اليهود اليمنيون في إسرائيل... جرح لا يندمل

نظرة إلى أوضاعهم بعد عملية الإجلاء من صنعاء وريدة

اليهود اليمنيون في إسرائيل... جرح لا يندمل
TT

اليهود اليمنيون في إسرائيل... جرح لا يندمل

اليهود اليمنيون في إسرائيل... جرح لا يندمل

جلب مجموعة من اليهود اليمنيين إلى إسرائيل في عملية إسرائيلية – دولية في هذا الوقت بالذات ليس مصادفة أبدا، بل جاء للتغطية على أصداء التحقيقات الجديدة حول الأطفال الذين خطفوا خلال السنوات الأولى لقيام إسرائيل ويزيد عددهم على 10 آلاف، ومن ثم بيعوا لعائلات اليهود القادمين من أوروبا بعد «المحرقة النازية» (الهولوكوست) تعويضا لهم عن مأساتهم، أو بيعوا لغرض التجارب الطبية عليهم.
عملية الجلب، التي شملت يمنيين يهودًا من مدينة ريدة بمحافظة عمران (شمال شرقي العاصمة صنعاء) وصنعاء نفسها، أحاط بها لغط كبير خلال الأيام القليلة الماضية، كونها تمت تحت ستار من السرّية التامة، أسهم فيها طبعًا الوضع الأمني الاستثنائي الذي يعيشه اليمن.
ذات مرة، عندما كنت أسير في رواق داخل أحد مباني الجامعة العبرية في القدس لإلقاء محاضرة، التقطت عيناي كلمات عربية كتبت بأحرف عبرية. هما كلمتان في الواقع رسختا في الذاكرة «طالب الهوى»، وبسبب سرعة المشي وضيق الوقت لم يكن متاحا التعرّف على بقية الكلمات. عند العودة طلبت من مضيفي العودة عبر الرواق نفسه، حتى ندخل غرفة الصف. وإذا باللوح مليء بالأمثلة العربية المكتوبة كلها بأحرف عبرية: «طالب الهوى بعد الأربعين، ما عاد له حين»، «اطلب العلم من المهد إلى اللحد»، «ابنُ المُنى ما فيه هَنا». وشرح المضيف المسألة قائلا: «لدينا في الجامعة دورة مميزة لتعليم الأدب اليمني». ولماذا اليمني؟ لماذا ليس الأدب العربي؟ فأجاب: «يوجد لدينا فرع كامل لتعليم الأدب العربي. لكن هذه الدورة مخصّصة لليهود من أصل يمني وللمهتمين بتراث يهود اليمن. يدرسونه لمدة سنة ضمن دراسات اللقب الأول».
وبعد مزيد من الاستقصاء، اتضح أن جمعية صيانة وتطوير المجتمع والثقافة اليمنية في إسرائيل هي التي تقف وراء هذه الدورة، وذلك كجزء من نشاطها الدؤوب منذ عام 1970 لتخليد التراث اليهودي اليمني. ولقد اقنع رئيس ومؤسس هذه الجمعية، عوفاديا بن شالوم، وهو تاجر جواهر كبير، الجامعة بالفكرة ضمن مساعيه لإعادة المجد للطائفة اليمينية في المجتمع اليهودي في إسرائيل. وعندما تقول «إعادة المجد» وتستمع إلى قادة هذه الطائفة، تلمس لديهم غضبًا شديدًا على ما ضاع من هذا المجد. وفعلاً ضاع الكثير. أما المهرجانات الاحتفالية التي أقامتها حكومة إسرائيل قبل أيام، لإظهار الاغتباط باستقبال آخر 17 يهوديًا جاءوا من اليمن، والتي بثتها الفضائيات العالمية، لا تقنع اليهود اليمينيين في إسرائيل نفسها. ذلك أن هذه الشريحة من اليهود تشعر بأن قيادتها خانتها وطعنتها من الخلف وتركتها جريحة لسنين طويلة. والجراح لم تندمل، بل إن الاحتفالات تبدو وكأنها تنكأ الجراح من جديد.
يعيش في إسرائيل اليوم نحو 160 ألف يهودي من أصول يمنية، بينهم 113 ألفا ولدوا بعد قيام الدولة العبرية. ولا يشمل هذا الرقم أولئك الذين وصلوا إلى فلسطين قبل تأسيس إسرائيل، مع العلم بأن اليهود اليمنيين شكلوا نسبة 7 في المائة من السكان اليهود في ذلك الوقت.
وكما كان يهود اليمن معزولين، باختيارهم، عن بقية يهود العالم طيلة 2000 سنة مضت، فقد اختاروا التميز عن بقية الطوائف اليهودية أيضًا بعد هجرتهم إلى إسرائيل، فهم ليسوا من «اليهود الأشكناز» (الغربيون) وهم كذلك يرفضون اعتبارهم «يهودا شرقيين» ويصرون على تسميتهم بـ«اليهود اليمنيين».
لهم عادات خاصة بهم في اللغة وفي الطعام وفي الاحتفالات بالأعياد. وحتى صلواتهم تختلف بالشكل عن صلوات بقية اليهود. وكتاب التوراة الذي يعتمدونه مكتوب بخط اليد وكل صفحة فيه تضم 51 سطرًا وليس 42 سطرًا كما هو الحال في كتاب التوراة الذي تعتمده طوائف أخرى. أضف إلى ذلك أن اللغة العربية تدخل في صلواتهم أكثر من أية طائفة من اليهود العرب. وهم يسكنون في بلدات خاصة بهم أو أحياء خاصة بهم في البلدات الكبيرة ويحافظون على تلاحم مميّز. كما أنهم يتسمون بالتواضع.
لا زعامات بارزة
لا يوجد فيهم زعماء على المستوى الإسرائيلي السياسي العام. وعلى الرغم من أنهم يعتبرون قريبين من اليمين الإسرائيلي، فإن حكم اليمين لم ينصفهم، بل واصل اتباع سياسة التمييز ضدهم، كما هو حال المواطنين العرب (فلسطينيي 48) واليهود الشرقيين. ثم إن أعضاء البرلمان منهم قليلون جدا، لا يتعدى عددهم أصابع اليدين، وباستثناء النائب والوزير السابق العمالي يسرائيل كيسار (المولود في صنعاء) لم يكونوا في أي وقت بارزين.
أغنياؤهم محدودو العدد وغالبيتهم يعملون كادحين في الورش والمصانع أو المزارع. والشخصيات الأساسية لديهم تبرز في مجال الثقافة والدين والفنون. وإنجازاتهم تحققت عبر مصاعب غير قليلة.
تمسكهم بالتراث اليمني بات مميزًا أيضًا لدى الجيل الشاب. فمنذ سنوات السبعين، ترتفع أصواتهم الثقافية عاليًا. المطربة تسيبورا عُرقبي، التي كانت مديرة كبيرة في شركة الاتصالات الحكومية وتقاعدت لتتفرغ للغناء وتقوم بقيادة حفلات الزفاف وطلعة العروس والحنة على الطريقة اليمنية الأصلية، تشير بسعادة إلى نمو مجموعة من المغنين الشباب الذين يكملون الطريق: ناؤور قرواني وعومري كوهن وأبيعاد يحيى وتسيون غولان وغيرهم. وهناك الشاعران شالوم شابزي ود. رحيلي أبرهام، يتبوآن مكانة عالية في المجتمع الثقافي.
ثمة متحفان للتراث اليمني في نتانيا وفي راس العين. والأديب مردخاي يتسهار أصدر كتابًا يخلد فيه الشعر والأدب اليمين اليهودي، معتزا باقترابه الشديد من الأدب العربي.
يقول رئيس اتحاد مهاجري اليمن، الباحث الأكاديمي الدكتور موشيه ناحوم، إن اليمينيين في إسرائيل «تمكنوا من شق طريقهم بشق النفس. وحققوا على الصعيد الشخصي والجماعي الكثير من الإنجازات، خصوصًا في مجلي العلم والاقتصاد. ولكن هناك جرحًا مفتوحًا لدى كل عائلة يمنية تقريبا بسبب الجريمة التي لا تغتفر بحقهم، والتي يصرون على حقهم في إيجاد حل لها».
والجريمة التي يقصدها هي خطف نحو عشرة آلاف طفل من أبنائهم خلال هجرتهم من اليمن وحتى ما بعد ثماني سنوات على قيام إسرائيل. ففي حينه كان عدد من قادة الوكالة اليهودية، المسؤولة عن تهجيرهم من اليمن إلى إسرائيل، يشتغلون في الاتجار بالأطفال. فيخطفونهم من عائلاتهم بمختلف طرق الخداع ويبيعونهم لعائلات يهودية أخرى غنية مقابل 5000 دولار أميركي للولد. وقد بيع الأولاد في البداية لعائلات من تلك المهاجرة من أوروبا، بعد أن انتكبت بالمحرقة النازية التي أدارها ضد اليهود الألماني النازي أدولف هتلر، قبيل وإبان الحرب العالمية الثانية. وحسب عدة شهادات، فإن هذه العملية البشعة تمت في إطار الرأفة بضحايا النازية، ولكنها ما فتئت أن تحولت إلى تجارة بالشبر بكل معنى الكلمة. ثم صاروا يبيعون الأطفال للمستشفيات، لإجراء تجارب طبية عليهم.
منذ تلك السنوات واليهود اليمنيين يطالبون بتشكيل لجنة تحقيق رسمية للكشف عن الجريمة والمجرمين ومعاقبتهم وإعادة الأولاد، لكن حكومات إسرائيل كانت تتجاهل وفي أحسن الأحوال أقاموا لجان صورية خرجت بنتيجة أن خطف الأولاد كان بمثابة بضع حالات فردية نادرة.
* تمرد يمني
في شهر مارس (آذار) من سنة 1994، قامت حركة لليهود اليمنيين تطرح هذا المطلب بطريقة أخرى، فوقف على رأسها رجل دين معروف يدعى عوزي أزولاي مشولم، الذي دعا إلى التمرّد. في بداية نشاطه دعا إلى مقاطعة الانتخابات. وراح يتهم الحكومة وقيادة الحركة الصهيونية بأنها «طغمة حاكمة تدير البلاد بطريقة المافيا». وعندما بدأوا يضايقونه ويلاحقونه، دعا إلى تمرّد عسكري، وتمكن من جمع مئات المؤيدين من بين الجنود والضباط اليمنيين اليهود، الذين تمترسوا في بيته، وهو عبارة عن مزرعة كبيرة في مدينة يهود الواقعة قرب مطار تل أبيب، عند مدينة اللد. وعندها هرع رئيس الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) دوف شلانسكي، من حزب الليكود، وابرهام فوراز، الوزير في الحكومة من طرف حزب «شينوي»، فالتقوا مشولم ووقّعوا معه اتفاقا تقوم بموجبه لجنة تحقيق برلمانية في قضية خطف الأولاد اليمنيين، وبالمقابل يتوقف التمرد.
وهنا بدأت نقاشات حادة في المجتمع الإسرائيلي تجاه هذه الخطوة ومغزى التفاوض مع متمرد كهذا. ورأت السلطات الإسرائيلية المؤلفة من غالبية أشكنازية، تحت قيادة إسحق رابين، أن هذا الحراك بالغ الخطورة وتخيّلت أن يتحوّل إلى أسلوب كفاح تتبعه بقية الطوائف المظلومة، خصوصا اليهودية منها. فالشباب اليهود كله، من كل الطوائف والملل، مجنّد في الجيش الإسرائيلي ويعرف أسراره ويجيد وسائل القتال ويمتلك السلاح. لهذا، بدأ التفكير في التراجع عن الاتفاق. وبدأت الشرطة تستعدي أنصار مشولم إلى التحقيق بتهمة التمرد. وردّ مشولم بإعلان التمرد العسكري من جديد. وهدّد بإطلاق النار على كل من يحاول اقتحام مزرعته. ووصف قيادة إسرائيل بأنها «عصابة إرهاب»، بل وقال إن «هتلر يبدو قديسًا أمام هؤلاء القادة». وعلى مدار أسبوع عاشت إسرائيل حالة توتر شديد.
وتصادف في تلك الفترة أن تم تعيين قائد شديد للشرطة الإسرائيلية، أساف حيفتس. فرأى أن هذه فرصته لاستعادة الهيبة إلى جهاز الشرطة. فاتصل شخصيًا بقائد التمرد، مشولم، واتفق معه على إجراء لقاء في فندق في المدينة وتعهد له خطيا بأن لا يحصل له أذى. وعندما وصل إلى الفندق، تم اعتقاله مع حراسه. بينما قامت قوات من الكوماندو بمهاجمة مزرعته الرصاص الحي، واصطاد قناصو الشرطة قائد العمل المسلح، شلومي أسولين، الذي كان قائدا لفرقة في لواء جولاني في جيش الاحتياط وقتلوه. وبعدها، حوكم جميع المشاركين في التمرّد وفرضت عليهم أحكام بالسجن تصل إلى 6 سنوات سجن. وفرض على مشولم السجن ست سنوات ونصف السنة، لكنه مرض في السجن وتوصل إلى اتفاق مع إدارة مصلحة السجون بأن يطلق سراحه مقابل التعهد بترك موضوع خطف الأطفال اليمنيين. وعام 2013 توفي مشولم، وهاجرت عائلته إلى كندا.
* مشكلة نتنياهو
لقد أقيمت في حينه لجنة تحقيق رسمية في موضوع خطف الأطفال، لكنها مثل سابقاتها توصلت إلى نتيجة بأن المسألة كانت فردية ومحدودة وليست سياسة رسمية. لكن يهود اليمن رفضوا التسليم بهذه النتيجة. وقبل بضعة شهور، بث فيلم تلفزيوني من 55 دقيقة حول موضوع مشولم، يوضح أن المسألة لم تحسم عند اليمنيين وأنهم يشعرون بتعميق سياسة الظلم والاضطهاد ضدهم. وظهرت عدة عائلات يمنية تتحدث عن مأساتها الشخصية بسبب خطف الأولاد، بطريقة تقطع القلوب.
وفي مطلع الشهر الحالي، صدر كتاب جديد أعده الباحث موشيه ناحوم، يؤكد بالوثائق والشهادات حقيقة خطف 12500 ولد وبنت، بينهم 10200 يمني في السنوات ما بين 1948 و1956 وإجراء تجارب طبية على 112500 طفل من اليهود الشرقيين، بينهم 13 ألف يمني وخطف 187 صبية يمنية. كما كشف أن يهود اليمن وثقوا يومها بموظفي الوكالة اليهودية فسلموهم كل ما يملكون تقريبا من جواهر وحلى ومخطوطات قديمة ثمينة وكتب، حتى يسلموها لهم عندما يصلون إلى إسرائيل لكن معظم هذه المواد لم تعد لأصحابها.
ويكتب ناحوم أن «هذا الجرح لم يندمل»، وأن أولاده وغيرهم من أبناء الجيل الجديد غاضبون أكثر منه على هذه الجريمة ويطرحون حلولا أكثر حدة وعنفا لفرض معالجتها ويصرون ليس فقط على معاقبة المجرمين، بل على فك لغز هذه الجريمة وإعادة المخطوفين.
بعد هذين الحدثين، الفيلم والبحث الجديد في كتاب ناحوم، جاء الإعلان الدرامي لحكومة بنيامين نتنياهو في مطلع هذا الأسبوع، عن جلب آخر من يريد من يهود اليمن الهجرة إلى إسرائيل. وهم 17 شخصا. وجاءت تصريحات نتنياهو عن حرص إسرائيل على أن تكون بيتًا دافئًا لليهود من جميع أنحاء العالم.
* خلفية تاريخية واجتماعية
* يقال إن أجداد يهود اليمن استقروا في اليمن منذ العهد التوراتي الأول. ويروي ابن اسحق أن اليهودية انتشرت هناك عبر أحبار جاء بهم آخر التبابعة تبّان أسعد أبو كرب. وحسب بعض المراجع فإن أبا كرب أعجب بغزارة علم حبرين من اليهود كانا قد ردعا حملة جردها على المدينة، فكانت النتيجة أن تهود وأخذهما معه إلى بلاد حميَر. ويذكر المؤرخ والجغرافي العربي المسعودي اسم التبّع بصورة مخالفة، ويروي الرواية أيضًا بخلاف ذلك، فيقول «.. ثم ملك بعده تبّع بن حسان بن كليكرب (أو تبّع بن حسان أبو كرب)، وهو الملك السائر من اليمن إلى الحجاز، وكانت له مع الأوس والخزرج حروب، وأراد هدم الكعبة فمنعه من كان معه من أحبار اليهود، فكساها القصب اليماني وسار نحو اليمن وقد تهوّد وغلبت على اليمن اليهودية، ورجعوا عن عبادة الأصنام وكان ملكه نحو مائة سنة».
ويعرض المسعودي لمن جاء بعده وهم عمرو بن تبّع ثم وليعة بن مرثد فأبرهة بن الصباح بن وليعة فعمرو بن ذي قيفان ثم ذو شناتر (وورد شناتير)، إلى أن يصل إلى يوسف ذو نواس بن زرعة بن تبّع الأصغر بن حسان بن كليكرب وهو صاحب «الأخدود».
بعد القضاء على ردة الأسود العنسي، حمى الإسلام يهود اليمن ومنحهم الأمان وضمن لهم حرية العبادة مقابل دفعهم الجزية. وتشير الوثائق اليهودية إلى أنه خرج من اليمن عدد من كبار العلماء والحاخامين والشعراء وازدهرت دراسة التقاليد الصوفية «القبلاه»، وفي المقابل نقل أمثال وهب بن منبه (654 - 732م / 34 - 114ه) وعبيد بن شرية (توفي نحو 686م / 67 هـ) إلى التراث العربي الكثير من الأخبار والقصص و«الإسرائيليات».
ولقد سيطر الأئمة الزيديون على الأوضاع الدينية في اليمن منذ القرن العاشر، واحتفظوا بالسيطرة السياسية المطلقة بين عامي 1917 و1962. وطوال عهدهم كان اليهود أبناء الطائفة الوحيدة غير المسلمة في البلاد. وتطورت شخصية اليهودي اليمني تبعا لواقع معين خاص أثرت فيه حتما طبيعة اليمن وجغرافيتها وصعوبة مسالكها فانعزل بعض الشيء عن الكثير من الظواهر التي عايشها اليهود في أماكن أخرى من العالم. ومع أن العادة درجت عند كثرة من المؤلفين الأجانب - خصوصا من ذوي الميول الصهيونية - على التحدث عن كلمة «ذمّي» بصورة سلبية، وعلى تركيز الاهتمام بحالات التمييز أكثر منه عند واقع الحماية وضمان ممارسة العبادة من دون حجر أو اضطهاد، فإن الجادين والموضوعيين من الكتاب تعرّضوا للحقائق كما عرفوها بحلوها ومرّها. وبالنسبة ليهود اليمن، كتب الكثير من الأبحاث عنهم، وتناولهم الرحالة والباحثون الاجتماعيون باهتمام. الباحثة الصهيونية جون كوماي تشير في متابها عن «الدياسبورا اليهودية» إلى أن موسى بن ميمون بعث عام 1160م، في أعقاب اضطراب ديني في اليمن، برسالة إلى يهودها مع زعيمهم الحاخام يعقوب بن ناثانيل الفيومي، حثهم فيه على الصمود في وجه الإمام والأفراد الذين يدعون أنهم «المسيح المنتظر» وذلك في سياق شرحها لعمق تدينهم وتصوفهم. وتذكر أن بين من ادعوا أنهم «المسيح المنتظر» في فترات متعاقبة وتسببوا في نقمة الأئمة على اليهود رجل اسمه شبطاي زفي في القرن الـ17 ويهوذا بن شالوم الذي لقب نفسه «شكر كحيل» ويوسف بن عبد الله في القرن التاسع عشر.
من ناحية ثانية قّدر ناثان أوسوبل في كتابه «التاريخ المصور للشعب اليهودي» عدد اليهود في اليمن عام 1926 بـ8000 عائلة أو 35 ألف نسمة. بينما قدّر الباحث هربرت لويس في كتابه «بعدما حطت العقبان: يمنيو إسرائيل» أن العدد بلغ قبل بدء الهجرة الجماعية إلى فلسطين - بين عامي 1949 و1950 - بأكثر من 50000 نسمة، كانوا يعيشون في نحو ألف مدينة وبلدة وقرية. وأضاف أن ربع هؤلاء كان يعيش في المدن الرئيسية وكانت أكبر تجمعاتهم في صنعاء (6000 نسمة) ورداع (2500 نسمة) وذمار (2000 نسمة)، وكذلك في عمران وصعدة وتعز وإب ومناخة ويريم، وكانوا عموما يقيمون في أحيائهم الخاصة.
على الصعيد الاقتصادي، اشتغل يهود اليمن غالبا بالحرف وخصوصا صياغة الفضة والذهب وسك النقود، وصنع السلاح وتصليحه، وصنع الخزف والفخار والحلوى والخبز والشراب والصابون والأحذية ودباغة الجلود وتصنيعها، والخياطة وحياكة المنسوجات والسجاد والصباغة والنجارة والحدادة والصيرفة والمعمار وزخرفة البيوت.. وما إلى ذلك من الحرف والصناعات اليدوية، بجانب التجارة على أنواعها.
ويشير هربرت لويس نقلا عن ج. وإيمان بري (يعود مؤلفه إلى عام 1915) إلى أن اليهود يملكون ويديرون أفضل متاجر صنعاء، ويضيف أن في أسواق اليهود كان يمكن شراء بضائع مستوردة من أوروبا، نقلا عن مصدر آخر يروي لويس أن يهوديا افتتح متجرا خلال العشرينات أو الثلاثينات كان يبيع فيه سلعا من روسيا واليابان. ومع أن كثيرين من اليهود عاشوا في فقر مدقع فإن بعضهم أثروا واكتسبوا نفوذا كبيرا، وتحكى في هذا المجال حكاية يهودي من مناخة صنع ثروة من تجارة البن خلال القرن التاسع عشر.
كما يتحدث الرحالة كارستن نيبور عن رجل من أسرة عراقي.. «فاز بحظوة عند اثنين من الأئمة وعمل لمدة 28 سنة بلا انقطاع مديرا للجمارك والمكوس ومديرا للمباني والجنائن، وكان يملك أحد أفخر بيوت صنعاء». ويشرح لويس أن هذا الرجل هو شالوم كوهين الذي جاءت أسرته إلى اليمن من مصر، ولعب في ما بعد دورا مهما في حياة اليهود في صنعاء واليمن، قبل أن يفقد حظوته ويسجن.
ولكن مع تنامي النفوذ البريطاني في بحر العرب، وتحوّل عدن إلى محمية بريطانية مهمة، بدأ الاتصال الغربي بيهود اليمن ومنطقة حبّان، في غرب حضرموت، لترغيبهم بالهجرة إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر.
وبحلول عام 1948 غادر نحو 18 ألف يهودي اليمن إلى فلسطين، وبين 1949و 1950 غادر السواد الأعظم مما تبقى من اليهود بواسطة عملية «البساط السحري» أو «على أجنحة العقبان» عبر عدن، الرازحة آنذاك تحت السلطة البريطانية. ولحق بهؤلاء 2000 مهاجر خلال فترة قصيرة ولم يتبق حتى العام الماضي (1993 / 1994) سوى بضع مئات هاجروا أخيرا.
يسكن اليهود اليمنيون اليوم في عدة أماكن في إسرائيل، أهمها القدس ورحوبوت ونتانيا وبتاح تكفاه، كما يعيش آخرون في أحياء ومستوطنات أحدث عهدا مثل أشدود قرب قطاع غزة وديمونا في النقب وكريات شمونة (على الحدود اللبنانية) وكريات إلياهو وكريات غات. ويبلغ عدد المواطنين الإسرائيليين المتحدرين من أصل يمني بأكثر من 165000 نسمة منهم 52000 مولودون في اليمن و112000 من أبوين يمنيين.



هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)
TT

هل «يفلت» علي الزيدي من حصار المواعيد؟


جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي  (أ.ف.ب)
جانب من اجتماع للحكومة العراقية برئاسة علي الزيدي (أ.ف.ب)

للمرة الأولى، منذ تشكيل أول حكومة عراقية بعد عام 2003، فتحت الحكومة الحالية برئاسة رجل المال والأعمال علي الزيدي ملفات كانت بين المسكوت عنه أو المتخوف من التعامل معه بصوت مرتفع. وفي غضون «الأيام المائة» التي أكملتها الحكومة أخيراً، تضمّن برنامجها المتضمّن أهم فقرتين وضعهما رئيس الوزراء ضمن أولى أولوياته، وهما: حصر السلاح بيد الدولة، ومحاربة الفساد المالي والإداري المستشري في البلاد. والواقع أن هذا الوضع بات يهدد كيان الدولة نفسه مع وضعها على حافة الإفلاس. من جهة ثانية، في حين يبدو ملف مكافحة الفساد شأناً داخلياً فإن ملف حصر السلاح، بقدر ما هو شأن داخلي يتمثل في العلاقة المتشنجة بين الحكومة وقوى السلاح المنفلت، فله بُعدان؛ أولهما إقليمي يتعلق بطبيعة العلاقة بين العراق وإيران. وثانيهما دولي يتمثل في العلاقة بين العراق والولايات المتحدة. وبالطبع يبقى هناك قاسم مشترك بين ملف السلاح وطبيعة العلاقة المركّبة العراقية - الأميركية - الإيرانية.

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي (رويترز)

يبدو علي الزيدي، رئيس الوزراء العراقي، في وضع مريح على صعيد إيفائه بوعده في البدء بتطبيق فقرتي محاربة الفساد وحصر السلاح من برنامجه الحكومي، إلا أنه بعد تجاوز حكومته فترة «الـ100 يوم» لا يزال يعاني من حصار المواعيد السياسية. والقضية الرئيسة هنا أن الحكومة لا تزال ناقصة 9 حقائب وزارية تدار حالياً بالوكالة بسبب الخلافات بين الكتل السياسية على حصصها من هذه الوزارات.

ومع أن الزيدي لا يبدو مسؤولاً عن إكمال «الكابينة» (التشكيلة) الحكومية التي تحتاج إلى توافق سياسي بين القوى التي فازت بالانتخابات، وحازت على مقاعد برلمانية تؤهلها للحصول على حقائب، تكمن الإشكالية في أن تأخر إكمال «الكابينة» يبقي الحكومة على الحافة؛ إذ إن استقالة أي وزيرين منها، تحت أي ظرف، يفقدها شرعية البقاء، ويبقي رئيس الوزراء محاصراً من القوى السياسية التي يرفض بعضها إكمال الحقائب المتبقية لكي يبقى الزيدي رهينة لضغطه.

من ثم تتبقى القضيتان المتصلتان بفقرتي الفساد والسلاح.

محاربة الفساد

إجراءات محاربة الفساد بدأت منذ أربعة شهور عبر ما سُمي بـ«صولة الفجر» التي اعتقل خلالها عددٌ كبير من النواب والمسؤولين الكبار، كما فرّ وزراء ونواب ومسؤولون كبار آخرون. إلا أنه مع تأخر فتح ملف الموقوفين حالياً، أو إحالتهم إلى المحاكم، فإن بقاءهم خلف القضبان من دون محاكمة بات يُشعر بعض الناس بأن ثمة «مشروع» تسوية مالية معهم.

والواقع، يتزامن مع هذا الحال، مع بدء إجراءات حكومية على صعيد إلقاء القبض على مسؤولين بدرجات متدنّية وإحالتهم إلى القضاء. وهو يعطي انطباعاً بأن حملة محاربة الفساد تحوّلت من محاربة الفساد كـ«منظومة متكاملة»، إلى محاربة الرّشى التي هي أحد أوجه الفساد لا أكثر.

حصر السلاح

أما مسألة حصر السلاح بيد الدولة فقد تحوّلت إلى ملف شائك بعدما تمكّنت إيران ومَن معها من قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي من احتواء الأمر عبر تمديد مهلة التعامل مع ملف السلاح، بدلاً من حصره نهائياً بحلول يوم 30 سبتمبر (أيلول) الحالي إلى ما بعد هذا التاريخ.

العصا والعجلة

وسط هذه الوقائع، تسعى الأطراف السياسية إلى وضع مزيد من العِصّي في عجلة رئيس الوزراء الباحث عن إنجاز يحقّقه وسط دعم شعبي قوي من عدد كبير من القوى السياسية والجماهيرية. وبين أبرز الخطوات الهادفة إلى احتواء خطوات الزيدي، محاولات إيجاد ذرائع لتعطيل حملة محاربة الفساد، بحيث تقتصر على الحلقات الوسطى في الدولة.

ومن جهة أخرى، فإن الدخول الإيراني القويّ على مسألة حصر السلاح بيد الدولة، وجعله ملفاً إقليمياً مرتبطاً بالصراع بين الولايات المتحدة وإيران، أدى إلى تمديد المهلة المقرّرة لحصر السلاح. وهذه محاولة يراد منها إفراغ خطوات الزيدي من محتواها الحقيقي. وللتذكير، كانت الحكومة العراقية قد أعلنت أن موعد حصر السلاح بيد الدولة سيكون يوم 30 سبتمبر (الحالي)، وهو الموعد المقرر لانسحاب التحالف الدولي. لكن إيران دخلت على خط الموقف من الفصائل الرافضة لتسليم سلاحها، وأبرزها «كتائب حزب الله» و«حركة النجباء» و«حركة أنصار الله الأوفياء»، التي سبق لها أن أعلنت أن «لديها ارتباطاً عقائدياً» مع إيران. وبالتالي، فإن سلاحها يتجاوز الحدود الجغرافية للدول، كونه سلاح «مقاومة»، وفق السردية التي تعتمدها في خطابها السياسي.

نوري المالكي (آ ف ب)

زيارات سريّة ومعلنة

هذا الدخول الإيراني لصالح هذه الفصائل، وتجاهل موعد 30 سبتمبر، تجسّد أولاً في زيارة سرّية – كما هي العادة - لقائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني، تلتها بعد أقل من أسبوع زيارة مُعلنة لرئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف امتدت لأيام. ثم تبعتها زيارة سرّية أخرى لممثل المرشد الإيراني الأعلى مجتبى خامنئي جرى خلالها «تحديد طبيعة العلاقة» بين العراق وإيران، عبر الضغط على قوى «الإطار التنسيقي» لتبني سياسة أخرى، تختلف عن السياسة التي رسمها رئيس الوزراء الزيدي للتخلص من النفوذ الأجنبي في العراق.

زيارة قاليباف، وفق مصادر عراقية مطلعة، لم تحقق كل أهدافها، وبالأخص، لجهة «تليين موقف الزيدي من مسألة حصر السلاح بيد الدولة». وطبقاً لما كُشف عنه من كواليس اللقاءات والاجتماعات التي عقدها قاليباف، سواءً مع رئيس الوزراء العراقي أو مع قيادات «الإطار التنسيقي»، بحضور الزيدي، فإن الأخير بقي متمسكاً بموعد 30 سبتمبر بسبب؛ كونه ملتزماً مع الجانب الأميركي بهذا الشأن.

بحسب التقديرات المتداولة، فإن الزيدي خلال لقاءات خاصة جمعته مع نواب ومسؤولين، ليس في وارد أي تنازل عن تلك المهلة. بل بالعكس، يمكن أن يمضي إلى ما هو أبعد مما تتصوّره القوى السياسية التي تضغط عليه من أجل المهادنة. ثم إنه ليس في وارد تقديم استقالته، على نقيض ما تتمناه بعض القوى المتورطة في الفساد بأمل «خلط الأوراق» من جديد. بل يرجّح المراقبون أن يلجأ رئيس الوزراء إلى الشعب في خطاب صريح، آملاً أن يضعف موقف هذه القوى، وخصوصاًـ إذا دخل على خط دعمه مقتدى الصدر، زعيم «التيار الوطني الشيعي» أكبر كتلة شيعية في البلاد.

الزيدي ليس في وارد أي تنازل عن المهلة الزمنية لحصر السلاح... ولا يفكّر بتقديم استقالته

عالي المقام

إيران، من جهتها، كثّفت ضغوطها على «الإطار التنسيقي»، وعلى الزيدي معاً، وبالأخص، بعد إعادة ترتيب «الإطار التنسيقي» بإضافة عضو جديد لقيادته هو شبل الزيدي، زعيم فصيل «الإمام علي» ورئيس كتلة «خدمات» في البرلمان العراقي، وذلك في أعقاب هروب أحمد الأسدي وزير العمل والشؤون الاجتماعية السابق والقيادي في «الإطار» إثر اتهامه بملفات فساد، واستقالة أبو الولاء الولائي، الأمين العام لـ«كتائب سيد الشهداء».

وفي هذا السياق، دخل المرشد مجتبى خامنئي، شخصياً، على الخط، حين أرسل ممثله الخاص، محسن قمّي، بهدف احتواء التداعيات الخاصة بحصر السلاح بيد الدولة الذي يصرّ عليه رئيس الوزراء العراقي. وفي الوقت عينه، حث مبعوث خامنئي قوى «الإطار التنسيقي» على تحاشي وقوع أي صدام بين قوى «الإطار التنسيقي» والفصائل المسلحة التي ترفض تسليم سلاحها إلى الدولة مع نهاية المهلة المقررة.

إيران لا تريد ذرائع للتصادم

الهدف الذي ترمي إليه إيران من خلال اتباع هذه السياسة الجديدة هو عدم منح الحكومة أي ذريعة للتصادم مع الفصائل، وذلك بتشكيل لجان، وبدء مباحثات، ووضع آليات لغرض تسليم السلاح، وتحديد أي سلاح، وما هو المقابل.

هذا يعني التلاعب بالمهلة، ولكن بما لا يؤدي إلى إغضاب الحكومة المرتبطة بتفاهم مع واشنطن، ولا أن يؤدي إلى استفزاز واشنطن التي لا أحد يعرف حدود رد فعلها في حال لم تفِ الحكومة العراقية بمهلة حصر السلاح.

... مخاوف عند «الإطار التنسيقي»

في هذا السياق، يقول الدكتور غالب الدعمي، أستاذ الإعلام في الجامعة المستنصرية لـ«الشرق الأوسط»، إن «(الإطار التنسيقي) يشعر بالمخاطر المترتبة على حصر السلاح، كما يعرف مدى جدية واشنطن في هذا الملف، الأمر الذي جعلها تحاول قدر الإمكان البحث عن منفذ أو طريقة ما للامتناع عن تطبيق حصر السلاح مائة في المائة، لكن في الوقت نفسه يحقق الرضا الأميركي عن العراق».

وأضاف الدعمي أن «قوى (الإطار التنسيقي) تعرف جيداً أيضاً أن حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد يصبّان في النهاية في مصلحة رئيس الوزراء علي الزيدي، بينما لا يريد (الإطار التنسيقي) لأي رئيس وزراء أن يحقق نجاحاً كبيراً. وبالتالي مسموح له أن يحقق نجاحاً محدوداً؛ لكيلا يتفرعن عليهم... بل يظل تحت سيطرتهم».

ثم أوضح أن «(الإطار)، في هذه الحالة، وبقدر ما يريد تجنب تأجيج الوضع مع أميركا فهو في الوقت نفسه لا يريد لرئيس الوزراء أن يبدو بطلاً شعبياً أمام الناس»، مؤكداً أن «هذا السلوك الذي تنتهجه القوى الشيعية ليس مقتصراً على معاملة الزيدي فقط، بل هو سياسة ثابتة اتبعتها مع كل رؤساء الوزراء السابقين، مع أن الفرصة الآن تختلف... حيث الكفة تميل الآن لصالح الزيدي كونه يحظى بدعم شعبي كبير يصعب مقاومته، ومع هذا تجري محاولات للالتفاف عليه».

لا لإسقاط الحكومة

من جانبه، حذّر نوري المالكي، زعيم ائتلاف «دولة القانون»، بعد يوم واحد من زيارة المبعوث الإيراني الرفيع المستوى، من محاولات لإشعال «حرائق» في المشهد السياسي وإرباك الواقع العراقي.

وأكد المالكي، في تصريحات صحافية، دعم «الإطار التنسيقي» لاستمرار الحكومة ورفض تغييرها أو إسقاطها. وقال طبقاً لبيان صدر عن مكتبه، الأربعاء الماضي، إن العراق «يمرّ بمرحلة حساسة تتطلب قدراً عالياً من الحكمة والمسؤولية»، مشيراً إلى وجود محاولات لإرباك المشهد السياسي، في وقت يواصل فيه «الإطار التنسيقي» دعمه للحكومة حرصاً على استقرار البلاد ومصالحها العليا.

ثم شدد رئيس الحكومة الأسبق على ضرورة معالجة ملف حصر السلاح بيد الدولة، «بعيداً عن التصعيد أو المواجهة»، محذراً من «تحوّل هذا الملف إلى صدام بين الدولة والفصائل سيكون بالغ الخطورة، وقد يهدد استقرار العراق ويفتح الباب أمام مواقف سياسية متباينة».

وأكد المالكي أن أي مواجهة داخلية ستكون «خسارة للعراق بأكمله»، وليس لطرف أو مكون بعينه. وأن من يتصوّر أن أي صراع محتمل سيكون «شيعياً - شيعياً» فهو واهم؛ لأن تداعياته ستطال الدولة والمجتمع وجميع المكونات.

وتابع أن الحكومة و«الإطار التنسيقي» لن يسمحا بانزلاق البلاد إلى اقتتال داخلي، داعياً إلى «بلورة رؤية وطنية وإقليمية واضحة تحول دون تعرض العراق للمخاطر، وتمنع تحوله إلى ساحة لتصفية الصراعات أو تنازع المصالح الإقليمية والدولية، بما يحفظ أمنه وسيادته واستقراره».

«مجلس قيادة» شيعي

في هذه الأثناء، في سياق الترتيبات الجديدة التي «هندستها» إيران، فإن همام حمودي القيادي البارز في «الإطار التنسيقي» وزعيم «المجلس الإسلامي الأعلى» - الذي جعلته إيران صلة الوصل بينها وبين باقي قيادات «الإطار» - أعلن عن تشكيل «مجلس قيادة» شيعي لتفادي اندلاع حرب شيعية - شيعية.

حمودي حذر مما أسماه مسعى لإشعال حرب «شيعية - شيعية»، بالقول إن «هدفها الظاهر حماية المصالح العامة، بينما يكمن باطنها - بحسب وصفه - في زعزعة النفوذ السياسي والاجتماعي الشيعي وإبعاد القوى المؤثرة من مواقعها».

وأضاف حمودي، خلال مشاركته في جلسة نقاشية ضمن أعمال مؤتمر «حوار بغداد الثامن» الذي ينظمه المعهد العراقي للحوار، إن «وجود المرجعية العليا والالتزام الديني ووعي أبناء الشعب العراقي بحقيقة المؤامرة الخبيثة (بحسب وصفه) - ستحول دون نجاح أي رهان على حرب شيعية - شيعية... ولن يفلحوا».


هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
TT

هاكون الثامن ملكاً على النرويج بلاد «الفايكينغز» وإحدى الأغنى عالمياً

نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،
نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده،

دخلت العائلة المالكة في النرويج عهداً جديداً مع وفاة الملك الواسع الشعبية هارالد عن عمر 89 سنة، وتولي ابنه هاكون، البالغ من العمر 53 سنة، العرش وسط تراجع في شعبية العائلة المالكة متأثرة بعدد من الفضائح، مع أن هذه الشعبية على يبدو تعافت أخيراً. فلقد أظهر استطلاع أجرته هيئة البثّ العام «إن آر كا» بعد وفاة الملك هارالد، قبل أسبوع، أن شعبية العائلة المالكة وصلت إلى 72 في المائة في ارتفاع عن مايو (أيار) الماضي، عندما انخفض التأييد للعائلة إلى أدنى مستوياته، فبلغ 54 في المائة فقط! وطوال فترة حكمه التي امتدت 35 سنة، حظي الملك هارالد الراحل بشعبية عالية بين النرويجيين، وكان ينظر إليه على أنه «جدّ الأمة»، كما وصفه معلقون في النرويج. ومع أن الملك في النرويج لا سلطات فعلية له، فقد نجح بتوحيد البلاد، وكان دائماً يجد الكلام المناسب، حتى في أصعب الأوقات. أكثر من هذا، لم يتنازل هارالد عن العرش رغم أنه عانى في السنوات العشر الأخيرة من عدد من الأمراض المتتالية أثّرت بشكل كبير على صحته. وفي السنوات الأخيرة، هزّت العائلة المالكة عدة فضائح مرتبطة بزوجة ابنه هاكون، الملك الجديد، وابنته الأميرة مارتا لويز، التي تكبر هاكون سناً، لكنها لم ترث والدها على العرش بسبب قوانين قديمة، ما كانت تسمح إلا بتولي الذكور العرش. إلا أنه جرى تغيير القوانين تلك عام 1990 للسماح بالابن أو الابنة الكبرى بأن تصبح ولي العهد، ولكن بقي القانون القديم مطبقاً على أبناء هارالد. وبعد وفاة والده، تولّى هاكون العرش في مراسم متواضعة ألقى خلالها القسم، من دون حفل تتويج بعد إلغائه في النرويج قبل عقد من الزمن.

 

 

 

كان لافتاً غياب زوجة الملك هاكون («هوكون» كما يلفظ الاسم محلياً) عن حفل أدائه القسم غداة وفاة والده. عوضاً عن ميته ماريت، كانت ابنته إنغريد ألكسندرا حاضرة إلى جانبه، وأدّت القسم لتصبح وريثته على العرش.

العائلة الملكية برّرت غياب ميته ماريت بأنها تعاني من مضاعفات بعد إجراء عملية زرع رئة في منتصف شهر يوليو (تموز) الماضي. وبالفعل، شوهدت الملكة الجديدة تصل إلى مستشفى أوسلو برفقة زوجها الملك، بعيد حفل أدائه القسم، في سيارة «رينج روفر»، قادها هو بنفسه... ومكث معها قرابة الساعة ليغادر ويعود بعد وقت قليل ليأخذها معه.

فضائح «ميته ميريت»

بيد أن غياب الأميرة قد يكون أيضاً مناسباً للعائلة المالكة لإبعاد الأضواء عنها بسبب الفضائح الكثيرة المرتبطة بها منذ سنوات، التي تسببت بدعوات لتجريدها من ألقابها الملكية لأنها «غير جديرة بها». فمنذ سنوات، واسم ميته ماريت بات مرتبطاً بالمليونير الأميركي جيفري إبستين الذي وجد ميتاً في السجن بعد توقيفه بتهم تتعلق الاتجار بالقاصرين لأغراض جنسية من بين تهم أخرى. ولقد كشفت صحف نرويجية منذ عام 2019 عن علاقة صداقة تجمع بين ميته ماريت وإبستين.

وعلى الرغم من أن الملكة أعلنت مراراً أنها قطعت علاقتها به عام 2013، بعد سنتين من تعرفها عليه، فإن المراسلات التي كشف عنها الكونغرس الأميركي أخيراً أظهرت أنها لم تكن تقول الحقيقة. إذ أكّدت تلك الوثائق وجود علاقة صداقة قويّة بينهما وتبادلهما لرسائل شخصية خاصة لسنوات استمرت حتى عام 2014.

وللعلم، اعتذرت ميته ماريت لاحقاً عن علاقتها بإبستين، لكنها نفت علمها بأنه كان مُداناً بجرائم جنسية على الرغم من اعترافها في واحدة من المراسلات التي بعثتها له بأنها بحثت عن اسمه في محرّك «غوغل» وأن النتائج «لم تكن جيدة». وللعلم، أدين إبستين بجرائم جنسية وجرائم احتيال منذ عام 2005، واعتقل كذلك وحكم عليه بالسجن لأشهر عام 2008 مع أنه لم يعتقل في ملف كبير إلا في عام 2019.

فضيحة ثانية...هذه المرة لابنها

وتسببت علاقة ميته ماريت بإبستين بدعوات في الصحافة النرويجية لتجريدها من منصبها ولقبها، أسوة بالأمير أندرو في بريطانيا. واقترح البعض أن يبقى زوجها ملكاً بعد تتويجه، ولكن شرط ألا تُمنح هي اللقب ولا تُمنح أي واجبات ملكية. غير أن ارتباط الملكة الجديد بإبستين جاء وسط فضيحة أخرى ارتبطت بابنها من زوجها الأول قبل زواجها من هارالد. إذ كان ابنها داريوس يخضع لمحاكمة في جرائم اغتصاب وعنف وتهريب مخدرات، أدين فيها لاحقاً وحكم عليه بالسجن لـ4 سنوات... يخدمها الآن في الحبس المنزلي بعد إجباره على ارتداء سوار تعقُّب.

وسط كل هذه الفضائح، اختار هاكون الوقوف إلى جانب زوجته، مقدماً لها كل الدعم. وفي الواقع، فإن تلك الفضائح تعكس تاريخ الزوجين والمشاكل التي أحاطت بهما قبل زواجهما. فهي تنتمي إلى عامة الشعب، وليست ابنة عائلة أرستقراطية، ولكن تلك لم تكن العقبة الأساسية. ذلك أن الملكة سونيا، أم الملك هاكون، وزوجة الملك هارالد، كانت هي أيضاً من عامة الشعب. وكانت الأولى من العامة التي تدخل العائلة المالكة النرويجية.

غير أن تاريخ ميته ماريت، وعلاقاتها السابقة، أثبتت منذ البداية أنها تشكّل تحدّياً لولي العهد آنذاك. فقد تعارفا عام 1999، وتزوّجا بعد ذلك بـ3 سنوات، علماً بأنهما كانا يعيشان معاً قبل زواجهما، ما تسبّب كذلك بانتقادات داخل الكنيسة اللوثرية التي تنتمي إليها العائلة المالكة النرويجية.

حياة غير عادية

للعلم، كان للملكة ميته ماريت ابن يدعى ماريوس، يبلغ من العمر 4 سنوات، عندما تعرّفت على هاكون، أنجبته من رجل أُدين بحيازة مخدرات. وعُرفت ميته ماريت أيضاً بماضيها الصاخب وحياتها المتقلّبة وتعاطيها المخدرات واختلاطها بأشخاص أدينوا لاحقاً بجرائم. بيد أنها قبل زواجها من هاكون، اعتذرت علناً عن ماضيها وأعلنت إدانتها للمخدرات.

وبالنسبة لهاكون، فإنه ظل على إعجابه بها رغم ماضيها الصاخب وانتقادات الصحافة لها، وأعلن قبل زواجهما أنهما حظيا بموافقة والديه، مضيفاً: «ما وجدناه معاً كان قوياً للغاية لدرجة لم أتمكن من التخلي عنه». ومن ثم، رزُق الزوجان بإنغريد ألكسندرا عام 2004، ثم بشقيقها سفيري ماغنوس في العام التالي.

فضلاً عما سبق، ووسط الفضائح الأخيرة، عادت صحة ميته ماريت إلى الواجهة أيضاً، بعدما أعلنت العائلة المالكة عام 2018 عن إصابتها بالتليّف الرئوي المُزمن. وساءت حالتها منذ مطلع العام، ما استوجب إجراء عملية زرع رئة لها خلال يونيو (حزيران) الماضي، يبدو أنها ما زالت تعاني من تبعاتها. وجاء الإعلان عن تدهور صحة ميته ماريت في وقت كانت تجري محاكمة ابنها داريوس وسط تغطية إعلامية كبيرة في النرويج.

الأميرة مارتا لويز... والتنجيم!

من جهة ثانية، يرى متابعون أن ميته ماريت ليست وحدها مصدر القلق بالنسبة للملك هاكون أو تراجع شعبيته، بل أيضاً شقيقته مارتا لويز كذلك. فهي الأخرى تسبب بمتاعب للعائلة المالكة كان آخرها ارتباطها بدوريك فيريت، وهو معلم روحي أميركي، أفريقي الأصل، ومن المؤمنين بنظريات المؤامرة.

ويصف الإعلام النرويجي فيريت بأنه «محتال»، لكن الأميرة مارتا نفسها تتهم الإعلام بأنه «عنصري» ويهاجم زوجها لأنه أسود. وبالفعل، تخلت الأميرة عن لقبها «صاحبة السمو» عام 2022 لكي تتمكن من متابعة مشاريعها التجارية، ولكنها واصلت استخدام لقب «أميرة»، وما زالت في ترتيب ولاية العرش بعد ابنة الملك هاكون.

بل يضاف إلى ما تقدّم، أن مارتا لويز نفسها تتسبب بجدل بسبب تعريفها نفسها بأنها «منجّمة» وتزعم القدرة على الاستبصار والتكلّم مع الملائكة (!)

بالتالي، في عام 2024، أظهر استطلاع للرأي حول مستوى التأييد الشعبي للملكية تراجعه إلى 68 في المائة مقارنة بـ81 في المائة عام 2017، وسمّى المُستطلعة آراؤهم الأميرة مارتا لويز وداريوس ابن ميته ماريت، السببين الرئيسين في تراجع تأييدهم للعائلة المالكة.

هاكون... الاستثناء

في ظل كل ذلك، نجح هاكون في الحفاظ على نسبة تأييد شعبي مرتفعة. إذ يُنظر إليه على أنه قريب من الشعب ومتواضع وقادر على قيادة البلاد مثل والده، بالوحدة والتواضع. وحقاً، تعهّد الملك هاكون نفسه في أول خطاب وجّهه للشعب، بأنه سيتبع طريقه الخاص كما فعل والده قبله، مع التأكيد على الأسس التي بُنيت عليها الملكية الدستورية في النرويج. وأعلن أنه سيبقي على شعار والده «كل شيء للنرويج». وعلّق رئيس الوزراء النرويجي على تولي الملك هاكون العرش بالقول إنه يتشارك كثيراً من الصفات مع والده، خاصة «قدرته على خلق مناخ من الوحدة» بين النرويجيين.

مسؤوليات متزايدة ... ودور منتظر

من ناحية ثانية، مع أن هاكون توجّ ملكاً في ظروف صعبة وتراجع في شعبية العائلة المالكة، فقد ولد وكبر بانتظار يوم يغدو فيه ملكاً. ولقد تحمل في السنوات الأخيرة مسؤوليات متزايدة مع غياب والده كثيراً بداعي المرض، ما جعله متمرّساً أكثر بالدور الأكبر، رغم تشكيك البعض بقدرته على ملء مكان والده الذي كان يحظى بشعبيته كبيرة. واليوم ها هو هاكون الملك الرابع في النرويج بعد إعادة الملكية عام 1905عندما استقلت البلاد عن السويد.

وهاكون هو الابن الوحيد للملك الراحل هارالد وزوجته سونيا، وقد سمي على اسم جده الأكبر هاكون السابع، وهو أيضاً حفيد بعيد للملكة فيكتوريا، ملكة بريطانيا السابقة. ومثل معظم الرجال في العائلة المالكة، لهاكون خلفية عسكرية؛ فقد خدم في البحرية النرويجية بعد تخرجه من الأكاديمية البحرية عام 1995.

ولكن خلافاً لوالده وجدّه، فإن هاكون لم يدرس في جامعة أكسفورد العريقة في بريطانيا، بل اختار عوضاً عن ذلك جامعة كاليفورنيا - بيركلي المرموقة في الولايات المتحدة، حيث درس العلوم السياسية، ثم حصل على درجة الماجستير من مدرسة لندن للاقتصاد (LSE).

ومع أن هاكون كان يعي منذ صغره أنه وريث للعرش النرويجي، فقد وجد مسؤولياته الملكية صعبة في البداية، وكتب في مذكراته التي نشرت عام 2023: «نعم أنا من العائلة المالكة، ولكنني في المدرسة لم أشأ الحديث بالأمر، فقد كان ذلك يشعرني بالقلق». وفعلاً، بخلاف أولاد العائلة المالكة، أرتاد مدرسة عامة من مدارس الدولة في الثمانينات، ما عكس إرادة والديه آنذاك بإعطاء ولديهما نشأة عادية قدر المستطاع. وسريعاً صار هاكون ولي العهد وهو في سن الـ17 فقط عند وفاة جده الملك أولاف الخامس وتتويج أبيه هارالد ملكاً عام 1991.

تفاصيل من حياته العائلية

التقى هاكون بزوجته ميته ماريت عام 1999 في حفل موسيقي بمدينة كريستيانستاند من حيث تتحدر هي. ووصفتها الصحافة آنذاك بـ«سندريلا كريستيانستاند» نظراً لنشأتها المتواضعة هناك. وعلى الرغم من الجدل المحيط بارتباط الأمير بفتاة من العامة لديها ابن يبلغ من العمر 4 سنوات، تزوج هاكون من ميته ماريت عام 2001. وشبّه معلّقون في النرويج علاقتهما بعلاقة الملك إدوارد الثامن الذي تخلى عن العرش البريطاني كي يرتبط بواليس سيمبسون، السيدة الأميركية المطلقة.

آنذاك، تنبأ كثيرون بأن هذا الزواج قد يحمل نهاية العائلة المالكة. وتساءل كثيرون عما إذا كانت حياة ميته ماريت الصاخبة - قبل تعرفها على هاكون - مناسبة لحياة العائلة الملكية. لكنها نجحت بكسب ودّ النرويجيين عندما قدّمت اعتذاراً علنياً عن ماضيها وطلبت فتح صفحة جديدة. ومنذ زواجهما ينظر إليهما على أنهما يمثلان العائلة الملكية الحديثة، ويجيدان التواصل مع النرويجيين العاديين. ولكن شعبيتها عادت للتراجع، تحديداً مع تورط ابنها بقضايا اغتصاب، نفاها كلها، ثم تورّطها هي بعلاقة صداقة مع إبستين. ورغم تكرار العائلة الملكية بأن ماريوس لا يحمل أي ألقاب ملكية، فإن تلك الفضائح عادت وسلّطت الضوء بشكل سلبي على العائلة. وبالتالي، فالتحدّي الماثل أمام الملك هاكون اليوم هو مدى قدرته على إبعاد نفسه عن هذه الفضائح وإعادة الثقة وخلق مناخ وحدة بين النرويجيين كما فعل والده.


رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
TT

رابع ملوك سلالة غلوكسبورغ يتأهب لنقل النرويج إلى حقبة جديدة

الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)
الملك السابق الراحل هارالد الخامس (آ ف ب/غيتي)

منذ استقلال النرويج عن السويد عام 1905، تعاقب على عرشها أربعة ملوك من سلالة غلوكسبورغ قبل الملك الحالي هاكون الثامن، الذي تولى العرش قبل أيام.

جدير بالذكر أن الملك في النرويج لا يتمتع بسلطات سياسية تنفيذية ولكنه يعتبر رمزاً للبلاد ووحدتها، وبالتالي يعد دوره بروتوكولياً أشبه بدور الملك في بريطانيا.

كان أول ملوك النرويج بعد الاستقلال هاكون السابع الذي تولّى العرش بين العامين 1905 و1957. وتميّز عهده الطويل بترسيخ أركان النظام الملكي الدستوري، وتعزيز الهوية الوطنية النرويجية. وكان من أبرز مفاصل حكمه إبان الحرب العالمية الثانية، عندما رفض التعاون مع الاحتلال النازي، وغادر بلاده إلى بريطانيا مع الحكومة النرويجية، ليغدو رمزاً للمقاومة والوحدة الوطنية.

خلف هاكون السابع ابنه أولاف الخامس الذي تولى العرش بين العامين 1957 و1991. عُرف بشخصيته المتواضعة والقريبة من الشعب. وشهد عهده مرحلة طويلة من الاستقرار والازدهار الاقتصادي، بالتزامن مع اكتشاف النفط والغاز في بحر الشمال، وهو ما ساهم في تحوّل النرويج إلى واحدة من أغنى دول العالم. وفضلاَ عن ذلك اشتهر الملك أولاف بحبه للرياضة والتزلج وبأسلوب حياته البسيط الذي جعله يحظى بشعبية واسعة.

هارالد الخامس، ابن أولاف، الذي توفي قبل أسبوع، ثالث ملوك النرويج. ولقد تولى العرش عام 1991 بعد وفاة والده وبقي في منصبه نحو 35 سنة حتى وفاته. وخلال سنوات عهده واجهت النرويج قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية كبرى، بينما عزّز هارالد صورة الملكية باعتبارها مؤسّسة جامعة للنرويجيين. وكان زواجه من الملكة سونيا، وهي من عامة الشعب، علامة على تغيّر المجتمع والملكية النرويجية. ومثل أبيه قبله، عرف هارالد بشخصيّته القريبة من الشعب وكان يتمتع بروح فكاهة جعلته واسع الشعبية. وبالأمس، بعد وفاته خلفه ابنه هاكون الثامن بعدما أمضى عقوداً ولياً للعهد يتأهب لدوره الملكي. وعلى الرغم من أن عهده بدأ للتو، فإن الشعبية الكبيرة التي تمتعت بها العائلة المالكة تراجعت أخيراً إلى حد ما.

الملك الجديد معروف باهتمامه بقضايا البيئة والشباب والتنمية وبخبرته الدولية الواسعة، بجانب كونه أول عاهل نرويجي يتلقى تعليمه الجامعي في الولايات المتحدة، بخلاف أبيه وجده اللذين درسا في جامعة أوكسفورد البريطانية، وهذا على الرغم من الروابط العائلية التي تجمع العائلتين الملكيتين النرويجية والبريطانية.