انسحاب موسكو من سوريا: «صفعة».. أم خطوة نحو الحل؟

6 أشهر من التدخل منعت سقوط النظام وجعلت من روسيا لاعبًا دوليًا أساسيًا

طيارون روس  لدى وصولهم من سوريا إلى قاعدة جوية في جنوب روسيا (أ.ف.ب)
طيارون روس لدى وصولهم من سوريا إلى قاعدة جوية في جنوب روسيا (أ.ف.ب)
TT

انسحاب موسكو من سوريا: «صفعة».. أم خطوة نحو الحل؟

طيارون روس  لدى وصولهم من سوريا إلى قاعدة جوية في جنوب روسيا (أ.ف.ب)
طيارون روس لدى وصولهم من سوريا إلى قاعدة جوية في جنوب روسيا (أ.ف.ب)

كما دخلت موسكو إلى سوريا بشكل مفاجئ تحت عنوان محاربة «داعش» بدأت بالانسحاب منها بعد نحو ستة أشهر من دون سابق إنذار، معلنة أنها أنجزت مهمّتها، رغم أن ضرباتها كانت قد تركزت بشكل أساسي على فصائل في المعارضة بدلا من أن تستهدف التنظيم. لكن وخلف هذا الهدف المعلن وفي وقت وجد البعض في هذه الخطوة تخلي موسكو عن حليفها، رأى فيها البعض الآخر خطوة إيجابية قد تمهّد الطريق أمام التسوية السياسية انطلاقا من مفاوضات جنيف، بعدما ساهمت في منع سقوط النظام السوري، وأثبتت نفسها في الوقت عينه لاعبا دوليا أساسيا، عسكريا وسياسيا. وأمام كل التحليلات التي رافقت هذا القرار، تعمّد بوتين وبعد ثلاثة أيام من بدء الانسحاب الجزئي، أن يرسل رسالة تهديد وطمأنة في الوقت عينه، الأولى للمجتمع الدولي، والثانية لرئيس النظام السوري بشار الأسد، بقوله: «نستطيع العودة خلال ساعات إذا استدعت الظروف»، مؤكدا كذلك أنه يدعم الحل السياسي.

وكان لافتا في تصريحات الرئيس الروسي إعلانه أن «الأسلحة الروسية الحديثة اختبرت بنجاح في ظروف القتال الحقيقي»، مشيرا إلى «أن هذه التجربة ستسمح لروسيا برفع فعالية وقدرات أسلحتها»، وهو ما سبق لمعارضين سوريين أن أشاروا إليه منذ بدء التدخل الروسي، معتبرين أن سوريا باتت «حقل تجارب» للأسلحة الروسية النوعية، لا سيما من القاذفات والصواريخ المجنحة إلى دبابات «تي 90 أ» والمدرعة «الروبوت».
وقد أوجز الكاتب الصحافي الروسي، يفجيني سيدروف، أسباب الانسحاب بقوله إن القرار الروسي يعود إلى أمور عدّة بينها «خلاف بين روسيا والنظام بسبب العملية السلمية خصوصًا بعد تصريحات الأسد بشأن رغبته في مواصلة الحرب، وهو ما لا تريده موسكو ووجود اتفاق سري روسي أميركي بشأن التسوية في سوريا، بالإضافة إلى نفقات الحرب التي لا يتحملها الاقتصاد الروسي، فضلا عن عدم التزام الأسد بتعهداته أمام بوتين».
وفي هذا الإطار، لفتت مصادر في المعارضة السورية، لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن نائب وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، زار موسكو بعد تصريحات المعلم الأخيرة التي رفض خلالها البحث في الانتقال السياسي، ونقل حينها رسالة من موسكو إلى الأسد، طالبة فيها بإقالة وزير الخارجية السوري وليد المعلم من منصبه، فكانت نصيحة طهران بعدم الاستماع للطلبات الروسية. مع العلم أن المعلم كان قد رفض عشية انطلاق مفاوضات جنيف البحث في المرحلة الانتقالية، واعتبر أن الرئيس بشار الأسد «خط أحمر».
وقد تعكس لقطات عودة الطائرات المقاتلة الروسية من سوريا على شاشات التلفزيون انطباعا بأن الحرب التي وصفتها روسيا بـ«المقدسة» انتهت، لكن حسم هذا الأمر يبقى رهن المفاوضات التي تدور رحاها في جنيف بصعوبة بين النظام والمعارضة، في ضوء ما يحكى عن توافق أميركي - روسي قد يؤدي إلى إنهاء الأزمة. وهو ما أشار إليه بوتين أمام جنوده العائدين من سوريا بقوله: «ساعدنا الجيش السوري في تحقيق انتصارات مهمة، وشكلنا الظروف لبدء العملية السلمية، وأجرينا اتصالات إيجابية مع الولايات المتحدة ودول أخرى»، وقال في كلمة له بالكرملين بعد ثلاثة أيام من إعلان قرار الانسحاب: «متأكد من أننا سنشهد انتصارات جديدة ومهمة في القريب العاجل»، معربا عن أمله في أن تستعيد القوات الحكومية تدمر قريبا. ولفت إلى أنه إذا اقتضى الأمر ففي خلال ساعات تستطيع روسيا زيادة قوتها في المنطقة إلى حجم يتناسب مع تطورات الموقف هناك، واستخدام كل ترسانة القدرات المتاحة تحت تصرفنا.
وفي تحليله للانسحاب من سوريا، اعتبر الإعلام الروسي أن قرار بوتين هو انتصار سياسي بدل الغرق أكثر في مستنقع الحرب. وكتبت صحيفة «كومرسانت»: «موسكو لم تكن تهدف إلى تحرير كل الأراضي السورية، وهو ما يمكن أن يستغرق سنوات دون أي ضمانات بتحقيق نتيجة إيجابية»، مشيرة إلى أن موسكو وبفضل الحملة العسكرية في سوريا، نجحت في الخروج من العزلة الدولية التي فرضت عليها بسبب النزاع في أوكرانيا، مؤكدة في الوقت عينه، أنّ القرار بسحب القوات لم يكن من الممكن أن يتخذ دون اتفاق مع الولايات المتحدة. من جهتها، أوردت صحيفة «فيدوموستي» الليبرالية أن روسيا كانت بدأت حملتها ضد تنظيم داعش في سوريا، أساسا «بهدف التقارب مع الغرب أولا»، ولكن أيضا «بهدف إطلاق محادثات» السلام.
لكن واشنطن وبعدما كانت قد أعلنت أنه لم يكن لديها معرفة مسبقة بقرار بوتين، اعتبرت أنه من السابق لأوانه التنبؤ بمدى تأثير انسحاب روسيا الجزئي من سوريا على موقف النظام في مفاوضات جنيف، علما بأن مستشار بوتين، ديميتري بيسكوف، كان قد أعلن أن الانسحاب الروسي «سيعود بالفائدة على مرحلة المفاوضات بين النظام والمعارضة». وقال المتحدث باسم البيت الأبيض، جوش أرنست، إن «هناك دلائل على أن الجيش الروسي بدأ بسحب جزء من قواته في سوريا، لكن من السابق لأوانه استخلاص نتيجة واضحة بشأن مدى تأثير التغيير في الوضع العسكري في سوريا على موقف الأسد خلال المفاوضات الحالية في جنيف».
وغادرت 18 طائرة، أي ما يقدر بنحو ثلث عدد الطائرات العسكرية الروسية، خلال الأيام الثلاثة الأولى من القرار، فيما أبقت موسكو على بعثتها القتالية الدائمة التي تتألف بشكل أساسي من القوات وأنظمة الدفاع ومضادات الطائرات.
وكان مستشار الرئيس الروسي، ديميتري بيسكوف، أعلن أن «روسيا ستواصل أنشطتها العسكرية في قاعدتيها بمحافظة طرطوس، ومطار حميميم بمحافظة اللاذقية غربي سوريا»، مشددًا على أنهم سيحمون قواعدهم من البحر والبر والجو.
مع العلم بأن روسيا كانت قد فقدت في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إحدى طائراتها الحربية قرب الحدود مع سوريا في عملية نفذتها القوات التركية، ردًّا على ما قالت إنه اختراق لمجالها الجوي، لكن وزارة الدفاع الروسية أكدت أن طائرتها «كانت في المجال الجوي السوري حصرا».
وفي قراءة لقرار الانسحاب العسكري الروسي من سوريا، وصف مدير مركز الشرق للبحوث، سمير التقي، الخطوة بـ«الصفعة للأسد» التي أربكت النظام وبات غير قادر حتى على إطلاق المواقف «التكيفية» مع هذا القرار المفاجئ، فيما قال المحلّل الاستراتيجي، خطار بودياب: «كما كان مفاجئا التدخّل العسكري الروسي، يحاول بوتين القول، بقرار انسحابه، إنه صانع سلام ويريد إنجاح المفاوضات مع المحافظة على مصالحه بعدما رأى نفسه أمام حليف ضعيف».
ورأى بودياب، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنّ «قرار بوتين جاء ربما لتفادي نتائج فشل الحلّ السياسي، إذ إن حصوله سيؤدي إلى تصعيد عسكري يحاول عدم الانزلاق فيه، وفي الوقت عينه قد تكون رسالة للنظام السوري ليكون أكثر جدية في تعامله مع الحل السياسي». وأضاف: «إذا أكدت موسكو جديتها في هذا القرار فهو سيفتح الطريق أمام اتفاق روسي - أميركي يمنع تصعيد الوضع واستمرار الهدنة، في وقت لن يجرؤ النظام على المغامرة العسكرية في ظل غياب الغطاء العسكري». وفي حين استبعد بودياب قبول النظام المعروف بطبيعته الفردية والشمولية المشاركة في السلطة، لفت إلى أن موسكو بقرارها ستحاول المحافظة على دورها السياسي على الأقل حتى بدء عهد الإدارة الأميركية الجديد.
من جهته، قال التقي: «انطلاقا من الوقائع يمكن القول إن الانسحاب الروسي ولو كان جزئيا جاء ليؤكد أن روسيا غير قادرة على القيام بالحملات العسكرية الواسعة النطاق لتعزيز مواقع النظام. ما جرى كان كفيلا بكسر موازين القوى التي كانت قد تكرست في المرحلة الأخيرة».
وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «من خلال كل المستجدات الأخيرة يبدو واضحا أن هناك استياء روسيا من النظام السوري. كان يمكن للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، على الأقل، الإعلان عن وقف الضربات الجوية، لكنه ذهب فورا إلى قرار الانسحاب، ما أوجد فراغا استراتيجيا وعسكريا وأعاد اللعبة إلى أيدي السوريين، في وقت لن يجرؤ الإيراني على قلب الطاولة، وإن كان يعمل على تشجيع النظام بعدم الخضوع للطلبات الروسية».
وأشار التقي إلى أنه كان هناك بعض الأمل لدى الأسد بأن يتدخل بوتين بريا في سوريا، ما قد يؤدي إلى فرض تبدل استراتيجي، لكن ومنذ التدخل الروسي لم يتمكن النظام من تحقيق أي إنجاز عسكري لافت على الأرض، وبالتالي فإن بوتين كان حذرا من خطوة كهذه، ولم يجد من يساومه عليها، في وقت لم يكن مستعدا للوصول إلى مرحلة النزيف على حساب جيشه. مضيفا: «لكن ورغم ذلك فسيدفع ثمن تدخله في سوريا، حيث صرف مليارات الدولارات، بعدما عمل على تعبئة الرأي العام الروسي تجاه تدخله في سوريا».
واعتبر التقي أن الانسحاب الروسي لن ينعكس فقط عسكريا إنما سياسيا أيضا، موضحا: «عندما كانت موسكو داخل سوريا لم تنجح في الضغط على الأسد الذي خذلها مرات عدّة ولم تتمكن من تحويل تعهداتها إلى فعل، وبالتالي فإنه ليس هناك مجال للعودة إلى الوراء». وحول مستقبل مفاوضات جنيف، رأى أنها ستّتم بمزيد من المراوغة من قبل النظام، وهي لن تصل إلى نتيجة إلا إذا حصل تطوّر كبير في دمشق، لجهة خطوة أو تحرك ما من قبل قوى موالية للنظام.
وفي تعليقه على قرار الانسحاب الروسي من سوريا، قال فواز جرجيس، بروفسور العلاقات الدولية بكلية لندن للاقتصاد، في حديث لقناة «سي إن إن»: «كان هذا الإعلان مفاجئا، وهو صفعة قوية على وجه النظام، إلى جانب التداعيات الكبيرة على مستقبل الأسد والعملية السياسية في سوريا». وأضاف: «الإعلان الروسي سيغير قواعد اللعبة، وسنسمع بالطبع الروس والسوريين يقولون إن هذا خطوة تم تنسيقها، ونحن على الصفحة ذاتها.. لكن من وجهة نظري فإن ما حصل سيغير من ديناميكيات محادثات السلام».
وعلى الصعيد الميداني، يؤكد الخبير في الشؤون السورية في جامعة أدنبرة، توماس بييريه، أن التدخل الروسي «أوقف تقدم الفصائل المقاتلة وسمح للنظام إلى جانب القوى التي وفرها مقاتلون شيعة باستعادة مناطق استراتيجية في حلب (شمال) واللاذقية (غرب) ودرعا (جنوب) ودمشق».
وفي بداية فبراير (شباط) الماضي، حققت قوات النظام الاختراق الأكثر الأهمية في حلب منذ عام 2012. وتمكن بغطاء جوي روسي مكثف من تضييق الخناق على الفصائل المعارضة في مدينة حلب، وكسر الحصار الذي فرضه مقاتلو المعارضة على قريتين على مدى نحو سنتين، واستعاد مواقع عدة.
وهنا يبقى السؤال المطروح هو حول قدرة النظام على المحافظة على الوضع الميداني الذي أرسته «العملية الروسية» في مواجهة المعارضة إذا سقطت الهدنة.
وفي هذا الإطار، يعد آرون لوند، الباحث غير المقيم في مركز «كارنيغي» للأبحاث ورئيس تحرير مجلة «سوريا في أزمة»، أن الأسد «في موقف أفضل بكثير، فيما فقد أعداؤه توازنهم، إلا أن ذلك لا يعني أن الحرب انتهت». ويضيف: «تمكنت روسيا خلال نحو ستة أشهر من تغيير الموازين على الأرض لصالح نظام الأسد».
ويرى مصدر ميداني سوري أن «وتيرة الهجوم الكبير في الشمال السوري قد تخف» بعد الانسحاب الروسي، «ولكن لن تعود الكفة لصالح المعارضة».
ويقول بييريه: «ستضغط الدول الغربية على الفصائل المقاتلة التي تدعمها لعدم استغلال الوضع، على الأقل طوال فترة المفاوضات» بين الحكومة والمعارضة التي بدأت في جنيف، لكن الأسئلة تطرح بقوة أكبر في مناطق التنظيمات التي لا تشملها الهدنة، مضيفا: «هؤلاء قد يسعون لـ(امتحان) الانسحاب الروسي»، بحسب تعبيره.
من جهته، يرى الخبير في الجغرافيا السورية، فابريس بالانش، أن الانسحاب الروسي قد يترك «وقعا نفسيا بالدرجة الأولى» على قوات النظام السوري، «وقد يراه البعض تخليا عن بشار الأسد». لكن عسكريا، يشير إلى أن النظام حصل على دبابات جديدة، ومن المفترض أن يحصل على طائرات ومروحيات أيضا «ما يمكنه من الحفاظ على تفوقه الجوي».
ووفق مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان، رامي عبد الرحمن، فإن التدخل العسكري الروسي، قد حصّن مناطق النظام لا سيما حيث هناك احتكاك بينه وبين المعارضة، لكنها في الشمال، مكنته وحلفاءه من استعادة السيطرة على آلاف الكيلومترات وعلى أغلب المساحات في ريف اللاذقية بينها معقل المعارضة في جبلي التركمان والأكراد، فيما لا تزال المساحة المتبقية في عهدة المعارضة في اللاذقية «تقارب الـ150 كيلومترا مربعا، بينها جبل كتابة وهي المنطقة الفاصلة بين جبلي الأكراد والتركمان».
ولفت إلى أن «موسكو بدأت بالانسحاب بعد تأمين الحماية حول مدينة حلب، إثر السيطرة على مساحات في ريفها الشمالي وريفها الجنوبي، وريفها الشرقي»، واستعادت قوات النظام السيطرة على مطار كويرس وفتحت مناطق نفوذها في الريف الشمالي على الريف الشرقي الذي باتت تبعد عن أحد معاقله فيه (مدينة الباب) نحو 8 كيلومترات.
ورغم عدم تمكن النظام من التقدم في ريف حماه الشمالي وريف إدلب، فقد أدّت الضربات الروسية إلى وقف استنزاف قوات النظام. وهو الأمر الذي ينطبق على الغوطة الشرقية لدمشق، حيث «جرى تثبيت مناطق نفوذ النظام فيها، واستعادة السيطرة على مناطق محدودة على جبهة مرج السلطان»، وذلك بعد اغتيال قائد جيش الإسلام زهران علوش.
وبينما لم تحقق قوات النظام أي تقدم استراتيجي في جنوب البلاد، باستثناء استعادة السيطرة على بلدة الشيخ مسكين في ريف درعا، منعت الضربات الروسية تنظيم داعش، في المقابل، من السيطرة على مدينة دير الزور (في شرق البلاد) إثر هجمات التنظيم، وهي المدينة الواحدة الباقية تحت سيطرة النظام في شرق البلاد.
لكن هذا الواقع الميداني، يرى مصدر في «الجيش الحر» أنه قابل للتبدّل بمجرّد سقوط الهدنة، قائلا لـ«الشرق الأوسط»: «ما تبقى من قوات النظام أقصى ما يمكنها أن تفعله هو العودة إلى القرداحة، في غياب دعم الطيران الروسي».
ويقول آرون لوند، الباحث غير المقيم في مركز «كارنيغي» للأبحاث ورئيس تحرير مجلة «سوريا في أزمة»، إن «هناك كثيرا من المناطق التي يحتاج فيها الأسد إلى القوة الجوية الروسية حاليا، إن لم يكن في مواجهة الفصائل المقاتلة بسبب الهدنة، ففي مواجهة تنظيم داعش»، كما في تدمر مثلا في وسط البلاد. وتخوض قوات النظام معارك عنيفة مع المعارضين في محيط مدينة تدمر الأثرية في محافظة حمص.
ويرى بييريه بدوره أن «عملية تدمر ستكون صعبة على قوات النظام من دون الطيران الروسي» الذي كان مهد الطريق أمام قوات النظام في المنطقة، فاستعادت أراضي، وباتت على بعد ستة كيلومترات فقط من المدينة الأثرية.
أما على صعيد تكلفة الحرب الروسية في سوريا التي يشير بعض المراقبين إلى أنّها كانت أيضا حقل تجارب لبعض أنواع الأسلحة، فأعلن بوتين أن تمويل العملية العسكرية في سوريا نفذ بشكل رئيسي ضمن القدرات المالية لوزارة الدفاع الروسية. وقال: «بالطبع تطلبت العملية العسكرية في سوريا تكاليف معينة، ولكن معظمها تم توفيره من قبل وزارة الدفاع، من أموال وزارة الدفاع المدرجة في ميزانيتها لعام 2015 المخصصة لإجراء مناورات وتدريبات قتالية والبالغة نحو 33 مليار روبل (نحو 478 مليون دولار»، مؤكدا أن هذه التكاليف مبررة وضرورية.
وكانت روسيا قد أطلقت عمليتها الجوية في سوريا في 30 سبتمبر (أيلول) الماضي، وذلك بموجب طلب رسمي تقدمت به دمشق. وانطلاقا من التكلفة التي أعلنها الرئيس الروسي فإن التكلفة اليومية للعملية العسكرية التي استمرت 167 يوما تبلغ نحو 2.87 مليون دولار. مع العلم أن صحيفة «RBK Daily» الروسية رجحت، في وقت سابق، أن إنفاق روسيا على العملية العسكرية، حتى تاريخ 16 مارس (آذار)، بلغ 38 مليار روبل (نحو 550 مليون دولار).



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.