شخصيات عربية وغربية ناقشت في ملتقى السليمانية الرابع «المنطقة ما بعد داعش»

بارزاني: الصراع الطائفي جلب «داعش» إلينا.. برهم صالح: سيكون هناك أكثر من «داعش».. موسى: قهر الشعوب يتسبب بولادة الإرهاب

شخصيات عربية وغربية ناقشت في ملتقى السليمانية الرابع «المنطقة ما بعد داعش»
TT

شخصيات عربية وغربية ناقشت في ملتقى السليمانية الرابع «المنطقة ما بعد داعش»

شخصيات عربية وغربية ناقشت في ملتقى السليمانية الرابع «المنطقة ما بعد داعش»

قال برهم صالح، نائب الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني: «لا بد من مواجهة المشاكل الحقيقية التي تعصف بالعراق وبإقليم كردستان واللجوء إلى طاولة الحوار من أجل وضع حلول ناجعة لهذه المشاكل وإلا فإن العراق سيمضي إلى المجهول»، مشيرا إلى أن ما يصيب أربيل من مشاكل سوف يوثر سلبا على بغداد والعكس صحيح.
وأضاف صالح في حديث لـ«الشرق الأوسط» في ختام ملتقى السليمانية الرابع في الجامعة الأميركية، بمدينة السليمانية، أمس أنه لا بد من أن تتوفر الإرادة الحقيقية لدى جميع الأطراف العراقية لتجاوز خلافاتها، خاصة أن البلد يمر بظروف عصيبة حيث إرهاب «داعش» يهدد وحدة العراق إضافة للأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية، مؤكدا أن «الأوضاع إذا استمرت بهذا الاتجاه فسوف يكون هناك أكثر من داعش يهدد أمن العراق والمنطقة».
وحذر صالح من «وجود (سايكس بيكو) جديدة بعد مضي مائة عام على اتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الشرق الأوسط وخاصة العالم العربي وظلمت الكرد»، داعيا إلى أن نكون أكثر حذرا كي لا يتلاعب الآخرون بمصائرنا وأن نكون مؤثرين ولنا كلمتنا في أي خطط جديدة تعصف بمنطقتنا. وقال إن «تغييرات كبيرة تحدث اليوم وخاصة في منطقة الشرق الأوسط»، داعيا إلى «ضرورة أن يكون للعراق بعربه وكرده وكل قومياته دور مؤثر في سايكس بيكو جديدة ترسم للمنطقة، حيث كنا في السابق مشغولين بخلافاتنا»، داعيا إلى أن يكون هذا الملتقى فرصة للبحث والدراسة والتعاون ومحاولة لإيجاد مستقبل أفضل لمستقبلنا، خاصة أن الحاضرين هنا مسؤولون وأكاديميون من العراق ومن دول الإقليم والعالم.
وعن أهمية ملتقى السليمانية السنوي أوضح صالح أن هذا المؤتمر الذي دأبنا على إقامته منذ أربع سنوات ويحضره خبراء وأكاديميون من جميع أنحاء العالم ومتخصصون في الشؤون الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية والإعلامية من أجل فتح أبواب النقاش والسجالات في القضايا الراهنة التي تعاني منها منطقتنا، مشيرا إلى أن «أبرز العناوين المطروحة في الملتقى الرابع هي الحرب ضد داعش ومستقبل العراق والمنطقة ما بعد داعش».
وقال رئيس ملتقى السليمانية الرابع، إن «هذا الملتقى غير حكومي ولا ترعاه أي حكومة وندعي إليه مختلف الشخصيات المهتمة بأوضاع المنطقة حتى وإن كانوا مختلفين بالاتجاهات ليتواجهوا ويتحدثوا ويتوصلوا إلى مشتركات تصب في صالح المصلحة العامة، حيث دعينا هذا العام أكثر من 400 شخصية عراقية وعربية وأجنبية ومن دول الإقليم».
وكان صالح قد افتتح ملتقى السليمانية السنوي الرابع، أول من أمس، الذي يرعاه ويترأسه باعتباره كبير أمناء الجامعة الأميركية في السليمانية، بكلمة ألقاها بثلاث لغات: الكردية والعربية والإنجليزية، مستذكرا مرور 28 عاما على مجزرة حلبجة التي راح ضحيتها آلاف الأكراد نتيجة قصف قوات نظام صدام حسين مدينة حلبجة بالأسلحة الكيماوية، وقال: بعد 28 سنة من قصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية يأتي تنظيم داعش الإرهابي ليقصف بلدة تازة في محافظة كركوك بالأسلحة الكيمياوية. مشيدا بصمود «قوات البيشمركة التي تقف بوجه التنظيم الإرهابي».
وأضاف صالح: «نحن في عموم العراق وإقليم كردستان نواجه مشاكل سياسية واقتصادية معقدة ولا يمكن تجاوزها بسهولة ما لم نتوافق سوية لإيجاد حلول جذرية لهذه المشاكل وتسخير كل الطاقات والخبرات والأموال من أجل بناء البلد بعد دحر تنظيم داعش لنضمن عدم ظهور داعش جديد في المنطقة وهذا يتطلب دراسة أسباب ظهور هذا التنظيم الإرهابي».
من جهته قال نجيرفان بارزاني، رئيس حكومة إقليم كردستان لـ«الشرق الأوسط» على هامش مشاركته في أعمال ملتقى السليمانية الرابع، أن «الصراع الطائفي في المناطق المحيطة بنا، بإقليم كردستان، هو الذي جلب داعش لأراضينا وتسبب بمأساة الإبادة الجماعية للأيزيديين الكرد وسبي نسائهم وقتل رجالهم»، مشيرا إلى أن «حكومتنا قامت بتحرير 2426 من الأيزديات من قبضة التنظيم الإرهابي». وقال إن «قوات البيشمركة وقفت لوحدها في البداية وتقف اليوم بوجه تنظيم داعش الإرهابي وقدمت الكثير من التضحيات من أجل حفظ أمن الإقليم والعراق والمنطقة ولن نسمح بحدوث كارثة جديدة مثل حلبجة التي ما يزال يعاني ضحاياها الكثير بسبب قصف قوات النظام السابق للمدينة بالأسلحة الكيماوية والتي تمر ذكراها آل 28 اليوم»، منوها إلى أن قوات البيشمركة الكردية لا تلقى أي دعم من الحكومة الاتحادية ولا من أي دولة من دول التحالف في حربها ضد «داعش»، مطالبا «الحكومة الاتحادية بدفع رواتب موظفي الإقليم وقوات البيشمركة باعتبارهم جزءا من المنظومة الدفاعية في العراق حسب الدستور العراقي».
وفي الكلمة التي ألقاها أمام الحاضرين في ملتقى السليمانية الرابع أكد بارزاني «حرص حكومته على الحوار مع الحكومة الاتحادية لحل جميع الإشكالات العالقة بين أربيل وبغداد»، مشيرا إلى أن «حكومتنا بذلت قصارى جهدها من أجل التوصل إلى حل مع الحكومة المركزية، حيث ذهبنا إلى بغداد واجتمعنا مع رئيس الحكومة، حيدر العبادي، ومع بقية المسؤولين ووعدوا بحل المشاكل العالقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم إلا أن ذلك لم يتحقق للأسف»، وقال: «نعلن أننا اليوم على استعداد للحوار مع بغداد للتوصل إلى حلول جذرية لمشاكلنا».
وأضاف رئيس حكومة إقليم كردستان العراق قائلا إن الإقليم يتحمل أعباء مليون وثمانمائة ألف نازح من باقي مناطق العراق، وقواتنا الكردية، البيشمركة مشغولة في القتال ضد الإرهاب، وأسعار النفط في هبوط، كل ذلك يجعل وضعنا الاقتصادي صعبا للغاية مما أدى إلى عدم تسلم موظفي الإقليم رواتبهم لما يقرب من ستة أشهر، ولم تقدم أي دولة في العالم أي دعم مالي للإقليم كما لم تضغط دول التحالف الدولي على الحكومة الاتحادية للإيفاء بوعودها والتزاماتها إزاء الإقليم». المعركة والتخلص من «داعش» مشيدا «بدعم التحالف الدولي العسكري وفي مقدمتهم الملايات المتحدة في حربنا ضد داعش خاصة الجهد الجوي بينما تمسك قوات البيشمركة الأرض».
وفي إطار الحديث عن أسباب وجود تنظيمات إرهابية مثل «داعش» في المنطقة، قال عمرو موسى الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية لـ«الشرق الأوسط» إن «علينا دراسة الأسباب الحقيقية وبصراحة التي تؤدي إلى ولادة ونمو التنظيمات الإرهابية في دولنا وفي مقدمتها تنظيم داعش، وفي اعتقادي أن قهر الشعوب وعدم منحها الفرص الكافية في التعليم والعمل والخدمات وتوفير مناخات اقتصادية، كل هذا برأيي يؤدي إلى ولادة هذه التنظيمات الإرهابية»، مشيرا إلى أن «الدراسات النظرية وحدها لا تكفي، بل نحن بحاجة إلى أفعال حقيقية وجذرية لإنقاذ شعوبنا من آفة الإرهاب الذي يستقطب شبابنا ويعطل إمكاناتنا وتنميتنا البشرية».
وفي مداخلته، أوضح السفير الأميركي لدى العراق ستيف جونز أن إدارة الرئيس (باراك) أوباما خصصت العام الماضي للعراق 2.7 مليون دولار لقتال «داعش»، كما ستمنح قرضا مضمونا قدره مليار دولار للحكومة العراقية لمعالجة مشاكلها الاقتصادية، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة مصرة على دعم قوات الجيش العراقي وقوات البيشمركة الكردية لتتمكن من دحر تنظيم داعش الإرهابي.
وعلى مدى سبع جلسات نقاشية تحدثت 35 شخصية عراقية وعربية وغربية متخصصين في مجالات عدة وضمن عناوين تصب في مواجهة «داعش» والأوضاع التي أدت لظهور الإرهاب في المنطقة، وأبرز المتحدثين كان السفير الأميركي ببغداد ستيوارت جونز، وعمرو موسى الأمين العام الأسبق لجامعة الدول العربية، ووزير النفط العراقي عادل عبد المهدي، وقوباد طالباني نائب رئيس حكومة إقليم كردستان، وأسامة النجيفي الرئيس السابق للبرلمان العراقي، وفؤاد حسين رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان، وسلمان الجميلي وزير التخطيط العراقي، وجعفر مصطفى الوزير السابق لقوات البيشمركة، وصالح مسلم زعيم حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني السوري، إضافة إلى أكاديميين من الجامعة الأميركية في السليمانية والجامعات العراقية والأميركية والبريطانية والكردستانية.



«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
TT

«تشاوري عربي - أوروبي» بحثاً عن «توافق أكبر» حول أزمات المنطقة

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره القبرصي نيكوس خريستودوليدس على هامش مشاركته في الاجتماع التشاوري العربي - الأوروبي (الرئاسة المصرية)

استضافت قبرص، الجمعة، اجتماعاً «عربياً - أوروبياً» تشاورياً، وسط توترات تشهدها المنطقة، ومخاوف من تجدد الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة التي تسببت في أزمة اقتصادية عالمية منذ اندلاعها نهاية فبراير (شباط) الماضي، وهدأت مع هدنة بدأت في الثامن من أبريل (نيسان) الحالي.

ويُعدّ هذا الاجتماع العربي - الأوروبي «جديداً من نوعه، فرضته تطورات المنطقة بحثاً عن توافق أكبر ضد أزمات المنطقة بين دول متضررة وذات تأثير»، وفق سفير مصر الأسبق لدى الاتحاد الأوروبي، رؤوف سعد، في حديثه لـ«الشرق الأوسط».

وحسب «الرئاسة المصرية»، فقد شارك في الاجتماع الذي انعقد في العاصمة القبرصية نيقوسيا، عدد من قادة الدول العربية، وقادة دول الاتحاد الأوروبي، ورئيس المجلس الأوروبي، ورئيسة المفوضية الأوروبية.

وأوضح المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية، السفير محمد الشناوي، أن الاجتماع شهد تباحثاً بين زعماء الدول العربية والأوروبية، ومسؤولي الاتحاد الأوروبي حول المستجدات والتطورات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، وسبل خفض التصعيد الراهن، واستعادة السلم والاستقرار الإقليميين والدوليين.

الرئيس المصري ونظيره الفرنسي خلال المشاركة في القمة العربية - الأوروبية (الرئاسة المصرية)

ويرى رؤوف سعد، أن هذا الاجتماع التشاوري بين قادة عدد من الدول العربية ودول ومؤسسة الاتحاد الأوروبي «يُعد تجمعاً جديداً من نوعه، يهدف بشكل أساسي إلى حماية مصالح الأطراف كافّة، سواء الأوروبية أو العربية أو منطقة الشرق الأوسط ككل، في ظل التطورات الجيوسياسية الراهنة».

وأوضح سعد أن هذا الاجتماع «تفرضه تداعيات مستمرة، وحالة من الحذر والتخوف الشديد من اتساع نطاق الحرب»، مؤكداً أن «الحرب في غزة، وما تبعها من تصعيد في إيران، وسعت نطاق الأخطار لتتجاوز المنطقة، وتؤثر على العالم أجمع».

توافق أكبر

يرى سعد أن الهدف من هذا التجمع «هو الوصول إلى توافق مشترك أكبر لمواجهة أزمات المنطقة، وكيفية اتخاذ جهود مشتركة لتنسيق المواقف في هذا التوقيت الخطير، الذي قد يشهد تجدد الحرب، مما يصعب السيطرة على آثارها إن لم يتم وقف الحرب».

وأوضح سعد أن قبرص، التي استضافت الاجتماع رغم صغر حجمها الجغرافي، تؤدي دوراً يتجاوز هذا الحجم بفضل تاريخ علاقاتها مع الشرق الأوسط، وانخراطها في التجمع المعني بالغاز في شرق المتوسط، مما يجعلها مدخلاً مهماً للمصالح المشتركة وتعزيز التشاور.

وأبرز الشناوي أن السيسي شدد في كلمته على أن «الأزمات التي تشهدها منطقتنا لا تقف عند حدودها، بل تمتد تداعياتها لتطول الجميع، وفي المقدمة القارة الأوروبية التي تُعدّ من أكثر الأطراف تأثراً بهذه التطورات».

كما أوضح أن ثوابت الموقف المصري «واضحة لا لبس فيها، وفي مقدمتها التأكيد أن المسار السياسي يظل السبيل الوحيد المقبول للخروج من الوضع الراهن، وتحقيق الاستقرار المستدام»، مشدداً على ضرورة الالتزام التام بحرية الملاحة، وأهمية تأمين الممرات الملاحية الدولية، بوصفها قاعدة راسخة ومستقرة في القانون الدولي.

وخلال الاجتماع أكد السيسي أنه «يتعين أن تتسم أي اتفاقيات يتم التوصل إليها بالإنصاف والتوازن، وأن تراعي شواغل كل طرف، وبصفة خاصة الطرف العربي، وهذا ينسحب على الملف الإيراني والملفَين السوري واللبناني». وشدد على «الأهمية البالغة أن يهتم أي اتفاق يتعلق بإيران بالشواغل الأمنية لدول الخليج العربي».

كما لفت السيسي إلى أهمية عدم السماح لأي طرف باستغلال الظرف الإقليمي والإقدام على إجراءات تقوّض أفق السلام، والتعايش بين الشعبَين الفلسطيني والإسرائيلي على أساس حل الدولتَين. وطالب الاتحاد الأوروبي ودوله بمواصلة دعم القضية الفلسطينية، وعدم السماح بتراجعها على سلم الأولويات.

دعم أوروبي منتظر

يأتي الاجتماع التشاوري وسط أزمة اقتصادية عالمية تتأثر بها مصر، وكانت القاهرة قد دعت الاتحاد الأوروبي في مارس (آذار) الماضي خلال ذروة حرب إيران، إلى سرعة صرف شريحة دعم مالي بقيمة 4 مليارات يورو، أقرها البرلمان الأوروبي قبل عام.

تأكيدات مصرية على ضرورة مراعاة أي اتفاقيات بين واشنطن وطهران الشواغل العربية (الرئاسة المصرية)

واتخذت مصر بعد حرب إيران قرارات اقتصادية، غلب عليها التقشف، مع زيادة في أسعار الوقود والمواصلات والقطارات والمترو الرئيسي في البلاد.

وشدد السفير رؤوف سعد على أن الاتحاد الأوروبي تربطه بالشرق الأوسط سياسة الجوار التي تمثّل معياراً استراتيجياً أساسياً، حيث يربطهما البحر المتوسط، مما يجعل المشكلات قابلة للتبادل والتأثير المتبادل، مبرزاً أن ما يحدث في المنطقة يؤثر مباشرة على الأمن والاقتصاد هناك، خصوصاً مع الخوف الأوروبي الشديد من خروج الأمور عن السيطرة بسبب غلق مضيق هرمز.

ولفت سعد إلى أن دولاً كبرى، مثل بريطانيا وألمانيا، غير راضية عن الحرب التي يرى معظم الخبراء والدول أنها كانت بلا داعٍ، وأن الولايات المتحدة دفعت إليها لخدمة أجندة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، متوقعاً أن يكون هناك دعم أوروبي لمصر والدول العربية.


«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«إعمار غزة» على الطاولة مجدداً... مسار موازٍ لـ«مجلس السلام» ومحاولات لكسر الجمود

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

برز ملف إعادة إعمار قطاع غزة على طاولة محادثات مصرية مع أطراف دولية مختلفة خلال الأيام الماضية، بالتزامن مع جمود في خطوات تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار، وحديث سابق بشأن أزمات تمويلية يواجهها «مجلس السلام» بقيادة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تم نفيها بعد ذلك، لكن من دون أن يترتب على ذلك قرارات ملموسة تشي بالتحرك نحو التعافي المبكر على أقل تقدير.

وبحسب خبراء مصريين تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن القاهرة تعمل على دفع هذا الملف؛ سواء من خلال إيجاد مسارات موازية لخطة «مجلس السلام» نحو إعادة الإعمار، أو بما يؤدي إلى تحريك الجمود القائم بشأن مراحل وقف إطلاق النار في القطاع، وبما يحافظ على فاعلية الاتفاق في ظل اهتمام الأطراف المعنية بتطورات «الحرب الإيرانية».

والتقى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، قبل أيام المبعوث الياباني لملف إعادة بناء ومساعدات غزة أوكوبو تاكيشي، وتناول معه «مسار جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار، في ظل التصعيد الإقليمي الراهن».

بحسب المتحدث باسم «الخارجية المصرية» السفير تميم خلاف، فإن «عبد العاطي استعرض رؤية مصر إزاء ضرورة الإسراع بجهود التعافي المبكر من خلال تنفيذ مشروعات عملية ذات أثر مباشر وسريع على حياة المواطنين الفلسطينيين، بما في ذلك توفير الأدوية، ومستلزمات البناء، ومحطات تحلية المياه، ومحطات توليد الطاقة المتنقلة، وأشكال السكن المؤقت اللائق، أخذاً في الاعتبار الحقائق القائمة على الأرض واحتياجات السكان الفعلية».

ملف الإعمار كان حاضراً أيضاً خلال زيارة وزير الخارجية المصري إلى واشنطن في منتصف الشهر الحالي، وتطرق في اجتماعه مع المدير القُطري للضفة الغربية وقطاع غزة ومنطقة الشرق الأوسط بمجموعة البنك الدولي ستيفان إمبلاد، إلى «تعزيز التعاون المشترك لدعم جهود التعافي المبكر وإعادة الإعمار في قطاع غزة».

وتطلع عبد العاطي إلى دور مهم لـ«البنك الدولي» لضمان تحقيق ظروف معيشية كريمة ومستدامة للشعب الفلسطيني ارتباطاً بخبراته الطويلة والمتراكمة في مجال إعادة الإعمار والبناء، وشدد على أهمية تنفيذ المشروعات والأنشطة الأكثر احتياجاً في هذه المرحلة لتحقيق التعافي المبكر، معرباً عن «استعداد مصر للتعاون الكامل مع (مجلس السلام) و(البنك) في هذا الصدد».

محادثات مصرية - يابانية لتسريع خطوات التعافي المبكر وإعادة الإعمار في غزة (الخارجية المصرية)

عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، السفير أشرف حربي، أشار إلى أن إعادة ملف «الإعمار» إلى الطاولة مجدداً تستهدف إيجاد مسارات موازية لخطوات «مجلس السلام» التي لم تبدأ بعد في هذا الإطار، مشيراً إلى أن القاهرة تعَوّل على مؤسسات دولية وأوروبية يمكن أن تدفع عملية التعافي المبكر.

وأوضح حربي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن مصر في المقابل تستهدف أيضاً أن تكسر جمود وقف إطلاق النار، وتعمل بشكل مستمر على أن يكون هناك حراك في ملف القضية الفلسطينية و«اتفاق غزة»؛ خشية من الجمود الكامل مع اهتمام الأطراف الدولية بالحرب الإيرانية.

وشهدت القاهرة خلال الأسابيع الماضية اجتماعات بين حركة «حماس» والممثل الأعلى لمجلس السلام في غزة، نيكولاي ملادينوف، تركزت بشكل أكبر على مسألة نزع سلاح «حماس»، لكن دون أن تصل إلى تفاهمات، فيما تحدث ملادينوف عن «أن الوصول إلى ترتيبات تُرضي جميع الأطراف سيستغرق بعض الوقت».

وكانت وكالة «رويترز» تحدثت في تقرير نشرته مطلع أبريل (نيسان) الحالي، عن «أن مجلس السلام لم يتلق سوى جزء ضئيل من مبلغ يبلغ 17 مليار دولار الذي تم التعهد به لغزة، مما يمنع ترمب من المضي قدماً في خطته لمستقبل القطاع الفلسطيني المدمر».

لكن «مجلس السلام» سارع في التأكيد «أنه لا يواجه أي عراقيل بشأن التمويل، وأن جميع الطلبات تمت تلبيتها (على الفور وبشكل كامل)»، مشيراً إلى أنه يركز بالأساس على «تمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة واستعادة الحوكمة، وتوسيع نطاق المساعدات».

وقبل أيام من اندلاع «الحرب الإيرانية» في فبراير (شباط) الماضي، استضافت واشنطن الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام» تعهدت خلاله دول بتقديم مليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة وإدارتها، عقب دمار واسع لحق بالقطاع على مدار عامين من الحرب.

وتقوم الخطة على إعادة إعمار القطاع على نطاق واسع، بالتوازي مع نزع سلاح حركة «حماس»، وانسحاب القوات الإسرائيلية، تمهيداً لتسليم الإدارة إلى لجنة وطنية فلسطينية.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية والخبير في الشأن الإسرائيلي، الدكتور أحمد فؤاد أنور، إلى أن القاهرة تبذل جهوداً مضاعفة لتجاوز العقبات الإسرائيلية أمام «مجلس السلام»، وتؤدي بالتبعية إلى عدم تسلم «لجنة التكنوقراط» مهام عملها بعد في قطاع غزة، وتعرقل كذلك تشكيل «قوة الاستقرار» وآليات عملها، وهي خطوات ترتبط بإعادة الإعمار والتعافي المبكر.

وأكد أنور في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن عدم تنفيذ بنود وقف إطلاق النار في غزة تتعلق أيضاً ببند توفير التمويل الخاص للإعمار والتعافي المبكر والتنمية المستدامة في القطاع، فيما تعمل القاهرة على إيجاد أرضية وانطلاقة فعلية على الأرض تساعد في زيادة الدعم الإغاثي والتنموي من خلال «البنك الدولي» أو الوكالة اليابانية للتعاون الدولي «جايكا»، بما يسهم في بث الأمل بنفوس الفلسطينيين الذين يعيشون واقعاً أليماً.

وترى القاهرة أن تعثر المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وانسحاب القوات الإسرائيلية من 55 في المائة من كامل أراضي قطاع غزة فقط، والأنظار الملتفتة إلى حرب إيران وما تسفر عنه من تداعيات اقتصادية وسياسية واحتمالات العودة للقتال مرة أخرى، عوامل تؤثر في المشهد الفلسطيني، وتحتاج إلى تحركات مكثفة في اتجاهات مختلفة، وفقاً لأنور.

وتُقدّر مؤسسات دولية كلفة إعادة إعمار غزة بنحو 70 مليار دولار، بعدما دُمّر الجزء الأكبر من البنية التحتية والمباني خلال الحرب، ما يجعل مستقبل القطاع رهناً بتوافر التمويل والتوافق السياسي بين الأطراف المعنية كافة.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، أن إعادة إعمار وتأهيل النظام الصحي في قطاع غزة تتطلب استثمارات بقيمة 10 مليارات دولار على مدى 5 سنوات تشمل إعادة الإعمار، واستعادة الخدمات الطبية، وتلبية الاحتياجات الصحية المتزايدة، مع تضرر 1800 منشأة صحية كلياً أو جزئياً.


مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
TT

مشروع أممي يدعم آلافاً من مزارعي البن في تعز

يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)
يمنية في منطقة صبر بمحافظة تعز تتفقد أشجار البن التي أصبحت مصدر دخل لها (الأمم المتحدة)

تحوَّل مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» في اليمن إلى نموذج للتدخل المزدوج، بتوفير فرص عمل، ومساعدة المزارعين في مواجهة انعدام الأمن الغذائي من جهة، وتنمية زراعة البن بوصفه محصولاً تراثياً واستراتيجياً.

ونجح مشروع ينفِّذه «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» في محافظة تعز (جنوب غربي البلاد)، بتمويل من البنك الدولي، في خلق فرص عمل مباشرة لأكثر من 43 ألف شخص، بينهم 4 آلاف امرأة، عبر 1.3 مليون يوم عمل، وتوفير 200 ألف متر مكعب من المياه داخل خزانات مستحدثة، وتحسين 8351 هكتاراً من الأراضي.

ومكَّن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي» الذي ينفِّذه، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، بتمويل من البنك الدولي، 17 ألف مزارع من استعادة القدرة على استغلال أراضيهم بكفاءة، إلى جانب دعم المزارعين في مناطق إنتاج القهوة، خصوصاً في محافظة تعز، من خلال إنشاء بنية تحتية مائية تقلل من أثر تراجع الأمطار.

يركِّز المشروع، بحسب تقرير صادر عن البرنامج الأممي، على إنشاء خزانات لتجميع مياه الأمطار، تُستخدَم خلال فترات الجفاف؛ لضمان استمرارية الري، وفي مديرية صبر الموادم، جرى إنشاء خزانين بسعة 400 متر مكعب لكل منهما.

يمنية تعرض عيّنة من محصول البن الذي أنتجته مزرعتها (الأمم المتحدة)

وطبقاً لبيانات المشروع، فإنَّ المزارعين الذين تمكَّنوا من الوصول إلى هذه الموارد سجَّلوا تحسناً ملحوظاً في إنتاجهم خلال الموسم الأخير، مقارنة بغيرهم ممَّن ظلوا يعتمدون على الأمطار غير المنتظمة.

يستند المشروع إلى تمويل تقديري يبلغ 64 مليون دولار أميركي، وتغطي تدخلاته 47 مديرية في عدد من المحافظات اليمنية، خصوصاً المناطق الأكثر هشاشة زراعياً، ومن المقرر أن تستمر أعماله حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

تحسين البنية التحتية

ويأتي المشروع بتمويل من المؤسسة الدولية للتنمية التابعة للبنك الدولي، ويُنفَّذ ضمن شراكة يقودها «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي»، إلى جانب «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي»، ضمن مشروع «الاستجابة لتعزيز الأمن الغذائي في اليمن».

خزان مياه بناه مشروع أممي لمساعدة المزارعين في تعز على استدامة الإنتاج (الأمم المتحدة)

ويركز «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي» على تطوير البنية التحتية الزراعية، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على مواجهة التغيُّرات المناخية، بالتعاون مع الصندوق الاجتماعي للتنمية ومشروع الأشغال العامة.

يقول سعيد الشرجبي، المهندس الزراعي اليمني، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ زراعة البن في اليمن بحاجة إلى حزمة من الإجراءات الخاصة بالبنية التحتية، مثل ربط مناطق الإنتاج بشبكة من الطرق الرئيسية والفرعية والطرق الزراعية لتقليل تكاليف النقل، إضافة إلى الاستفادة منها فيما تُعرَف بالسياحة البيئية أو السياحة الزراعية.

ويدعو الشرجبي إلى إنشاء السدود والحواجز والخزانات المائية ومدها بشبكات الري المناسبة التي تساعد على ترشيد استهلاك المياه، وإنشاء المشاتل لإنتاج شتلات البن، ووضع مواصفات فنية لها يتقيَّد بها القائمون على المشاتل، وتشجيع الاستثمار في المجالات المتعلقة بالبن، مثل الإنتاج والتسويق، وتصنيع مستلزمات الإنتاج من مواد صديقة للبيئة.

وشملت أنشطة المشروع تأهيل أكثر من 201 كيلومتر من الطرق الزراعية، ما أسهم في تسهيل وصول المزارعين إلى أراضيهم وأسواقهم، وإنشاء وتحسين خزانات مياه بسعة إجمالية تجاوزت 200 ألف متر مكعب؛ لتقليل الاعتماد على الأمطار الموسمية، وتعزيز استقرار الري.

يمني في تعز يعدّ قهوة من محصول البن الذي تنتجه مزرعته (الأمم المتحدة)

وامتدت التدخلات إلى حماية الأراضي الزراعية، حيث تم تحسين وإعادة تأهيل نحو 8351 هكتاراً، وريّ أكثر من 13 ألف هكتار، وتطوير أكثر من 110 آلاف متر من قنوات الري؛ بهدف رفع كفاءة التوزيع والحدِّ من الفاقد.

ووفَّر المشروع أكثر من 1.3 مليون يوم عمل وفق بيانات البرنامج الأممي، منها نحو 130 ألف يوم لصالح النساء، بينما تمكَّن أكثر من 22 ألف مزارع من تحسين حصولهم على المياه.

إعادة إحياء الأرياف

ويأتي هذا المشروع بوصفه جزءاً من برنامج أوسع تموله المؤسسة الدولية للتنمية، الذراع التمويلية الميسّرة للبنك الدولي، ويُنفَّذ بالشراكة مع عدد من الوكالات الدولية، بينها «منظمة الأغذية والزراعة» و«برنامج الأغذية العالمي».

ولفتت هذه التحولات الزراعية أنظار كثير من المجتمعات الريفية التي تأثرت بالتغيُّرات المناخية، حيث يسعى كثير من المزارعين إلى الحصول على تمويل لمساعدتهم على تغيير وتطوير أنشطتهم الزراعية؛ لمواجهة مخاطر انعدام الأمن الغذائي.

عاملون في تعز يفحصون حبوب البن لفرزها قبل البدء بتسويقها (الأمم المتحدة)

ويشير سمير المقطري، وهو مهندس زراعي وموظف حكومي، إلى أنَّ كثيراً من الأراضي الزراعية في ريف محافظة تعز باتت مهجورة إما بسبب شح المياه، أو الهجرة الداخلية بحثاً عن الخدمات، وهو ما يهدِّد بتدهورها وانهيارها بفعل أمطار غزيرة مفاجئة بعد سنوات من الجفاف والتصحر.

ويطالب المقطري، في حديثه لـ«الشرق الأوسط» الجهات المعنية، الحكومية والأممية والدولية، بتوسيع نطاق المشروعات الداعمة لتعزيز الأمن الغذائي، وانتهاز فرصة تخلي آلاف المزارعين عن نبتة القات؛ لدعم استبدال شجرة البن بها، خصوصاً أن الظروف البيئية والمناخية لنموهما متشابهة إلى حدّ كبير.

وتُظهر النتائج الأولية أن تحسين إدارة المياه يمثل عاملاً حاسماً في حماية زراعة البُن، التي تعتمد تقليدياً على الأمطار المتقلبة، كما تسهم هذه التدخلات في الحد من خسائر المحاصيل، وتحسين استقرار دخل المزارعين، وتعزيز قدرة المجتمعات الريفية على الصمود.

Your Premium trial has ended