يمتلئ تاريخ الاستشراق الأوروبي والغربي بوجه عام بالمواقف المتنوعة بل والمتناقضة، إلى جانب الإسهامات الكثيرة متفاوتة الأهمية والاتجاهات، وبالقدر الذي يجعل من الصعب حصره ناهيك باختزاله في مستوى أو موقف أو اتجاه واحد. وقد تكاثرت الدراسات منذ نشر إدوارد سعيد كتابه الشهير «الاستشراق» أواخر سبعينات القرن الماضي، دراسات مؤرخة ومحللة، منتقدة ومعجبة، حتى بات في هذا الباب من التراكم مما يصعب اختصاره. فالاستشراق ظاهرة ضخمة والدراسات حوله باتت ضخمة أيضًا، غير أن صعوبة الدخول إلى ذلك الإرث الكبير تضاعفها مشكلة تصيب المعرفة إجمالاً وهي المفاهيم المسبقة والأحكام القطعية غير المختبرة على أرض النصوص. فكثير من القراء والباحثين يقتنعون بما تواتر من آراء ولا يكلفون أنفسهم عناء التمحيص والخروج برؤية خاصة قد تعزز أو تنقض آراء شائعة حول هذه أو تلك من الظواهر أو الآراء أو المفاهيم. ومع أنه يغلب على المواقف تجاه الاستشراق الغربي الرفض أو التشكيك، فإن من المواقف ما يغلب عليه الإعجاب والتبجيل. غير أن المشكلة ليست في اتخاذ أي من الموقفين بقدر ما هي في الثبات عليهما دون استعداد لمراجعة تلك الآراء.
ولعل الأصعب بين ذلك كله هي ما أسميه المواقف الملتبسة والتي أود فيما يلي أن أتوقف عند بعضها من حيث هي تكشف عن مواقف أوروبية إيجابية في مضمونها ولكنها ملتبسة أو مشوبة بتردد، تعجب بجانب من الإسلام، من ناحية، وترفض جانبًا آخر، من ناحية أخرى. لكن الأهم هو توظيفها للإسلام أحيانا ضمن سجال أوروبي لا علاقة للإسلام والمسلمين به، أي استعماله كسلاح أو كاستراتيجية خطابية بالمفهوم الفوكوي للخطاب. ومن اللافت أن كثيرًا ممن تبنوا تلك المواقف من اليهود سواء أكانوا مستشرقين بالمعنى الدقيق أو باحثين عنوا بالشرق الإسلامي ضمن قضايا أخرى أو كانوا كتابًا وشعراء. وكان كثير من أولئك من أعلام المجالات التي عملوا فيها، ومن أشهرهم إغناز غولدتسيهر في هنغاريا، وليو شتراوس في ألمانيا. فقد عبر كلا الاثنين عن اهتمام بالإسلام وألفا فيه.
غولدتسيهر هو المستشرق الشهير في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع العشرين، وشتراوس فيلسوف تخصص في الفلسفة الإسلامية في النصف الأول من القرن العشرين. يضاف إلى هذين الاثنين الكاتب الإنجليزي توماس كارلايل والشاعر الألماني اليهودي هاينريش هاينه اللذان عاشا في القرن التاسع عشر وكتب كل منهما حول الإسلام من زوايا مختلفة لكنها تحمل في طياتها إما إعجابًا ملتبسًا قصد منه توظيف الإسلام لأغراض محلية خطابية على النحو الذي أشرت إليه. سأتوقف عند أعمال لهؤلاء بعجالة تضطرني إليها طبيعة هذه الكلمة والمناسبة التي أعدت لها وإن خصصت مساحة أوسع لغولدتسيهر لأهميته. يختلف غولدتسيهر وشتراوس عن كارلايل وهاينه في أن الأولين كانا باحثين عنيا بالإسلام وثقافته بشكل موسع، غولدتسيهر الأكثر اهتمامًا وتوسعًا، لكن شتراوس كان أيضًا معنيًا به على نحو لافت. أما كارلايل وهاينه فقد كانا كاتبين عنيا بالإسلام عناية عرضية، أو جزئية، لكنها جديرة بالاهتمام من حيث هي تكشف عما أسميته الإعجاب الملتبس.
ليس من المصادفة بالتأكيد أن ثلاثة من الأسماء التي أشرت إليها من اليهود: غولدتسيهر، هاينه وشتراوس، واهتمام هؤلاء بالإسلام له سياقه الذي بات معروفًا الآن، فقد نبه له وألف فيه عدد من الباحثين لعل أشهرهم المستشرق الأميركي اليهودي أيضًا بيرنارد لويس. ومما يؤكد ذلك الاهتمام كتاب صدر في إسرائيل عام 1999 لتكريم لويس عنوانه «الاكتشاف اليهودي للإسلام» اقتبس محرره مارتن كريمر من مقالة للويس صدرت في سبعينات القرن الماضي عنوانها «يهود مؤازرون للإسلام» (Pro - Islamic Jews) قال فيها إن الباحثين اليهود كانوا من أوائل من حاول أن يقدم الإسلام «للقراء الأوروبيين كما يراه المسلمون أنفسهم وأن يؤكدوا، ويبرزوا، وأحيانًا أن يقدموا بصورة رومانسية، مزايا ومنجزات الحضارة الإسلامية في عصر ازدهارها».
بيرنارد لويس كان أيضًا من قدم للترجمة الإنجليزية لكتاب غولدتسيهر «مقدمة للعقيدة والشريعة الإسلامية» التي صدرت في ترجمة إنجليزية أوائل الثمانينات من القرن الماضي والتي كانت قد نشرت بالألمانية في هايدلبرغ عام 1910. في مقدمته عرّف لويس بالمستشرق المجري وأوضح جوانب من تعلقه بالإسلام وطبيعة اهتمامه به، مشيرًا إلى أن غولدتسيهر بلغ به التعلق بالمسلمين ودينهم وثقافتهم أن سافر إلى بعض الحواضر الإسلامية مثل القاهرة ودمشق وأنه كان أول مستشرق أوروبي غير مسلم ينتظم بالدراسة في الجامع الأزهر. لكن إقامة المستشرق في القاهرة لم تطل، حيث عاد إلى بودابست لظرف عائلي وليكابد مشقات الانتماء إلى اليهود في بلاده وغيرها من بلاد أوروبا آنذاك. فعلى الرغم من تفوق غولدتسيهر العلمي بشهادة مستشرقين كبار مثل نولدكه، فإنه حرم لعدة سنوات من الأستاذية في جامعة بودابست، وحين وافقت الجامعة على تعيينه أستاذا عام 1894، وكان في الرابعة والأربعين، فقد جاء التعيين خلوًا من المرتب والمميزات التي تأتي مع رتبة الأستاذية، الأمر الذي اضطره كما اضطر أسلاف له من أمثال أبراهام غايغر في ألمانيا للعمل في المؤسسة الدينية اليهودية كاتبًا لا يكاد يجد الوقت الكافي للعمل في مجال تخصصه. بعد ثماني سنوات حصل غولدتسيهر على المميزات التي حرم منها عام 1904 إلى أن توفي عام 1921.
تلك العلاقة الشخصية بالإسلام من ناحية والمعاملة التي لقيها في بلاده بوصفه يهوديًا لعبت دورًا حاسمًا فيما يبدو في تشكيل رؤية غولدتسيهر الاستشراقية وأبحاثه التي كانت إضافات كبيرة للدراسات الإسلامية في أوروبا. هذا بالطبع لا علاقة له بالاتفاق أو عدمه مع بعض آراء غولدتسيهر فيما يخص القرآن الكريم أو الأحاديث أو ما وصفه بالمؤثرات على الإسلام. كتب غولدتسيهر، كما يذكرنا بيرنارد لويس، لبيئة علمية وثقافية أوروبية، أي بعيدًا عن أي قراء مسلمين يعتقد أنهم سيطلعون على أعماله (يشير لويس إلى أن هذا تغير فيما بعد، حين بدأ المستشرقون يراعون مشاعر المسلمين بعدم وصف الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأنه مؤلف القرآن، بالقول: «يقول القرآن» بدلاً من «يقول محمد».
غير أن للأمر جانبًا آخر لم يأخذه بيرنارد لويس بعين الاعتبار وتوقفت عنده الباحثة الأميركية سوزان هيشيل التي عرفت بدراستها للإسهامات اليهودية في الاستشراق الإسلامي. ففي عدد من أعمالها، كما في محاضرة مسجلة على «يوتيوب»، عنوانها «مأخوذون بالإسلام: الباحثون والرحالة ومعتنقو الإسلام من اليهود في أوروبا الحديثة» (2010) تبرز هيشيل كيف أن غولدتسيهر مثل باحثين يهود آخرين، من أمثال مندلزون وغايغر، وظفوا الإسلام لأغراض محلية أهمها انتقاد المسيحية، وذلك بالإعلاء من شأن الإسلام بوصفه دينًا عقلانيًا وليس محكومًا بغيبيات أو دوغمائيات كما هي المسيحية. فعلاقة غولدتسيهر بالإسلام كانت مدفوعة دون شك بإعجاب واضح جعله يدافع عن الدين ونبيه لكن من زاوية أوروبية، أي زاوية تأخذ بعين الاعتبار المواقف الانتقادية أو العدائية تجاه الدين الإسلامي والمسلمين المنتشرة بين الأوروبيين ومنهم المستشرقون في ذلك الوقت.
* جزء من محاضرة حول أحد وجوه العلاقات العربية الأوروبية (معدل قليلا) ألقيت أخيرا في «أيام ثقافية عربية» التي نظمت في بودابست بالمجر وشارك فيها عرب ومجريون، دبلوماسيون وسياسيون وفنانون وأكاديميون. وتوقف فيها الكاتب بشكل خاص أمام المستشرق المجري المعروف غولدتسيهر.


