الصين «تلهو بالنار» عبر استراتيجية «الأسهم مقابل الديون»

دعم «وهمي» لميزانيات البنوك.. والشركات المتعثرة تتهرب من «الحسم»

الصين «تلهو بالنار» عبر استراتيجية «الأسهم مقابل الديون»
TT

الصين «تلهو بالنار» عبر استراتيجية «الأسهم مقابل الديون»

الصين «تلهو بالنار» عبر استراتيجية «الأسهم مقابل الديون»

في اتجاه جديد لإدارة أعباء الشركات الصينية، والذي ربما يوفر إغاثة مؤقتة للبنوك، ولكنه يضفي المزيد من الصعوبات على اقتصاد البلاد؛ تستخدم الشركات المتعثرة للغاية الأسهم في سداد القروض المتأخرة.
وبدأت الأدلة المبكرة للاستراتيجية الجديدة في الظهور الأسبوع الماضي، عندما كشفت إحدى شركات بناء السفن الصينية المثقلة بالكثير من الديون عن اعتزامها إصدار الأسهم لصالح الدائنين، بدلا من سداد مبلغ 2.17 مليار دولار من القروض المصرفية المتأخرة.
وإذا ما اعتزمت الشركات الصينية تطبيق المقاربة الجديدة على نطاق واسع بالنسبة لمشاكل الديون لديها، يمكن للبنوك دعم الميزانيات العمومية لديها بصورة مؤقتة عن طريق استبدال القروض المتعثرة بالأسهم والتي تحمل بعض القيمة على أدنى تقدير. ولكن قبول الحصص في الشركات المثقلة بالديون يمكن على الأرجح أن يجعل البنوك أكثر ترددا في إغلاقها.
وقد يعني ذلك أن تبقى الصين «عالقة» مع إفراط هائل في القطاعات الصناعية، بما في ذلك قطاع بناء السفن والصلب والإسمنت، مما يعرقل النمو الاقتصادي حتى سنوات قادمة.
يقول إسوار إس. بارساد، الخبير الاقتصادي لدى جامعة كورنيل، والذي كان يرأس مكتب الصين في صندوق النقد الدولي: «البرنامج المطروح يشبه حركات الحواة وخفة اليد، التي تجمل الميزانيات العمومية للبنوك ولكنه لا يكاد يسيطر بشكل حقيقي على المشاكل الأساسية للقروض المتعثرة، أو الحوافز المشوهة لدى البنوك ونظم الشركات المملوكة للدولة.. كما أنه يضعف من التنظيم المالي. تلك بالضبط الصورة الكلاسيكية لوضع مستحضرات التجميل على وجه حيوان قبيح. أجل، قد تبدو ميزانيات البنوك أكثر جمالا، ولكن من دون تغييرات جوهرية تذكر».
تحمل تلك الاستراتيجية الجديدة بعض من المميزات برغم ذلك. فهي تسمح للشركات بتقليل أعبائها من الديون. ومن خلال ذلك، يمكن للشركات تحسين ملفاتها الائتمانية، واقتراض المزيد من الأموال من البنوك، والمحافظة على سير أعمالها.
كما أن هذه الاستراتيجية تجعل دفاتر القروض المصرفية تبدو أكثر صحة، من حيث إمكانية تقليل مقدار القروض سابقة الاستحقاق. ولقد أصبح وقف التوسع الأخير في هذه القروض من الأولويات الملحة والقصوى لرؤساء البنوك الصينية.
وفيما يبدو سداد القروض من خلال الأسهم من الحلول السريعة لمشكلة الديون الصينية الهائلة والمعلقة، فمن شأن هذه المقاربة أن تجعل المشاكل أكثر ضررا.
ففي واقع الأمر، هي ليست إلا طريقة أخرى من قبل الشركات الصينية المتعثرة لتأجيل اتخاذ القرارات الاقتصادية العسيرة، مثل تسريح الموظفين أو إغلاق العمليات. بدلا من ذلك، يمكن للشركات والأعمال الاستمرار المسير في طريق متعرج، حتى في الوقت الذي لا تجني فيها العمليات الأساسية ما يكفي من الأموال في ظل تبخر طلبات العملاء.
كانت مثل تلك المشكلات تحتل محل القلب من القضايا الاقتصادية الصينية، حيث واصلت الكثير من الشركات المملوكة للدولة وغيرها من شركات القطاع الخاص تنحية القروض جانبا والاستمرار في تنفيذ العمليات. ولقد كانت الحكومة تؤيد وتدعم هذا التكتيك، في معرض جهودها لتجنب التسريح الجماعي للعمالة والمحافظة على الاستقرار الاجتماعي في البلاد.
والمقاربة الجديدة، باختصار، تعتبر من قبيل الأنباء السيئة للشركات المملوكة للدولة، بالنسبة لمختلف تعاملات البنوك الصينية، كما تقول اليشيا غارسيا هيريرو، وهي كبيرة الاقتصاديين لقطاع آسيا لدى بنك ناتيكسيس الاستثماري الفرنسي.
وعند هذه المرحلة، ليس من الواضح مدى انتشار تطبيق هذه الاستراتيجية بين مختلف الشركات الصينية. وكان حتما على شركة هوارونغ المحدودة للطاقة العاملة في مجال بناء السفن الإفصاح عن تلك الخطوة المتخذة من جانبها؛ نظرا لإدراج اسم الشركة على قائمة بورصة الأسهم في هونغ كونغ. أما شركات البر الصيني الرئيسي، غير المدرجة في الخارج، فلا تواجه نفس القواعد الصارمة.
يقول اثنان من المختصين الماليين من ذوي الاطلاع والعلاقة مع منظمي البر الصيني الرئيسي، إن الحكومة تعمل على وضع خطة واسعة تسمح من خلالها للشركات المتعثرة بسداد القروض المستحقة عن طريق الأسهم بدلا من السداد النقدي المباشر. ولقد رفضا الحديث بصورة رسمية، في إشارة إلى حساسية تلك القضية في الداخل الصيني. وأفادت وكالة رويترز الإخبارية في تقرير لها قبل أيام بجهود المنظمين الماليين الصينيين في تخفيف الديون المصرفية المتعثرة.
ولقد تعذر التواصل مع المسؤولين في بنك الشعب الصيني، وهو البنك المركزي في البلاد، ومع مسؤولي هيئة تنظيم المصارف الصينية للتعليق على الأمر. وكان من المتوقع أن يعقد تشو شياو تشوان، محافظ البنك المركزي الصيني، وثلاثة من نوابه مؤتمرا صحافيا في بكين، مع اقتراب موعد انعقاد جلسة مؤتمر الشعب الوطني.
وتأتي قضية الديون في قلب النقاش الدائر حول المسار الذي يتجه إليه الاقتصاد الصيني. ولقد تجنبت الصين معظم الآثار السيئة للأزمة المالية العالمية عندما وجهت الأوامر للنظام المصرفي الذي تسيطر عليه الحكومة بهندسة الزيادة الكبيرة في المعروض النقدي. ولقد عملت تلك البنوك على توجيه القروض الهائلة إلى الشركات وإلى مشاريع البناء والتشييد الحكومية.
وفي حين أن التحفيز المالي قد ساعد على ارتفاع النمو الاقتصادي، إلا أن أعباء ديون البلاد قد تضخمت هي الأخرى.
وكان الدين العام في الصين يرتفع قليلا عن الناتج الاقتصادي لعام كامل، وذلك حتى عام 2008. في حين يبلغ الدين العام للبلاد حاليا مستوى يوازي سنتين ونصف السنة من الناتج الاقتصادي، وتعتبر المستويات المرتفعة من الإشارات الخطيرة في بلدان أخرى. ولا يزال الدين العام الصيني في ارتفاع مستمر، وأكثر الديون مستحقة من قبل الشركات.
تعكس استراتيجية الأسهم مقابل الديون الاضطرابات الأساسية لدى الكثير من الشركات. وتعتبر شركة هوارونغ المحدودة للطاقة واحدة من عشرات شركات بناء السفن الصينية التي تواجه الأزمات المالية الخانقة مع انخفاض أسعار السفن الجديدة حول العالم بمقدار النصف خلال العامين الماضيين. وينسحب نفس الأمر على شركات صناعة الصلب، والإسمنت، والكثير من الشركات الأخرى العاملة في الصناعات الثقيلة.
وكان الأداء العام لشركة هوارونغ المحدودة للطاقة سيئا للغاية في بورصة هونغ كونغ للأسهم. حيث شهدت أسهم الشركة انخفاضا أكثر حدة من مؤشرات أسهم البر الصيني الرئيسي الواسعة، مسجلة هبوطا بمقدار 83 في المائة منذ أبريل (نيسان) من عام 2015.
وبدأت مبادلة الأسهم مقابل الديون في التبلور في الوقت الذي يقول فيه الممولين من هونغ كونغ أن مشكلة الديون المتعثرة في الصين قد تفاقمت بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الأخيرة. والمشكلة، كما يقولون في مقابلات شخصية أجريت مؤخرا، تكمن في أن المزيد من الشركات توقف سداد القروض المستحقة من بنوك البر الصيني الرئيسي في أثناء التباطؤ الاقتصادي الذي تشهده البلاد.
ولقد أدى ذلك إلى حدوث تموجات داخل النظام المالي الصيني. حيث تعهد المقترضين اليائسين في الأسابيع الأخيرة بسداد عدة نقاط مئوية من الفوائد الإضافية للاقتراض في هونغ كونغ، بعد اكتشافهم أن البنوك وغيرها من المؤسسات المالية في البر الرئيسي تعاني التردد في اتخاذ قرارات الإقراض.
ولقد حذر بنك إتش إس بي سي الأسبوع الماضي من أن السماح للمقترضين بالسداد عن طريق الأسهم يعد من الحلول المحدودة لمشاكل القروض المتعثرة. وتضع المعايير المصرفية الدولية لرؤوس الأموال عقوبة كبيرة على حيازة الأسهم، مما يعني أنه يتعين على البنوك الاحتفاظ بالمزيد من الأموال مقابل الأسهم التي تمتلكها.
لكن البنوك الخمسة الكبرى في الصين تملك من الأموال ما يربو على متطلبات المعايير المصرفية الدولية المذكورة. ووفقا لذلك قد تكون تلك البنوك قادرة على مبادلة الديون مقابل الأسهم من دون الخضوع للحد الأدنى المطلوب لرأس المال، ولكن من غير المرجح للبنوك أن تحل أجزاء كبيرة من محافظ القروض المتعثرة من خلال هذه الطريقة وحدها.
وأفاد بنك إتش إس بي سي في مذكرة بحثية صادرة عنه بالقول: «نعتقد أنه من غير المرجح أن تطبق هذه الطريقة على نطاق كبير بالنظر إلى السبل المحدودة لتجديد رأس المال بمجرد تخصيصه لتعويض حيازات الأسهم».
* خدمة «نيويورك تايمز»



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.