تطرف الأخوة.. تحّد للأجهزة الأمنية وقناة تجنيد قوية

دراسة: 30 % من أعضاء الجماعات الإرهابية تربطهم صلات عائلية

سيدتان تترحّمان على أرواح ضحايا اعتداءات بروكسل أمس في ساحة «لابورس» (أ.ف.ب)
سيدتان تترحّمان على أرواح ضحايا اعتداءات بروكسل أمس في ساحة «لابورس» (أ.ف.ب)
TT

تطرف الأخوة.. تحّد للأجهزة الأمنية وقناة تجنيد قوية

سيدتان تترحّمان على أرواح ضحايا اعتداءات بروكسل أمس في ساحة «لابورس» (أ.ف.ب)
سيدتان تترحّمان على أرواح ضحايا اعتداءات بروكسل أمس في ساحة «لابورس» (أ.ف.ب)

يواجه محققو وخبراء مكافحة الإرهاب سؤالا متكررا ومثيرا لكثير من الحيرة والقلق، عن سبب تعاون كثير من الأشقاء على تنفيذ العمليات الإرهابية الكبيرة. وذلك إثر تحديد هوية الشقيقين خالد وإبراهيم البكراوي، وهما الانتحاريان اللذان نفذا الهجمات الإرهابية المروعة في العاصمة البلجيكية بروكسل صبيحة الثلاثاء الماضي.
ينضم الأخوان البكراوي إلى قائمة مطولة من الأشقاء الذين شاركوا تقريبا في كل هجوم إرهابي كبير على الأراضي والأهداف الغربية، منذ أن كان أشقاء بين الخاطفين الـ19 الذين نفذوا هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001 على الولايات المتحدة. ومن قبل ذلك، تضمنت قائمة المتطرّفين مواطنين فرنسيين من القرن التاسع عشر، ومسلحين من جنوب شرقي آسيا، والمتطرفين اليهود الذين اغتالوا رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في عام 1995.
ويعد تجنيد الأشقاء من الاستراتيجيات المثالية بالنسبة للتنظيمات الإرهابية، فهم يغرسون الفكر المتطرف في عقلية بعضهم بعضا، ويعززون الشعور بسمو المقصد ورفعة الرسالة. كما أنهم يتابعون مراقبة بعضهم بعضا لضمان تنفيذ الهجمات الإرهابية. وتشير إحدى الدراسات الأخيرة إلى أنه ما يقرب من 30 في المائة من أعضاء الجماعات الإرهابية تربطهم صلات وعلاقات عائلية وثيقة.
كما يعكس الأشقاء من الإرهابيين تحديا هائلا أمام الأجهزة الأمنية المختلفة، فهم غالبا ما يعيشون معا. وبالتالي يسهل التواصل فيما بينهم، من دون الحاجة إلى استخدام الهواتف الخلوية التي يمكن مراقبتها أمنيا بكل سهولة. كما أن الرابط العائلي عادة ما يقوم مقام التأمين ضد المتسللين من أعضاء الخلايا الإرهابية، الذين قد يبلغون السلطات الأمنية بالمهمة قيد التخطيط أو التنفيذ.
تقول أودري كورث كرونين، المؤلفة والباحثة البارزة لدى جامعة «جورج ماسون»، إنه «يسهل تعرض الأشقاء لخطابات التطرف والراديكالية نفسها، وقد يتناقشون ويطرحون أفكارهم بشأنها معا. وإذا ما استطعت الاعتماد على فرد من العائلة في التخطيط للهجمات، فليس من المرجح أنهم سوف يبلغون السلطات. إذ إنها مسألة أمن وثقة حينئذ».
وأثار تنفيذ هجمات بروكسل الأخيرة على أيدي الشقيقين البكراوي كثيرا من الذهول والدهشة، نظرا لاحتمالات ارتباط هذه الهجمات بتلك التي وقعت في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) (تشرين ثان) الماضي في باريس وأودت بحياة 130 شخصا. حيث تشتبه السلطات في انتماء الأخوين البكراوي إلى الخلية الإرهابية نفسها التي ينتمي إليها الإرهابي صلاح عبد السلام، الذي ألقي القبض عليه الأسبوع الماضي في بروكسل، ويعد المشارك الوحيد المتبقي من هجمات باريس. ولقد عمد إبراهيم، شقيق صلاح عبد السلام، إلى تفجير نفسه بحزام ناسف في أحد مقاهي باريس أثناء الهجمات.
وإلى جانب هؤلاء، تشمل قائمة الأخوة المتطرفين الأخوين شريف وسعيد كواشي، اللذين قاما بإطلاق النار واغتيال 12 شخصا في مكاتب مجلة «شارلي إيبدو» الفرنسية الساخرة بالعاصمة باريس، كما نفذ الأخوان جوهار وتامرلان تسارنايف تفجيرات مدينة بوسطن الأميركية في عام 2013 خلال أحد سباقات الماراثون هناك. من جهته، يقول جيه بيرغر، محلل شؤون الإرهاب والمؤلف المشارك لكتاب بعنوان «دولة الإرهاب»، إن «التطرف العنيف ينتشر من خلال قنوات التواصل الاجتماعي، وبالنسبة لكثير من الناس، يعد الأشقاء جزءا كبيرا وشديد الأهمية من تلك البيئة الاجتماعية. فقد تشعر بأنه يمكنك الحديث مع الأشقاء عن أمور لا يمكنك بطبيعة الحال مناقشتها مع من سواهم».
ويرى خبراء الإرهاب أن الدينامية التي تتعلق بأي رابطة أخوية هي الدينامية نفسها التي تلعب دورا مؤثرا وعميقا بين أشقاء التطرف والإرهاب. كما أنه غالبا ما يكون للأخ الأكبر التأثير الأقوى على الأخ الأصغر سنا، ولكن الأمر قد يختلف أحيانا. ففي حادثة مجلة «شارلي إيبدو» الفرنسية، يعتقد المحققون أن الشقيق الأصغر، شريف كواشي، كان العقل المدبر والأكثر تطرفا من أخيه الأكبر سعيد.
أما في حادثة تفجيرات بوسطن الأميركية، التي نفّذها شقيقان ينحدران من عائلة شيشانية مهاجرة، عثر المحققون على دينامية معقدة. فمن زاوية المظهر الخارجي، كان جوهار، الطالب الجامعي، أكثر انخراطا وتكاملا مع المجتمع والحياة الأميركية، وأكثر قدرة على التواصل الاجتماعي مع الآخرين، من شقيقه الكئيب المضطرب نفسيا تامرلان، الذي لقي مصرعه في تبادل لإطلاق النار مع قوات الشرطة الأميركية عقب التفجيرات. ولقد حاول محامو الدفاع عن جوهار تسارنايف تصويره بأنه تعرض للمعاملة القاسية والإرهاب الأسري على يد أخيه الأكبر سنا، من أجل إجباره على المشاركة في المؤامرة، ولكن هيئة المحلفين في ولاية ماساتشوستس خلصت إلى رفض تلك الحجة، وأوصت بعقوبة الإعدام بحق المتهم.
واستشهدت ميا بلوم، المؤلفة المشاركة في كتاب بعنوان «الكل في العائلة: أطروحة حول أشقاء الإرهاب»، ببعض الأبحاث العلمية التي تبين أن ما يصل إلى ثلث الأشخاص الذين ترسلهم التنظيمات الإرهابية لتنفيذ العمليات المروعة ينحدرون من عائلة واحدة. وتكثر الأمثلة على الإرهابيين الذين يرتبطون بعقد الزواج من أسرة إرهابية أخرى من أجل بناء وتوثيق التحالفات. وتضيف بلوم عن ذلك: «دائما ما تعاني تلك الجماعات والتنظيمات من هاجس الاختراق الأمني. فإذا ما حاول أحد أفراد العائلة الانضمام، يتحول الأمر إلى آلية كبيرة من التدقيق والتمحيص. ومن ثم يدركون أنهم يمكنهم الوثوق فيهم للغاية».
وخلال تنفيذ إحدى العمليات الإرهابية، يعمل الأشقاء في بعض الأحيان جنبا إلى جنب. فلقد اندفع الأخوان كواشي إلى داخل مكاتب مجلة «شارلي إيبدو» معا. وفي هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، جلس ثلاثة من الأشقاء في بادئ الأمر جنبا إلى جنب على متن الطائرات المختطفة التي اصطدمت بأبراج التجارة ومبنى وزارة الدفاع الأميركية. ولقد خلص تقرير لجنة التحقيقات الوطنية في هجمات سبتمبر إلى أن أحد أولئك الأشقاء، وهو نواف الحازمي، قد توسط لدى أسامة بن لادن كي يسمح لشقيقه الأصغر سالم الحازمي بالمشاركة في العملية، ولقد انتهى بهم الأمر فعليا في الصف الخامس من كراسي رحلة «أميركان إيرلاينز» رقم 77 المتجهة إلى واشنطن. ولكن بلوم تقول إن أبحاثها أظهرت أن الأشقاء في كثير من الأحيان يجري إرسالهم إلى مواقع مختلفة لتنفيذ العمليات، كما حدث مع الأخوين عبد السلام في باريس، إذ انطلق صلاح برفقة أحد الإرهابيين الآخرين نحو ملعب كرة القدم، في حين فجر شقيقه إبراهيم نفسه بالحزام الناسف في المقهى. وترجع بلوم، أستاذة الاتصالات في جامعة ولاية جورجيا، ذلك إلى «الخوف من أنه إذا ما أرسل الأخوان إلى المكان نفسه، فقد يقنع أحدهما الآخر بالتراجع، من واقع محبة الأشقاء بعضهم بعضا. وعندما يجري إرسالهما إلى موقعين مختلفين، فسوف ينطلقان للتنفيذ بمنتهى الجدية، نظرا لأن كلا منهما لن يريد أن يسبب خيبة الأمل لأخيه، ولن يستطيع كل منهما مواجهة فكرة الرحيل من دون أخيه». وقالت السلطات البلجيكية أول من أمس إن إبراهيم البكراوي (29 عاما) قد فجر إحدى القنبلتين داخل المطار، في حين أن أخاه خالد البكراوي (27 عاما)، فجر القنبلة الأخرى داخل مترو أنفاق العاصمة بعد ذلك بساعة أو أكثر، ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كان خالد هو الانتحاري الأول في المطار أم أخاه.

* خدمة «نيويورك تايمز»



شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
TT

شرطة باريس: حركة احتجاج الطلاب خرجت عن السيطرة وأدعو للاحتجاج السلمي

شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)
شخص يمر بجوار آثار الدمار الذي لحق بالمنطقة في أعقاب الاشتباكات التي وقعت بين الشرطة والمتظاهرين خلال احتجاج طلاب المدارس الثانوية في باريس (إ.ب.أ)

قال قائد شرطة باريس، اليوم السبت، إن حركة الاحتجاج الطلابية التي انتشرت في أنحاء فرنسا أصبحت الآن «خارجة عن السيطرة» وحث المحتجين على العودة إلى الأساليب السلمية، محذراً من أن السلطات سترد بحزم على أعمال العنف والتخريب.

واشتبكت شرطة مكافحة الشغب مع طلاب المدارس الثانوية في أنحاء فرنسا أمس الجمعة، ودعت النقابات المعلمين إلى الإضراب في وقت تكافح فيه حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون لاحتواء الاحتجاجات متزايدة العنف بسبب أوضاع الفصول الدراسية والتمويل.

ومنذ يوم الاثنين، اعتقلت السلطات نحو خمسة آلاف شخص، معظمهم من المراهقين، في أنحاء البلاد وأصيب العشرات بجروح.

وقالت أجات فوكو، المتحدثة باسم الشرطة الوطنية، لمحطة (آر.تي.إل) الإذاعية اليوم السبت إن أكثر من 600 من أفراد الشرطة أصيبوا أيضاً.

وتعرض معلمون ومواطنون لهجمات في حين تقدر الأضرار التي لحقت بالممتلكات بعشرات الملايين من اليورو.

وقال باتريس فور قائد شرطة باريس في رسالة منشورة على منصة «إكس» قبل الاحتجاجات الجديدة المقررة ابتداء من الثلاثاء المقبل إن من أطلقوا هذه الحركة لم يعودوا يسيطرون عليها، ودعا الطلاب إلى التخلي عن إغلاق المدارس ووقف أعمال الشغب وتبني أشكال سلمية من الاحتجاج.

وكتب فور: «حان الوقت للعودة إلى أشكال العمل السلمي»، مشيراً إلى أن الآباء يتحملون أيضاً مسؤولية إبعاد أبنائهم عما وصفه بتأثير «المشاغبين المحترفين» ومؤيديهم.

ودعت النقابات الطلابية إلى تنظيم يوم وطني للاحتجاجات يوم الثلاثاء. ويخشى مسؤولو الأمن من أن تؤدي الاحتجاجات المنظمة في وسط باريس على وجه الخصوص إلى مزيد من العنف، وسط مخاوف من أن تستولي الجماعات الفوضوية المنتمية إلى تيار اليسار المتطرف على زمام الحركة.

وعبر الطلاب الذين يقيمون حواجز أمام المدارس الثانوية عن غضبهم من اكتظاظ الفصول الدراسية، والنقص المستمر في المعلمين، وتدهور حالة المباني، وأنحوا باللائمة في ذلك على نقص الاستثمار المستمر منذ سنوات.


أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
TT

أمطار غزيرة في كريت اليونانية تتسبب بفيضانات وأضرار

تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)
تغطي مياه الفيضانات سيارة وساحات منازل في قرية ميلينا بمنطقة بيليون وسط اليونان (أرشيفية_أ.ب)

تسببت أمطار غزيرة وعواصف رعدية بفيضانات وأضرار جسيمة في كريت، ما استدعى إجلاء عدد من السياح من هذه الجزيرة اليونانية الشهيرة، وفق ما أعلنت السلطات السبت.

وقال إيمانويل فراغكوليس، رئيس بلدية إيرابيترا الواقعة على الساحل الجنوبي الشرقي لكريت التي تعرضت لأمطار غزيرة الجمعة والسبت: «اضطررنا لإجلاء بعض السياح، ونُقلت امرأة إلى المستشفى كإجراء احترازي».

وأضاف «نواجه مشاكل خطرة، فقد تراكمت كميات هائلة من المياه. وانقطعت الطرق وامتلأت بالحطام».

وفي خانيا التي تستقطب أعدادا كبيرة من السياح، تعرض الميناء الفينيسي القديم لأمواج عاتية، ما أدى إلى أضرار وتسبب بتعطيل نشاط المطاعم والمنشآت السياحية.

رجل يحمل أغراضاً شخصية في قرية بالاماس التي غمرتها الفيضانات بالقرب من مدينة كارديتسا بوسط اليونان (أرشيفية_أ.ف.ب)

ودعت أجهزة الحماية المدنية سكان عدد من المناطق بينها ميلوبوتاموس، وهي منطقة ريفية جبلية بالقرب من ريثيمنو (شمال غربي الجزيرة)، إلى الحد من تحركاتهم واللجوء إلى مناطق مرتفعة.

وذكرت هيئة الإذاعة والتلفزيون اليونانية أن 23 شخصاً حوصروا داخل سياراتهم على الطريق بين إيرابيترا وسيتيا، على الساحل الشمالي الشرقي.

وأعلنت هيئة الأرصاد الجوية اليونانية تفعيل «الإنذار الأحمر» في جزيرة كريت، وهو أعلى مستوى للإنذار، مع توقع استمرار هطول أمطار غزيرة وتسجيل عواصف رعدية في بعض المناطق.


تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
TT

تصريحات «معادية للسامية» تهزّ «التجمع الوطني» وتهدّد رهان لوبن الرئاسي

مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)
مارين لوبن زعيمة حزب «التجمع الوطني» مع جوردان بارديلا رئيسه خلال مشاركتهما في مسيرة ضد معاداة السامية بباريس في ديسمبر 2023 (أ.ف.ب)

يعيش حزب «التجمع الوطني» اليميني المتطرف أزمة وجودية لم يكن يتوقعها أحد. فمارين لوبن، مرشحته إلى الانتخابات الرئاسية التي ستجرى في الربيع المقبل، آخذة في صقل صورتها «الرئاسية» رغم الحكمين القضائيين اللذين صدرا بحقها وبحق حزبها، وآخرهما عن محكمة الاستئناف في 7 يوليو (تموز) الماضي. واستطلاعات الرأي المتواترة منذ أشهر تضعها في مقدمة المرشحين، لا بل تُرجّح فوزها برئاسة الجمهورية. وتفيد المعلومات المتوافرة بأن «التجمع الوطني» الذي يرأسه جوردان بارديلا، 31 عاماً، بصدد وضع اللمسات الأخيرة على برنامج الحكم وعلى توزيع المناصب الحكومية.

والمنصب الأول؛ أي رئاسة الحكومة، محصور في بارديلا. وسبق لمارين لوبن أن أكّدت مراراً أنها ستعينه رئيساً لأولى حكوماتها عند دخولها قصر الإليزيه. بيد أن الأخير أصيب بخيبة عندما أتاحت محكمة الاستئناف الترشح لزعيمة الحزب المطلقة، في حين كان يمنّي النفس بأن يكون هو المرشح بسبب متاعبها القضائية الثقيلة. غير أنه استدرك الأمر وعاد ليؤكد دعمه المطلق لزعيمته، وأنه بصدد التحضير للميزانية المقبلة في الوقت الذي تعاني فيه فرنسا من مديونية ساحقة تبلغ 3600 مليار يورو، ومن سعي الحكومة الحالية لتمرير ميزانية تقشفية. ولأن الحراك الطلابي قد انطلق في 21 من الشهر الماضي، ولأن الوسط واليمين التقليدي واليمين المتطرف دأبوا على اتهام حزب «فرنسا الأبية» وجان لوك ميلونشون، مرشحه الرئاسي، بدعم التصعيد الطلابي وما يصاحبه من عنف واشتباكات وحرائق... فإن لوبن وبارديلا وجدا في ذلك فرصة ذهبية لحملة سياسية محمومة ضد ميلونشون، المرشح لمواجهة لوبن في الجولة الرئاسية الحاسمة التي ستجرى يوم 2 مايو (أيار) المقبل.

الصاعقة غير المنتظرة

هذه كانت حالة المشهد السياسي حتى يوم الاثنين الماضي، عندما نشرت مجلة «ميديا بارت» الاستقصائية مقاطع من مراسلات جوردان بارديلا على منصة «ميسنجر» عندما كان عمره 17 و18 عاماً، والتي كتبها ما بين عامَي 2013 و2015.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في تجمّع انتخابي بليفان شمال فرنسا يوم 4 يوليو (أ.ب)

وما نُشر كان أثره كوقع الصاعقة على بارديلا ولوبن واليمين المتطرف؛ لأن المقتطفات تبرز بشكل واضح ميول بارديلا المزعوم لمعاداة السامية. بيد أن بارديلا سارع إلى نفي ما نُشر؛ لأنه «ملفّق»، وأنه «لم يكتبه بتاتاً»، وأن «(ميديا بارت) اليسارية ركبتها» للإساءة إليه، وهدفها «القضاء على مستقبله السياسي». وأفاد بارديلا، الذي نشرت لوبن مظلتها الواقية فوقه، بأنه تقدم «بشكل عاجل» بدعوى قضائية ضد المجلة المذكورة. بيد أن «ميديا بارت» عادت بعد ثلاثة أيام إلى نشر صور محادثات بارديلا وأكدت أنه تم التصديق عليها من قبل كاتب العدل.

ما جاء في المقتطفات، التي تقول عنها «ميديا بارت» إنها مأخوذة «من عشرات المحادثات المكتوبة»، والتي «جرى التحقق منها بشكل مستقل»، يعكس استعادة بارديلا لصور نمطية مسيئة لليهود.

مارين لوبن... ماذا بعد؟

منذ أن نشرت «ميديا بارت» مقتطفاتها، وبعد الإفصاح عن طريقة حصولها عليها والتأكد من صحتها، انصبت التحليلات على استشراف تبعاتها على حزب «التجمع الوطني»، وعلى مرشحته. ولكن قبل كل ذلك على مصير بارديلا نفسه.

ليس سراً أن مارين لوبن ورثت عن والدها جان ماري لوبن زعامة الحزب الذي كان يجر وراءه ذيول معاداة السامية والعنصرية. لوبن الأب كان معروفاً بعنصريته وبمعاداته للسامية. فمن تصريحاته مثلاً أن «محرقة اليهود كانت تفصيلاً» مما جرى في الحرب العالمية الثانية. وعندما اقتنعت مارين لوبن أن والدها سيكون عقبة كبرى في مسارها السياسي، فإنها لم تتردد في إخراجه من الحزب الذي عملت على تنظيفه من قدامى محازبيه وضخّ دماء جديدة إليه.

مارين لوبن وجوردان بارديلا يشاركان في مراسم استقبال البابا ليو في باريس يوم 26 سبتمبر (أ.ب)

هنا، جاء دور بارديلا الذي كان لفترة طويلة رفيق درب ابنة أخت مارين لوبن، ما سهّل له تسلق المناصب الحزبية سريعاً. وفي عام 2021 كلّفته لوبن برئاسة الحزب بالوكالة بسبب خوضها الانتخابات الرئاسية السابقة.

وفي العام التالي، تمّ انتخابه رئيساً أصيلاً بنسبة ساحقة؛ إذ حصل على 84.84 في المائة من أصوات أعضائه. وبارديلا هو أول رئيس لا ينتمي لعائلة لوبن يرأس الحزب الذي كان يسمى سابقاً «الجبهة الوطنية». ومن المعروف أن لوبن «استثمرت» في شخص بارديلا من خلال دورات تدريبية، وراهنت عليه لتحديث صورة حزبها. وعندما كانت تعتبر أنها ستُمنع قضائياً من الترشح للرئاسة، اختارته بديلاً عنها.

من هنا، يمكن فهم مسارعتها لمساندته وتسخير كل قدرات شخصيات حزبها للوقوف إلى جانبه. ويهدّد ما نشرته «ميديا بارت» بهدم كل العمل الذي قامت به لوبن لـ«تطبيع» حزبها ونزع صفة التطرف ومعاداة السامية عنه، وبالتالي يمكن أن ينعكس على نتائج حملتها الرئاسية.

والرأي الشائع لدى المحللين أن لوبن لن تستطيع، مستقبلاً وقبل حلول موعد الانتخابات، الاحتفاظ ببارديلا إلى جانبها، وأن ورقة الأخير قد «احترقت». ويتعين ترقب ما سيحصل خلال المؤتمر العام للحزب يومَي 24 و25 من الشهر الحالي في مدينة أورليان، حيث كان من المنتظر إعادة انتخاب بارديلا رئيساً.

صمت وانتقادات

ثمة تاريخ يتعين التوقف عنده، وهو 26 مارس (آذار) الماضي، حيث قام بارديلا بزيارة لإسرائيل بدعوة من حكومتها، وتحديداً من وزير شؤون الشتات أميخاي شيكلي بحجة المشاركة في مؤتمر دولي حول محاربة معاداة السامية.

جوردان بارديلا عند وصوله إلى ساحة «لا كونكورد» في باريس لحضور قداس البابا ليو الرابع عشر يوم 26 سبتمبر (رويترز)

وكانت المرة الأولى التي يزور فيها مسؤول حزبي من «التجمع الوطني» إسرائيل. واستفاد بارديلا من الزيارة للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الكنيست أمير أوحانا، وزار نصب «ياد فاشم» التذكاري للمحرقة اليهودية. واستفاد بارديلا من المناسبة ليعلن أن حزبه «أفضل درع حامٍ لليهود» في فرنسا، رابطاً بين «صعود تيار الإسلاموية في فرنسا وانتشار معاداة السامية»، ومعتبراً أن «كره اليهود ودولة إسرائيل يعد وبالاً عالمياً يتعين محاربته».

وقال بارديلا لصحيفة «جيروزاليم بوست»، خلال زيارته، إن فرنسا «تقف إلى جانب إسرائيل في حربها ضد الإرهاب الإسلاموي»، كما أعلن معارضته العام الماضي اعتراف باريس بـ«دولة فلسطين». ورأت الصحافة الفرنسية في زيارة بارديلا «خطوة استراتيجية» على درب التطبيع بين «التجمع الوطني» وإسرائيل.

كل ما سبق قد يذهب هباءً. فجوناتان عارفي، رئيس المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا، رأى أنه «إذا صحّت» التصريحات المنسوبة لبارديلا، فإن ذلك يُعدّ «نفياً ساطعاً» لاستراتيجية التطبيع بين «التجمع الوطني» والمجتمع اليهودي في فرنسا.

وبشكل عام، بقيت ردود فعلها محصورة وحذرة بعكس ما صدر عن الرئيس إيمانويل ماكرون، وعن أحزاب الوسط واليسار واليسار المتشدّد، الذين ندّدوا جميعهم بـ«نزعة بارديلا في معاداة السامية».

وكان لافتاً أن قادة حزب «الجمهوريون» اليميني التقليدي بقوا صامتين لحسابات محض انتخابية. ورئيسه ومرشحه للرئاسة الوزير السابق برونو روتايو غاب عن المشهد، والمرجح أنه لا يريد القطيعة مع اليمين المتطرف وهو طامع، على ما يبدو، في أن يجتذب أصوات بعض منتسبيه. ومن أشدّ المنتقدين إلى جانب اليسار بجناحَيه، المرشح الرئاسي أدورا فيليب، ووزير العدل جيرالد دارمانان، وكلاهما ندّد بقوة بتصريحات بارديلا، ولكن أيضاً باعتماده «الكذب» من خلال نفي صحة ما جاءت به «ميديا بارت».

وحتى الرئيس ماكرون علق على ذلك، خلال مؤتمر صحافي في مدريد يوم 30 سبتمبر (أيلول)، بقوله إن «التصريحات المذكورة بالطبع خطيرة للغاية وغير مقبولة، ولا تترك مجالاً للتعليق. إنها تتطلب أقوى إدانة ممكنة». وأضاف أنه «يتعين على الزعماء السياسيين توضيح الخطّ السياسي الذي يتخذونه، والتصريحات التي يعتبرونها مقبولة، والأفراد داخل حزبهم الذين قد يدلون بمثل هذه التصريحات».