تحالف ثلاثي وراء سقوط صنعاء بيد الميليشيات.. و«عاصفة الحزم» تعيد الأمل

خالد بحاح: ستعرف الأجيال كيف اختطفت «مسيرة التدمير» الأوطان ونشرت الخراب

خادم الحرمين الشريفين في قصر «العوجا» في الرياض الذي احتضن الاجتماع الخليجي قبل عاصفة الحزم بحضور الأمير سلمان بن حمد آل خليفة والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وعبد الله بن ناصر آل ثاني والشيخ محمد الخالد الصباح والأمير مقرن بن عبد العزيز (واس)
خادم الحرمين الشريفين في قصر «العوجا» في الرياض الذي احتضن الاجتماع الخليجي قبل عاصفة الحزم بحضور الأمير سلمان بن حمد آل خليفة والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وعبد الله بن ناصر آل ثاني والشيخ محمد الخالد الصباح والأمير مقرن بن عبد العزيز (واس)
TT

تحالف ثلاثي وراء سقوط صنعاء بيد الميليشيات.. و«عاصفة الحزم» تعيد الأمل

خادم الحرمين الشريفين في قصر «العوجا» في الرياض الذي احتضن الاجتماع الخليجي قبل عاصفة الحزم بحضور الأمير سلمان بن حمد آل خليفة والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وعبد الله بن ناصر آل ثاني والشيخ محمد الخالد الصباح والأمير مقرن بن عبد العزيز (واس)
خادم الحرمين الشريفين في قصر «العوجا» في الرياض الذي احتضن الاجتماع الخليجي قبل عاصفة الحزم بحضور الأمير سلمان بن حمد آل خليفة والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وعبد الله بن ناصر آل ثاني والشيخ محمد الخالد الصباح والأمير مقرن بن عبد العزيز (واس)

بعد اكتمال خيوط المؤامرة على الشعب اليمني، أعلن قائد ميليشيا المتمردين عبد الملك الحوثي الحرب الشاملة على اليمنيين، والبدء بتنفيذ المخطط الإيراني في اليمن للسيطرة على مؤسسات الدولة في 21 مارس (آذار) عام 2015، لتدخل البلاد في نفق أسود مضرج بالدماء والفوضى، وانضم له المخلوع علي صالح، ليعلنا حلفًا لإسقاط الجمهورية اليمنية.
ووسط هذه العواصف السوداء انطلقت عاصفة الحزم لاستعادة الشرعية لليمن، بموافقة من المجتمع الدولي ومجلس الأمن، وهي العاصفة التي كسرت ظهر الانقلاب، وأفشلت مخطط تسليم اليمن لإيران، وتمكن الجيش الوطني والمقاومة الشعبية بعدها من استعادة معظم المحافظات، حيث وصلت قوات الشرعية إلى تخوم صنعاء بانتظار المعركة الفاصلة.
وبدأ مخطط إسقاط صنعاء مطلع 2014، إذ استغل الحوثيون ضعف الدولة وأجهزتها العسكرية والأمنية، وأطلقوا أول رصاصة في مسيرتهم نحو العاصمة صنعاء، فاقتحموا بلدة دماج في أقصى محافظة صعدة، واستمروا إلى عمران بعد تواطؤ زعماء قبليين موالين لصالح، لتنتهي معركة عمران بقتل قائد اللواء 310 العميد حميد القشيبي، والتمثيل بجثته.
وبعد عمران كانت صنعاء هي الهدف التالي، مستغلين قرارًا اتخذه الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، برفع أسعار الوقود يوم 30 يوليو (تموز) 2014، وخرج أنصار صالح والحوثيون لشوارع صنعاء في مظاهرات وصدامات احتجاجًا على ذلك، وأعلن عبد الملك الحوثي يوم 17 أغسطس (آب) 2014، عن حركة احتجاج لأنصاره في العاصمة صنعاء لإسقاط الحكومة وإسقاط قرار رفع أسعار الوقود، وبدأ بإرسال مقاتليه لحصار صنعاء، بالاتفاق مع قيادة وزارة الدفاع آنذاك والقيادات المحسوبة على الرئيس السابق، وأقاموا أكثر من ثمانية مخيمات اعتصام لميليشياتهم بالاتفاق مع وزير الدفاع السابق، وأركان الجيش اليمني السابق بحسب مصادر رسمية.
ومع تزايد أعمال العنف في اليمن كان مجلس الأمن على موعد مع قرار لمعاقبة أبرز المتسببين فيها، حيث أقر يوم 7 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، عقوبات دولية ضد صالح واثنين من الحوثيين هما عبد الخالق الحوثي وعبد الله يحيى الحاكم، تنص على منعهم من السفر، وتجميد أرصدتهم وممتلكاتهم، وهذه القرارات أزعجت صالح واستنفرت أنصاره، بدعوى أن السفارة الأميركية في صنعاء، طلبت منه مغادرة البلاد، وشنت حملة تحريض على هادي بالوقوف وراء العقوبات، واستخدام نفوذه في حزب المؤتمر وقرر عزل هادي من منصبه الحزبي حيث كان يشغل نائب رئيس الحزب وأمينه العام.
ساعة الصفر
بعد استكمال الاستعدادات العسكرية للحوثيين وأنصار صالح، بمحيط العاصمة صنعاء، اقتحموا المدينة في سبتمبر (أيلول) 2014، بأكثر من 20 ألف مسلح، بحسب المصادر الرسمية، وكان أغلب المقاتلين جنودًا من القوات الخاصة التي كان يقودها العميد أحمد نجل الرئيس السابق، وخاضت بعض الوحدات العسكرية الوطنية مواجهات عنيفة في شمال غربي صنعاء، وقتلوا العشرات من الميليشيات، وتصدرت قوات الفرقة أولى مدرعة الحرب، فيما كان وزير الدفاع السابق يأمر جميع الوحدات العسكرية والأمنية، بالالتزام بالحياد، ليتمكن المتمردون من اقتحام معسكر الفرقة بعد توجيهات رئاسية بالانسحاب، وسيطرت بعدها الميليشيات وبمساندة وحدات الحرس الجمهوري والمؤيدين لصالح على القصر الجمهوري ودار الرئاسة في منطقة النهدين، ثم اقتحمت منزل الرئيس هادي.
وبحسب مصادر رسمية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن الحوثيين بعد أن دخلوا صنعاء، أعلنت وحدات الجيش والأمن استسلامها بالكامل للميليشيات، وسلمت لهم كل الأسلحة والمعسكرات، فيما عدا وحدات الحرس الجمهوري وقوات النخبة والقوات الخاصة الموالية للرئيس المخلوع، التي لم يقتحمها الحوثيون بموجب اتفاق مع صالح الذي كان آنذاك يرتب للانقلاب من تحت الطاولة ولم يعلن مسؤوليته عن الانقلاب إلا بعد أشهر.
وكان أول قرار يصدره زعماء الانقلاب هو تكوين لجنة أمنية عليا للتحكم بأجهزة الجيش والأمن التي تحت سيطرتهم، وسارعوا لإصدار أكثر من 14 قرارًا بتعيينات في مناصب قيادية للموالين لهم.
ومطلع عام 2015 حاول الحوثيون وحليفهم صالح، استكمال سيطرتهم على مقاليد الحكم ومؤسسات الدولة المتمثلة في المؤسسة الرئاسية والحكومة، مستخدمين الموالين لصالح وسلاح الشعب، لتستقيل حكومة خالد بحاح، ويستقيل الرئيس عبد ربه منصور هادي، الذي رفض إصدار قرارات جمهورية لشرعنة الانقلاب، وعلى أثر ذلك دخلت البلاد في فراغ دستور ورئاسي، ووضع الانقلابيون الرئيس هادي وحكومة بحاح قيد الإقامة الجبرية.
واستمر حصار الحوثيين وصالح للرئيس هادي أسابيع عدة، قبل أن ينجح في كسره ومغادرة صنعاء إلى عدن جنوب البلاد، وإعلانه العدول عن الاستقالة، واختار عدن عاصمة مؤقتة لليمن، واعتبر صنعاء عاصمة محتلة، ليعلن الانقلابيون بعدها الحرب على هادي، ويسارعوا إلى استخدام الطيران الحربي، فأقلعت طائرتان حربيتان من قاعدة الديلمي الجوية بصنعاء، لتقصفا مقر الرئاسة بمنطقة المعاشيق في عدن في 19 مارس.
وخلال هذه المرحلة فرض الانقلابيون سيطرتهم على صنعاء بشكل كامل، وأصدروا ما يسمى الإعلان الدستوري في 6 ‏فبراير (شباط) 2015، وشكلوا «اللجنة الثورية» لتدير أعمال الانقلابيين وتستحوذ على ما تبقى من مؤسسات الدولة، وعلى أثر ذلك غادرت البعثات الدبلوماسية الأجنبية والمؤسسات الدولية، وأغلقت مقراتها ومكاتبها وأجلت رعاياها.

مفتاح صنعاء

وسجل خالد بحاح نائب الرئيس رئيس الوزراء، في مقال بمناسبة مرور عام على خروجه من الإقامة الجبرية، بصنعاء، جزءًا من شهادته التاريخية بقوله: «كانت أيامًا شاقة وفريدة في ذات الوقت، لم يتخلَّ عنا الوطن والشرفاء من أبنائه، أتى إلينا جميع من نعتز بوقوفهم إلى جانبنا، الشباب والمرأة والطفل، السياسيين والمثقفين وأرباب الإعلام، كل الأطياف حضرت، وشعرنا حينها وما زلنا بفخر واعتزاز بمن كانت ألسنتهم تلهج بالدعاء لسلامة الوطن واستقراره».
وأضاف بحاح: «ليت من سعى إلى خراب الوطن وسمع آمال وطموحات من حضروا وقتها اعتبر واتعظ، ولكنه لم يفعل، بل واصل مسيرة التدمير وأوصلنا الحال والمآل إلى ما نحن فيه»، مؤكدًا أن الدولة لم تشهد في تاريخها أيامًا كتلك التي خلت وما زالت تعاني من آثارها حتى اليوم.
ولفت إلى أن الكتابة عن تجربة اختطاف الوطن سُتفرد لها بعض صفحات المذكرات مستقبلاً، وسيعرف الجيل كيف تقدم الميليشيات دومًا نموذجًا في خراب الأوطان العامرة بثروة الإنسان.
وسرد لـ«الشرق الأوسط» مسؤول يمني كان يشغل منصبًا رفيعًا في الدولة وطلب إخفاء شخصيته لحساسية منصبه الحالي، شهادته عن سقوط صنعاء بيد ميليشيا الحوثي وصالح، فقال: «النظرية المعروفة تاريخيًا ويفهمها كثير من المؤرخين والقادة العسكريين أن سقوط محافظة عمران كان دائمًا يعني أن سقوط صنعاء مسألة وقت، إذ لم تكن أي قوة شعبية قادرة على أن تصمد في وجه هذا الحلف الثلاثي بين الحوثيين وصالح ووزير الدفاع السابق آنذاك».
وأضاف أن صنعاء من الناحية العملية سقطت يوم سقوط عمران في 8 يوليو 2014، وكان دخول الحوثيين صنعاء يوم 21 سبتمبر من العام ذاته، تحصيل حاصل، فحتى لو حدثت مقاومة لهم على أبواب صنعاء - وهي حدثت بالفعل - فإن سقوطها بأيديهم كان حتميًا بسبب قرار وزير الدفاع السابق تحييد جزء من الجيش وتوجيهات صالح للقوات الموالية له بالتعاون مع الحوثيين.
وذكر المسؤول اليمني أن الوقت الذي عاشته قيادات الدولة يوم سقوط صنعاء كان صعبًا، ولم يكن بوسع أي شخص مهما كان لديه من سوء الظن أن يتخيل ذلك المشهد وتلك اللحظة الحزينة، فعاصمة اليمن التاريخية، صنعاء الثورة والجمهورية، تسقط مجددًا بأيدي الإمامة الجديدة وبتواطؤ من أطراف كنا نظنها لن تفرط في النظام الجمهوري مهما بلغت الخلافات وساءت العلاقات بينها وبين سائر القوى الجمهورية. وتطرق إلى أن هيبة الدولة ورمزيتها سقطت يوم سقطت مدينة عمران، وأصبح الحوثيون على بعد 50 كيلومترًا من العاصمة. وتابع: «كان أملنا الوحيد بالجيش لحماية صنعاء، لكنه كان منقسمًا بين رئيس سابق ينتقم لنفسه على حساب النظام الجمهوري، ووزير دفاع خائن تواطأ مع الحوثيين منذ وقت مبكر وفتح لهم كل الأبواب وقدم لهم كل التسهيلات».
وكشفت تسجيلات صوتية للرئيس السابق مع قيادي حوثي التنسيق الكامل والترتيب منذ وقت مبكر للانقلاب على الحكومة الشرعية، ليظهر صالح فيما بعد اللاعب الرئيسي بقواته التي سيطرت على المدن، وسلمت المحافظات للميليشيات.
وهنا قال المسؤول اليمني: «لم يكن لدينا جيش مؤسسي بالمعنى المتعارف عليه في العالم، وفي الوعي الاجتماعي تعامل اليمنيون على أن الانضواء في الجيش هو تخصص لمناطق معينة في اليمن، وهو كان مفهومًا سائدًا في شمال اليمن وجنوبه على السواء، كنوع من التوزيع المهني الذي ساد عبر مراحل تاريخية».



لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
TT

لعام آخر... فجوة التمويل تهدد بقاء ملايين اليمنيين

مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)
مساعٍ أممية لجمع تمويل يكفي لإغاثة نصف المحتاجين في اليمن الذين يزيد عددهم على 22 مليوناً (غيتي)

منذ بداية العام الحالي، ترسم الأمم المتحدة صورة قاتمة لمستقبل الأزمة الإنسانية في اليمن، محذّرة بأن البلاد تقف على «حافة منعطف حرج» قد يدفع بملايين إضافيين إلى دائرة الخطر.

وفي تقريرها الأخير المعنون «اليمن 2026: ثمن التقاعس»، تشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 22.3 مليون شخص، أي غالبية السكان، يحتاجون إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، في ظل تراجع حاد في التمويل الدولي وتقلّص نطاق الاستجابة.

يأتي هذا الانحسار في الموارد، في وقت تتصاعد فيه الاحتياجات بوتيرة مقلقة. ووفقاً لـ«مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)»، فإن نحو 18.3 مليون شخص قد يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي خلال العام الحالي، مع انزلاق مناطق جديدة نحو ظروف توصف بأنها «كارثية».

ويعاني نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوءَ تغذية حاداً، في مؤشّر يعكس مخاطر طويلة الأمد تتجاوز الجوع إلى أضرار لا رجعة فيها بشأن النمو الجسدي والذهني.

بدوره، يقدم القطاع الصحي دليلاً إضافياً على هشاشة الوضع، إذ تشير التقديرات إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية تعمل جزئياً فقط، أو توقفت بالكامل، فيما يواجه نحو 19.3 مليون شخص مخاطر صحية متصاعدة.

وتتقاطع هذه المؤشرات مع واقع النزوح، حيث يعيش أكثر من 5.2 مليون يمني في ظروف قسرية متدهورة؛ مما يضاعف من هشاشة الفئات الأضعف ويزيد الضغط على الخدمات الأساسية.

في غضون ذلك، أعلن «صندوق التمويل الإنساني (YHF)» في اليمن أنه قدم المساعدة لأكثر من 307 آلاف شخص في المناطق الأكبر تضرراً من انعدام الأمن الغذائي في البلاد.

أزمة إدارة الإغاثة

وقال «الصندوق»؛ التابع للمكتب الأممي «أوتشا»، في تقرير حديث، إنه خصص، في الثلث الأخير من العام الماضي، 20 مليون دولار لدعم المجتمعات التي تعاني أعلى مستويات انعدام الأمن الغذائي، وسوء التغذية، ومخاطر الحماية في اليمن، مركزاً على الخدمات الأساسية المنقذة للحياة، وأولوية خدمات الحماية للأسر والأفراد الأكبر عرضة للمخاطر.

طفلتان برفقة والدتيهما تتلقيان خدمات علاجية أممية لمنع وعلاج سوء التغذية بين الأطفال (الأمم المتحدة)

وبلغ عدد المستفيدين 307.4 ألف شخص، بينهم 37 ألفاً من ذوي الإعاقة.

وحتى الآن، تلقى «الصندوق» نحو 14.3 مليون دولار مساهمات في ميزانيته للعام الحالي، أبرزها من الدنمارك (5.4 مليون)، وفنلندا (3.4 مليون)، والسعودية (3 ملايين)، وكندا (1.2 مليون)، إضافة إلى جهات مانحة أخرى.

ويرى جمال بلفقيه، المنسِّق العام لـ«اللجنة اليمنية العليا للإغاثة»، (لجنة حكومية)، أن تحسين آليات إدخال المساعدات يمثل نقطة مفصلية في خفض التكلفة وزيادة الفاعلية، مشدداً على أن الاستفادة من الممرات البرية والبحرية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة يمكن أن تحدّ من «الابتزاز» وتعزز انسيابية الإغاثة.

ويذهب بلفقيه، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «التعويل الآن هو على دور الداعمين الإقليميين، وعلى رأسهم السعودية، في سد الفجوة التمويلية، ليس فقط عبر المساعدات الطارئة؛ بل من خلال دعم مؤسسي ومشروعات تنموية طويلة الأمد».

مشروع أممي لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن يوفر فرص عمل لـ42 ألفاً و964 شخصاً (الأمم المتحدة)

غير أن المسؤول الحكومي يقرّ بوجود اختلالات في إدارة العمل الإنساني خلال فترات سابقة، لافتاً إلى أن ضعف التنظيم والرقابة الميدانية أسهم في حرمان فئات من مستحقي المساعدات، ويطرح في المقابل مقاربة تقوم على «إعادة ترتيب أولويات التدخل وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، بما يفتح المجال أمام انتقال تدريجي من الاستجابة الطارئة إلى التعافي الاقتصادي».

ورغم استمرار حالة التهدئة النسبية منذ أبريل (نيسان) 2022، بعد سنوات من حرب مدمّرة بين الحكومة الشرعية والجماعة الحوثية الانقلابية، ألحقت أضراراً واسعة بالبنية التحتية والاقتصاد، فإن التحسن الأمني لم يُترجم إلى تعافٍ إنساني ملموس، وباتت فجوة التمويل العامل الأكبر تأثيراً في تحديد مصير الاستجابة.

اختبار أخلاقي للعالم

وتحتاج خطة الأمم المتحدة للعام الحالي إلى 2.16 مليار دولار لتقديم مساعدات منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص فقط، أي نحو نصف المحتاجين.

وكالات أممية قدمت مساعدات لآلاف الأسر المتضررة من الفيضانات الأخيرة في 7 محافظات (الأمم المتحدة)

ويحذّر تقرير «أوتشا» بأن استمرار «التقاعس» سيؤدي إلى خسائر بشرية مباشرة، مع اقتراب أنظمة حيوية من الانهيار وتآكل قدرة المجتمعات على الصمود. ويشير إلى أن «الشركاء الإنسانيين اضطروا بالفعل إلى تقليص برامج أساسية نتيجة نقص التمويل وصعوبات الوصول»؛ مما يفاقم من فجوة الاحتياجات غير الملبّاة.

ويقدّم إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشؤون الإنسانية، قراءة أكبر تشاؤماً، عادّاً أن التراجع في تمويل خطط الأمم المتحدة يعكس تحولات أوسع في أولويات المانحين، في ظل أزمات دولية متزامنة، مستبعداً أن يتجاوز التمويل هذا العام 40 في المائة من المستويات السابقة؛ مما يعني عملياً اتساع الفجوة بين الاحتياجات والموارد المتاحة.

ويوضح القرشي لـ«الشرق الأوسط» أن «العجز التراكمي في تغطية الاحتياجات الإنسانية بلغ مستويات غير مسبوقة»، وأن «إخفاق المعالجات السياسية والاقتصادية أسهم في تعميق الأزمة وتحويلها إلى (حلقة ضغط) مستمرة على الوضع الإنساني».

تدريب أممي لأعضاء «جمعيات مستخدمي المياه» في ريف محافظة تعز على مهارات جمع التبرعات وإعداد المقترحات والتواصل مع المانحين (الأمم المتحدة)

وينبه إلى أن ملايين اليمنيين قد يواجهون صعوبات يومية في تأمين الغذاء، «مع ما يرافق ذلك من ارتفاع معدلات سوء التغذية ووفيات الأطفال، واتساع رقعة المجاعة»، في ظل هذه المعطيات.

ومن دون دعم مستدام، فسيظل ملايين الأشخاص عرضة لخطر تفاقم الجوع، والأمراض التي يمكن الوقاية منها، وتهديدات الحماية، حيث يتطلب خفض الاحتياجات المزمنة تعاوناً طويلاً بين جميع الفاعلين لاستعادة الخدمات الأساسية، وإنعاش وسائل الحياة، وتعزيز القدرة على الصمود في وجه الصدمات المستقبلية، وإنهاء الصراع.


هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
TT

هيكلة القوات اليمنية توشك على إكمال مرحلتها الأولى

ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)
ضابط في الجيش الحكومي اليمني في قارب بباب المندب (رويترز)

قطعت عملية إعادة هيكلة ودمج التشكيلات العسكرية والأمنية في اليمن شوطاً متقدماً، مع اقتراب المرحلة الأولى من الاكتمال، في إطار جهود تقودها الحكومة اليمنية بإشراف ودعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، بهدف إعادة تنظيم المؤسسة العسكرية وتعزيز كفاءتها القتالية والإدارية.

ووفق مصادر حكومية تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، تركزت المرحلة الأولى على بناء قاعدة بيانات موحدة ودقيقة لجميع منتسبي الوحدات العسكرية والأمنية، باستخدام أحدث وسائل التحقق من الهوية، وعلى رأسها نظام البصمة الحيوية، بما في ذلك بصمة العين، وهو ما مكّن الجهات المختصة من كشف الاختلالات في سجلات القوى البشرية.

وأوضحت المصادر أن عملية التحقق كشفت وجود عشرات الآلاف من الأسماء المزدوجة، إلى جانب إدراج أسماء وهمية ضمن كشوفات القوات العسكرية والأمنية، في مؤشر واضح على حجم التحديات التي واجهت الدولة خلال السنوات الماضية، في إدارة هذا الملف الحيوي.

تنظيم المؤسسة العسكرية اليمنية وتعزيز كفاءتها القتالية (إعلام محلي)

وتقول المصادر إن العمل لا يزال مستمراً لاستكمال تسجيل جميع الأفراد ضمن قاعدة البيانات الجديدة، التي تُعدّ حجر الأساس لإعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس سليمة، مشيرة إلى أن هذه المرحلة أسهمت في إسقاط الأسماء غير القانونية، وتصحيح البيانات بما يعزز الشفافية والكفاءة في إدارة الموارد البشرية.

وأضافت أن استكمال هذه الخطوة سيفتح الطريق أمام الانتقال إلى المرحلة الثانية، التي تتضمن دمج مختلف التشكيلات العسكرية ضمن هيكل موحد يخضع لوزارتي الدفاع والداخلية، وفق الأطر القانونية المعتمدة.

إشراف مباشر

يتولى مسؤول القوى البشرية في القوات المشتركة بقيادة السعودية اللواء فلاح الشهراني، الإشراف على هذا الملف اليمني المعقد، الذي تعثر في مراحل سابقة بسبب تعدد التشكيلات العسكرية وتباين تبعياتها داخل معسكر الشرعية، وهو ما تطلب مقاربة تدريجية في التنفيذ.

وبدأت عملية الهيكلة من المناطق العسكرية في شرق اليمن، تحديداً المنطقتين الأولى والثانية، اللتين تشملان محافظات حضرموت والمهرة وأرخبيل سقطرى، قبل أن تمتد لاحقاً إلى عدن ولحج وأبين وشبوة، ثم إلى الساحل الغربي ومأرب، على أن تشمل في مراحلها المقبلة بقية المناطق، بما في ذلك تعز والضالع.

ويعكس هذا التسلسل الجغرافي حرص الجهات المعنية على تنفيذ العملية بشكل مرحلي ومدروس، بما يضمن دقة النتائج وتفادي أي اختلالات قد تعيق تحقيق الأهداف المرجوة.

استبعاد الأسماء الوهمية من قوام القوات اليمنية (إعلام محلي)

في السياق ذاته، ترأس وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي، اجتماعاً لهيئة القوى البشرية في العاصمة المؤقتة عدن، اطّلع خلاله على مستوى التقدم المحرز في تحديث بيانات القوات المسلحة، والإجراءات المتخذة لتعزيز دقتها.

وقدم مسؤولو الهيئة شرحاً مفصلاً حول آليات العمل، بما في ذلك تحديث قواعد البيانات، وضبط الجوانب الإدارية والمالية، بما يسهم في تحسين كفاءة الأداء المؤسسي.

وشدد العقيلي على ضرورة مواصلة الإصلاحات، ومعالجة أوجه القصور، وضمان خلو قاعدة البيانات من أي ازدواج أو تكرار، مؤكداً أن بناء مؤسسة عسكرية حديثة يتطلب إدارة فعالة للموارد البشرية، قائمة على معايير دقيقة وشفافة.

وبحسب المصادر، فإن تأخر صرف رواتب بعض منتسبي وزارتي الدفاع والداخلية خلال الفترة الماضية، كان مرتبطاً بغياب قاعدة بيانات موحدة، إلا أن التقدم المحرز في هذا الجانب سمح ببدء صرف الرواتب للوحدات التي استكملت إجراءات التسجيل، على أن تستمر العملية تدريجياً لتشمل بقية الوحدات.

تمهيد للدمج الشامل

تُمهد هذه الإجراءات للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تتضمن دمج كل التشكيلات العسكرية والأمنية ضمن قوام القوات المسلحة، بما يعزز وحدة القرار العسكري، ويحد من التشتت الذي عانت منه المؤسسة خلال السنوات الماضية.

وفي هذا الإطار، وجّه عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي، بتشكيل لجنة مختصة لمعالجة أوضاع بعض الوحدات، من بينها «لواء بارشيد» و«كتيبة الدعم الأمني»، من خلال تنظيم أوضاعها الإدارية والمالية، وضمها رسمياً إلى القوات المسلحة.

إنشاء قاعدة بيانات يمنية موحدة لجميع التشكيلات العسكرية والأمنية (إعلام محلي)

وتشمل مهام اللجنة حصر المعدات والآليات، وتجهيز معسكرات مناسبة، إضافة إلى إلزام الأفراد بالخضوع لإجراءات البصمة الحيوية، بما يضمن إدراجهم ضمن قاعدة البيانات الموحدة، وتمكينهم من الحصول على مستحقاتهم المالية وفق الأطر القانونية.

ويرى مراقبون أن نجاح هذه المرحلة يمثل خطوة مفصلية نحو إعادة بناء المؤسسة العسكرية اليمنية، بما يمكنها من أداء دورها في حفظ الأمن والاستقرار، ومواجهة التحديات الأمنية، في ظل دعم إقليمي ودولي يركز على تعزيز مؤسسات الدولة.


اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
TT

اليمن: انقطاع الكهرباء يهدد حياة مرضى الكلى في الحديدة

القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)
القطاع الصحي في اليمن يعيش وضعاً متردياً تحت سيطرة الحوثيين (إ.ب.أ)

تتصاعد المخاوف الإنسانية في محافظة الحديدة الساحلية غرب اليمن، مع استمرار قطع التيار الكهربائي عن مراكز الغسيل الكلوي، في خطوة تُنذر بعواقب كارثية على حياة مئات المرضى الذين يعتمدون بشكل كامل على هذه الخدمات للبقاء على قيد الحياة.

وأثار هذا الإجراء، الذي تنفذه الجهة الحوثية المسيطرة على قطاع الكهرباء في المحافظة، موجة واسعة من الاستياء في الأوساط الطبية والإنسانية، وسط تحذيرات من ارتفاع وشيك في معدلات الوفيات.

تأتي هذه التطورات في ظل أوضاع صحية ومعيشية بالغة التعقيد، تعيشها الحديدة وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، حيث يواجه القطاع الصحي انهياراً كبيراً نتيجة نقص التمويل وشح الموارد، مما يجعل أي خلل إضافي، مثل انقطاع الكهرباء، عاملاً مباشراً في تهديد حياة المرضى، خصوصاً أولئك المصابين بالفشل الكلوي.

طفلة يمنية مريضة بفشل كلوي بمركز خاضع للحوثيين في الحديدة (إكس)

وأفادت مصادر طبية بأن استمرار انقطاع الكهرباء أدى إلى تعطيل عدد كبير من جلسات الغسيل الكلوي، وتأجيل أخرى، في وقت يعجز فيه الطاقم الطبي عن توفير بدائل مناسبة لتشغيل الأجهزة الحيوية.

وتزداد خطورة الوضع مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، مما يضاعف من معاناة المرضى ويزيد من احتمالات تدهور حالتهم الصحية.

نقص حاد

أكدت المصادر الصحية أن مراكز الغسيل في الحديدة تعاني أصلاً من نقص حاد في الإمكانات، سواء من حيث عدد الأجهزة أو توفر المحاليل الطبية، فضلاً عن غياب مولدات كهربائية كافية أو توفر الوقود اللازم لتشغيلها بشكل مستمر.

ويُعد التيار الكهربائي عنصراً أساسياً لا غنى عنه لتشغيل أجهزة الغسيل، حيث تستغرق الجلسة الواحدة ما بين ثلاث إلى خمس ساعات، ويحتاج كل مريض إلى ثلاث جلسات أسبوعياً على الأقل.

صالة مركز الغسيل الكلوي في مدينة الحديدة خلال توقفه عن العمل (إكس)

في المقابل، تبرر الجهة الحوثية المسؤولة عن الكهرباء قرارها بتراكم فواتير الاستهلاك وعدم سدادها من إدارات المراكز الطبية، وهو ما يرفضه العاملون في القطاع الصحي، مؤكدين أن هذه المرافق تقدم خدمات إنسانية منقذة للحياة، ولا ينبغي إخضاعها لمثل هذه الإجراءات التي تتجاهل طبيعة عملها الحساسة.

كما كشف عاملون في أحد مراكز الغسيل عن توافد أعداد كبيرة من المرضى يومياً من مختلف مديريات الحديدة، إضافةً إلى مناطق مجاورة، مثل حجة والمحويت وريمة وذمار، مما يؤدي إلى ازدحام شديد أمام المراكز، في ظل محدودية القدرة الاستيعابية وتراجع مستوى الخدمات.

معاناة إنسانية

في ظل هذه الظروف، عبّر مرضى وأهاليهم عن استيائهم الشديد من استمرار انقطاع الكهرباء، مؤكدين أن هذا الإجراء يفاقم معاناتهم اليومية ويضع حياة ذويهم في دائرة الخطر المباشر.

وأوضحت المصادر أن المرضى يواجهون آلاماً متزايدة نتيجة تأخر جلسات الغسيل أو توقفها، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، تصل في بعض الحالات إلى الوفاة.

وأشار الأهالي إلى أن فرض تحصيل الفواتير بهذه الطريقة لا يراعي الأوضاع الإنسانية الصعبة، ولا يأخذ في الاعتبار طبيعة الخدمات التي تقدمها هذه المراكز، مطالبين بتدخل عاجل لإعادة التيار الكهربائي وضمان استمرارية العمل دون انقطاع.

من جهتهم، حذر ناشطون في المجال الإنساني من خطورة استخدام الخدمات الأساسية، مثل الكهرباء، وسيلةَ ضغط، معتبرين أن ذلك يمثل انتهاكاً واضحاً للحقوق الإنسانية، ويزيد من تعقيد الأزمة التي تعيشها المحافظة.

وأكد الناشطون أن استهداف مراكز الغسيل الكلوي، التي تقدم خدمات حيوية، يعكس غياب الاعتبارات الإنسانية، وينذر بتداعيات خطيرة على حياة مئات المرضى.