الطعمة لـ {الشرق الأوسط}: المجتمع الدولي خذلنا.. و«التشكيلة» بعد العيد

رئيس حكومة المعارضة السورية أكد أن جماعة «داعش» لا تمتلك «حاملا اجتماعيا» في سوريا

أحمد الطعمة («الشرق الأوسط»)
أحمد الطعمة («الشرق الأوسط»)
TT

الطعمة لـ {الشرق الأوسط}: المجتمع الدولي خذلنا.. و«التشكيلة» بعد العيد

أحمد الطعمة («الشرق الأوسط»)
أحمد الطعمة («الشرق الأوسط»)

قال رئيس الحكومة السورية المؤقتة أحمد الطعمة إنه قارب الانتهاء من تشكيل حكومته، كاشفا عن أنه سيعلن أسماء وزرائه بعد عيد الأضحى ويقدمها إلى اجتماع الائتلاف الوطني في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي لنيل الثقة وانطلاق عملها.
وأكد الطعمة في حوار مع «الشرق الأوسط» أجري في مكتبه الخاص الكائن في أحد المجمعات السكنية في إسطنبول، أنه بدأ يميل إلى زيادة نسبة ممثلي الداخل السوري من بين أعضاء حكومته، مشيرا إلى أن هذه الحكومة ستعمل من منطقة قريبة جدا من الحدود رفض أن يسميها (في الوقت الحالي)، لكن المعلومات تشير إلى أنها مدينة غازي عنتاب التي شهدت آخر صدام تركي مع النظام السوري في بداية التسعينات عندما احتشد الجيش التركي قربها ملوحا بدخول سوريا بحثا عن زعيم تنظيم العمال الكردستاني المحظور عبد الله أوجلان. انتهت الأزمة يومها بترحيل أوجلان من سوريا، وقبض عليه في نهاية المطاف حيث يقبع في سجن قريب في إحدى جزر بحر مرمرة قبالة مقر الطعمة، لكن العلاقات التي تحسنت مع تركيا، ما لبثت أن انهارت بعد أن أخذت أنقرة صف معارضي النظام وتدرجت حتى مطالبتها بضرب النظام عسكريا. ويبدو الطعمة واثقا من قدرته على إحداث الفارق في مهمته، ويتحدث بهدوء وثقة مع زواره الكثر من المعارضين الذين أتى بعضهم إليه يشكون ممارسات «الدولة»، أي «تنظيم دولة العراق والشام الإسلامية».

جلس الطعمة وخلفه خريطة لسوريا هي الأولى من إنجاز المعارضة يبدو فيها إقليم إسكندرونة جزءا من تركيا، وهو إقليم اعترف النظام بملكيته لتركيا قبل أعوام في إطار سعيه لتحسين العلاقة مع أنقرة، علما بأن بعض المعارضين رفعوا يوما خريطة تضع الإقليم في داخل الحدود السورية وهم في ضيافة تركيا.
يعترف الطعمة بأن المجتمع الدولي خذل المعارضة، وأن التأخر في الحال السياسي سوف يفتح الباب أمام كل المشكلات الكبرى المقبلة، بما في ذلك التشدد والتطرف. لكنه يجزم بأنه «إذا اتخذ قرار دولي بحل الأزمة السورية بشرط رحيل النظام، فإننا قادرون من جهتين، أن تدار الحكومة بشكل جيد لكي تقدم خدماتها للناس، وعندها سنتمكن من استعادة أكثر من ثلاثة أرباع الموجودين في تنظيم (دولة العراق والشام)، لأننا على قناعة بأن معظم من انضم إلى هذه الجماعات المتشددة إنما انضم إليها نتيجة العوز والفقر»، مشددا على أنه «ليس لدى هذه الجماعات الحامل الاجتماعي حتى هذه اللحظة».
ويكشف الطعمة عن «وعود أكيدة» بدعم عربي ودولي لحكومته بعيد تأليفها، مشيرا إلى أن هذه الحكومة ستحتاج على الأقل مبلغ 300 مليون دولار شهريا للقيام بعملها.
* أنتم مكلفون بتأليف حكومة مؤقتة، أين أصبحت الاتصالات بهذا الشأن؟
- من مهام رئيس الحكومة الأساسية أن يتشاور مع جميع الكتل، وثلاثة مبادئ أساسية نعمل على أساسها: لن نستبعد أحدا من الكتل الموجودة في الائتلاف، حتى بعض الكتل أو أفراد من كتل لم تصوت لنا، ولا حرج في ذلك، إذ نريد الحصول على حكومة توافقية بأكبر قدر ممكن. ونريد أن تسري هذه الروح الإيجابية التي سرت يوم التكليف، عندما نلت 75 صوتا مع عشرة أصوات معارضة فقط، و12 ورقة بيضاء. النسبة إيجابية جدا، فإذا استطعنا أن نعكس هذا الجو على تشكيل الحكومة، فسيكون لذلك نتائج إيجابية في عمل الحكومة وعلى مستقبل الائتلاف والثورة السورية.
المبدأ الأول أننا لن نقصي أحدا، والثاني تمثيل معظم أطياف الشعب السوري في الحكومة، بحيث إن أي مواطن سوري مهما كان انتماؤه يشعر بأن هذه الحكومة تمثله. والمبدأ الثالث هو مبدأ الكفاءات والتخصصات، نسعى لتوازنات بحيث كل كتلة أو مجموعة تأتي بخير ما عندها، والمشاورات مستمرة.
على صعيد المشاورات، وضعنا بذهننا اللقاء مع أربع تشكيلات: كتل الائتلاف، والتقينا بعدد لا بأس به من المجالس المحلية. وضمن مشاوراتنا مع اللجان ومجموعات المجتمع المدني، إذ نعتقد أن سيكون لها دور هام في دعم الحكومة في تحقيق أهدافها بالتواصل مع الناس، لأننا نريد أن نكون أقرب ما يكون إلى الناس، نحلم بأحلامهم ونتألم لآلامهم؛ إذ بقدر ما نكون قريبين منهم نحقق الهدف المطلوب. نريد أن يشعر الشعب السوري أن القرار الأهم الذي اتخذه في حياته هو قرار الثورة السورية. وعندما نساعده بتحسين معيشته، سينعكس ذلك بالتالي إيجابا على صموده.
الجهة الرابعة التي سعينا إلى التواصل معها هي الجهات العسكرية، أي الكتائب والألوية الموجودة على الأرض، وسعينا للتواصل حتى مع الجهات التي وقعت على البيان (الذي سحب الثقة من الائتلاف ومن هيئة الأركان)، فالتقينا قبل أيام مع الجبهة الإسلامية السورية. طرحنا وجهة نظرنا وسمعنا وجهة نظرهم، لماذا وقعوا على هذا البيان؟ بشكل عام لم أنظر للبيان نظرة متشنجة، أعتقد أن جزءا من مطالبهم حق ويجب أخذها بعين الاعتبار، ومنها أن نتواصل مع الداخل وهذا مطلب حق نرحب به. وطلبنا من جميع الكتل التي التقينا بها، جماعات وأفرادا، أن يقدموا إلينا مرشحين من أهل الداخل لأنه بات لدينا رغبة أكبر في أن تكون نسبة أعضاء الحكومة من الداخل أكبر من قبل. وقلنا إن احتجاجات الإخوة علينا وعلى الائتلاف تعبير عن الواقع المحزن الذي يعيشونه وهناك مخاوف فعلا فيما يتعلق بمستقبل الثورة السورية، وخصوصا بعد أن طرح مؤتمر جنيف على الطاولة مباشرة. البعض يعتقد أن جنيف هو توقيع صك استسلام لصالح النظام، برغم أنني أعتقد شخصيا أن مقررات جنيف بشكل عام تصب في صالح المعارضة. لكن تخوفنا في مسألتين: الأول أن النظام لم ينفذ القرارات، والنقطة الثانية أننا لم نعرف على وجه الدقة ما ستؤول إليه المآلات، فما هو مكتوب ومطروح تفسيره لصالح المعارضة وخصوصا عبارة جسم الحكم الانتقالي الكامل الصلاحيات، بما في ذلك الأمن والجيش والمالية والإعلام وجميع مؤسسات الدولة.. إذا كانت الأمور بهذا الشكل، فهناك نقاط إيجابية من حيث المبدأ، لكن أحد الأسئلة المطروحة: هل سيكون رحيل بشار الأسد متفقا عليه في بداية هذه المفاوضات؟ أم كما يطرح الروس والأميركيون معا أن رحيل الأسد سيكون في ختام المفاوضات ونتيجة لها؟
تلقينا بعض النصائح من سياسيين ومن جهات داعمة للثورة السورية مفادها لا تقبلوا إلا بأن يقال بأن هذه العملية السياسية وفي اليوم الأول من بدئها ستنتهي برحيل الأسد، على غرار ما حصل في العملية اليمنية، حيث قيل في اليوم الأول من المفاوضات إنها ستؤدي إلى رحيل علي عبد الله صالح.
* متى تتوقعون إكمال مهمتكم وإعلان الحكومة، خصوصا أنه سيكون للائتلاف اجتماع موسع في الخامس والعشرين من الشهر الجاري للتصويت؟
- المشاورات مستمرة على قدم وساق، وهي تسير سيرا حقيقيا، ويفترض، إن شاء الله، قبل أسبوع من عقد اجتماع الائتلاف، أن تكون الأسماء جاهزة.
* هذا يعني بعد عطلة العيد؟
- نعم، وسأقدم حكومة إلى الائتلاف للتصويت عليها في اجتماع الخامس والعشرين من الجاري.
* إن أردنا التكلم نسبيا، كم أنجزت من الحكومة حتى الآن؟
- لا أريد الدخول في تفاصيل هذه المسألة، لكن أنجزنا إنجازا مهما.
* الاتفاق المبدئي هو أن تقدم كل الكتل خمسة مرشحين وتعمد أنت إلى الاختيار من بينها؟
- هذا فيما يتعلق بالنسبة لهيئة الأركان، إذ ستقدم خمسة أسماء للدفاع وخمسة أسماء للداخلية. أما بالنسبة لبقية الكتل، فالمسألة تحصل بالتوافق حينا وتقديم المشورات حينا آخر وتقديم أسماء حينا آخر.
* هل سيكون وزير الداخلية مدنيا؟
- الدفاع والداخلية سوف يكونان مدنيين، نريد أن نرسخ مبدأ في مستقبل سوريا، بحيث إن الدفاع والداخلية يجب أن تسير سيرا مدنيا، كما هي الدول المتحضرة التي رسخت فيها الديمقراطية.
* ما المأمول من هذه الحكومة؟
- فكرتنا الأساسية أن نعزز صمود الناس ونستجيب لمطالبهم وتحسين عيشهم. فالمأمول منها أن تقدم الخدمات الأساسية للناس، سواء الأمن والاستقرار والخدمات الأساسية من ماء وكهرباء والحياة العامة، ثم هناك مسألتان مهمتان جدا، وهما الصحة والتعليم، فالوضع الصحي في سوريا منذ عهد النظام يعوم بالفوضى وينتابه الفشل من كل جهة، وكذلك التعليم. نحن نريد إعادة ترميم كل الأبنية التي تضررت وتدمرت نتيجة القصف، وإعادة بنيانها، سواء في الصحة والتعليم، وكذلك استعادة كل الكوادر الممتازة التي تسبب النظام في تشريدها، إضافة إلى أننا نريد أن نقرر منذ الآن مشاركة المجتمع المدني في الحياة السورية مستقبلا. لقد أبعدنا النظام السوري عن الاهتمام بالشأن العام والعمل السياسي 50 عاما، رغم أن المواطن السوري أو في الأساس طبيعة الإنسان أنه كائن سياسي، فعندما يبعد 50 عاما، فهو في أشد العطش إلى العودة إلى العمل العام والشأن السياسي. ومن النقاط البالغة الأهمية، مأسسة الديمقراطية، إذ نريد أن ننشئ بلدا ديمقراطيا، ودولة مدنية تعددية، يكون فيها الرأي والرأي الآخر. يحق لكل الناس أن يبدوا وجهات نظرهم وأن يدافعوا عنها، وأن تكون لهم المؤسسات الكفيلة بأن تستطيع من خلالها تعويد الناس عليها تمهيدا للحياة السياسية مستقبلا.
نريد سيادة القانون والفصل بين السلطات، ونريد أن يكون هناك قضاء مستقل وعادل، وأن يعيش الإنسان السوري حياة كريمة. هناك نقطة بالغة الأهمية وهي أنه لدينا نحو 7 ملايين شخص، بين مهجر ولاجئ. من سيقوم برعايتهم؟ النظام أراد أن يعطينا رسالة واضحة بأنه إذا أردتم حريتكم فعليكم أن تدفعوا ثمنها غاليا. نحن سنحاول تحسين أوضاع الناس، سنبذل أقصى جهد ضمن الإمكانات المتاحة لدينا، لكن هذا يرتب علينا أعباء كبيرة، وأن نسعى حقيقة إلى إنقاذ الناس.
* هل لديكم القدرة أو وعود محددة وواضحة بشأن مساعدات مالية تمكنكم من القيام بواجباتكم في الفترة المقبلة؟
- بالنسبة للوعود فيما يتعلق بإقلاع الحكومة. نعم. وأعتقد أنها وعود حقيقية وسوف تقلع الحكومة.
* وعود بأرقام واضحة؟
- نعم، إلى حد ما، لكن لا أريد أن أفصح عن هذه المسألة لأنها ستصبح مثارا للجدل، لكن سنعلن عنها بعد قيام الحكومة.
* ما هو تقديركم لحجم المبالغ المطلوبة للنهوض بالوضع في سوريا؟
- تصورنا الأولي أن الحكومة تحتاج إلى 300 مليون دولار شهريا لكي تستطيع فعلا أن تقوم بواجباتها. المنح والمعونات من أصدقاء الشعب السوري ستغطي جزءا، والجزء الثاني لا تنسى أن سوريا مليئة بالخيرات، وفيها آبار نفط وكذلك القمح والقطن والمنتجات الأخرى. صحيح أننا لم نستطع بعد أن نستفيد من آبار النفط، لكننا دخلنا في مشروع جاد للتواصل مع كل الجهات التي يمكننا من خلال التعاون معها للتوصل إلى نتائج معقولة. المشكلة الحالية هي في الظروف التي استجدت خلال الأشهر الماضية والتي أدخلتنا في مآزق.
* ما مدى قدرتكم على التنفيذ على الأرض في ظل وجود قوى أمر واقع لا تقبل بكم ولا تقبل بمبدأ الحكومة؟
- هناك صعوبات كبيرة جدا وتحديات كبرى، لكنها ليست أكبر من قرار التحدي الأكبر، وهو أن الشعب السوري اتخذ قرار القيام بثورته. هذا القرار الأكبر الذي اتخذه الشعب السوري في حياته، وليس هناك تحد أكبر من هذا. أنا سجين سياسي سابق وأعرف ما الذي كان يجري. أتذكر أنه في عام 2005 عندما وقعنا على «إعلان دمشق»، أو حتى قبل ذلك عندما شاركنا ببيان «ألف»، كان الناس يقولون إلى أين أنتم ذاهبون أيها المجانين؟ هل يتجاسر أحد على أن يطالب بحياة ديمقراطية في سوريا؟ وعندما تشكلت لجان إحياء المجتمع المدني وبدأنا نطالب بالإفراج عن المساجين، وطالب البعض بإلغاء قوانين كانت تقضي بإعدام جماعات في المجتمع لمجرد الانتماء، تساءلت الناس هل حقا أنتم توقعون على بيانات مماثلة للمطالبة بالديمقراطية أم أنكم تتداولون بها في الغرف المغلقة فقط؟ وخلال محاكمتنا على إعلان دمشق كنا نقول في قاعة المحكمة إنه لا بد من تغيير المادة الثامنة من الدستور القائلة بأن حزب البعث قائد الدولة والمجتمع، فكان المحامون يشفقون علينا ويقولون هل يطالب أحد بمادة تعرض قائلها لعقوبة 15 سنة، إذ إن المطالبة بتغيير هذه المادة في جدول النظام تعتبر معاداة النظام الاشتراكي في البلد، وعقوبتها في الحد الأدنى 15 سنة. الناس كانت مرعوبة إلى درجة كبيرة جدا، وأتذكر أنه عندما أفرج عني من السجن، كثيرون من أصدقائي لم يجرؤوا على زيارتي لأن الأمن سيسجل أن فلانا زارني. فأن يبدأ الناس بعد خمسة أشهر من الإفراج ثورتهم العظيمة الرائعة، علما بأنهم كانوا محقونين ومصممين على الثورة منذ سنوات عدة، لكن كان ينقصهم المحفز، وتحقق ذلك بثورة كل من تونس ومصر. عند ذلك، قرر الشعب السوري أن يمضي ويشهر حريته، ولم يقبل بكل عروض النظام بالإصلاحات الوهمية. وكنت أقول بشكل طريف إن إصلاحات النظام وفق المثل العربي: «لا تؤجل عمل اليوم إلى الغد، بل أجله إلى بعد غد».
النظام عرض علينا إصلاحات وهمية لكن الشعب قال لا، إنها تحسين لشروط العبودية وليست حرية. وللأسف لم يدرك المجتمع الدولي لماذا قامت الثورة السورية، كان يعتقد أنها صراع على السلطة، وأن هناك مظالم يمكن تحسينها ببعض الإجراءات. هدف الشعب السوري من ذلك كان الحصول على حريته.
* هل خذلكم المجتمع الدولي؟
- طبعا بالتأكيد خذلنا المجتمع الدولي، ومن المحزن جدا أن نصل إلى هذه النتيجة. سبق وأبلغت جهات دولية عدة أنه إذا تأخر الحل السياسي في سوريا، ونحن مع حل سياسي عادل في سوريا منذ اللحظات الأولى، فقلنا لهم إن التأخر في الحال السياسي سوف يفتح الباب أمام كل المشكلات الكبرى المقبلة، بما في ذلك التشدد والتطرف. كنت أقول عبارة دائما مفادها أن الطغاة يجلبون الغزاة والغلاة.
* هل هذا يعني أن الشعب السوري أمام خيارين: التشدد أو النظام؟
- هل هذا ما كنا نريد أن نصل إليه؟ في بداية الثورة السورية نادت كل الشعارات بالدولة المدنية والديمقراطية والحرية والإفراج عن السجناء وتحسين عيش الناس، لم يكن التشدد مطروحا أبدا.
* كيف يمكن الخروج من أزمة التشدد السائدة في سوريا والتي يستعملها البعض «فزاعة»، ويعتبرها طرف آخر سببا للتلكؤ؟
- تبدأ بقرار دولي. حقيقة، إذا قرر المجتمع الدولي إنهاء القضية السورية وحلها، سنصل إلى حل.
* كيف يمكن أن نتخلص من أزمة المتشددين بقرار دولي؟
- بحل القضية السورية، فلو اتخذ قرارا وأنا باعتقادي قصر كثيرا في دعم الشعب السوري، فلو أن المجتمع الدولي قرر أن يحل المشكلة السورية في أشهرها الأولى لما وصلنا إلى ما وصلنا إليه. وليس صحيحا ما يقال من أنه بسبب ظروف «الفيتو». المجتمع الدولي مرت عليه حوادث مشابهة تماما، وكما تعرف في اللغة عبارة «السنة» وتعني أن يفعل بالثاني كما فعل في الأول.. لديهم خبرة تراكمية عن حوادث مشابهة، فهم يعرفون ماذا سيحصل وقدموا لنا النصائح في ذاك الوقت، وقالوا افعلوا هذا الأمر ولا تفعلوا ذلك، أي أنهم كانوا يعرفون ما ستؤول إليه الأمور.
الشعب السوري وضع أمام خيارين، إما أن يبقى أسيرا لعبوديته وإما أن يخرج بحرية مع دفع ثمن باهظ جدا، وهذا ما اتخذه الشعب السوري.
فإذا اتخذ قرار دولي بحل الأزمة السورية بشرط رحيل النظام، فإننا قادرون من جهتين، أن تدار الحكومة بشكل جيد لكي تقدم خدماتها للناس وعندها سنتمكن من استعادة أكثر من ثلاثة أرباع الموجودين في تنظيم «دولة العراق والشام»، لأننا على قناعة بأن معظم من انضم إلى هذه الجماعات المتشددة إنما انضم إليها نتيجة العوز والفقر، والنقطة الثانية رغم أننا لا ندري ما ستؤول إليه الأمور بعد ستة أشهر، لكن ليس لدى هذه الجماعات الحامل الاجتماعي حتى هذه اللحظة. وهذا شيء مهم جدا في حياة الشعوب، فلا يمكن لأي مجموعة أن تستمر إن لم يكن لديها حامل اجتماعي. باعتقادي أن هذه الجماعات المتشددة قامت في أساس بنيانها على قضايا فكرية.. أليس كذلك؟ وبالتالي نحن نملك من القدرات والتصورات ما يقارع الحجة بالحجة. دخلت في حوارات مع جماعات متشددة قبل قدومي إلى تركيا. كنا نقول لهم أنتم أمام خيارين: إما أن تكرهوا الناس على أفكاركم، ولو افترضنا أنها أفكار عادلة وصحيحة، لكن مجرد فرضها على الناس إذن أنتم تؤمنون بجواز ولاية المتغلب وهذه النظرية السياسية الأولى.
أو أن تقبلوا بالنظرية الثانية التي يؤمن بها «شيخ الإسلام ابن تيمية» الذي قال: «لا يكون الحاكم شرعيا ما لم ينل بيعة من آحاد الناس، وقائمة على الشورى ورضا الناس». وهذا في العصر الحديث لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال صناديق الاقتراع وتكوين أحزاب تدعو إلى أفكارها. لا يمكن اليوم جمع الناس برفع الأيدي. حوادث كثيرة حصلت في التاريخ الإسلامي تعزز هذا التوجه.
* تحاورت كثيرا مع جماعات متشددة منذ فترة طويلة؟
- نعم قبل خروجي، فأنا قدمت إلى السياسة من خلفية فكرية. منذ 1992 كنت ومجموعة من رفاقي العقلاء ندرس بعمق أسباب المشكلات في العالم العربي والإسلامي. لماذا هذا الاستبداد؟ ولماذا هذا التخلف الحضاري؟ من هنا بدأنا، ووصلنا إلى نتائج مهمة وأولها كان إذا أردنا أن ننهض بالعالم الإسلامي فأول خطوة علينا أن نفعلها هي أن نضع السلاح جانبا. لذلك أنا دائما أتهم بأنني أميل إلى مذهب اللاعنف والمقاومة السلمية. وبعض الناس لا يعرفون ما هي المقاومة السلمية، فالمقاومة السلمية صحيح أنه لا يسمح لك بأن تحمل السلاح ذاتيا، لكن في الوقت نفسه لا يجوز لك بأي شكل من الأشكال أن تقف ساكتا عن نطق الحق.
* متى خرجت تحديدا من سوريا؟
- منذ نحو 4 أشهر.
* أين كنت موجودا في الفترة الفاصلة بين إعلان الثورة حتى خروجك من سوريا؟
- بداية كنت في دير الزور، ثم اعتقلت مرتين على خلفية لقاءات صحافية. وبعد أن حصلت الأحداث الرهيبة في مدينة دير الزور، لم يعد بالإمكان البقاء فيها، فنزحت مع 500 ألف من أبناء دير الزور إلى الحسكة والرقة ومكثنا عدة أشهر.
* وبعد تشكيل الحكومة سيكون عملها من الداخل.
- العمل الأساسي سيكون من الداخل. كما قلت نحن نريد أن نكون قريبين جدا من الناس، مع الأخذ في الاعتبار الأوضاع الأمنية؛ لأننا لا نريد أن نفرط لا بالوزراء ولا برؤساء المديريات ولا بأعضاء الحكومة. ولأننا في ظرف طارئ، يمكننا أن نتخذ خطوات طارئة أيضا، بمعنى أنه ليس ضروريا أن يكون لدينا مقرات ثابتة، سنكون في أقرب نقطة إلى الداخل السوري من خلال مراكز مؤقتة.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.