الدينار الليبي يرتفع في مواجهة الدولار الأميركي، اصطف عشرات الليبيين أمام مصارف في العاصمة، حتى من دون معرفة ما إذا كانت ستفتح في وقت لاحق من النهار. فيما أعلن جهاز حرس المنشآت النفطية في منطقة الهلال النفطي والمنطقة الغربية موافقتهم على إعادة ضخ النفط إلى الموانئ والأنابيب في المواقع المتوقفة عن الإنتاج، فور تسلم الحكومة لمهامها. وقالت المؤسسة الوطنية للنفط، التي رحبت في بيان لها بهذه الخطوة، إن من شأن ذلك زيادة في الإنتاج ووصوله في فترة قصيرة إلى أكثر من 800 ألف برميل يوميا ويخشى سكان في طرابلس أن يؤدي دخول الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة مدينتهم إلى مواجهات بين المجوعات المسلحة الموالية للسلطات الحاكمة فيها والجماعات المؤيدة لحكومة السراج. وولدت حكومة السراج بموجب اتفاق سلام موقع نهاية العام الماضي في منتجع الصخيرات بالمغرب برعاية الأمم المتحدة، فيما اختار تشكيلتها المجلس الرئاسي الليبي المنبثق عن الاتفاق ذاته والذي يقوده السراج أيضا.
9:33 دقيقه
ليبيا: اختفاء مفاجئ للميليشيات من طرابلس.. وحكومة السراج تثبت أقدامها
https://aawsat.com/home/article/605961/%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7-%D8%A7%D8%AE%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%A1-%D9%85%D9%81%D8%A7%D8%AC%D8%A6-%D9%84%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%85%D9%86-%D8%B7%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%84%D8%B3-%D9%88%D8%AD%D9%83%D9%88%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%AC-%D8%AA%D8%AB%D8%A8%D8%AA-%D8%A3%D9%82%D8%AF%D8%A7%D9%85%D9%87%D8%A7
ليبيا: اختفاء مفاجئ للميليشيات من طرابلس.. وحكومة السراج تثبت أقدامها
تداول معلومات عن فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات على 3 مسؤولين
- القاهرة: خالد محمود
- القاهرة: خالد محمود
ليبيا: اختفاء مفاجئ للميليشيات من طرابلس.. وحكومة السراج تثبت أقدامها
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة






