اليهود اليمنيون في إسرائيل... جرح لا يندمل

نظرة إلى أوضاعهم بعد عملية الإجلاء من صنعاء وريدة

اليهود اليمنيون في إسرائيل... جرح لا يندمل
TT

اليهود اليمنيون في إسرائيل... جرح لا يندمل

اليهود اليمنيون في إسرائيل... جرح لا يندمل

جلب مجموعة من اليهود اليمنيين إلى إسرائيل في عملية إسرائيلية – دولية في هذا الوقت بالذات ليس مصادفة أبدا، بل جاء للتغطية على أصداء التحقيقات الجديدة حول الأطفال الذين خطفوا خلال السنوات الأولى لقيام إسرائيل ويزيد عددهم على 10 آلاف، ومن ثم بيعوا لعائلات اليهود القادمين من أوروبا بعد «المحرقة النازية» (الهولوكوست) تعويضا لهم عن مأساتهم، أو بيعوا لغرض التجارب الطبية عليهم.
عملية الجلب، التي شملت يمنيين يهودًا من مدينة ريدة بمحافظة عمران (شمال شرقي العاصمة صنعاء) وصنعاء نفسها، أحاط بها لغط كبير خلال الأيام القليلة الماضية، كونها تمت تحت ستار من السرّية التامة، أسهم فيها طبعًا الوضع الأمني الاستثنائي الذي يعيشه اليمن.
ذات مرة، عندما كنت أسير في رواق داخل أحد مباني الجامعة العبرية في القدس لإلقاء محاضرة، التقطت عيناي كلمات عربية كتبت بأحرف عبرية. هما كلمتان في الواقع رسختا في الذاكرة «طالب الهوى»، وبسبب سرعة المشي وضيق الوقت لم يكن متاحا التعرّف على بقية الكلمات. عند العودة طلبت من مضيفي العودة عبر الرواق نفسه، حتى ندخل غرفة الصف. وإذا باللوح مليء بالأمثلة العربية المكتوبة كلها بأحرف عبرية: «طالب الهوى بعد الأربعين، ما عاد له حين»، «اطلب العلم من المهد إلى اللحد»، «ابنُ المُنى ما فيه هَنا». وشرح المضيف المسألة قائلا: «لدينا في الجامعة دورة مميزة لتعليم الأدب اليمني». ولماذا اليمني؟ لماذا ليس الأدب العربي؟ فأجاب: «يوجد لدينا فرع كامل لتعليم الأدب العربي. لكن هذه الدورة مخصّصة لليهود من أصل يمني وللمهتمين بتراث يهود اليمن. يدرسونه لمدة سنة ضمن دراسات اللقب الأول».
وبعد مزيد من الاستقصاء، اتضح أن جمعية صيانة وتطوير المجتمع والثقافة اليمنية في إسرائيل هي التي تقف وراء هذه الدورة، وذلك كجزء من نشاطها الدؤوب منذ عام 1970 لتخليد التراث اليهودي اليمني. ولقد اقنع رئيس ومؤسس هذه الجمعية، عوفاديا بن شالوم، وهو تاجر جواهر كبير، الجامعة بالفكرة ضمن مساعيه لإعادة المجد للطائفة اليمينية في المجتمع اليهودي في إسرائيل. وعندما تقول «إعادة المجد» وتستمع إلى قادة هذه الطائفة، تلمس لديهم غضبًا شديدًا على ما ضاع من هذا المجد. وفعلاً ضاع الكثير. أما المهرجانات الاحتفالية التي أقامتها حكومة إسرائيل قبل أيام، لإظهار الاغتباط باستقبال آخر 17 يهوديًا جاءوا من اليمن، والتي بثتها الفضائيات العالمية، لا تقنع اليهود اليمينيين في إسرائيل نفسها. ذلك أن هذه الشريحة من اليهود تشعر بأن قيادتها خانتها وطعنتها من الخلف وتركتها جريحة لسنين طويلة. والجراح لم تندمل، بل إن الاحتفالات تبدو وكأنها تنكأ الجراح من جديد.
يعيش في إسرائيل اليوم نحو 160 ألف يهودي من أصول يمنية، بينهم 113 ألفا ولدوا بعد قيام الدولة العبرية. ولا يشمل هذا الرقم أولئك الذين وصلوا إلى فلسطين قبل تأسيس إسرائيل، مع العلم بأن اليهود اليمنيين شكلوا نسبة 7 في المائة من السكان اليهود في ذلك الوقت.
وكما كان يهود اليمن معزولين، باختيارهم، عن بقية يهود العالم طيلة 2000 سنة مضت، فقد اختاروا التميز عن بقية الطوائف اليهودية أيضًا بعد هجرتهم إلى إسرائيل، فهم ليسوا من «اليهود الأشكناز» (الغربيون) وهم كذلك يرفضون اعتبارهم «يهودا شرقيين» ويصرون على تسميتهم بـ«اليهود اليمنيين».
لهم عادات خاصة بهم في اللغة وفي الطعام وفي الاحتفالات بالأعياد. وحتى صلواتهم تختلف بالشكل عن صلوات بقية اليهود. وكتاب التوراة الذي يعتمدونه مكتوب بخط اليد وكل صفحة فيه تضم 51 سطرًا وليس 42 سطرًا كما هو الحال في كتاب التوراة الذي تعتمده طوائف أخرى. أضف إلى ذلك أن اللغة العربية تدخل في صلواتهم أكثر من أية طائفة من اليهود العرب. وهم يسكنون في بلدات خاصة بهم أو أحياء خاصة بهم في البلدات الكبيرة ويحافظون على تلاحم مميّز. كما أنهم يتسمون بالتواضع.
لا زعامات بارزة
لا يوجد فيهم زعماء على المستوى الإسرائيلي السياسي العام. وعلى الرغم من أنهم يعتبرون قريبين من اليمين الإسرائيلي، فإن حكم اليمين لم ينصفهم، بل واصل اتباع سياسة التمييز ضدهم، كما هو حال المواطنين العرب (فلسطينيي 48) واليهود الشرقيين. ثم إن أعضاء البرلمان منهم قليلون جدا، لا يتعدى عددهم أصابع اليدين، وباستثناء النائب والوزير السابق العمالي يسرائيل كيسار (المولود في صنعاء) لم يكونوا في أي وقت بارزين.
أغنياؤهم محدودو العدد وغالبيتهم يعملون كادحين في الورش والمصانع أو المزارع. والشخصيات الأساسية لديهم تبرز في مجال الثقافة والدين والفنون. وإنجازاتهم تحققت عبر مصاعب غير قليلة.
تمسكهم بالتراث اليمني بات مميزًا أيضًا لدى الجيل الشاب. فمنذ سنوات السبعين، ترتفع أصواتهم الثقافية عاليًا. المطربة تسيبورا عُرقبي، التي كانت مديرة كبيرة في شركة الاتصالات الحكومية وتقاعدت لتتفرغ للغناء وتقوم بقيادة حفلات الزفاف وطلعة العروس والحنة على الطريقة اليمنية الأصلية، تشير بسعادة إلى نمو مجموعة من المغنين الشباب الذين يكملون الطريق: ناؤور قرواني وعومري كوهن وأبيعاد يحيى وتسيون غولان وغيرهم. وهناك الشاعران شالوم شابزي ود. رحيلي أبرهام، يتبوآن مكانة عالية في المجتمع الثقافي.
ثمة متحفان للتراث اليمني في نتانيا وفي راس العين. والأديب مردخاي يتسهار أصدر كتابًا يخلد فيه الشعر والأدب اليمين اليهودي، معتزا باقترابه الشديد من الأدب العربي.
يقول رئيس اتحاد مهاجري اليمن، الباحث الأكاديمي الدكتور موشيه ناحوم، إن اليمينيين في إسرائيل «تمكنوا من شق طريقهم بشق النفس. وحققوا على الصعيد الشخصي والجماعي الكثير من الإنجازات، خصوصًا في مجلي العلم والاقتصاد. ولكن هناك جرحًا مفتوحًا لدى كل عائلة يمنية تقريبا بسبب الجريمة التي لا تغتفر بحقهم، والتي يصرون على حقهم في إيجاد حل لها».
والجريمة التي يقصدها هي خطف نحو عشرة آلاف طفل من أبنائهم خلال هجرتهم من اليمن وحتى ما بعد ثماني سنوات على قيام إسرائيل. ففي حينه كان عدد من قادة الوكالة اليهودية، المسؤولة عن تهجيرهم من اليمن إلى إسرائيل، يشتغلون في الاتجار بالأطفال. فيخطفونهم من عائلاتهم بمختلف طرق الخداع ويبيعونهم لعائلات يهودية أخرى غنية مقابل 5000 دولار أميركي للولد. وقد بيع الأولاد في البداية لعائلات من تلك المهاجرة من أوروبا، بعد أن انتكبت بالمحرقة النازية التي أدارها ضد اليهود الألماني النازي أدولف هتلر، قبيل وإبان الحرب العالمية الثانية. وحسب عدة شهادات، فإن هذه العملية البشعة تمت في إطار الرأفة بضحايا النازية، ولكنها ما فتئت أن تحولت إلى تجارة بالشبر بكل معنى الكلمة. ثم صاروا يبيعون الأطفال للمستشفيات، لإجراء تجارب طبية عليهم.
منذ تلك السنوات واليهود اليمنيين يطالبون بتشكيل لجنة تحقيق رسمية للكشف عن الجريمة والمجرمين ومعاقبتهم وإعادة الأولاد، لكن حكومات إسرائيل كانت تتجاهل وفي أحسن الأحوال أقاموا لجان صورية خرجت بنتيجة أن خطف الأولاد كان بمثابة بضع حالات فردية نادرة.
* تمرد يمني
في شهر مارس (آذار) من سنة 1994، قامت حركة لليهود اليمنيين تطرح هذا المطلب بطريقة أخرى، فوقف على رأسها رجل دين معروف يدعى عوزي أزولاي مشولم، الذي دعا إلى التمرّد. في بداية نشاطه دعا إلى مقاطعة الانتخابات. وراح يتهم الحكومة وقيادة الحركة الصهيونية بأنها «طغمة حاكمة تدير البلاد بطريقة المافيا». وعندما بدأوا يضايقونه ويلاحقونه، دعا إلى تمرّد عسكري، وتمكن من جمع مئات المؤيدين من بين الجنود والضباط اليمنيين اليهود، الذين تمترسوا في بيته، وهو عبارة عن مزرعة كبيرة في مدينة يهود الواقعة قرب مطار تل أبيب، عند مدينة اللد. وعندها هرع رئيس الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) دوف شلانسكي، من حزب الليكود، وابرهام فوراز، الوزير في الحكومة من طرف حزب «شينوي»، فالتقوا مشولم ووقّعوا معه اتفاقا تقوم بموجبه لجنة تحقيق برلمانية في قضية خطف الأولاد اليمنيين، وبالمقابل يتوقف التمرد.
وهنا بدأت نقاشات حادة في المجتمع الإسرائيلي تجاه هذه الخطوة ومغزى التفاوض مع متمرد كهذا. ورأت السلطات الإسرائيلية المؤلفة من غالبية أشكنازية، تحت قيادة إسحق رابين، أن هذا الحراك بالغ الخطورة وتخيّلت أن يتحوّل إلى أسلوب كفاح تتبعه بقية الطوائف المظلومة، خصوصا اليهودية منها. فالشباب اليهود كله، من كل الطوائف والملل، مجنّد في الجيش الإسرائيلي ويعرف أسراره ويجيد وسائل القتال ويمتلك السلاح. لهذا، بدأ التفكير في التراجع عن الاتفاق. وبدأت الشرطة تستعدي أنصار مشولم إلى التحقيق بتهمة التمرد. وردّ مشولم بإعلان التمرد العسكري من جديد. وهدّد بإطلاق النار على كل من يحاول اقتحام مزرعته. ووصف قيادة إسرائيل بأنها «عصابة إرهاب»، بل وقال إن «هتلر يبدو قديسًا أمام هؤلاء القادة». وعلى مدار أسبوع عاشت إسرائيل حالة توتر شديد.
وتصادف في تلك الفترة أن تم تعيين قائد شديد للشرطة الإسرائيلية، أساف حيفتس. فرأى أن هذه فرصته لاستعادة الهيبة إلى جهاز الشرطة. فاتصل شخصيًا بقائد التمرد، مشولم، واتفق معه على إجراء لقاء في فندق في المدينة وتعهد له خطيا بأن لا يحصل له أذى. وعندما وصل إلى الفندق، تم اعتقاله مع حراسه. بينما قامت قوات من الكوماندو بمهاجمة مزرعته الرصاص الحي، واصطاد قناصو الشرطة قائد العمل المسلح، شلومي أسولين، الذي كان قائدا لفرقة في لواء جولاني في جيش الاحتياط وقتلوه. وبعدها، حوكم جميع المشاركين في التمرّد وفرضت عليهم أحكام بالسجن تصل إلى 6 سنوات سجن. وفرض على مشولم السجن ست سنوات ونصف السنة، لكنه مرض في السجن وتوصل إلى اتفاق مع إدارة مصلحة السجون بأن يطلق سراحه مقابل التعهد بترك موضوع خطف الأطفال اليمنيين. وعام 2013 توفي مشولم، وهاجرت عائلته إلى كندا.
* مشكلة نتنياهو
لقد أقيمت في حينه لجنة تحقيق رسمية في موضوع خطف الأطفال، لكنها مثل سابقاتها توصلت إلى نتيجة بأن المسألة كانت فردية ومحدودة وليست سياسة رسمية. لكن يهود اليمن رفضوا التسليم بهذه النتيجة. وقبل بضعة شهور، بث فيلم تلفزيوني من 55 دقيقة حول موضوع مشولم، يوضح أن المسألة لم تحسم عند اليمنيين وأنهم يشعرون بتعميق سياسة الظلم والاضطهاد ضدهم. وظهرت عدة عائلات يمنية تتحدث عن مأساتها الشخصية بسبب خطف الأولاد، بطريقة تقطع القلوب.
وفي مطلع الشهر الحالي، صدر كتاب جديد أعده الباحث موشيه ناحوم، يؤكد بالوثائق والشهادات حقيقة خطف 12500 ولد وبنت، بينهم 10200 يمني في السنوات ما بين 1948 و1956 وإجراء تجارب طبية على 112500 طفل من اليهود الشرقيين، بينهم 13 ألف يمني وخطف 187 صبية يمنية. كما كشف أن يهود اليمن وثقوا يومها بموظفي الوكالة اليهودية فسلموهم كل ما يملكون تقريبا من جواهر وحلى ومخطوطات قديمة ثمينة وكتب، حتى يسلموها لهم عندما يصلون إلى إسرائيل لكن معظم هذه المواد لم تعد لأصحابها.
ويكتب ناحوم أن «هذا الجرح لم يندمل»، وأن أولاده وغيرهم من أبناء الجيل الجديد غاضبون أكثر منه على هذه الجريمة ويطرحون حلولا أكثر حدة وعنفا لفرض معالجتها ويصرون ليس فقط على معاقبة المجرمين، بل على فك لغز هذه الجريمة وإعادة المخطوفين.
بعد هذين الحدثين، الفيلم والبحث الجديد في كتاب ناحوم، جاء الإعلان الدرامي لحكومة بنيامين نتنياهو في مطلع هذا الأسبوع، عن جلب آخر من يريد من يهود اليمن الهجرة إلى إسرائيل. وهم 17 شخصا. وجاءت تصريحات نتنياهو عن حرص إسرائيل على أن تكون بيتًا دافئًا لليهود من جميع أنحاء العالم.
* خلفية تاريخية واجتماعية
* يقال إن أجداد يهود اليمن استقروا في اليمن منذ العهد التوراتي الأول. ويروي ابن اسحق أن اليهودية انتشرت هناك عبر أحبار جاء بهم آخر التبابعة تبّان أسعد أبو كرب. وحسب بعض المراجع فإن أبا كرب أعجب بغزارة علم حبرين من اليهود كانا قد ردعا حملة جردها على المدينة، فكانت النتيجة أن تهود وأخذهما معه إلى بلاد حميَر. ويذكر المؤرخ والجغرافي العربي المسعودي اسم التبّع بصورة مخالفة، ويروي الرواية أيضًا بخلاف ذلك، فيقول «.. ثم ملك بعده تبّع بن حسان بن كليكرب (أو تبّع بن حسان أبو كرب)، وهو الملك السائر من اليمن إلى الحجاز، وكانت له مع الأوس والخزرج حروب، وأراد هدم الكعبة فمنعه من كان معه من أحبار اليهود، فكساها القصب اليماني وسار نحو اليمن وقد تهوّد وغلبت على اليمن اليهودية، ورجعوا عن عبادة الأصنام وكان ملكه نحو مائة سنة».
ويعرض المسعودي لمن جاء بعده وهم عمرو بن تبّع ثم وليعة بن مرثد فأبرهة بن الصباح بن وليعة فعمرو بن ذي قيفان ثم ذو شناتر (وورد شناتير)، إلى أن يصل إلى يوسف ذو نواس بن زرعة بن تبّع الأصغر بن حسان بن كليكرب وهو صاحب «الأخدود».
بعد القضاء على ردة الأسود العنسي، حمى الإسلام يهود اليمن ومنحهم الأمان وضمن لهم حرية العبادة مقابل دفعهم الجزية. وتشير الوثائق اليهودية إلى أنه خرج من اليمن عدد من كبار العلماء والحاخامين والشعراء وازدهرت دراسة التقاليد الصوفية «القبلاه»، وفي المقابل نقل أمثال وهب بن منبه (654 - 732م / 34 - 114ه) وعبيد بن شرية (توفي نحو 686م / 67 هـ) إلى التراث العربي الكثير من الأخبار والقصص و«الإسرائيليات».
ولقد سيطر الأئمة الزيديون على الأوضاع الدينية في اليمن منذ القرن العاشر، واحتفظوا بالسيطرة السياسية المطلقة بين عامي 1917 و1962. وطوال عهدهم كان اليهود أبناء الطائفة الوحيدة غير المسلمة في البلاد. وتطورت شخصية اليهودي اليمني تبعا لواقع معين خاص أثرت فيه حتما طبيعة اليمن وجغرافيتها وصعوبة مسالكها فانعزل بعض الشيء عن الكثير من الظواهر التي عايشها اليهود في أماكن أخرى من العالم. ومع أن العادة درجت عند كثرة من المؤلفين الأجانب - خصوصا من ذوي الميول الصهيونية - على التحدث عن كلمة «ذمّي» بصورة سلبية، وعلى تركيز الاهتمام بحالات التمييز أكثر منه عند واقع الحماية وضمان ممارسة العبادة من دون حجر أو اضطهاد، فإن الجادين والموضوعيين من الكتاب تعرّضوا للحقائق كما عرفوها بحلوها ومرّها. وبالنسبة ليهود اليمن، كتب الكثير من الأبحاث عنهم، وتناولهم الرحالة والباحثون الاجتماعيون باهتمام. الباحثة الصهيونية جون كوماي تشير في متابها عن «الدياسبورا اليهودية» إلى أن موسى بن ميمون بعث عام 1160م، في أعقاب اضطراب ديني في اليمن، برسالة إلى يهودها مع زعيمهم الحاخام يعقوب بن ناثانيل الفيومي، حثهم فيه على الصمود في وجه الإمام والأفراد الذين يدعون أنهم «المسيح المنتظر» وذلك في سياق شرحها لعمق تدينهم وتصوفهم. وتذكر أن بين من ادعوا أنهم «المسيح المنتظر» في فترات متعاقبة وتسببوا في نقمة الأئمة على اليهود رجل اسمه شبطاي زفي في القرن الـ17 ويهوذا بن شالوم الذي لقب نفسه «شكر كحيل» ويوسف بن عبد الله في القرن التاسع عشر.
من ناحية ثانية قّدر ناثان أوسوبل في كتابه «التاريخ المصور للشعب اليهودي» عدد اليهود في اليمن عام 1926 بـ8000 عائلة أو 35 ألف نسمة. بينما قدّر الباحث هربرت لويس في كتابه «بعدما حطت العقبان: يمنيو إسرائيل» أن العدد بلغ قبل بدء الهجرة الجماعية إلى فلسطين - بين عامي 1949 و1950 - بأكثر من 50000 نسمة، كانوا يعيشون في نحو ألف مدينة وبلدة وقرية. وأضاف أن ربع هؤلاء كان يعيش في المدن الرئيسية وكانت أكبر تجمعاتهم في صنعاء (6000 نسمة) ورداع (2500 نسمة) وذمار (2000 نسمة)، وكذلك في عمران وصعدة وتعز وإب ومناخة ويريم، وكانوا عموما يقيمون في أحيائهم الخاصة.
على الصعيد الاقتصادي، اشتغل يهود اليمن غالبا بالحرف وخصوصا صياغة الفضة والذهب وسك النقود، وصنع السلاح وتصليحه، وصنع الخزف والفخار والحلوى والخبز والشراب والصابون والأحذية ودباغة الجلود وتصنيعها، والخياطة وحياكة المنسوجات والسجاد والصباغة والنجارة والحدادة والصيرفة والمعمار وزخرفة البيوت.. وما إلى ذلك من الحرف والصناعات اليدوية، بجانب التجارة على أنواعها.
ويشير هربرت لويس نقلا عن ج. وإيمان بري (يعود مؤلفه إلى عام 1915) إلى أن اليهود يملكون ويديرون أفضل متاجر صنعاء، ويضيف أن في أسواق اليهود كان يمكن شراء بضائع مستوردة من أوروبا، نقلا عن مصدر آخر يروي لويس أن يهوديا افتتح متجرا خلال العشرينات أو الثلاثينات كان يبيع فيه سلعا من روسيا واليابان. ومع أن كثيرين من اليهود عاشوا في فقر مدقع فإن بعضهم أثروا واكتسبوا نفوذا كبيرا، وتحكى في هذا المجال حكاية يهودي من مناخة صنع ثروة من تجارة البن خلال القرن التاسع عشر.
كما يتحدث الرحالة كارستن نيبور عن رجل من أسرة عراقي.. «فاز بحظوة عند اثنين من الأئمة وعمل لمدة 28 سنة بلا انقطاع مديرا للجمارك والمكوس ومديرا للمباني والجنائن، وكان يملك أحد أفخر بيوت صنعاء». ويشرح لويس أن هذا الرجل هو شالوم كوهين الذي جاءت أسرته إلى اليمن من مصر، ولعب في ما بعد دورا مهما في حياة اليهود في صنعاء واليمن، قبل أن يفقد حظوته ويسجن.
ولكن مع تنامي النفوذ البريطاني في بحر العرب، وتحوّل عدن إلى محمية بريطانية مهمة، بدأ الاتصال الغربي بيهود اليمن ومنطقة حبّان، في غرب حضرموت، لترغيبهم بالهجرة إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر.
وبحلول عام 1948 غادر نحو 18 ألف يهودي اليمن إلى فلسطين، وبين 1949و 1950 غادر السواد الأعظم مما تبقى من اليهود بواسطة عملية «البساط السحري» أو «على أجنحة العقبان» عبر عدن، الرازحة آنذاك تحت السلطة البريطانية. ولحق بهؤلاء 2000 مهاجر خلال فترة قصيرة ولم يتبق حتى العام الماضي (1993 / 1994) سوى بضع مئات هاجروا أخيرا.
يسكن اليهود اليمنيون اليوم في عدة أماكن في إسرائيل، أهمها القدس ورحوبوت ونتانيا وبتاح تكفاه، كما يعيش آخرون في أحياء ومستوطنات أحدث عهدا مثل أشدود قرب قطاع غزة وديمونا في النقب وكريات شمونة (على الحدود اللبنانية) وكريات إلياهو وكريات غات. ويبلغ عدد المواطنين الإسرائيليين المتحدرين من أصل يمني بأكثر من 165000 نسمة منهم 52000 مولودون في اليمن و112000 من أبوين يمنيين.



قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)



رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
TT

رودريغيز كانت القوة الدافعة باتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق داخل الحزب الحاكم

ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)
ناقلة نفط تتأهب لنقل حمولتها من ميناء ماراكيبو الفنزويلي (آ ب)

ليس الانتقال السياسي تحت الوصاية الأميركية هو التحدي الوحيد الذي تقف أمامه الرئيسة الفنزويلية بالوكالة، ديلسي رودريغيز، التي قررت إدارة دونالد ترمب الرهان عليها لإدارة هذه المرحلة مع أن العقوبات المفروضة عليها تمنعها من دخول الولايات المتحدة.

الواقع أنه عندما أقسمت رودريغيز اليمين الدستورية أخيراً، كان شبح التضخّم الجامح قد عاد يخيّم مجدداً على الاقتصاد الفنزويلي المنهك، ويهدد بتحطيم كل الأرقام القياسية السابقة، بعدما كان وصل إنتاج النفط إلى أدنى مستوياته التاريخية، وتراجع إجمالي الناتج القومي بنسبة 70 في المائة عن المستوى الذي كان عليه منذ عشر سنوات.

لكن قبل أن تتولى الرئيسة الحالية مهامها بالوكالة، سبق لها أن تولّت حقيبة المال والاقتصاد، وأيضاً حقيبة النفط، واعترفت علناً بفشل السياسات السابقة. ومن ثمّ قررت اللجوء إلى فريق جديد من الاستشاريين والخبراء، بعدما كان المصرف المركزي قد توقّف طوال حكم نيكولاس مادورو عن نشر تفاصيل الوضع الاقتصادي المتدهور، فيما واصلت رودريغيز «تغييراتها» بعيداً عن الأضواء. من التدابير التي اتخذتها رودريغيز إعادة الأصول المؤمّمة على عهد تشافيز إلى أصحابها، الذين كان معظمهم قد أعلن إفلاسه أو انهيار مؤسساته، ودخل الاقتصاد الفنزويلي في دائرة الدولار بعد رفع القيود والمراقبة على صرف العملات الأجنبية. وكذلك أمرت بوقف تجاوزات القوات المسلحة على القطاع الاقتصادي، وبدأت مرحلة من التفاهم والتنسيق مع أصحاب العمل الذين كان مادورو يصفهم بـ«البرجوازية الطفيلية» في خطبه الأولى.

ولذا يجمع المراقبون على أن التعافي النسبي الذي شهده الاقتصاد الفنزويلي في السنوات الثلاث المنصرمة، مدين للتدابير التي اتخذتها رودريغيز والفريق الاستشاري الذي كانت تستعين بخبراته، وبعلاقاتها الوطيدة مع مادورو الذي أقنعته بصواب تلك التدابير. بل كانت هي التي دفعت - داخل الحزب الحاكم - في اتجاه الانفتاح على اقتصاد السوق بعد سنوات مديدة من تدخل الدولة العميق في إدارة الحركة الاقتصادية وانهيار قطاع النفط الذي يشكّل الشريان الأبهر لثروة البلاد.

أيضاً، كانت ديلسي رودريغيز «المُحاور» الأساسي للنظام مع المؤسسات التي ما زالت تنشط داخل فنزويلا، وهي التي حدّدت معها مجالات عمل مشترك وتحالفات في السنوات المنصرمة. وتحت إدارتها ارتفع إنتاج النفط الفنزويلي إلى مليون برميل يومياً بعدما كان انهار إلى 300 ألف عام 2016، بينما تبلغ قدرته الإنتاجية 3 ملايين برميل يومياً.

وللعلم، سجّل الاقتصاد الفنزويلي نمواً قياسياً خلال العام الماضي في حجم إجمالي الناتج القومي، بلغ 5 في المائة. لكن الضباب السياسي الذي يلفّ المرحلة الراهنة التي ترزح تحت الحضور الأميركي الطاغي، من شأنه أن يُلزم رودريغيز بخطاب معتدل تجاه واشنطن التي يتكلّم رئيسها عن مستقبل يختلف كل الاختلاف عن الواقع الذي تراه رودريغيز.