اليهود اليمنيون في إسرائيل... جرح لا يندمل

نظرة إلى أوضاعهم بعد عملية الإجلاء من صنعاء وريدة

اليهود اليمنيون في إسرائيل... جرح لا يندمل
TT

اليهود اليمنيون في إسرائيل... جرح لا يندمل

اليهود اليمنيون في إسرائيل... جرح لا يندمل

جلب مجموعة من اليهود اليمنيين إلى إسرائيل في عملية إسرائيلية – دولية في هذا الوقت بالذات ليس مصادفة أبدا، بل جاء للتغطية على أصداء التحقيقات الجديدة حول الأطفال الذين خطفوا خلال السنوات الأولى لقيام إسرائيل ويزيد عددهم على 10 آلاف، ومن ثم بيعوا لعائلات اليهود القادمين من أوروبا بعد «المحرقة النازية» (الهولوكوست) تعويضا لهم عن مأساتهم، أو بيعوا لغرض التجارب الطبية عليهم.
عملية الجلب، التي شملت يمنيين يهودًا من مدينة ريدة بمحافظة عمران (شمال شرقي العاصمة صنعاء) وصنعاء نفسها، أحاط بها لغط كبير خلال الأيام القليلة الماضية، كونها تمت تحت ستار من السرّية التامة، أسهم فيها طبعًا الوضع الأمني الاستثنائي الذي يعيشه اليمن.
ذات مرة، عندما كنت أسير في رواق داخل أحد مباني الجامعة العبرية في القدس لإلقاء محاضرة، التقطت عيناي كلمات عربية كتبت بأحرف عبرية. هما كلمتان في الواقع رسختا في الذاكرة «طالب الهوى»، وبسبب سرعة المشي وضيق الوقت لم يكن متاحا التعرّف على بقية الكلمات. عند العودة طلبت من مضيفي العودة عبر الرواق نفسه، حتى ندخل غرفة الصف. وإذا باللوح مليء بالأمثلة العربية المكتوبة كلها بأحرف عبرية: «طالب الهوى بعد الأربعين، ما عاد له حين»، «اطلب العلم من المهد إلى اللحد»، «ابنُ المُنى ما فيه هَنا». وشرح المضيف المسألة قائلا: «لدينا في الجامعة دورة مميزة لتعليم الأدب اليمني». ولماذا اليمني؟ لماذا ليس الأدب العربي؟ فأجاب: «يوجد لدينا فرع كامل لتعليم الأدب العربي. لكن هذه الدورة مخصّصة لليهود من أصل يمني وللمهتمين بتراث يهود اليمن. يدرسونه لمدة سنة ضمن دراسات اللقب الأول».
وبعد مزيد من الاستقصاء، اتضح أن جمعية صيانة وتطوير المجتمع والثقافة اليمنية في إسرائيل هي التي تقف وراء هذه الدورة، وذلك كجزء من نشاطها الدؤوب منذ عام 1970 لتخليد التراث اليهودي اليمني. ولقد اقنع رئيس ومؤسس هذه الجمعية، عوفاديا بن شالوم، وهو تاجر جواهر كبير، الجامعة بالفكرة ضمن مساعيه لإعادة المجد للطائفة اليمينية في المجتمع اليهودي في إسرائيل. وعندما تقول «إعادة المجد» وتستمع إلى قادة هذه الطائفة، تلمس لديهم غضبًا شديدًا على ما ضاع من هذا المجد. وفعلاً ضاع الكثير. أما المهرجانات الاحتفالية التي أقامتها حكومة إسرائيل قبل أيام، لإظهار الاغتباط باستقبال آخر 17 يهوديًا جاءوا من اليمن، والتي بثتها الفضائيات العالمية، لا تقنع اليهود اليمينيين في إسرائيل نفسها. ذلك أن هذه الشريحة من اليهود تشعر بأن قيادتها خانتها وطعنتها من الخلف وتركتها جريحة لسنين طويلة. والجراح لم تندمل، بل إن الاحتفالات تبدو وكأنها تنكأ الجراح من جديد.
يعيش في إسرائيل اليوم نحو 160 ألف يهودي من أصول يمنية، بينهم 113 ألفا ولدوا بعد قيام الدولة العبرية. ولا يشمل هذا الرقم أولئك الذين وصلوا إلى فلسطين قبل تأسيس إسرائيل، مع العلم بأن اليهود اليمنيين شكلوا نسبة 7 في المائة من السكان اليهود في ذلك الوقت.
وكما كان يهود اليمن معزولين، باختيارهم، عن بقية يهود العالم طيلة 2000 سنة مضت، فقد اختاروا التميز عن بقية الطوائف اليهودية أيضًا بعد هجرتهم إلى إسرائيل، فهم ليسوا من «اليهود الأشكناز» (الغربيون) وهم كذلك يرفضون اعتبارهم «يهودا شرقيين» ويصرون على تسميتهم بـ«اليهود اليمنيين».
لهم عادات خاصة بهم في اللغة وفي الطعام وفي الاحتفالات بالأعياد. وحتى صلواتهم تختلف بالشكل عن صلوات بقية اليهود. وكتاب التوراة الذي يعتمدونه مكتوب بخط اليد وكل صفحة فيه تضم 51 سطرًا وليس 42 سطرًا كما هو الحال في كتاب التوراة الذي تعتمده طوائف أخرى. أضف إلى ذلك أن اللغة العربية تدخل في صلواتهم أكثر من أية طائفة من اليهود العرب. وهم يسكنون في بلدات خاصة بهم أو أحياء خاصة بهم في البلدات الكبيرة ويحافظون على تلاحم مميّز. كما أنهم يتسمون بالتواضع.
لا زعامات بارزة
لا يوجد فيهم زعماء على المستوى الإسرائيلي السياسي العام. وعلى الرغم من أنهم يعتبرون قريبين من اليمين الإسرائيلي، فإن حكم اليمين لم ينصفهم، بل واصل اتباع سياسة التمييز ضدهم، كما هو حال المواطنين العرب (فلسطينيي 48) واليهود الشرقيين. ثم إن أعضاء البرلمان منهم قليلون جدا، لا يتعدى عددهم أصابع اليدين، وباستثناء النائب والوزير السابق العمالي يسرائيل كيسار (المولود في صنعاء) لم يكونوا في أي وقت بارزين.
أغنياؤهم محدودو العدد وغالبيتهم يعملون كادحين في الورش والمصانع أو المزارع. والشخصيات الأساسية لديهم تبرز في مجال الثقافة والدين والفنون. وإنجازاتهم تحققت عبر مصاعب غير قليلة.
تمسكهم بالتراث اليمني بات مميزًا أيضًا لدى الجيل الشاب. فمنذ سنوات السبعين، ترتفع أصواتهم الثقافية عاليًا. المطربة تسيبورا عُرقبي، التي كانت مديرة كبيرة في شركة الاتصالات الحكومية وتقاعدت لتتفرغ للغناء وتقوم بقيادة حفلات الزفاف وطلعة العروس والحنة على الطريقة اليمنية الأصلية، تشير بسعادة إلى نمو مجموعة من المغنين الشباب الذين يكملون الطريق: ناؤور قرواني وعومري كوهن وأبيعاد يحيى وتسيون غولان وغيرهم. وهناك الشاعران شالوم شابزي ود. رحيلي أبرهام، يتبوآن مكانة عالية في المجتمع الثقافي.
ثمة متحفان للتراث اليمني في نتانيا وفي راس العين. والأديب مردخاي يتسهار أصدر كتابًا يخلد فيه الشعر والأدب اليمين اليهودي، معتزا باقترابه الشديد من الأدب العربي.
يقول رئيس اتحاد مهاجري اليمن، الباحث الأكاديمي الدكتور موشيه ناحوم، إن اليمينيين في إسرائيل «تمكنوا من شق طريقهم بشق النفس. وحققوا على الصعيد الشخصي والجماعي الكثير من الإنجازات، خصوصًا في مجلي العلم والاقتصاد. ولكن هناك جرحًا مفتوحًا لدى كل عائلة يمنية تقريبا بسبب الجريمة التي لا تغتفر بحقهم، والتي يصرون على حقهم في إيجاد حل لها».
والجريمة التي يقصدها هي خطف نحو عشرة آلاف طفل من أبنائهم خلال هجرتهم من اليمن وحتى ما بعد ثماني سنوات على قيام إسرائيل. ففي حينه كان عدد من قادة الوكالة اليهودية، المسؤولة عن تهجيرهم من اليمن إلى إسرائيل، يشتغلون في الاتجار بالأطفال. فيخطفونهم من عائلاتهم بمختلف طرق الخداع ويبيعونهم لعائلات يهودية أخرى غنية مقابل 5000 دولار أميركي للولد. وقد بيع الأولاد في البداية لعائلات من تلك المهاجرة من أوروبا، بعد أن انتكبت بالمحرقة النازية التي أدارها ضد اليهود الألماني النازي أدولف هتلر، قبيل وإبان الحرب العالمية الثانية. وحسب عدة شهادات، فإن هذه العملية البشعة تمت في إطار الرأفة بضحايا النازية، ولكنها ما فتئت أن تحولت إلى تجارة بالشبر بكل معنى الكلمة. ثم صاروا يبيعون الأطفال للمستشفيات، لإجراء تجارب طبية عليهم.
منذ تلك السنوات واليهود اليمنيين يطالبون بتشكيل لجنة تحقيق رسمية للكشف عن الجريمة والمجرمين ومعاقبتهم وإعادة الأولاد، لكن حكومات إسرائيل كانت تتجاهل وفي أحسن الأحوال أقاموا لجان صورية خرجت بنتيجة أن خطف الأولاد كان بمثابة بضع حالات فردية نادرة.
* تمرد يمني
في شهر مارس (آذار) من سنة 1994، قامت حركة لليهود اليمنيين تطرح هذا المطلب بطريقة أخرى، فوقف على رأسها رجل دين معروف يدعى عوزي أزولاي مشولم، الذي دعا إلى التمرّد. في بداية نشاطه دعا إلى مقاطعة الانتخابات. وراح يتهم الحكومة وقيادة الحركة الصهيونية بأنها «طغمة حاكمة تدير البلاد بطريقة المافيا». وعندما بدأوا يضايقونه ويلاحقونه، دعا إلى تمرّد عسكري، وتمكن من جمع مئات المؤيدين من بين الجنود والضباط اليمنيين اليهود، الذين تمترسوا في بيته، وهو عبارة عن مزرعة كبيرة في مدينة يهود الواقعة قرب مطار تل أبيب، عند مدينة اللد. وعندها هرع رئيس الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) دوف شلانسكي، من حزب الليكود، وابرهام فوراز، الوزير في الحكومة من طرف حزب «شينوي»، فالتقوا مشولم ووقّعوا معه اتفاقا تقوم بموجبه لجنة تحقيق برلمانية في قضية خطف الأولاد اليمنيين، وبالمقابل يتوقف التمرد.
وهنا بدأت نقاشات حادة في المجتمع الإسرائيلي تجاه هذه الخطوة ومغزى التفاوض مع متمرد كهذا. ورأت السلطات الإسرائيلية المؤلفة من غالبية أشكنازية، تحت قيادة إسحق رابين، أن هذا الحراك بالغ الخطورة وتخيّلت أن يتحوّل إلى أسلوب كفاح تتبعه بقية الطوائف المظلومة، خصوصا اليهودية منها. فالشباب اليهود كله، من كل الطوائف والملل، مجنّد في الجيش الإسرائيلي ويعرف أسراره ويجيد وسائل القتال ويمتلك السلاح. لهذا، بدأ التفكير في التراجع عن الاتفاق. وبدأت الشرطة تستعدي أنصار مشولم إلى التحقيق بتهمة التمرد. وردّ مشولم بإعلان التمرد العسكري من جديد. وهدّد بإطلاق النار على كل من يحاول اقتحام مزرعته. ووصف قيادة إسرائيل بأنها «عصابة إرهاب»، بل وقال إن «هتلر يبدو قديسًا أمام هؤلاء القادة». وعلى مدار أسبوع عاشت إسرائيل حالة توتر شديد.
وتصادف في تلك الفترة أن تم تعيين قائد شديد للشرطة الإسرائيلية، أساف حيفتس. فرأى أن هذه فرصته لاستعادة الهيبة إلى جهاز الشرطة. فاتصل شخصيًا بقائد التمرد، مشولم، واتفق معه على إجراء لقاء في فندق في المدينة وتعهد له خطيا بأن لا يحصل له أذى. وعندما وصل إلى الفندق، تم اعتقاله مع حراسه. بينما قامت قوات من الكوماندو بمهاجمة مزرعته الرصاص الحي، واصطاد قناصو الشرطة قائد العمل المسلح، شلومي أسولين، الذي كان قائدا لفرقة في لواء جولاني في جيش الاحتياط وقتلوه. وبعدها، حوكم جميع المشاركين في التمرّد وفرضت عليهم أحكام بالسجن تصل إلى 6 سنوات سجن. وفرض على مشولم السجن ست سنوات ونصف السنة، لكنه مرض في السجن وتوصل إلى اتفاق مع إدارة مصلحة السجون بأن يطلق سراحه مقابل التعهد بترك موضوع خطف الأطفال اليمنيين. وعام 2013 توفي مشولم، وهاجرت عائلته إلى كندا.
* مشكلة نتنياهو
لقد أقيمت في حينه لجنة تحقيق رسمية في موضوع خطف الأطفال، لكنها مثل سابقاتها توصلت إلى نتيجة بأن المسألة كانت فردية ومحدودة وليست سياسة رسمية. لكن يهود اليمن رفضوا التسليم بهذه النتيجة. وقبل بضعة شهور، بث فيلم تلفزيوني من 55 دقيقة حول موضوع مشولم، يوضح أن المسألة لم تحسم عند اليمنيين وأنهم يشعرون بتعميق سياسة الظلم والاضطهاد ضدهم. وظهرت عدة عائلات يمنية تتحدث عن مأساتها الشخصية بسبب خطف الأولاد، بطريقة تقطع القلوب.
وفي مطلع الشهر الحالي، صدر كتاب جديد أعده الباحث موشيه ناحوم، يؤكد بالوثائق والشهادات حقيقة خطف 12500 ولد وبنت، بينهم 10200 يمني في السنوات ما بين 1948 و1956 وإجراء تجارب طبية على 112500 طفل من اليهود الشرقيين، بينهم 13 ألف يمني وخطف 187 صبية يمنية. كما كشف أن يهود اليمن وثقوا يومها بموظفي الوكالة اليهودية فسلموهم كل ما يملكون تقريبا من جواهر وحلى ومخطوطات قديمة ثمينة وكتب، حتى يسلموها لهم عندما يصلون إلى إسرائيل لكن معظم هذه المواد لم تعد لأصحابها.
ويكتب ناحوم أن «هذا الجرح لم يندمل»، وأن أولاده وغيرهم من أبناء الجيل الجديد غاضبون أكثر منه على هذه الجريمة ويطرحون حلولا أكثر حدة وعنفا لفرض معالجتها ويصرون ليس فقط على معاقبة المجرمين، بل على فك لغز هذه الجريمة وإعادة المخطوفين.
بعد هذين الحدثين، الفيلم والبحث الجديد في كتاب ناحوم، جاء الإعلان الدرامي لحكومة بنيامين نتنياهو في مطلع هذا الأسبوع، عن جلب آخر من يريد من يهود اليمن الهجرة إلى إسرائيل. وهم 17 شخصا. وجاءت تصريحات نتنياهو عن حرص إسرائيل على أن تكون بيتًا دافئًا لليهود من جميع أنحاء العالم.
* خلفية تاريخية واجتماعية
* يقال إن أجداد يهود اليمن استقروا في اليمن منذ العهد التوراتي الأول. ويروي ابن اسحق أن اليهودية انتشرت هناك عبر أحبار جاء بهم آخر التبابعة تبّان أسعد أبو كرب. وحسب بعض المراجع فإن أبا كرب أعجب بغزارة علم حبرين من اليهود كانا قد ردعا حملة جردها على المدينة، فكانت النتيجة أن تهود وأخذهما معه إلى بلاد حميَر. ويذكر المؤرخ والجغرافي العربي المسعودي اسم التبّع بصورة مخالفة، ويروي الرواية أيضًا بخلاف ذلك، فيقول «.. ثم ملك بعده تبّع بن حسان بن كليكرب (أو تبّع بن حسان أبو كرب)، وهو الملك السائر من اليمن إلى الحجاز، وكانت له مع الأوس والخزرج حروب، وأراد هدم الكعبة فمنعه من كان معه من أحبار اليهود، فكساها القصب اليماني وسار نحو اليمن وقد تهوّد وغلبت على اليمن اليهودية، ورجعوا عن عبادة الأصنام وكان ملكه نحو مائة سنة».
ويعرض المسعودي لمن جاء بعده وهم عمرو بن تبّع ثم وليعة بن مرثد فأبرهة بن الصباح بن وليعة فعمرو بن ذي قيفان ثم ذو شناتر (وورد شناتير)، إلى أن يصل إلى يوسف ذو نواس بن زرعة بن تبّع الأصغر بن حسان بن كليكرب وهو صاحب «الأخدود».
بعد القضاء على ردة الأسود العنسي، حمى الإسلام يهود اليمن ومنحهم الأمان وضمن لهم حرية العبادة مقابل دفعهم الجزية. وتشير الوثائق اليهودية إلى أنه خرج من اليمن عدد من كبار العلماء والحاخامين والشعراء وازدهرت دراسة التقاليد الصوفية «القبلاه»، وفي المقابل نقل أمثال وهب بن منبه (654 - 732م / 34 - 114ه) وعبيد بن شرية (توفي نحو 686م / 67 هـ) إلى التراث العربي الكثير من الأخبار والقصص و«الإسرائيليات».
ولقد سيطر الأئمة الزيديون على الأوضاع الدينية في اليمن منذ القرن العاشر، واحتفظوا بالسيطرة السياسية المطلقة بين عامي 1917 و1962. وطوال عهدهم كان اليهود أبناء الطائفة الوحيدة غير المسلمة في البلاد. وتطورت شخصية اليهودي اليمني تبعا لواقع معين خاص أثرت فيه حتما طبيعة اليمن وجغرافيتها وصعوبة مسالكها فانعزل بعض الشيء عن الكثير من الظواهر التي عايشها اليهود في أماكن أخرى من العالم. ومع أن العادة درجت عند كثرة من المؤلفين الأجانب - خصوصا من ذوي الميول الصهيونية - على التحدث عن كلمة «ذمّي» بصورة سلبية، وعلى تركيز الاهتمام بحالات التمييز أكثر منه عند واقع الحماية وضمان ممارسة العبادة من دون حجر أو اضطهاد، فإن الجادين والموضوعيين من الكتاب تعرّضوا للحقائق كما عرفوها بحلوها ومرّها. وبالنسبة ليهود اليمن، كتب الكثير من الأبحاث عنهم، وتناولهم الرحالة والباحثون الاجتماعيون باهتمام. الباحثة الصهيونية جون كوماي تشير في متابها عن «الدياسبورا اليهودية» إلى أن موسى بن ميمون بعث عام 1160م، في أعقاب اضطراب ديني في اليمن، برسالة إلى يهودها مع زعيمهم الحاخام يعقوب بن ناثانيل الفيومي، حثهم فيه على الصمود في وجه الإمام والأفراد الذين يدعون أنهم «المسيح المنتظر» وذلك في سياق شرحها لعمق تدينهم وتصوفهم. وتذكر أن بين من ادعوا أنهم «المسيح المنتظر» في فترات متعاقبة وتسببوا في نقمة الأئمة على اليهود رجل اسمه شبطاي زفي في القرن الـ17 ويهوذا بن شالوم الذي لقب نفسه «شكر كحيل» ويوسف بن عبد الله في القرن التاسع عشر.
من ناحية ثانية قّدر ناثان أوسوبل في كتابه «التاريخ المصور للشعب اليهودي» عدد اليهود في اليمن عام 1926 بـ8000 عائلة أو 35 ألف نسمة. بينما قدّر الباحث هربرت لويس في كتابه «بعدما حطت العقبان: يمنيو إسرائيل» أن العدد بلغ قبل بدء الهجرة الجماعية إلى فلسطين - بين عامي 1949 و1950 - بأكثر من 50000 نسمة، كانوا يعيشون في نحو ألف مدينة وبلدة وقرية. وأضاف أن ربع هؤلاء كان يعيش في المدن الرئيسية وكانت أكبر تجمعاتهم في صنعاء (6000 نسمة) ورداع (2500 نسمة) وذمار (2000 نسمة)، وكذلك في عمران وصعدة وتعز وإب ومناخة ويريم، وكانوا عموما يقيمون في أحيائهم الخاصة.
على الصعيد الاقتصادي، اشتغل يهود اليمن غالبا بالحرف وخصوصا صياغة الفضة والذهب وسك النقود، وصنع السلاح وتصليحه، وصنع الخزف والفخار والحلوى والخبز والشراب والصابون والأحذية ودباغة الجلود وتصنيعها، والخياطة وحياكة المنسوجات والسجاد والصباغة والنجارة والحدادة والصيرفة والمعمار وزخرفة البيوت.. وما إلى ذلك من الحرف والصناعات اليدوية، بجانب التجارة على أنواعها.
ويشير هربرت لويس نقلا عن ج. وإيمان بري (يعود مؤلفه إلى عام 1915) إلى أن اليهود يملكون ويديرون أفضل متاجر صنعاء، ويضيف أن في أسواق اليهود كان يمكن شراء بضائع مستوردة من أوروبا، نقلا عن مصدر آخر يروي لويس أن يهوديا افتتح متجرا خلال العشرينات أو الثلاثينات كان يبيع فيه سلعا من روسيا واليابان. ومع أن كثيرين من اليهود عاشوا في فقر مدقع فإن بعضهم أثروا واكتسبوا نفوذا كبيرا، وتحكى في هذا المجال حكاية يهودي من مناخة صنع ثروة من تجارة البن خلال القرن التاسع عشر.
كما يتحدث الرحالة كارستن نيبور عن رجل من أسرة عراقي.. «فاز بحظوة عند اثنين من الأئمة وعمل لمدة 28 سنة بلا انقطاع مديرا للجمارك والمكوس ومديرا للمباني والجنائن، وكان يملك أحد أفخر بيوت صنعاء». ويشرح لويس أن هذا الرجل هو شالوم كوهين الذي جاءت أسرته إلى اليمن من مصر، ولعب في ما بعد دورا مهما في حياة اليهود في صنعاء واليمن، قبل أن يفقد حظوته ويسجن.
ولكن مع تنامي النفوذ البريطاني في بحر العرب، وتحوّل عدن إلى محمية بريطانية مهمة، بدأ الاتصال الغربي بيهود اليمن ومنطقة حبّان، في غرب حضرموت، لترغيبهم بالهجرة إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر.
وبحلول عام 1948 غادر نحو 18 ألف يهودي اليمن إلى فلسطين، وبين 1949و 1950 غادر السواد الأعظم مما تبقى من اليهود بواسطة عملية «البساط السحري» أو «على أجنحة العقبان» عبر عدن، الرازحة آنذاك تحت السلطة البريطانية. ولحق بهؤلاء 2000 مهاجر خلال فترة قصيرة ولم يتبق حتى العام الماضي (1993 / 1994) سوى بضع مئات هاجروا أخيرا.
يسكن اليهود اليمنيون اليوم في عدة أماكن في إسرائيل، أهمها القدس ورحوبوت ونتانيا وبتاح تكفاه، كما يعيش آخرون في أحياء ومستوطنات أحدث عهدا مثل أشدود قرب قطاع غزة وديمونا في النقب وكريات شمونة (على الحدود اللبنانية) وكريات إلياهو وكريات غات. ويبلغ عدد المواطنين الإسرائيليين المتحدرين من أصل يمني بأكثر من 165000 نسمة منهم 52000 مولودون في اليمن و112000 من أبوين يمنيين.



مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
TT

مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)

تكتسب مينيابوليس أهميةً تتجاوز كونها أكبر مدن ولاية مينيسوتا، ذات الكثافة السكانية الاسكندنافية بشمال وسط الولايات المتحدة، ومركزها الاقتصادي والثقافي، و«توأم» عاصمتها السياسية سانت بول.

في السنوات الأخيرة تحوّلت «رمزاً سياسياً» تختصر فيه الولاية تناقضات أميركا بين حالة ديمقراطية ليبرالية تقدّمية وسلطة فيدرالية جمهورية أكثر صدامية في عهد دونالد ترمب.

مينيابوليس تشتهر بكونها مدينة «الطبيعة داخل المدينة». إذ تحتضن شبكة بحيرات ومستنقعات وجداول داخل حدودها، إلى جانب نهر المسيسيبي، ومسارات مشي ودرّاجات تمتد لأميال ضمن منظومة حدائق تُقدَّم كميزة فريدة.

وبجانب هذا الوجه الطبيعي، لدى مينيابوليس حضور ثقافي لافت في الغرب الأوسط، من «ووكر آرت سنتر» وحديقة المنحوتات، إلى «غاثري ثياتر» الذي يُعدّ مؤسسة مسرحية مركزية في المدينة. وتضم عدداً كبيراً من مقار الشركات والمؤسسات، مثل شركة «تارغت» و«يو إس بان كورب» وغيرهما؛ ما يعزّز ثقلها كعقدة أعمال ومال وخدمات في مينيسوتا.

لكن شهرة مينيابوليس اليوم ليست سياحية فقط؛ فهي تُصنَّف مدينة تقدّمية؛ لأن سياساتها المحلية تراكمت لسنوات على قاعدة «خفض العوائق» أمام المشاركة والخدمات، والتوسّع في الحماية الاجتماعية. تعتمد المدينة «التصويت التفضيلي» في كل الانتخابات البلدية منذ 2009، وهو ما يُقدَّم كإصلاح ديمقراطي يعزز التمثيل ويحد من الاستقطاب داخل السباقات المحلية. وفي الاقتصاد الاجتماعي، كانت من أوائل مدن الغرب الأوسط التي أقرّت مسار رفع الحد الأدنى للأجور وصولاً إلى 15 دولاراً، مع مراحل تطبيق امتدت حتى 2024. وفي يناير (كانون الثاني) 2026 برزت المدينة مسرحاً مباشراً للصراع بين ترمب والديمقراطيين عبر ملف الهجرة.

عمليات «آيس» في مينيابوليس، وما ارتبط بها من حوادث مثيرة للجدل، من مقتل الأميركية رينيه نيكول غود (37 سنة)، ثم أليكس بريتي، الممرّض الأميركي (37 سنة) أيضاً، ومحاولة عناصر «آيس» دخول القنصلية الإكوادورية وما أثارته من احتجاج دبلوماسي، قدمت للبيت الأبيض فرصة لإظهار «قبضة إنفاذ» أمام الجمهور المحافظ. في المقابل، منحت الديمقراطيين مادة تعبئة حول «تغوّل السلطة الفيدرالية» وحدودها داخل المدن الملاذ. وحقاً، لم تعُد المدينة ساحة مواجهة بين ترمب والديمقراطيين فقط، بل غدت مرآة انقسام الديمقراطيين: بين تيارٍ مؤسساتي - براغماتي يركز على الأمن والخدمات وإدارة المدينة، وتيار يساري يرى أن زمن «الترقيع» انتهى. وإعادة انتخاب العمدة جاكوب فراي في 2025 عبر التصويت التفضيلي بوجه تحدٍ يساري بارز، بيّنت أن المدينة، ولو أنها أكثر تقدمية، لا تمنح تفويضاً تلقائياً للشعارات، بل تبحث عن توازن صعب بين العدالة والسلامة.

لهذا كله؛ تبدو مينيابوليس (مع سانت بول) بالنسبة لمينيسوتا «عاصمة سياسية» بقدر ما هي عاصمة اقتصادية. وإذا أراد ترمب أن يثبت أن الدولة الفيدرالية قادرة على فرض أجندتها داخل المدن، فهي المكان الأكثر رمزية. وإذا أراد الديمقراطيون أن يبرهنوا على أن الدفاع عن الحقوق لا ينفصل عن قدرة الحكم المحلي على إدارة الأزمات، فهي أيضاً مختبرهم الأكثر شهرة.


براغماتية موسيفيني وعقدة «الدولة الحبيسة» تؤطّران تحرّكات أوغندا

ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)
ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)
TT

براغماتية موسيفيني وعقدة «الدولة الحبيسة» تؤطّران تحرّكات أوغندا

ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)
ميناء بربرة في إقليم "أرض الصومال" (آ ف ب)

في ظل ظروف إقليمية مضطربة، تتقاطع فيها أزمات دول القرن الأفريقي مع صراع على موانئ البحر الأحمر ومياه نهر النيل، تبرز أوغندا، الدولة الحبيسة الواقعة في شرق أفريقيا، بوصفها لاعباً دبلوماسياً، متغلغلاً في عمق النزاعات الأفريقية ببراغماتية سياسية تؤطّر أسلوب الرئيس يوويري موسيفيني، كزعيم مخضرم أمضى قرابة أربعة عقود في السلطة.

تلعب أوغندا أدواراً حسّاسة في ملفّات إقليمية عدّة، وتبرز كمحرّك أساسيّ لملف مياه النيل بصفتها «دولة منبع»، ترفض الاعتراف بالاتفاقيات القديمة باعتبارها «اتفاقيات استعمارية».

ثم إنها تطلّ كلاعب محوَري في أزمات دول القرن الأفريقي عبر تاريخ طويل من التدخّلات الإقليمية في شؤون دول الجوار، وتؤطّر عقدة «الدولة الحبيسة» سياساتها الخارجية. وهذا الواقع يجعل العاصمة الأوغندية، كمبالا، تتحرّك على تخوم ملفات شديدة الحساسية؛ من نزاع «سد النهضة» الإثيوبي، إلى مستقبل اتفاقيات النيل، وخطط إثيوبيا للوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء بربرة في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي.

حالة اسمها موسيفيني

منذ وصول يويري موسيفيني إلى الحكم في أوغندا عام 1986 إثر تحرك عسكري أطاح بسلفه الجنرال تيتو أوكيلو، قدّم الرجل «نموذجاً براغماتياً» للحكم يقوم على أولوية الأمن والنمو لتحقيق مصالح بلاده الاقتصادية والاستراتيجية.

أيمن شبانة، الأستاذ في معهد الدراسات الأفريقية بالقاهرة، قال في لقاء مع «الشرق الأوسط» إن هذا «النموذج» لم ينحصر في الداخل الأوغندي، بل تمدّد إقليمياً من خلال سياسة تدخلية نشطة في دول الجوار، حيث حاول موسيفيني إبراز دوره ودور بلاده كمحرك وحكيم ولاعب مؤثر في الإقليم.

وأردف شبانة أن «أوغندا مارست منذ أواخر الثمانينات سياسة تدخل مباشر وغير مباشر في دول الجوار، بحجة حماية أمنها القومي ومنع نقل الصراعات إلى داخلها». وأشار في هذا الصدد إلى «دعم كمبالا للحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق ثم سلفا كير، وكذلك دعمها للجبهة الوطنية الرواندية عام 1994... في محطات مفصلية ساهمت بإعادة تشكيل الإقليم».

وفق شبانة، لم تتوقف تدخلات أوغندا عند السودان ورواندا. ففي أواخر التسعينات، «لعب موسيفيني دوراً محورياً في الإطاحة برئيس الكونغو الديمقراطية موبوتو سيسي سيكو، بضوء أخضر أميركي، لصالح لوران كابيلا. لكن التحالف لم يدم طويلاً. فمع ميل كابيلا لاحقاً نحو الصين والكتلة الشرقية، انقلبت كمبالا عليه، ودخلت في صراع مفتوح داخل الكونغو الديمقراطية».

وحقاً، اتهمت تقارير أممية أوغندا بدعم المتمردين في الكونغو الديمقراطية، ما عزز الصراع داخل البلاد. لكن رغم ذلك، حافظ موسيفيني على علاقاته الدولية، مبرّراً تدخلاته في شؤون دول الجوار بالرغبة في «تأمين بلاده»، وعززت تدخلاته سعيه لتقديم كمبالا «حليفاً أمنياً» للغرب في شرق أفريقيا.

سد النهضة في إثيوبيا (آ ب)

«اتفاقية عنتيبي» ... ومياه النيل

في ملف مياه النيل، تتبنى أوغندا موقفاً صلباً يستند إلى رفض اتفاقيتي 1929 و1959 لتوزيع حصص مياه النهر، إذ تعتبرهما اتفاقيتين «استعماريتين» لم تكن دول المنابع طرفاً فيها. ويوضح شبانة هنا أن «هذا الموقف يستند إلى ما يُعرف بمبدأ نيريري – جوليوس نيريري الرئيس التنزاني الأسبق – القائم على رفض الاعتراف بأي التزامات موروثة عن الاستعمار».

هذا الموقف برز مع استضافة كمبالا توقيع «اتفاقية الإطار التعاوني لدول حوض النيل» المعروفة باسم «اتفاقية عنتيبي»، يوم 14 مايو (أيار) 2010، بعد اجتماع ضم 6 دول، هي إثيوبيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وكينيا وبوروندي. ومن ثم، دخلت الاتفاقية حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، في خطوة اعتبرتها مصر والسودان «تهديداً مباشراً لأمنهما المائي».

مع هذا، لم يؤثر ذلك بشكل كبير على علاقات أوغندا مع مصر، ولا سيما أن كمبالا «لا تتبنّى خطاباً تصعيدياً ضد القاهرة... وإن حافظت على التنسيق مع دول المنبع لتكوين كتلة تفاوضية ضاغطة»، بحسب شبانة، الذي يصف موقف كمبالا بـ«الحياد» في ملف «سد النهضة» الإثيوبي.

بدورها، ترى هاجر علي، الباحثة في المعهد الألماني للدراسات الدولية والإقليمية (GIGA)، في ما يتعلق بحوض النيل، «أن دور أوغندا ومصالحها واضحان نسبياً. فهي تُعد من دول المنبع لنهر النيل، ولديها مصلحة مباشرة في الحفاظ على استقلالية قرارها في كيفية استخدام المياه، ولا سيما اعتمادها الكبير على الطاقة الكهرومائية». وتشير الباحثة المتخصصة لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «أحد خطوط التصدّع التاريخية في أي نقاش يتعلق باستخدام مياه النيل هو الخلاف بين دول المنبع ودول المصبّ، فحين وقّعت أوغندا، مثلاً، على اتفاقية الإطار التعاوني لتكريس مبدأ الاستخدام العادل والمنصف للمياه بين دول الحوض، تبدي كل من مصر والسودان مخاوف عميقة بشأن أمنهما المائي، خاصة مع إدارة دول المنبع لاستخدامات المياه بشكل مستقل». وتضيف: «هذا السياق يفسّر موقف أوغندا من سد النهضة الإثيوبي. فبوجه عام، اتسم موقف كمبالا بالحياد المائل إلى الدعم تجاه السد... حيث تتقاطع مصالح أوغندا مع إثيوبيا، بوصفهما دولتين من دول المنبع، في رفض أن تحدد دول المصب، ولا سيما مصر، كيفية استخدام مياه النيل».

وتوضح هاجر علي أنه «غالباً ما يُفسَّر غياب التأييد الصريح من جانب أوغندا على أنه ضوء أخضر أو دعم ضمني لنهج إثيوبيا الأحادي في بناء وتشغيل سد النهضة». وحقاً، تشترك أوغندا مع إثيوبيا في الرغبة في «الاستخدام المنصف» للمياه وتوليد الطاقة الكهرومائية. إذ لدى كمبالا مشاريع طموحة لبناء سدود على النيل الأبيض، وهي تدعم دول المنبع بإقامة مشاريع دون إخطار مسبق لدول المصب. لكنها في الوقت نفسه تحاول لعب دور «الوسيط العاقل» لتقريب وجهات النظر بين القاهرة وأديس أبابا، مستفيدة من علاقة موسيفيني القوية بالطرفين. وفي مؤتمر صحافي جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الأوغندي في القاهرة العام الماضي، قال موسيفيني إن إشكالية أزمة السد الإثيوبي ترتبط «بنهج التعامل مع الأزمة... مصر تستند في مطالبها إلى حقوق تاريخية نصَّت عليها اتفاقات جرى توقيعها في فترات استعمارية، والطرف الآخر يتكلّم عن حقوقه في التنمية»، لافتاً إلى «إمكانية البحث عن سبل تحقق التوافق والرخاء لجميع الأطراف». ولكن، وفق شبانة، «تبدو تحركات موسيفيني مقلقة بقدر ما هي مغلفة بخطاب هادئ». ويضيف أن كل ما من شأنه تقويض استقرار حوض النيل أو إضعاف الموقف التفاوضي لدول المصب يصب، ولو بشكل غير مباشر، في غير صالح القاهرة. و«الوضع يزداد حساسية في ظل العجز الواضح للجانب السوداني عن لعب دور داعم للموقف المصري، نتيجة الانقسام الداخلي والحرب المستمرة، ما يترك القاهرة شبه منفردة في مواجهة تكتل منسق سياسياً وقانونياً».

اقرأ أيضاً

موسيفيني (آ ف ب)

عقدة «الدولة الحبيسة»

تشترك أوغندا مع إثيوبيا في معضلة «الدولة الحبيسة». إذ تعتمد كمبالا بشكل شبه كامل على مواني كينيا وتنزانيا. وهو اعتماد ترى أوغندا أنه «يخنقها اقتصادياً»، ويضعها في «تبعية جيوسياسية» لدول العبور.

وفي تقرير نشره «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» العام الماضي، قال حمدي عبد الرحمن، أستاذ العلوم السياسية بجامعتي زايد والقاهرة، إن «مظلومية أوغندا في سياق عقدة الدولة الحبيسة أقل عسكرة من إثيوبيا، لكنها لا تقل خطورة من حيث التداعيات». وأردف أن موسيفيني يشعر بإحباط مما يصفه بـ«القبضة الخانقة» لكينيا على التجارة الأوغندية، ما يدفعه للبحث عن ترتيبات وصول بحري أفضل، وربما شبه سيادية.

في هذا الإطار، تبرز مبادرة «ممر ديسو» DESSU (جيبوتي - إثيوبيا - جنوب السودان - أوغندا) كمحاولة لكسر الاحتكار الكيني لمسارات التجارة، وتعزيز التكامل الإقليمي بديلاً للتبعية، وفقاً لعبد الرحمن.

والحقيقة أنه منذ توقيع مذكرة التفاهم بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مع زعيم «أرض الصومال» موسى بيهي عبدي، مطلع عام 2024، لم تتوقّف ردود الفعل الإقليمية والدولية. وجلّها غلب عليه رفض الاتفاق، سواء لاعتباره «انتهاكاً للسيادة الصومالية»، أو من زاوية التحذير من تداعياته المحتملة بزيادة منسوب التوتر في منطقة القرن الأفريقي التي تعاني أزمات سياسية وأمنية.

مصر رفضت، وأبرمت في أغسطس (آب) من العام نفسه، اتفاقاً عسكرياً مع الصومال، وأمدتها بمعدات وأسلحة في الشهر الذي يليه. كذلك عزّزت دعمها للصومال عقب اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال دولة مستقلة». ولكن بعكس إثيوبيا، ليس لأوغندا مصلحة مباشرة في ميناء بربرة بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي، ولا تعتمد عليه في تجارتها الخارجية. لذلك يظل انخراطها في هذا الملف محدوداً ومنسجماً مع موقف الاتحاد الأفريقي الرافض للاعتراف بـ«أرض الصومال» دولةً مستقلةً، وفق هاجر علي، التي ترى أن إعلان أوغندا، بالتنسيق مع كينيا، نيّتها التوسط بين إثيوبيا و«أرض الصومال»، إنما «يعكس سعي كمبالا لترسيخ نفسها كوسيط إقليمي داخل إطار (إيغاد)، مع ادعاء قدر من الحياد».

تحدٍ دبلوماسي لأوغندا

يمثل مشروع تأمين منفذ بحري لإثيوبيا في إقليم «أرض الصومال» الانفصالي تحدياً دبلوماسياً لأوغندا، فإثيوبيا هي الشريك الأمني الأكبر لأوغندا في محاربة «حركة الشباب» في الصومال ضمن بعثات الاتحاد الأفريقي. وهذا يعني أن أي تقوية لإثيوبيا اقتصادياً وعسكرياً ربما يصبّ في مصلحة استقرار الحليف الأوغندي. لكن تأييد طموح أديس أبابا يحمل في طياته اعترافاً بـ«أرض الصومال»، وهذا يناقض موقف كمبالا الداعم لسيادة دولة الصومال. ثم إن كمبالا، بحسب مراقبين، تسعى للحفاظ على ثقلها السياسي في شرق أفريقيا، ولا تريد تغيير موازين القوى بمنح نفوذ أكبر لإثيوبيا.

الصومال من القوة ... إلى الوساطة

من جهة أخرى، شكّلت مشاركة أوغندا العسكرية في بعثات حفظ السلام الأفريقية بالصومال أحد أعمدة نفوذها الإقليمي. لكن الإعلان أخيراً عن سحب القوات الأوغندية، بسبب نقص التمويل وأولوية الأمن الداخلي، يعكس تحوّلاً استراتيجياً. ووفق هاجر علي، وبشأن السؤالين الأخيرين، «يفتح السحب المجال أمام انتشار أكبر للقوات المصرية، خصوصاً في ظل الاتفاقيات الثنائية بين مصر والصومال، وطبعاً في إطار (أوسوم) AUSSOM، وهو ما لا تنظر إليه إثيوبيا بعين الرضا». وتوضح الخبيرة أن «انسحاب أوغندا يؤدي إلى إزالة المنطقة العازلة بين الوجودين العسكريين المصري والإثيوبي في الصومال من جهة، ومن جهة أخرى قد يمنح كمبالا هامشاً أوسع من الحياد في لعب دور الوسيط بين الطرفين».

براغماتية بلا شعارات

في أي حال، تتحرك أوغندا وفق ما يمكن وصفه بـ«البراغماتية الاستراتيجية»... لا آيديولوجيا حاكمة بقدر ما تحكمها بوصلة المصالح؛ بقاء النظام، واستقراره، وتقليل التكلفة مقابل العائد.

ووفق أيمن شبانة، لا تسعى أوغندا إلى الاصطدام المباشر، لكنها لا تتردد في دعم أو عرقلة مسارات إقليمية إذا هدّدت توازناتها. «موسيفيني ينخرط أحياناً في مسائل تسوية الصراعات، لكن ليس لديه الثقل الذي يمنع أو يمنح أو يؤثر في موازين القوى».وهنا يرى حمدي عبد الرحمن أن «أي إعادة رسم لخرائط النفوذ في القرن الأفريقي، خاصة خارج الأطر التعاونية، ستنعكس بالضرورة على أمن البحر الأحمر. والقدرات العسكرية المتنامية لإثيوبيا وأوغندا، إلى جانب عزلتهما الجغرافية، تفضيان إلى سيناريو متقلب، إذ قد تُشعل الأزمة الإقليمية المقبلة حروباً تخاض صراحةً من أجل الوصول إلى المحيط، ما يُحوّل مشكلة اقتصادية إلى صراع متحرك قد يُدمر استقرار القرن الأفريقي الهشّ». لكن هاجر علي ترى أن «أوغندا تسير نحو ترسيخ موقعها كوسيط وفاعل دبلوماسي في المنطقة، أكثر من كونها لاعب قوة مباشراً... فالتورّط النشط في شؤون القرن الأفريقي لا يبدو مجزياً في ظل مخاوف داخلية تتعلق بالاستقرار، وحاجة النظام إلى توجيه قدراته العسكرية لضمان تماسك الجبهة الداخلية».


محطات بارزة من العنف إلى الاستقرار في أوغندا

عيدي أمين (غيتي)
عيدي أمين (غيتي)
TT

محطات بارزة من العنف إلى الاستقرار في أوغندا

عيدي أمين (غيتي)
عيدي أمين (غيتي)

في شرق القارة الأفريقية بعيداً عن منافذ البحر، تقع دولة أوغندا، التي استطاعت تحقيق قدر من الاستقرار في منطقة تشوبها الاضطرابات، وإن لم تسلم من تأثيرها وانعكاساتها على أوضاعها الداخلية.

إذ شهدت أوغندا منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1962، انقلابات عسكرية عدة، أعقبها حكم عسكري في سبعينات القرن الماضي بقيادة عيدي أمين، ثم حرب استمرَّت 5 سنوات أوصلت الرئيس الحالي يويري موسيفيني إلى السلطة عام 1986.

أيضاً واجهت أوغندا تمرداً طال لنحو 20 سنة في شمال البلاد، أدى لمقتل الآلاف وتشريد الملايين. ويُنسب إلى موسيفيني الفضل في استعادة قدر من الاستقرار والازدهار الاقتصادي بعد سنوات من الاضطرابات، وإن شابت فترة حكمه تدخلات عسكرية في دول الجوار.

وهنا أبرز المحطات التاريخية:

* 1894: بريطانيا تضم مملكة بوغندا والأقاليم المجاورة لتشكيل «محمية أوغندا»؛ بهدف حماية طريق التجارة عبر نهر النيل.

* 1962: وضع دستور فيدرالي يجعل ملك بوغندا، رئيساً للدولة.

* 1963: إعلان أوغندا جمهورية.

ميلتون اوبوتي (غيتي)

* 1962 - 1966: صراع سلطة بين الحكومة المركزية وأكبر الممالك الإقليمية (بوغندا).

* 1967: ميلتون أوبوتي يستولي على السلطة بانقلاب، ويلغي الممالك القبلية في أوغندا.

* 1971 - 1979: الجنرال عيدي أمين يستولي على السلطة ويحكم البلاد.

* 1972: عيدي أمين يطرد عشرات الآلاف من الآسيويين الأوغنديين.

1978 - 1979 - أوغندا تغزو تنزانيا، لكن تنزانيا تتمكَّن من الرد.

* 1980: عودة ميلتون أوبوتي إلى السلطة.

* 1980 - 1986: «حرب الأدغال» الأوغندية بين حكومة أوبوتي وعدد من الجماعات المتمردة، أبرزها «الجيش الوطني للمقاومة»، يُقتَل فيها نحو 500 ألف شخص.

* 1986: زعيم المتمردين يويري موسيفيني يستولي على السلطة، إيذاناً بمرحلة من الاستقرار ويعاد انتخابه أكثر من مرة ليحكم البلاد لأربعة عقود.