تطرف الأخوة.. تحّد للأجهزة الأمنية وقناة تجنيد قوية

دراسة: 30 % من أعضاء الجماعات الإرهابية تربطهم صلات عائلية

سيدتان تترحّمان على أرواح ضحايا اعتداءات بروكسل أمس في ساحة «لابورس» (أ.ف.ب)
سيدتان تترحّمان على أرواح ضحايا اعتداءات بروكسل أمس في ساحة «لابورس» (أ.ف.ب)
TT

تطرف الأخوة.. تحّد للأجهزة الأمنية وقناة تجنيد قوية

سيدتان تترحّمان على أرواح ضحايا اعتداءات بروكسل أمس في ساحة «لابورس» (أ.ف.ب)
سيدتان تترحّمان على أرواح ضحايا اعتداءات بروكسل أمس في ساحة «لابورس» (أ.ف.ب)

يواجه محققو وخبراء مكافحة الإرهاب سؤالا متكررا ومثيرا لكثير من الحيرة والقلق، عن سبب تعاون كثير من الأشقاء على تنفيذ العمليات الإرهابية الكبيرة. وذلك إثر تحديد هوية الشقيقين خالد وإبراهيم البكراوي، وهما الانتحاريان اللذان نفذا الهجمات الإرهابية المروعة في العاصمة البلجيكية بروكسل صبيحة الثلاثاء الماضي.
ينضم الأخوان البكراوي إلى قائمة مطولة من الأشقاء الذين شاركوا تقريبا في كل هجوم إرهابي كبير على الأراضي والأهداف الغربية، منذ أن كان أشقاء بين الخاطفين الـ19 الذين نفذوا هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) عام 2001 على الولايات المتحدة. ومن قبل ذلك، تضمنت قائمة المتطرّفين مواطنين فرنسيين من القرن التاسع عشر، ومسلحين من جنوب شرقي آسيا، والمتطرفين اليهود الذين اغتالوا رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في عام 1995.
ويعد تجنيد الأشقاء من الاستراتيجيات المثالية بالنسبة للتنظيمات الإرهابية، فهم يغرسون الفكر المتطرف في عقلية بعضهم بعضا، ويعززون الشعور بسمو المقصد ورفعة الرسالة. كما أنهم يتابعون مراقبة بعضهم بعضا لضمان تنفيذ الهجمات الإرهابية. وتشير إحدى الدراسات الأخيرة إلى أنه ما يقرب من 30 في المائة من أعضاء الجماعات الإرهابية تربطهم صلات وعلاقات عائلية وثيقة.
كما يعكس الأشقاء من الإرهابيين تحديا هائلا أمام الأجهزة الأمنية المختلفة، فهم غالبا ما يعيشون معا. وبالتالي يسهل التواصل فيما بينهم، من دون الحاجة إلى استخدام الهواتف الخلوية التي يمكن مراقبتها أمنيا بكل سهولة. كما أن الرابط العائلي عادة ما يقوم مقام التأمين ضد المتسللين من أعضاء الخلايا الإرهابية، الذين قد يبلغون السلطات الأمنية بالمهمة قيد التخطيط أو التنفيذ.
تقول أودري كورث كرونين، المؤلفة والباحثة البارزة لدى جامعة «جورج ماسون»، إنه «يسهل تعرض الأشقاء لخطابات التطرف والراديكالية نفسها، وقد يتناقشون ويطرحون أفكارهم بشأنها معا. وإذا ما استطعت الاعتماد على فرد من العائلة في التخطيط للهجمات، فليس من المرجح أنهم سوف يبلغون السلطات. إذ إنها مسألة أمن وثقة حينئذ».
وأثار تنفيذ هجمات بروكسل الأخيرة على أيدي الشقيقين البكراوي كثيرا من الذهول والدهشة، نظرا لاحتمالات ارتباط هذه الهجمات بتلك التي وقعت في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) (تشرين ثان) الماضي في باريس وأودت بحياة 130 شخصا. حيث تشتبه السلطات في انتماء الأخوين البكراوي إلى الخلية الإرهابية نفسها التي ينتمي إليها الإرهابي صلاح عبد السلام، الذي ألقي القبض عليه الأسبوع الماضي في بروكسل، ويعد المشارك الوحيد المتبقي من هجمات باريس. ولقد عمد إبراهيم، شقيق صلاح عبد السلام، إلى تفجير نفسه بحزام ناسف في أحد مقاهي باريس أثناء الهجمات.
وإلى جانب هؤلاء، تشمل قائمة الأخوة المتطرفين الأخوين شريف وسعيد كواشي، اللذين قاما بإطلاق النار واغتيال 12 شخصا في مكاتب مجلة «شارلي إيبدو» الفرنسية الساخرة بالعاصمة باريس، كما نفذ الأخوان جوهار وتامرلان تسارنايف تفجيرات مدينة بوسطن الأميركية في عام 2013 خلال أحد سباقات الماراثون هناك. من جهته، يقول جيه بيرغر، محلل شؤون الإرهاب والمؤلف المشارك لكتاب بعنوان «دولة الإرهاب»، إن «التطرف العنيف ينتشر من خلال قنوات التواصل الاجتماعي، وبالنسبة لكثير من الناس، يعد الأشقاء جزءا كبيرا وشديد الأهمية من تلك البيئة الاجتماعية. فقد تشعر بأنه يمكنك الحديث مع الأشقاء عن أمور لا يمكنك بطبيعة الحال مناقشتها مع من سواهم».
ويرى خبراء الإرهاب أن الدينامية التي تتعلق بأي رابطة أخوية هي الدينامية نفسها التي تلعب دورا مؤثرا وعميقا بين أشقاء التطرف والإرهاب. كما أنه غالبا ما يكون للأخ الأكبر التأثير الأقوى على الأخ الأصغر سنا، ولكن الأمر قد يختلف أحيانا. ففي حادثة مجلة «شارلي إيبدو» الفرنسية، يعتقد المحققون أن الشقيق الأصغر، شريف كواشي، كان العقل المدبر والأكثر تطرفا من أخيه الأكبر سعيد.
أما في حادثة تفجيرات بوسطن الأميركية، التي نفّذها شقيقان ينحدران من عائلة شيشانية مهاجرة، عثر المحققون على دينامية معقدة. فمن زاوية المظهر الخارجي، كان جوهار، الطالب الجامعي، أكثر انخراطا وتكاملا مع المجتمع والحياة الأميركية، وأكثر قدرة على التواصل الاجتماعي مع الآخرين، من شقيقه الكئيب المضطرب نفسيا تامرلان، الذي لقي مصرعه في تبادل لإطلاق النار مع قوات الشرطة الأميركية عقب التفجيرات. ولقد حاول محامو الدفاع عن جوهار تسارنايف تصويره بأنه تعرض للمعاملة القاسية والإرهاب الأسري على يد أخيه الأكبر سنا، من أجل إجباره على المشاركة في المؤامرة، ولكن هيئة المحلفين في ولاية ماساتشوستس خلصت إلى رفض تلك الحجة، وأوصت بعقوبة الإعدام بحق المتهم.
واستشهدت ميا بلوم، المؤلفة المشاركة في كتاب بعنوان «الكل في العائلة: أطروحة حول أشقاء الإرهاب»، ببعض الأبحاث العلمية التي تبين أن ما يصل إلى ثلث الأشخاص الذين ترسلهم التنظيمات الإرهابية لتنفيذ العمليات المروعة ينحدرون من عائلة واحدة. وتكثر الأمثلة على الإرهابيين الذين يرتبطون بعقد الزواج من أسرة إرهابية أخرى من أجل بناء وتوثيق التحالفات. وتضيف بلوم عن ذلك: «دائما ما تعاني تلك الجماعات والتنظيمات من هاجس الاختراق الأمني. فإذا ما حاول أحد أفراد العائلة الانضمام، يتحول الأمر إلى آلية كبيرة من التدقيق والتمحيص. ومن ثم يدركون أنهم يمكنهم الوثوق فيهم للغاية».
وخلال تنفيذ إحدى العمليات الإرهابية، يعمل الأشقاء في بعض الأحيان جنبا إلى جنب. فلقد اندفع الأخوان كواشي إلى داخل مكاتب مجلة «شارلي إيبدو» معا. وفي هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، جلس ثلاثة من الأشقاء في بادئ الأمر جنبا إلى جنب على متن الطائرات المختطفة التي اصطدمت بأبراج التجارة ومبنى وزارة الدفاع الأميركية. ولقد خلص تقرير لجنة التحقيقات الوطنية في هجمات سبتمبر إلى أن أحد أولئك الأشقاء، وهو نواف الحازمي، قد توسط لدى أسامة بن لادن كي يسمح لشقيقه الأصغر سالم الحازمي بالمشاركة في العملية، ولقد انتهى بهم الأمر فعليا في الصف الخامس من كراسي رحلة «أميركان إيرلاينز» رقم 77 المتجهة إلى واشنطن. ولكن بلوم تقول إن أبحاثها أظهرت أن الأشقاء في كثير من الأحيان يجري إرسالهم إلى مواقع مختلفة لتنفيذ العمليات، كما حدث مع الأخوين عبد السلام في باريس، إذ انطلق صلاح برفقة أحد الإرهابيين الآخرين نحو ملعب كرة القدم، في حين فجر شقيقه إبراهيم نفسه بالحزام الناسف في المقهى. وترجع بلوم، أستاذة الاتصالات في جامعة ولاية جورجيا، ذلك إلى «الخوف من أنه إذا ما أرسل الأخوان إلى المكان نفسه، فقد يقنع أحدهما الآخر بالتراجع، من واقع محبة الأشقاء بعضهم بعضا. وعندما يجري إرسالهما إلى موقعين مختلفين، فسوف ينطلقان للتنفيذ بمنتهى الجدية، نظرا لأن كلا منهما لن يريد أن يسبب خيبة الأمل لأخيه، ولن يستطيع كل منهما مواجهة فكرة الرحيل من دون أخيه». وقالت السلطات البلجيكية أول من أمس إن إبراهيم البكراوي (29 عاما) قد فجر إحدى القنبلتين داخل المطار، في حين أن أخاه خالد البكراوي (27 عاما)، فجر القنبلة الأخرى داخل مترو أنفاق العاصمة بعد ذلك بساعة أو أكثر، ومن غير الواضح حتى الآن ما إذا كان خالد هو الانتحاري الأول في المطار أم أخاه.

* خدمة «نيويورك تايمز»



فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستعين بالجيش لمنع «سبت أسود» جديد

السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)
السلطات عبأت الآلاف من رجال الشرطة والدرك لاحتواء المظاهرات وقمع مثيري الشغب (أ.ف.ب)

استنفرت السلطات الفرنسية قواها الأمنية، واستعانت بالجيش، واتخذت سلسلة إجراءات قضائية وأمنية لمحاولة تجنب تكرار «السبت الأسود» اليوم، بالتزامن مع دعوات جديدة إلى التظاهر في باريس ومرسيليا وليون وغيرها من المدن الكبرى والصغرى.

وأعلن وزير الداخلية لوران نونيز، أمس، عن خطة أمنية تقضي بنشر ما لا يقل عن 70 ألف رجل من الشرطة والدرك، بمؤازرة فرق وحدات النخبة التي لا تتدخل عادة للحفاظ على الأمن في الشوارع، ولا التصدي للمتظاهرين. كما ستتم الاستعانة بوحدات من الجيش التي سبق أن نُشرت في فترة الهجمات الإرهابية التي عرفتها فرنسا في عامي 2015 و2016.

وبعد ساعات من إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون منع «المظاهرات في الأيام المقبلة»، سمحت مديرية الشرطة في باريس بمسيرة واحدة لنقابة «كونفدرالية العمل» القريبة من الحزب الشيوعي.

بينما منعت ترخيص مظاهرة طلبتها مجموعات من «السترات الصفراء» والطلاب. كما طال المنع مدينتي مرسيليا وليون والعديد من المدن الأخرى.


أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
TT

أوكرانيا وروسيا تعلنان التزام «هدنة ميلانيا ترمب» في أوليشكي

عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)
عناصر الإنقاذ في موقع مبنى متضرر من هجوم روسي على خاركيف بأوكرانيا (أ.ب)

أعلن الجيش الأوكراني، الجمعة، أنه سيلتزم ابتداءً من الثلاثاء، هدنة في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة للاحتلال الروسي، بهدف ضمان تنفيذ عملية إنسانية فيها.

يأتي ذلك بعدما أعلن رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الروسي أن قواته ستلتزم هدنة محلية في أوكرانيا ابتداءً من الثلاثاء، للسماح بتنفيذ عمليات إنسانية في مدينة أوليشكي.

وكانت السيدة الأميركية الأولى ميلانيا ترمب صرحت في إعلان مفاجئ، الجمعة، بأنها نجحت في تأمين وقف محلي لإطلاق النار بين روسيا وأوكرانيا في مدينة أوليشكي المنكوبة، حيث لا يزال السكان عالقين ويعانون من نقص في الغذاء.

وقالت هيئة الأركان العامة الأوكرانية، في بيان نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»: «بهدف تنفيذ عملية إنسانية في مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون والخاضعة لاحتلال مؤقت، ترسي أوكرانيا وقفاً لإطلاق النار في منطقة محددة، ابتداء من الساعة الثالثة فجر يوم 27 أكتوبر (تشرين الأول) بتوقيت كييف».

وفي منشور على المنصة الروسية «ماكس»، أكد الجنرال فاليري غيراسيموف رئيس هيئة الأركان العامة أن قواته ستلتزم هذه الهدنة «ابتداءً من الساعة 04:00 (01:00 بتوقيت غرينتش) في 27 أكتوبر 2026»، في إطار «العملية الإنسانية الجارية في محيط» مدينة أوليشكي.

وأشار إلى أن الهدنة ستُطبّق «في محور خيرسون»، من دون التطرق إلى تفاصيل إضافية عن نطاقها الجغرافي أو مدتها.

وأوضح أن قواته ستجري «استطلاعاً تقنياً» على الأرض لضمان إيصال المساعدات الإنسانية وسلامة المدنيين في هذه المنطقة الشديدة الخطورة على الجبهة.

ويواجه سكان أوليشكي نقصاً متزايداً في المواد الغذائية والأدوية. وتقر كل من أوكرانيا وروسيا بوجود أزمة إنسانية في المنطقة، لكنهما تتبادلان الاتهامات حول المسؤولية عن هذا الوضع، بحيث يتهم كل طرف الآخر بعرقلة إيصال الإمدادات الغذائية وتنفيذ عمليات الإجلاء.

وسيطرت القوات الروسية على مدينة أوليشكي الواقعة في منطقة خيرسون بجنوب أوكرانيا، عام 2022 في مستهل الغزو. وتعرضت المدينة لأضرار جسيمة من جراء تدمير سد كاكوفكا عام 2023، ما تسبب في فيضانات مدمرة على طول نهر دنيبر. وتتبادل موسكو وكييف الاتهامات بالمسؤولية عما حصل. وانخفض عدد سكان المدينة من نحو 24 ألف نسمة إلى نحو ألفي نسمة حالياً.