التوفو.. لا طعم ولا رائحة

يحد من الاكتئاب وتقلبات المزاج

التوفو.. لا طعم ولا رائحة
TT

التوفو.. لا طعم ولا رائحة

التوفو.. لا طعم ولا رائحة

التوفو الذي يعرف أيضا بروبة الفاصوليا، نوع من أنواع الجبن النباتي المصنوع من حليب فول الصويا وتدخل في عمليات إنتاجه أحيانا مواد أخرى كالبازلاء والجوز. ويعتبر التوفو جزءا لا يتجزأ من المطابخ في شرق آسيا وجنوب شرقي آسيا، وقد بدأ استخدامه أيام حكم أسرة هان الإمبراطورية في الصين قبل 2000 عام تقريبا. وقد ذكر الطبيب والعالم والصيدلي خبير الأعشاب لي شي تشن الذي عمل أيام سلالة منغ، سبل صناعة وتحضير التوفو في كتابه المعروف «خلاصة وافية من المواد الطبية - The Compendium of Materia Medica».
وهناك عدة نظريات حول أصول التافو، أولها أن الأمير ليو آن ابن أخ الإمبراطور وو في سلالة هان، هو من أوجد أو ابتكر التوفو لأول مرة عام 164 قبل الميلاد. وقد عثر علماء الآثار في ستينات القرن الماضي على ما يدعم استخدام الصينيين للتوفو، لكن الكثير من الخبراء أيضا يقولون: إن التوفو الذي كان سائدا أيام سلالة هان كان بدائيا ولم يكن صلبا ما يكفي وطعمه لا يقارن بطعم التوفو الحديث واللذيذ.
وتقول النظرية الثانية، إنه تم اكتشاف التوفو بالصدفة من قبل أحد طباخي البلاط الإمبراطوري في الصين عندما تخمر حليب الصويا عن طريق الخطأ لمدة طويلة لا تقل عن سنة. وقد وجد هذا الطباخ الحليب وقد تحول إلى جبنة ذات مذاق طيب. وقد تم خلط الفاصوليا مع ملح البحر (غني بالماغنسيوم والكالسيوم) قبل تخثره.
أما النظرية الثالثة فتقول إن أهل الصين القدماء، أخذوا ونقلوا تقنيات تخثير لبن الصويا من منغوليا أو شرق الهند لأن تقنيات وعمليات تخثير الحليب كانت محرمة من قبل الكونفوشيوسية قديما، وهناك تقارب كبير بين أصل اسم التافو - tofu واسم الحليب المخثر باللغة المنغولية روفو - rufu إضافة إلى اسم دوفو - doufu الذي يعني «الفاصوليا المخثرة».
وتدرج اسم التوفو - tofu - الذي نستخدمه حاليا من اليابانية مأخوذا عن الصينية، وهو يعني فاصوليا + مخثر أو مروب. بأية حال، وعلى ما يتفق عليه معظم الأكاديميين الصينيين، فإن قصة ليو آن جاءت عبر الفيلسوف والمفكر الكونفوشي تشو شي أيام أسرة سونغ (بين 960 و1279 للميلاد)، أي بعد ألف عام على الابتكار.
وقد ذكر الطبيب والعالم والصيدلي خبير الأعشاب لي شي تشن الذي عمل أيام سلالة منغ، سبل صناعة وتحضير التوفو في كتابه المعروف «خلاصة وافية من المواد الطبية - The Compendium of Materia Medica. ما هو مؤكد أن التوفو كان ينتج ويستهلك بكثرة في الصين منذ القرن الثاني قبل الميلاد، وقد جاء ذكر تقنيات إنتاجه في كتابات وإشعار السلالتين سونغ ويوان.
وقد كان الصينيون في قديم الزمان يستخدمون التوفو في تقاليدهم اليومية ويقدمونه خلال زيارة قبور أقاربهم، إذ كان الناس يعتقدون أن الأرواح والأشباح فقدت ذقونها وفكوكها ولا ينفع لإطعامها إلا التوفو اللين والطري.
ومن الصين انتقل التوفو إلى كوريا ثم اليابان في فترة نارا (اسم المدينة التي احتضنت البلاط الإمبراطوري في اليابان آنذاك) في القرن الثامن للميلاد ومن هناك أصبح من المواد أو المكونات الأساسية للمطبخ الياباني. وانتقل التوفو إلى فيتنام في القرن الحادي عشر قبل أن ينتشر في بلدان جنوب شرقي آسيا مع انتشار الديانة البوذية نفسها والتي تفضل المأكولات النباتية الغنية بالبروتين والقليلة السعرات الحرارية كالتوفو.
وتشير المعلومات المتوفرة، إلى أن المهاجرين الصينيين هم الذين جلبوا التوفو إلى دول جنوب شرقي آسيا التي تستخدم اسم تا هو - tau - hu وتاو - غوان - tau - goan له خصوصا في إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة وتايلاندا والفلبين. ولا تزال هذه الدول تستخدم التوفو بكثرة. ويتم استخدامه في هذه الدول في أطباق الكاري ويتم قليه وإضافته إلى أطباق أخرى. ويعتبر التوفو من المواد الرئيسية في المطبخ المحلي في الفلبين، حيث يستخدم منذ مجيئه من الصين في القرن العاشر للميلاد في أطباق الفطور والكثير من أطباق المناطق الريفية.
في الغرب كان الاسم قد استخدم لأول مرة في الإنجليزية في رسالة من أحد مؤسسي الولايات المتحدة الأميركية بنيامين فرانكلين إلى المكتشف الأميركي جون بارترام نهاية القرن الثامن عشر. وقد اكتشف فرانكلين التوفو أثناء زيارته إلى لندن وأطلق عليه اسم «الجبنة الصينية» آنذاك.
كما تم استخدام تعبير «روبة الفاصوليا/ الفاصوليا المخثرة» لأول مرة في الولايات المتحدة عام 1840. وهو تعبير لم تعرفه الدول الانغلوساكسونية كبريطانيا ونيوزيلاندا وأستراليا إلا حديثا.
وبدأ إنتاج التوفو في الولايات المتحدة الأميركية نهاية القرن التاسع عشر. وافتتح الصيني لي يويينغ المتخصص في البيولوجيا والزراعة أول مصنع للصويا في فرنسا بداية القرن العشرين. ومع هذا لم يعرف التوفو حقا وينتشر في الدول الغربية إلا في منتصف القرن العشرين مع زيادة التبادل التجاري والثقافي بين دول آسيا والدول الغربية بشكل عام.
وهناك عدة طرق لتحضير التوفو الذي لا يملك رائحة أو طعما خاصا به، فإما أن يحضر في أطباق اليخاني العادية أو في أطباق الحلوى. وهو عادة ما يلعب دور المادة المساندة للمذاقات الأخرى لحياديته، وحينما يتم تناوله وحيدا ينقع بزيت السمسم والفلفل الحار وصلصة الصويا.
في الكثير من البلدان الآسيوية الشرقية يؤكل التوفو نيئا ومطبوخا بالصلصة ومقليا بسرعة وفي الشوربة ومحشوا، ولا يستخدم بديلا عن اللحم كما يحصل في الكثير من البلدان إذ إن كثيرا من أطباق التوفو في هذه الدول تشمل اللحم أيضا.
ومن أشهر أطباق التوفو في اليابان طبق الغداء هاياياكو - Hiyayakko الصيفي الذي يقدم باردا مع إضافات عدة كقطع الزنجبيل الطازج والبصل الأخضر وشرائح الكاتسوبوشي السمكية وصلصة الصويا. أما في أيام الشتاء فيأكل اليابانيون التافو (yudofu) منقوعا بالخضار كالملفوف الصيني والبصل الأخضر وصلصة السمك الكانبو داشي.
وفي المطبخ الصيني، ورغم أن الكثير من الناس يأكلون التوفو مع صلصة الصويا وزيت السمسم وشرائح الكاتسوبوشي، فإن بعض الناس يستخدمون التافو (Douhua) الطري والخفيف مع الفستق المسلوق وفاصوليا الأزوكي واللوز والزنجبيل والشوفان وجذور الكاسافا. وعادة ما يتم خلطه بالصيف مع قطع الثلج.
في كوريا، يفضلون التوفو (dubu gui) الصلب مقليا كقطع مع الصويا والثوم وغيره، وأحيانا على الطريقة اليابانية مع الزنجبيل. ومن أكثر الأنواع شيوعا هو الدوبو كميتشي - Dubu kimchi الذي يشمل قطع التوفو المستطيلة والصلبة والمسلوقة مع مخلل الكيمتشي الشهير الذي يضم الملفوف والثوم والفلفل الحار.
وفي الفلبين، يستخدمون التوفو الحريري الطازج في حلوى التاهو - Taho مع السكر قطر السكر الأسمر والساغو (وهو نوع من الحب يصنع من النشويات الموجودة في القلب الأسفنجي للنخيل - وعادة ما يصنع منه الدقيق الذي يسمى دقيق الساغو).
أما في فيتنام فيتم تناول التوفو (douhua) عادة مع السكر المطحون وعصير اللايم وقطر الزنجبيل، وعادة ما يقدم الطبق حارا في أيام الصيف.
يقلى التوفو بزيت البلح وزيت دوار الشمس. ويعمل بعض الناس على تناوله بعد القلي السريع وأحيانا القلي العميق كما يحبه اليابانيون مطعما بصلصة الصويا ككل شيء في تلك البلاد.
وتقول الموسوعة الحرة في هذا المضمار إن جبنة التوفو المحضرة في المنزل تتميز «بكونها طازجة. أما التوفو المبيعة في المتاجر فيتم عرضها بعدة أشكال منها الصلب أو اللين وتمتاز بالملمس الحريري الناعم. ويمكن طهو التوفو على البخار، أو بطريقة التقلية السريعة أو خبزها. ويمكن الاستمتاع بمذاق التوفو بمفردها أو مع الحساء أو مع اليخنة أو مع أطباق الشعيرية أو الفطائر على أنواعها أو مع أنواع الصلصة ومرق توابل السلطات. أما الأطفال فهم يفضلون تناولها مقلية. وتتميز التوفو المصنوعة من كتل جافة رفيعة بقوام صلب ومذاق لا مثيل لهما». وحول عملية حفظ مادة التوفو، تقول الكاتبة كفاية العبادي إن «التوفو مادة غذائية قابلة للتلف مرتبطة بمدة صلاحية وتخزن في الثلاجة لمدة أسبوع واحد إذا كان مغطى بالماء وطازجًا مع تغيير الماء يوميًا لأنه يحافظ على عدم جفافه نتيجة لقوامه الإسفنجي، كما أنه يمتص نكهات الأطعمة الأخرى المحفوظة في الثّلاجة بجانبه».
يساعد التوفو على تسهيل الهضم وتحسين الدورة الدموية وتعتبر لصقاته أفضل من الثلج لتخفيف الالتهابات والأورام والكدمات وتقلب المزاج.



صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
TT

صرعات الطعام في لبنان تستلهم الغرابة

سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)
سندويش «البوب كورن» ذات المذاق الغريب (إنستغرام)

لم تعد تجربة الطعام في لبنان تقتصر على اكتشاف نكهات جديدة أو زيارة مطعم يقدّم وصفات تقليدية. فمع تسارع الابتكارات في عالم المأكولات، باتت بعض الأطباق تستمدّ جاذبيتها من غرابتها، ومن قدرتها على الجمع بين مكوّنات لا تخطر على بال محبّي الطعام. وفي عام 2026، برزت موجة من التجارب التي تعيد تقديم المألوف بأساليب مختلفة، مستفيدةً من فضول الزبائن وتأثير وسائل التواصل في اختياراتهم، فتناقلها مؤثّرو الطعام، لتولّد ترندات تتصدّر المشهد الغذائي في لبنان.

بين الموضة والمذاق لا تنفصل هذه التجارب عن التحوّلات التي يشهدها عالم الطعام، حيث باتت الصورة جزءاً من تجربة التذوّق. والمنصات الرقمية تساهم في انتشار الأطباق الجديدة والتعريف بها.

يلاحظ في الفترة الأخيرة إقبال في لبنان على نكهات آيس كريم غير تقليدية، تستلهم بعضها مكوّنات محلية وأطعمة مألوفة. وهي ظاهرة تعكس رغبة المستهلكين في اكتشاف تجارب جديدة.

لكن انتشار طبق على وسائل التواصل الاجتماعي لا يعني بالضرورة نجاحه. فالمذاق يبقى العامل الحاسم، فيما تمنحه غرابته فرصة أولى لجذب الانتباه. وبين هذين العاملين، تحاول المطاعم اللبنانية إيجاد معادلة تجمع الابتكار والجودة، وتمنح الزبون سبباً إضافياً للخروج عن اختياراته المعتادة.

لا تتعلّق صرعات الطعام بتغيير المكوّنات فحسب، بل بإعادة النظر في طريقة تقديمها أيضاً. فالأطباق التي تبدو غريبة للوهلة الأولى قد تتحوّل إلى تجارب محبّبة، شرط أن تتجاوز عنصر المفاجأة إلى مذاق يستحقّ التكرار.

ومن البرغر بحلوى الداعوقية إلى السندويشات التي تستلهم قوامها من الـ«بوب كورن»، وصولاً إلى «ستيك الكنافة» الذي يثير الفضول عند سماع اسمه، تتّسع مساحة التجربة في هذا المجال.

برغر الداعوقية يعتمد على عجينة البقلاوة المقرمشة (إنستغرام)

«برغر الداعوقية»: بقلاوة العصر

يحتفظ البرغر بمكانته على قوائم الطعام، لكنه لا يتوقّف عن التجدّد. فإلى جانب الوصفات الكلاسيكية المعتمدة على اللحوم بأنواعها تحضر نسخ منه بأسلوب غريب. ويأتي «برغر الداعوقية» الذي أطلقته محلات الداعوق للحلوى هذا الصيف كواحد من أشكال الحلوى الحديثة في لبنان.

وتكمن جاذبية التركيبة من أنها مصنوعة من طبقتين لعجينة البقلاوة، يتم حشوها بحلوى الداعوقية. وهي مصنوعة من القشدة والسميد المدعوك بالقطر ويغلف المزيج بالفستق المطحون . كما يتم تغطية «البرغر» في مرحلة نهائية برشّة فستق. التركيبة بسيطة لكنها تتميز بالقرمشة التي ترافق سندويشات عديدة تعتمد عليها الوجبات السريعة. وعجينة البقلاوة المستخدمة في هذا السندويش تقوم بالمهمة. يلاقي «برغر الداعوقية» إقبالاً لافتاً من جيل الشباب الذين رأوا فيه تجدداً لحلوى ترافقهم، منذ تأسيس محلات الداعوق في ستينات القرن الماضي.

سندويش الـ«بوب كورن»

فكرة غير تقليدية تدخل السندويشات بدورها في سباق الابتكار، وتسلتهم أفكار مكوّناتها من أطعمة اعتدنا تناولها منفردة. ومن بينها سندويش الـ«بوب كورن»، الذي يقوم على إدخال حبات الذرة المنفوخة أو استخدام نكهتها وقوامها المقرمش، في تركيبة تجمع بين الخبز والصلصات ومكوّنات أخرى.

وتعتمد هذه الفكرة على مفارقة استخدام عنصرين لم نألف الجمع بينهما، لنحصل على تجربة غير مألوفة لمحبي التذوّق. واشتهر هذا السندويش إثر إطلاقه على لائحة طعام أحد المطاعم اللبنانية الجديدة (ألا مينوت) في جونية. والسندويش يتألّف من كريما الحلويات وصلصة الكراميل وحبوب البوب كورن المكرملة مع رشة ملح.

وتراوحت الآراء في هذا السندويش بين مؤيد ورافض. فالبعض عبّر عن إعجابه به في منشوراته على الـ«سوشيال ميديا». فيما اعتبر آخرون أنه من غير المجدي تذوّقه؛ لأن طعمه غير لذيذ.

«ستيك كنافة» أحدث صرعات الحلوى في لبنان (إنستغرام)

ستيك الكنافة

حين تلتقي الحلوى بالابتكار وفي عالم الحلويات، تتواصل محاولات إعادة تقديم الوصفات المعروفة بصيغ جديدة. ويأتي «ستيك الكنافة» مثالاً على هذا التوجّه، من خلال استلهام شكل الستيك بطريقة تقديم الكنافة بالجبن؛ إذ يتم لفّ الكنافة على عيدان الخشب وتغلف بالشعيرية المقرمشة وصلصة الفستق أو الشوكولاته حسب رغبة الزبون.

وتكمن جاذبية الفكرة في الجمع بين اسم يرتبط بالأطباق المالحة وحلوى شرقية لها مكانتها الراسخة على الموائد. وهي مقاربة تفتح المجال أمام الطهاة للعب على الشكل والتقديم، من دون التخلي بالضرورة عن النكهات المألوفة التي تمنح الكنافة هويتها.


مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
TT

مخبز أميركي يزدهر بفضل جهوده لإحياء التاريخ

جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)
جاستن شيري صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس» (نيويورك تايمز)

كما هو الحال مع غالبية الخبازين، يستيقظ جاستن شيري، صاحب مخبز «هاف كراون بايكهاوس»، في تشارلستون بولاية ساوث كارولاينا، في الساعات الأولى من الفجر، ليبدأ عجن الخبز والفطائر لزبائنه، الذين يصطفون خارج محله بمجرد أن يفتح أبوابه. غير أن ما يميز شيري عن منافسيه، أن مخبزه عبارة عن خيمة من الطراز المستخدم عادة في التخييم، تضم فرناً طينياً يماثل تلك الأفران، التي استخدمها خبازو «الجيش القاري» خلال حرب الاستقلال الأميركية.

وفي المواقع التاريخية الممتدة من ماساتشوستس إلى فلوريدا، يعكف شيري على صنع أرغفة خبز تشبه تلك التي أمر الجنرال جورج واشنطن بتوفيرها لرجاله. ونظراً لأنه يقيم في «ماونت فيرنون» بولاية فرجينيا، شهد شيري ضغط عمل مكثفاً هذا العام، تزامناً مع احتفال البلاد بمرور 250 عاماً على التأسيس، احتفالية تمهد لخمس سنوات قادمة من فعاليات إحياء الذكرى في مواقع رئيسة شهدت معارك حرب الاستقلال. وقد حُجزت خدماته بالفعل في موقع «واشنطن كروسينغ» ببنسلفانيا، وموقع معركة «مونموث» في نيوجيرسي، حيث يستعيد الممثلون الهواة هناك ذكرى إحدى أطول معارك الحرب بإطلاق نيران البنادق والمدافع.

معجنات طازجة (نيويورك تايمز)

وقال شيري في تصريحات أدلى بها مطلع هذا الشهر في «ماونت فيرنون»: «يشتكي الناس اليوم من أن خبز الأكل في المنزل يستغرق وقتاً طويلاً، لذا فإن مشاهدتي في أثناء العمل تفتح عيونهم على واقع آخر».

ومن خيمته المنصوبة في الحقل الممتد على مساحة اثني عشر فداناً أمام قصر واشنطن، يشارك شيري زبائنه تفاصيل عمليته التي تستغرق عشر ساعات كاملة. وعلى غرار نظرائه في القرون الماضية، يتعين على شيري التعامل مع تقلبات الطقس؛ إذ سبق له الخبز في درجات حرارة حارقة، وكذلك في برد قارس، فضلاً عن الرياح والأمطار والعواصف الثلجية، وكافح لتثبيت خيمته في وجه الرياح العاتية.

وفي أوقات ذروة العمل، يشارك والدا شيري وزوجته وابنته ذات الـ11 عاماً في عمليات البيع، بينما يرتدون جميعاً ملابس تاريخية تعود لتلك الحقبة، ويتبادلون أطراف الحديث مع الزبائن حول تاريخ الخبز في القرن الثامن عشر، في الوقت الذي ينهمك شيري في إدخال المخبوزات وإخراجها من الفرن بـسرعة.

وإلى جانب بيع أرغفة الخبز، التي تزن رطلاً واحداً وتماثل الحصص التموينية التي كان يتلقاها جنود «الجيش القاري» خلال الحرب، يقدم شيري منتجات موسمية، تماماً كما كان يفعل نظراؤه في الماضي. وتتضمن هذه المنتجات أجباناً مصنوعة محلياً والزبدة والأسماك المملحة. أما خبز الزنجبيل الذي يصنعه، فيُشكل باستخدام قوالب مستنسخة يدوياً من القرن الثامن عشر، ويستغرق إعداده ثلاثة أيام.

وقد سُمي مخبزه بهذا الاسم؛ لأن رطل الخبز كان يكلف نصف كراون أو اثني عشر بنساً ونصف البنس في منتصف القرن الثامن عشر، ما يعادل ثلاثة دولارات ونصف الدولار، اليوم. وتباع أرغفته الحالية بنحو خمسة عشر دولاراً، وعادة ما تنفد بضاعته في أقل من ساعة، مع انجذاب الحشود إلى خيمته بفضل رائحة الخبز الذكية.

مخبز تاريخي يحيي خمسينيات القرن الثامن عشر (نيويورك تايمز)

من جهتها، تتابع باربرا أونوراتو وزوجها توني مسيرة شيري المهنية، منذ أن قرآ عنه للمرة الأولى عام 2018. ويعيش الزوجان أونوراتو، اللذان يمتلكان مزرعة تاريخية في ولاية بنسلفانيا، في منطقة مونتكلير القريبة بولاية فرجينيا، ويعتبران من زبائنه الدائمين في «ماونت فيرنون» ومواقع أخرى. وفي هذا الصدد، قالت باربرا أونوراتو: «خبزه ومنتجاته الأخرى رائعة للغاية، وأنا معجبة جداً بمشاركة عائلته بأكملها في هذا العمل».

جدير بالذكر أن شيري نشأ في غرب ولاية بنسلفانيا، وسط عائلة من الشغوفين بمحاكاة التاريخ وتفسيره، وكثيراً ما يحرص على ارتداء الملابس التاريخية والسفر إلى مواقع إعادة تمثيل معارك حرب الاستقلال مع والديه وشقيقه، منذ أن كان في الثامنة من عمره. وفي أثناء فترة عمله مع الطاهي شون بروك في مطعم «هاسك» بمدينة تشارلستون، أدرك شيري أنه بمقدوره صنع الخبز على الموقد المستخدم لطهي اللحوم بعد خمود النيران.

وقال شيري: «نظراً لانغماسي الشديد في تجارب إعادة التمثيل التاريخي، والتي تتضمن الطهي على نيران المخيمات طوال حياتي، كانت الخطوة المنطقية التالية بالنسبة لي صنع فرني الخاص». وبعد استشارة مؤرخ الثقافة الغذائية ديفيد شيلدز، عثر شيري في أرشيف محلي على مواصفات بناء فرن طيني كتبها الـ«سالزبورغرز» ـ جالية من خبازي ولاية جورجيا، كانوا يعملون بالقرب من نهر سافانا، في أربعينات القرن الثامن عشر.

في خبزه، يعتمد شيري على حبوب تُطحن خصيصاً بناءً على طلبه، بما في ذلك طاحونة «ماونت فيرنون». كما يستخدم رغوة الخميرة، تماماً كما كان يفعل الخبازون، قبل الإنتاج الضخم لمواد التخمير.

وأضاف: «أحاول استخدام مكونات كانت شائعة في المناطق التي أعمل بها؛ لأن هذا ما كان يتعين على خبازي واشنطن فعله في ذلك الوقت». ويتضمن عمل شيري كذلك جمع وصفات طعام وأدوات خبز ومعدات ومخطوطات وكتب، تعود إلى القرن الثامن عشر. ويركز بشكل خاص على كريستوفر لودويك، مهاجر ألماني افتتح مخبزاً ومتجراً ناجحاً للحلويات في فيلادلفيا في خمسينات القرن الثامن عشر، وشغل منصب مدير الخبازين لدى واشنطن خلال الحرب.

وأوضح شيري أنه: «تولى لودويك إدارة عشرات الخبازين المحليين في مستودعات الإمداد والمواقع الرئيسة الأخرى القريبة نسبياً من القوات لتسهيل عمليات النقل. وكانوا ينتجون مئات، إن لم يكن آلاف، الأرغفة للجيش».

ووفقاً لحسابات واشنطن، كان الأمر يتطلب مائة ألف رطل من الدقيق لإطعام 15 ألف رجل عن كل عام تستمر فيه الحرب، وكان واشنطن يدفع أجور الخبازين من جيبه الخاص. وكثيراً ما كان يراسل لودويك مباشرة بطلبات دقيقة لتسليم الخبز.

وأشار شيري إلى أنه «في حين جرى تجنيد العديد من هؤلاء الخبازين في خدمة قسم الخبز، فإن بعضهم كانوا محترفين يعملون بموجب عقود وواصلوا تجارتهم بعد الحرب».

وكان سايروس بوستيل من بين هؤلاء؛ والذي كان خبازاً مستعبداً سابقاً في بنسلفانيا، وأدار مخبزاً تعاقدياً في نيوجيرسي عام 1782، وذلك في أثناء استمرار المناوشات بعد معركة يوركتاون. وافتتح مخبزاً ومصنعاً ناجحاً للبيرة في فيلادلفيا بعد الحرب، وأصبح عضواً مؤسساً في «الجمعية الأفريقية الحرة» بفيلادلفيا، والتي دعمت المدارس المستقلة لذوي البشرة السمراء. ويُعد مغني الأوبرا والناشط في مجال الحقوق المدنية بول روبسون أحد أحفاده.

ويعتبر منزل كليفدين، الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن عشر، ويقع في منطقة جيرمانتاون بمدينة فيلادلفيا، إضافةً حديثةً إلى قائمة مواقع تشيري. وقالت كارولين جي والاس، المديرة التنفيذية، إنهم كانوا يسعون لإيجاد سبل للتعاون معه منذ فترة.

وأضافت والاس: «إنّ تجربة المذاقات نفسها التي كان يتذوقها شخصٌ من القرن الثامن عشر، بخاصةً جنديّ في الجيش، تُعدّ وسيلةً رائعةً لتعريف الناس بتلك الحقبة».

وكان مشهد خيمته التي تعود إلى القرن الثامن عشر، ورائحة فرن الخبز، هما ما جذب سيندي كيتشل، مُعلّمة من إنديانابوليس، إلى خيمة تشيري في صباحٍ مشرقٍ من يونيو (حزيران) في القرن الـ21.

وقالت كيتشل، خبازةٌ منزليةٌ شغوفةٌ كانت تزور ماونت فيرنون للمرة الأولى: «كنتُ في واشنطن العاصمة لحضور مؤتمر. وتذكرني رؤية هذا المكان بالهدف الحقيقي لمبادرة أميركا 250».

* خدمة «نيويورك تايمز»


وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
TT

وصفات مزيفة وطهاة غير حقيقيين

وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)
وصفات وهمية على منصات التواصل الأجتماعي (بيكسيلز)

غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي الطريقة التي نكتشف بها الطعام والوصفات. ففي غضون ثوانٍ من تصفح «إنستغرام» أو «تيك توك» أو «فيسبوك» أو «يوتيوب»، يمكن أن نشاهد عشرات المقاطع لأطباق شهية ووصفات تبدو وكأنها خرجت من مطابخ أمهر الطهاة. لكن خلف بعض هذه الصور والمقاطع المثالية، تختبئ مشكلة متنامية: ليس كل ما نراه حقيقياً.

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج صور ومقاطع فيديو وأصوات شديدة الواقعية، بل إنشاء شخصيات تبدو كأنها طهاة محترفون. وقد تظهر وصفة على الشاشة بصورة مثالية، بينما تكون في الواقع غير مجربة أو غير قابلة للتنفيذ بالطريقة التي عُرضت بها. ولا تقتصر المشكلة على إعداد وجبة سيئة، بل قد تعني أيضاً إهدار الطعام والوقت والمال وشراء مكونات لوصفة لم يختبرها أحد أصلاً.

وقد أدركت حجم المشكلة بعدما وقعت شخصياً ضحية لهذا النوع من المحتوى. ظهر أمامي مقطع لتحضير خبز صحي مكون من الزبادي والأفوكادو والبيض والبايكنغ باودر وقليل من الملح والبطاطس المسلوقة. شككت في الوصفة وفي الطاهي الذي بدا واثقاً من نجاحها، لكنني قررت تجربتها، وكانت النتيجة كارثية. فمن شبه المستحيل أن تحل البطاطس محل الدقيق بهذه الطريقة، وانتهت التجربة بهدر المكونات واستهلاك الغاز والكهرباء من دون فائدة.

وصفات تبدو لذيذة ولكنها في الواقع مزيفة (بيكسيلز)

المشكلة لا تتوقف عند وصفة فاشلة. فقد نشاهد طاهياً يتحدث بثقة أمام الكاميرا، بوجه طبيعي وصوت مقنع وحركات واقعية، ويقدم طبقاً نهائياً مثالياً، بينما قد لا يكون هذا الطاهي موجوداً أصلاً. يستطيع الذكاء الاصطناعي إنشاء الوجوه والأصوات والخلفيات والحركات، كما يستطيع إنتاج صور لأطعمة تبدو حقيقية بدرجة مذهلة، ما يجعل من الصعب على المشاهد العادي اكتشاف الخدعة.

وهنا تكمن المشكلة الأساسية: نحن غالباً نحكم على مصداقية المحتوى من مظهره. فإذا بدا الشخص طاهياً محترفاً، وتحدث بثقة، وظهر أمام طبق مثالي، فمن السهل أن نفترض أن الوصفة مجربة وناجحة. لكن جمال الفيديو ليس دليلاً على نجاح الوصفة.

قد تكون المقادير غير دقيقة، أو أوقات الطهي ودرجات الحرارة غير منطقية، أو قد تُجمع مكونات لا تتفاعل بالطريقة المطلوبة. وقد يُقترح استبدال مكوّن بآخر من دون مراعاة تأثير ذلك في قوام الطبق أو طعمه. والمشكلة أن الفيديو يستطيع إخفاء هذه الأخطاء وإظهار نتيجة مثالية لم تحدث أصلاً. فقد تبدو الوصفة مقنعة على الشاشة، لكنها تفشل تماماً عند تنفيذها في مطبخ حقيقي.

وتزداد المشكلة مع طبيعة المحتوى الفيروسي. فالمنصات تكافئ ما يجذب المشاهدات والتعليقات والمشاركات، ولذلك قد يحظى طبق غريب أو وصفة تبدو مستحيلة أو طاهٍ مولد بالذكاء الاصطناعي بانتشار أكبر من وصفة بسيطة ومجربة. وكلما كان المقطع أكثر غرابة وإبهاراً، زادت فرص توقف المستخدم عنده ومشاركته، ما يحول الانتباه إلى مشاهدات وانتشار وربما أرباح.

وتصبح المسألة أكثر تعقيداً مع تقنيات التزييف العميق، التي يمكنها جعل أشخاص حقيقيين يبدون وكأنهم قالوا أو فعلوا أشياء لم يقوموا بها. وفي عالم الطعام، يمكن استخدام تقنيات مشابهة لإنشاء مقدمي محتوى وهميين أو تعديل مقاطع موجودة. لذلك لم يعد السؤال فقط: هل يبدو هذا الشخص طاهياً محترفاً؟ بل أصبح السؤال الأهم: هل قام أحد فعلاً بإعداد هذه الوصفة؟

ومع ذلك، فالذكاء الاصطناعي ليس أصل مشكلة الوصفات المضللة؛ فقد كانت هناك وصفات غير مجربة وصور معدلة ومبالغات في النتائج قبل ظهوره. الجديد هو قدرة التقنية على إنتاج كميات ضخمة من الصور والشخصيات والأصوات ومقاطع الفيديو والنصوص بسرعة كبيرة، من دون الحاجة إلى امتلاك الخبرة أو الوقت اللازم لاختبار كل وصفة في مطبخ حقيقي.

الوصفات الالكترونية الغير موثوقة بها كثيرة (بيكسيلز)

لذلك، لا يعني الأمر أن نتوقف عن الثقة بكل وصفة نشاهدها على وسائل التواصل الاجتماعي، فهناك طهاة حقيقيون وصناع محتوى يقدمون وصفات ممتازة ومجربة. لكن من الحكمة التحقق قبل شراء مكونات وصفة غير معتادة: هل المقادير والتعليمات واضحة ومنطقية؟ هل جربها أشخاص آخرون؟ هل توجد نتائج حقيقية في التعليقات؟ وهل لدى صاحب الحساب تاريخ في نشر وصفات يمكن الوثوق بها؟ كما يمكن البحث عن الوصفة نفسها في مصادر طبخ موثوقة أو لدى طهاة معروفين.

ولا ينبغي أن تقع المسؤولية على المشاهد وحده. فعلى صناع المحتوى أن يكونوا واضحين بشأن استخدام الذكاء الاصطناعي، وأن يميزوا بين الوصفة التي أُعدت واختُبرت فعلاً والمحتوى الذي تم توليده رقمياً. كما تواجه منصات التواصل تحدياً متزايداً في وضع علامات واضحة على المحتوى المصنوع بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع تراجع قدرة العين المجردة على اكتشافه.

في المرة المقبلة التي تظهر فيها أمامنا وصفة مذهلة، قد يكون من الأفضل أن نتوقف لحظة قبل وضع مكوناتها في عربة التسوق، ونسأل: هل أعدّها شخص فعلاً؟ وهل توجد أدلة على نجاحها؟ فالعالم الرقمي أصبح قادراً على تقديم وجبة مثالية المظهر لم تُطبخ أصلاً. وربما تكون هذه هي القاعدة الأهم: ما يبدو شهياً على الشاشة ليس بالضرورة شيئاً يمكن تحضيره في مطبخنا.