ليبيا.. ما وراء ناقلة النفط

تراجع فرص الحوار بين شركاء ثورة 17 فبراير فجر الأوضاع الأمنية

ليبيا.. ما وراء ناقلة النفط
TT

ليبيا.. ما وراء ناقلة النفط

ليبيا.. ما وراء ناقلة النفط

ليس من السهل شحن ناقلة نفط بمئات الآلاف من البراميل، وعشرات الملايين من الدولارات، والانطلاق بها في عرض البحر، دون الرجوع إلى الدولة المعنية.
لكن هذا ما حدث الأسبوع الماضي في ليبيا؛ ليظهر ذلك عمق الانقسام الداخلي بين شركاء ثورة 17 فبراير (شباط) 2011، ويبيِّن أيضا التقاطعات الدولية مع القضية الليبية بشأن الصراع حول النفط.. كما أن قوى سياسية وقبلية وجهوية بدأت تعيد حساباتها حول المستقبل، في وقت تسعى فيه البلاد، بصعوبة، لوضع أول دستور لها منذ عشرات السنين.
ووتتجه الأنظار في الوقت الراهن إلى رجل يدعى إبراهيم الجضران، الذي يأتمر بأمره عدة آلاف من المسلحين في إقليم برقة، وهو الإقليم الذي انطلقت منه الثورة ضد القذافي قبل ثلاثة أعوام. كان الجضران، حتى الصيف الماضي، يشغل منصب آمر حرس المنشآت النفطية، لكنه انقلب على السلطة المركزية، وحاصر الموانئ النفطية، وأسس مجلسا يدعو للحكم الفيدرالي، وهو نظام كان متبعا في عهد الحكم الملكي في خمسينات القرن الماضي. ويقف المجلس بشكل عام، مثل تكتلات أخرى في عموم البلاد، ضد هيمنة الإسلاميين المتشددين على الدولة الليبية، خاصة جماعة الإخوان.

إجمالا يبدو أن الأطراف الليبية الفاعلة على الأرض قد سقطت في ظلمات الانقسامات العميقة التي يصعب علاجها. القوى الرئيسة المسلحة تفرقت اليوم، بعد أن كانت تشكل كيانا واحدا يقاتل القذافي حتى مقتله في العشرين من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011. وحين تنظر إلى الواقع، حيث رفاق السلاح يضعون أصابعهم على الزناد في وجوه بعضهم بعضا، تجد من الصعب تصديق أن قوات المنطقة الشرقية حاربت جنبا إلى جنب مع قوات مصراتة، وأن هذه الأخيرة شاركت قوات الجبل الغربي في اجتياح عرين القذافي في «باب العزيزية». لقد تغيرت التحالفات والطموحات.
أما القوى السياسية الحزبية وغير الحزبية، والتي تسعى لإنقاذ ما تبقى من الدولة الليبية، بالحوار، فهي ما زالت ضعيفة، كما يقول عميش، رغم تأسيس عشرات الأحزاب والمراكز الأهلية والحقوقية منذ رحيل القذافي. وحتى لو كانت قوية، فإن لغة السلاح ما زالت أقوى، لأنه يوجد، وفقا لتقديرات غير رسمية، مئات الكيانات المسلحة، ما بين جهادية وأخرى جهوية وثالثة قبلية.. المشكلة أن كل ميليشيا أو كتيبة لها من يدافع عنها في «المؤتمر الوطني العام (أعلى سلطة في البلاد)»، وهو أول جسم منتخب بعد القذافي. وأعطى المؤتمر لنفسه حق الاستمرار في العمل، وإقالة الحكومة، ووضع التشريعات، وشن الحرب، رغم انتهاء مدته القانونية منذ أكثر من شهر، وهو أمر يغضب الكثير من الليبيين.
ويشدد نوري العبار، الرئيس السابق للجنة العليا للانتخابات في ليبيا، عبر آخر حديث له مع «الشرق الأوسط»، من طرابلس، على أهمية الحوار.. وهذا ما يدعو له أيضا إبراهيم عميش، أحد الأعمدة الرئيسة لتحالف المعارضة التي تكونت في ثمانينات القرن الماضي في المنفى ضد القذافي، قبل أن يفرقها الصراع السياسي الحالي. ويقول عميش الذي يشغل حاليا موقع الأمين العام لحزب التحالف الوطني الليبي، لـ«الشرق الأوسط» من مقره في بنغازي: فرص الحوار ضعيفة، و«أصبحت تحتاج لوقت طويل».
من جنوب البلاد، اقترح زعيم قبيلة التبو، عيسى عبد المجيد، ردا على أسئلة «الشرق الأوسط»، نقل السلطة إلى رئيس المحكمة العليا وإجراء مصالحة وعفو شامل على غرار تجربة جنوب أفريقيا.
وعلى الجانب الآخر تبدو الكتل القبلية غير واضحة المعالم في ولائها. فبعضها ممن جرى تهميشها بسبب اتهامات عن عملها في السابق مع القذافي، تعيش في الظل، لكن توجد اتصالات تحتية لعدد من قادتها مع معارضي المتشددين الإسلاميين، وفقا للمصادر الليبية. وهناك القبائل التي شاركت بقوة في الانتفاضة المسلحة ضد القذافي، وتبحث عن موقع قدم في ترتيبات الحكم مستقبلا، لكنها غير مطمئنة للتداعيات الجارية والشكوك بشأن قدرة حكام طرابلس، على إدارة دفة الأمور في البلاد، خاصة أن جماعة الإخوان متهمة بأنها هي التي تقف وراء الكواليس لتوجيه الواقفين على خشبة المسرح. ويقول أحد الزعامات القبلية عبر الهاتف من مدينة البيضاء: الإخوان يخشون من الفشل في ليبيا كما فشلوا في مصر، «ولهذا يتحركون للأمام بسرعة كبيرة يمكن أن تفسد كل شيء».
وفيما عدا التلاسن والتهديدات والتفجيرات والاغتيالات، كانت غالبية الأطراف الليبية السابقة كامنة «محلك سر» بسبب جمود الوضع السياسي في البلاد، حتى عشرة أيام مضت، بما في ذلك «جمود» محاولات إقالة رئيس الحكومة الدكتور علي زيدان.
لكن، وبداية من يوم السبت قبل الماضي، بدأت الشقوق تتسع في جدران البيت الليبي، حين اندفعت ناقلة النفط «مورنينغ غلوري» وسط عباب البحر المتوسط، لتقف في ميناء السدرة (نحو 180 كلم شرق سرت)، وتقوم بشحن نحو 350 ألف برميل (نحو 37 ألف طن) بما قيمته 36 مليون دولار. ويسيطر على هذا الميناء، وأربعة موانئ نفطية أخرى، مجموعة الجضران.
انكشف أمر الناقلة، فقرعت طرابلس طبول الحرب، رغم أن السلطة المركزية تفتقر إلى جيش قوي، وتفتقر أيضا إلى التوافق. وهذه نقطة ضعف يعلمها قادة إقليم برقة، وقاموا باستغلالها في استكمال شحن الناقلة بالنفط والوقوف في وجه تهديدات طرابلس، بل حشدوا قوات وتوجهوا ناحية مدينة سرت (450 كلم شرق العاصمة) في محاولة لتأكيد السيادة على أراضي الإقليم وما فيه من مصاف وحقول نفطية. ويتهم قادة برقة جماعة الإخوان أيضا باستغلال بعض الميليشيات من مصراتة وأخرى تابعة للجهاديين، في التلويح بشن هجوم لـ«تحرير موانئ النفط» في الشرق.
ويقول مفتاح رشيد، القيادي في «حركة شباب برقة»، وهو يتحدث لـ«الشرق الأوسط» عن الحرب الصغيرة التي جرت سريعا على الأرض أثناء أزمة ناقلة النفط الأسبوع الماضي: «قواتنا تقدمت على ميليشيات مصراتة وقوات الإخوان القادمة من الغرب.. نحن الآن في منطقة الوادي الأحمر (قرب سرت من ناحية الشرق)، وتقدمنا غربا مترجلين، وفي انتظار باقي القوات.. نحن نقصد الوصول إلى سرت، وأن نرد قوات مصراتة والإخوان للمكان الذي جاءوا منه. هذه قوات غازية، وسنصد العدوان».
وعن السبب الذي يجعله يعتقد أن الإخوان هم من أوعزوا لتلك القوات بالتحرك في اتجاه إقليم برقة، يوضح رشيد قائلا: «لدينا معلومات عن تجنيد الإخوان للعديد من عناصر الميليشيات للعمل معهم، خاصة في الشهور الأخيرة، بسبب فشلهم في حكم مصر.. الإخوان في ليبيا مصابون بصدمة، بعد أن أصبحوا ملاحقين في كثير من دول العالم.. يتعاملون مع الوضع في ليبيا على أنه معركة حياة أو موت بالنسبة لهم».
ويدافع رشيد عن قرار إقليم برقة بالهيمنة على موانئ النفط، متهما إخوان ليبيا بقيامهم بعد سقوط القذافي بـ«السيطرة على النفط ماليا وإداريا.. مسؤول النفط موالٍ لهم، لكن، عسكريا، غير قادرين على العودة لاستغلال النفط كما في السابق، لأن غالبية نفط ليبيا موجود في إقليم برقة الذي لا يوجد فيه عدد كبير من الإخوان».
وعما إذا كانت إقالة زيدان وتعيين وزير الدفاع قائما بأعمال الحكومة بدلا منه، يمكن أن تسهم في حل مشكلة الخلافات في ليبيا، أوضح قائلا إن مدة عمل وزير الدفاع كقائم بأعمال الحكومة أسبوعين فقط، «وهذه المدة، في حد ذاتها، لا تغير أي شيء.. المشكلة ليست في أشخاص، ولكنها قضية وطنية بالأساس».
في الأسبوع الماضي، بعد مرور نحو ثلاثة أيام على وجودها في ميناء السدرة، بالتزامن مع ظهور بوادر لعدم قدرة السلطة المركزية في طرابلس على منعها من شحن النفط، والخروج به من المياه الإقليمية الليبية، بدا أن العديد من هواتف شركات النفط ومكاتب رجال الأعمال الكبار حول العالم ترن بلا توقف، تبعتها تصريحات لمسؤولين من الولايات المتحدة الأميركية ومن كوريا الشمالية.. كل ذلك بسبب نقطتين أساسيتين.
النقطة الأولى تخص ملكية الناقلة، وهو أمر تحدثت عنه «بيونغ يانغ»، والثانية تدور حول قضية جوهرية، وهي أن النفط الليبي ليس ملكا لليبيين وحدهم، بل للشركات الدولية التي لها، منذ سنوات، تعاقدات على حقول بترول ومصاف، وهو ما أشارت إليه «واشنطن» بشكل غير مباشر.
ويقول المحلل الاقتصادي بمنطقة الشرق الأوسط، شريف الحلوة، وهو أميركي من أصل مصري، إن نحو 40 شركة بترول أجنبية لها تعاقدات في ليبيا، وأن منها ما بين ست إلى سبع شركات، أميركية.
ويسيطر المطالبون بالحكم الفيدرالي في برقة على جميع موانئ النفط في شرق البلاد، منذ يوليو (تموز) الماضي، ما تسبب في تراجع صادرات ليبيا من النفط إلى نحو ربع مليون برميل يوميا، بعد أن كان يصل إلى نحو 1.5 مليون برميل يوميا قبل الإطاحة بالقذافي.
ويضيف الحلوة، ردا على أسئلة «الشرق الأوسط»، أن بعض الشركات الأميركية لها حقول نفطية ومصاف في رأس لانوف، أي في إقليم برقة نفسه، وفي أماكن مختلفة من البلاد، مشيرا إلى أن العديد من شركات البترول الدولية الأخرى لها أسهم بلا شك في مجموعة الشركات الرئيسة المتعاقدة على النفط الليبي.
رغم كل شيء، تمكنت الناقلة، التي كانت ترفع علم دولة كوريا الشمالية، من الخروج من ميناء السدرة الليبي. وهدد زيدان، قبل استقالته بيومين، بأن الجيش الليبي سيقصفها إذا حاولت مغادرة الميناء. لكنها كانت قد توجهت بالفعل إلى المياه الدولية في البحر المتوسط. ومن هنا بدأت الأصوات ترتفع من الشرق والغرب بشأن القضية وملابساتها. أولا أسرعت «بيونغ يانغ» بإخطار سلطات طرابلس والسلطات الملاحية الأخرى، بأنها قطعت كل صلاتها بالسفينة بسبب حمولتها المهربة. وذكر سفير كوريا الشمالية في جنيف، سو سي بيونغ، في معرض حديثه الذي نقلته «رويترز»، أن شركة الشحن، التي تسببت في المشكلة، تتخذ من مصر مقرا لها.
وبينما قال أحد المصادر المصرية المطلعة لـ«الشرق الأوسط» في حينه، إن القاهرة بدأت في البحث في أمر الشركة، وإن مقرها ربما يكون في مدينة الإسكندرية، شمال غربي العاصمة، و«متخصصة في عمليات التشهيل وتقديم الخدمات اللوجستية»، فإنه نفى وجود السفينة في المياه الإقليمية المصرية، ردا على ما زعمه أحد وزراء طرابلس وقتها، أي بعد أن تحركت النقالة بيومين.
لكن، وعلى الضفة الأخرى من البحر المتوسط، حيث دولة قبرص والسفن الحربية الأميركية، كانت التحقيقات والمراقبة لمسيرة الناقلة تجري على قدم وساق.. خرجت تسريبات ما زالت قيد التحري تقول إن عملية البيع والشراء جرت عن طريق وسطاء أجانب، وإن الملاك الأصليين للناقلة اثنان من العرب، أحدهما يعتقد أنه لبناني والثاني يعتقد أنه ذو أصل مصري، إلا أن إقليم برقة رد لحسم الموضوع بقوله إنه قام بشراء الناقلة، وإنها «أصبحت مملوكة لشركة النفط في برقة».
وكانت الولايات المتحدة قد قالت ما معناه إن هناك شركات أميركية لها حصص في النفط الليبي، أي عن طريق تعاقدات سابقة، واتهمت من سمتهم «المسلحين المنشقين في شرق ليبيا» بمحاولة تصدير شحنة من النفط، قائلة إنهم «يسرقون» نفط الشعب الليبي. وهددت بفرض عقوبات عليهم. وقالت جنيفر بساكي، المتحدثة باسم الخارجية الأميركية، في بيان، إن «النفط يخص مؤسسة النفط الوطنية الليبية وشركاءها»، وأن من بين هؤلاء الشركاء الولايات المتحدة. كما أضافت أن «أي مبيعات للنفط من دون إذن هذه الأطراف يعرض الشارين لخطر الملاحقة المدنية والإجراءات الجزائية وغيرها من العقوبات المحتملة».
وتزامنت التصريحات الدولية بخصوص الناقلة النفطية، مع إصدار أوامر لقوات الجيش الليبي والميليشيات المتعاونة معه، بتوقيف الناقلة قبل مغادرتها من جانب، وتوجيه قوات لـ«تحرير» موانئ التصدير في شرق البلاد من الجانب الآخر، لكن، مرة أخرى، اتسمت تحركات السلطة المركزية بالارتباك. وفي آخر حديث له، عقب إقالته من الحكومة، كشف زيدان عن أن قرارات المؤتمر الوطني العام بتشكيل قوة لإنهاء «حصار» الموانئ النفطية، بالتزامن مع دخول ناقلة النفط إلى ميناء سدرة، أربكت الحكومة. وقال إن القوات الليبية التي كان يمكنها التدخل في الأزمة كانت تتلقى أوامرها من ثلاث جهات، هي الحكومة، والمؤتمر الوطني، ورئاسة الأركان.
أما في إقليم برقة، وفي نفس التوقيت تقريبا، فقد شدد رئيس المكتب التنفيذي لمجلس الإقليم، عبد ربه البرعصي، على أن أي مساس من جانب طرابلس بالناقلة أو غيرها مما يخص الإقليم، سيكون بمثابة «إعلان حرب»، بينما كان يونس المبروك، القيادي في فيدرالية الإقليم المعلنة من جانب واحد، يتحدث لـ«الشرق الأوسط»، بثقة كبيرة، عن عدم قدرة الجيش الليبي «متواضع الإمكانات» على توقيف السفينة لا في ميناء السدرة ولا في عرض البحر بعد أن توغلت فيه مبتعدة عن سواحل برقة. وفي اليوم التالي أرسل المبروك لـ«الشرق الأوسط» رسالة إلكترونية من خط المواجهة بين قوات طرابلس وقوات برقة.
ويقول نص الرسالة: «اشتباكات جارية بين قوة دفاع برقة وميليشيات مصراتة، الجناح العسكري للإخوان المسلمين في ليبيا.. سيارات الإسعاف تنقل الجرحى من مدينة سرت إلى أجدابيا وبنغازي.. ثوار برقة يتوافدون على مدينة أجدابيا للتجهيز والتصدي لهذه الميليشيات». ويضيف: «تتجمع قوات دفاع برقة في الوادي الأحمر الآن، لكي تدافع عن أمن الإقليم».
ولا توجد معلومات تفصيلية عن طبيعة المواجهات التي يبدو أنها كانت محدودة حتى أواخر الأسبوع الماضي. لكن المبروك واصل قائلا عبر الهاتف: «نحن على استعداد لمواجهة الحكومة.. توجد قوة عسكرية كبيرة لدينا. فوق ما يتصور»، مشيرا إلى أن القوات الحكومية «ليست جيش، لأنه لا يوجد جيش ليبي، ولكن هناك ميليشيات مسلحة مدعومة من الحكومة وتتحرك لخدمة مصالح أحزاب معينة منها حزب جماعة الإخوان».
وأضاف أن «صفقة بيع النفط جرت بعقود سليمة مائة في المائة، بين حكومة المكتب التنفيذي في برقة، والمشترين»، دون مزيد من التفاصيل.
ووفقا للمبروك أيضا فإن إقليم برقة يسيطر على الموانئ النفطية التالية: «الحريقة، والسدرة، والزويتينة، ومرسى البريقة، ورأس لانوف». وقال إن «70 في المائة من النفط الليبي موجود في إقليم برقة».
وعلمت «الشرق الأوسط» أن القائد في الجيش الليبي السابق، خليفة حفتر، الذي اتهمته السلطات في طرابلس الشهر الماضي، بمحاولة الانقلاب العسكري على المؤتمر الوطني وعلى الحكومة، انتقل للإقامة في مكان ما في بنغازي، لكن يبدو أنه لا أحد في المنطقة الشرقية يريد أن يتحدث عما يقوم به حفتر في الوقت الراهن، وما إذا كان له تعاون أو تنسيق مع قوات الجضران، مع العلم أن المصادر تحدثت عن وجود خيوط اتصال بين حفتر، وميليشيات مناهضة للحكومة من منطقة الجبل في غرب طرابلس، بالإضافة إلى بعض القبائل في جنوب البلاد الغنية بالنفط أيضا.
لكن عميش يقول إنه لا يوجد التفاف كبير حول مجموعة الجضران في برقة، مشيرا إلى أنه يمكن أن يقاتل (القوات القادمة من طرابلس) في منطقة أجدابيا (غرب بنغازي بنحو 70 كلم)، لكنه شدد على أن «الموقف في مجمله ما زال غامضا»، متهما جماعة الإخوان كذلك بأنها تضع يدها على مراكز القوى في الدولة الليبية، و«هم أقلية في ليبيا، لكنهم ما زالوا يملكون القدرة على تغيير الأمور، ويتحالفون مع القوى المتطرفة التي معها سلاح كتنظيم القاعدة». وينفي الشيخ بشير الكبتي، مسؤول إخوان ليبيا، أي صلة لجماعته بالعنف، كما يدافع المؤتمر الوطني عن قراراته واستمرار عمله رغم انتهاء مدته. ويقول أحد زعماء كتلة الوفاء ذات السطوة في المؤتمر، إن إنهاء عمل المؤتمر العام يؤدي إلى فراغ في السلطة في ليبيا.
ومن وجهة نظر عميش، فإن فرص الحوار بين الفرقاء الليبيين، أصبحت معقدة. ويضيف: «الحوار أمامه وقت طويل.. الآن هناك حديث حول إجراء انتخابات برلمانية مبكرة، بسبب تزايد الغضب ضد التمديد للمؤتمر الوطني»، مشيرا إلى أن «الهيئة التأسيسية لوضع الدستور الليبي، ما زال مستقبلها غامضا»، حيث جرى انتخاب 47 فقط، قبل أسبوعين، من 60 عضوا مطلوبين لتشكيل هيئة الدستور.
وكانت عدة قطاعات من الليبيين قاطعت انتخابات هيئة وضع الدستور، من بينهم الأمازيغ والطوارق والتبو. وقال زعيم قبيلة التبو الليبية، عيسى عبد المجيد، لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف، إن «كل شيء في ليبيا ينبغي أن يحل بالحوار». وكانت قوات موالية للحكومة قد هاجمت، قبل شهرين، هذه القبيلة التي يتركز وجوها في جنوب البلاد وشرقها، مما أدى لسقوط قتلى.
وأضاف عبد المجيد معلقا على التداعيات التي طفت على السطح مع قضية الناقلة النفطية وإقالة زيدان: «نتمنى حقن دماء الليبيين». وأضاف عن قرار المؤتمر الوطني «تحرير الموانئ النفطية بالقوة في إقليم برقة»، بقوله: «المؤتمر صلاحيته انتهت، ورغم ذلك اتخذ قرارا بتشكيل قوة لفك الحصار عن الموانئ.. هذا الأمر لا بد أن يحل بالحوار». وتابع قائلا: «كفانا اقتتالا في الشرق والغرب والجنوب. نتمنى إجراء مصالحة وعفو شامل في ليبيا على غرار ما حدث في جنوب أفريقيا».
وطالب عبد المجيد المؤتمر الوطني بتسليم السلطة لرئيس المحكمة الليبية العليا «حتى تنتهي المشكلة، ونحن على استعداد لنكون وسطاء بين الشرق والغرب. كل عدد سكان ليبيا ستة ملايين نسمة، وندعو للمصالحة الشاملة لمن لم يرتكبوا جرائم». ومثل كثير من السياسيين والمراقبين الليبيين، حمل عيسى عبد المجيد المتشددين الإسلاميين، بمن فيهم نواب في المؤتمر الوطني، مسؤولية الاضطرابات في ليبيا، بالتعاون مع المتشددين من جماعة الإخوان. وأضاف أن «بعض الإخوان الليبيين يميلون إلى الاعتدال، لكن المتشددين منهم يرفضون ذلك، خاصة أولئك الذين كانوا في السابق (يقاتلون في) الشيشان وأفغانستان».
وبينما ينفتح باب الجدل عن ضرورة ترتيب الأوضاع في ليبيا في أسرع وقت ممكن، قبل السقوط في هاوية الاحتراب الأهلي، سيطرت قوات أميركية، في عرض البحر المتوسط، على الناقلة التي تسببت في عاصفة سياسية في ليبيا، وذلك في المياه الدولية قبالة قبرص قبل يومين، بناء على طلب من حكومتي ليبيا وقبرص. وجرت العملية دون خسائر تذكر وفي أقل من ساعتين، حيث جرى القبض على ثلاثة ليبيين. وبينما وصف الجضران ذلك بالقرصنة، قال مسؤول في الحكومة الليبية لـ«الشرق الأوسط» إن الناقلة في طريقها إلى أحد الموانئ التي تسيطر عليها السلطات قرب طرابلس، لكنه لم يعط جوابا واضحا عن التداعيات الجديدة المحتملة في بلاده على الصعيد السياسي والاقتصادي والأمني.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.