اتسعت أزمة السكن لمحدودي الدخل خاصة في جنوب بريطانيا، حيث ارتفعت أسعار المنازل بنحو متسارع مقارنة بالعام الماضي، لتتسع الفجوة بين متوسط أسعار المنازل ومتوسط الدخل للمحليين والمقيمين أيضا، مما يجعل من المملكة المتحدة واحدة من أكثر الدول اهتماما بالمساكن «الأكثر رفاهية»، على حساب الشرائح الأخرى، على مدار الثماني سنوات الماضية.
وبذلك، تنخفض قدرة تحمل تكاليف السكن بالنسبة للمواطنين والمقيمين للسنة الثالثة على التوالي، خاصة في المدن الجنوبية من المملكة المتحدة. وقال بنك «لويدز» في تقرير صدر منذ أيام قليلة، إن تكلفة السكن «اتسعت إلى أسوأ مستوى»، فوصلت الأسعار لهذه المستويات التي تماثل فترة قبيل الأزمة المالية العالمية في عام 2008، عندما بلغت أسعار المنازل 7.2 أمثال متوسط الدخل.
وقال أندرو لايسون، الوسيط العقاري البريطاني، لـ«الشرق الأوسط» إن أسعار المنازل ارتفعت بشكل حاد أكثر من الأجور في السنوات الثلاث الماضية وخصوصا في الجنوب، الأمر الذي رفع تكلفة شراء المنازل في غالبية مدن المملكة المتحدة.
ومما يؤكد دقة تحليل بنك لويدز أنه يقارن أسعار المنازل محليا، بمعدلات الدخل المحلية، مما أظهر أن أسوأ أسعار للمنازل ليست في العاصمة فقط، بل امتدت حتى الجنوب الشرقي.
وتصدرت مدينة أكسفورد القائمة من حيث الأسوأ أداء في تحليل البنك، بمتوسط أسعار وصل إلى 10.68 أمثال متوسط معدلات الدخل المحلية. في حين حلت ويشنستر بجنوب شرقي إنجلترا، وهي عاصمة مقاطعة هامبشاير، في المركز الثاني بنحو 10.54 أمثال، ولندن في المرتبة الثالثة بنحو 10.06 أمثال.
وأكد التقرير على أنه لم يعد هناك مدينة في جنوب إنجلترا إلا واجتازت فيها أسعار المنازل سبعة أمثال ونصف متوسط الدخل المحلي، في المتوسط.
أما كامبريدج وبرايتون وباث، فاقتربت الأسعار فيها إلى 10 أمثال متوسط الدخل المحلي في كل منها، في حين أنه في بريستول وساوثامبتون اقتربت الأسعار إلى ثماني أمثال متوسط الدخل في كل منهما.
وأرجع التقرير تحليله لهذه الظاهرة إلى أن تراجع الأجور خلال الفترة الماضية، أفقد محدودي الدخل القدرة على تحمل تكاليف السكن، فارتفع متوسط السكن إلى 6.6 أمثال متوسط الدخل المحلي، من مستوى 6.2 في المائة العام الماضي.
وأشار تحليل لويدز إلى أن مدينة ديري في آيرلندا الشمالية تمتاز بـ«السكن المهيأ لمحدودي الدخل»، بنحو 3.81 أمثال متوسط الدخل المحلي، وقال البنك إن هذا المعدل كان هو السائد في الخمسينات والستينات من القرن الماضي بالنسبة لمقترضي الرهن العقاري في إنجلترا، بثلاث أو أربع أمثال دخلهم.
وأوضح البنك أن معظم المدن التي تتناسب مع الدخول المحلية حاليا تقع في الجزء الشمالي من إنجلترا واسكتلندا وآيرلندا الشمالية، إلا أن السكان المحليين ما زال يتوجب عليهم دفع ما يقرب من 5.11 أمثال متوسط الدخل المحلي.
وأثار ارتفاع الفائدة الائتمانية على القروض للمنازل الفاخرة، وتراجع أسعار السلع الأساسية وزيادة الضرائب، حفيظة المشترين الأجانب تخوفا من وفرة المعروض وحدوث «فقاعة» عقارية أخرى.
حيث ارتفع تمويل بناء المنازل الفاخرة بنحو 75 نقطة أساس، ليصل إلى 3.75 نقطة مئوية منذ يناير (كانون الثاني) الماضي. وقال ويليام نيوسوم، أحد كبار المديرين في «سافيلس» للوساطة، في تصريح سابق له، إن تكاليف التمويل للمشروعات الكبرى في وسط لندن ارتفعت على مدار الأشهر الستة الماضية بنحو نقطة أساس، لتصل إلى أعلى معدلاتها منذ عام 2012.
وطلب أمس المركزي البريطاني من البنوك العاملة بالسوق أن تكون أكثر حذرا عند إقراض عملائها لشراء العقارات، وقال المركزي في بيانه إنه يريد التأكد من أن جميع المقترضين يستطيعون أن يلبوا جميع التكاليف، مع الأخذ في الاعتبار ارتفاع الضرائب على شراء العقارات.
ويؤكد البنك على ضرورة ضمان سداد القروض بسعر فائدة 5.5 في المائة على الأقل، ويذكر أن المركزي ثبت معدل الفائدة عند - 0.5 في المائة منذ عام 2009.
وقد أدى ارتفاع الضرائب إلى «ردع المشترين الأجانب» بشكل كبير عن التوجه إلى الشراء في المملكة المتحدة، حيث تقدر قيمة ضريبة الدمغة المفروضة على منزل قيمته 7.5 مليون جنيه إسترليني (نحو 10.72 مليون دولار)، لاستخدامه كمنزل ثان، أكثر من مليون جنيه إسترليني (نحو 1.43 مليون دولار).
وقال مارك بوزنك، العضو المنتدب لشركة «دراغون فلاي» للتمويل العقاري، في تصريح سابق له، إن شركته خفضت بناء مشروعات المنازل الفاخرة إلى 80 في المائة، وأكد أن خروج بريطانيا المحتمل في يونيو (حزيران) المقبل من الاتحاد الأوروبي، يجعل المقرضين غاية في الحذر، فحتى الآن يتحرى المقرضون الدقة في كل المشروعات قبل التمويل.
ويشار إلى أن أسعار العقارات في بريطانيا تسجل ارتفًاعا قياسًيا في الوقت الراهن، إذ يتجاوز متوسط سعر المنزل السكني في لندن مستوى الـ500 ألف جنيه إسترليني (نحو 750 ألف دولار)، أما متوسط سعر العقار السكني على مستوى المملكة المتحدة فيبلغ حالًيا نحو 280 ألف جنيه إسترليني (أكثر من 420 ألف دولار).
ويتوقع كثير من المحللين في السوق البريطانية ألا تتمكن سوق العقارات البريطانية من تفادي التوجه العالمي المتمثل في انهيار قيمة الأصول، وأن تشهد هبوطا سريعا وكبيرا في أسعار العقارات قبل نهاية العام الحالي.
وأوضحت تقارير متخصصة منذ مطلع العام أن هناك عدة عوامل تجعل السوق العقارية البريطانية عرضة لعملية تصحيح كبرى في الأسعار، التي تواصل الارتفاع متحدية توجها عالميا بتراجع قيمة الأصول.
ورغم أن القطاع العقاري يشهد نقصا في العرض، يجعل الأسعار متماسكة وتأخذ في الارتفاع، فإن الضغوط على الطلب قد تكون بداية التصحيح. ومع قرارات الحكومة البريطانية بتشديد القيود المالية والضرائبية على شراء البيوت لتأجيرها يتوقع أن يخرج كثير من المستثمرين من السوق العقارية، مما يعني زيادة العرض من البيوت التي كانت تشترى للتأجير كاستثمار.
كما أن رفع الولايات المتحدة لسعر الفائدة سيجعل بنك إنجلترا (المركزي البريطاني) على خطى رفع الفائدة في غضون أشهر، مما سيعني زيادة تكلفة قروض الرهن العقاري وبالتالي تراجع الطلب.
على الجانب الآخر، تزداد المخاوف في بريطانيا مع ارتفاع عدد الشركات «الوسيطة» التي تقدم القروض العقارية للراغبين في شراء منازل، ولكنهم لا يملكون الضمانات المناسبة. وتكمن أبرز هذه المخاوف في أن الشركات الوسيطة، التي تمارس هذا الأسلوب كانت من بين أهم الأسباب في الأزمة المالية والاقتصادية العالمية في عامي 2007 و2008.
ووفقا لتقرير مفصل لصحيفة «الغارديان» الشهر الماضي، فإن هناك زيادة كبيرة ومفاجئة في عدد هذه الشركات المقدمة للقروض، بل إن شركات مالية من الخارج بدأت تقتحم السوق البريطانية، مثل شركة «بلوستون للقروض المالية» وهي الذراع المقرضة لأكبر بنك استثماري أسترالي. وتثير هذه الزيادة في قطاع المؤسسة المالية الوسيطة مخاوف من العودة إلى الممارسات الماضية التي تسبب الأزمة الاقتصادية العالمية، والتي بدأت جراء تقديم قروض كبيرة لأفراد لا يستطيعون السداد ومن دون ضمانات.
وحذر رئيس قسم السياسات في مؤسسة الإقراض «ستيب تشاينغ» بيتر توتون من أن الأمور بلغت المرحلة الأخيرة قبل الانهيار، مشيرا إلى وجود ممارسات إقراض سيئة. كما أشارت «الغارديان» إلى أنه في عام 2000 شهدت بريطانيا حالة مماثلة بالنسبة للزيادة في شركات ومؤسسات الإقراض المالي الوسيطة التي كانت تقدم القروض لمن لا يستطيعون السداد.
وفي يونيو 2014، أطلق مارك كارني، محافظ بنك إنجلترا المركزي، أقوى تحذير له حتى الآن بشأن مخاطر ظهور «فقاعة» في سوق العقارات البريطانية، وذلك بسبب النقص الكبير في مشروعات البناء.
بريطانيا أصبحت غير مناسبة لسكن محدودي الدخل
مدينة أكسفورد الأسوأ أداء.. وتخوفات «الفقاعة» تتنامى
ضاحية كناري وارف التي تعد حي المال والأعمال في العاصمة البريطانية لندن (رويترز)
بريطانيا أصبحت غير مناسبة لسكن محدودي الدخل
ضاحية كناري وارف التي تعد حي المال والأعمال في العاصمة البريطانية لندن (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
