الرعد بعد العاصفة.. أدوار سعودية جديدة

من اجتراح الحلول السياسية إلى التحالف وصولاً إلى الحشد العسكري

الرعد بعد العاصفة.. أدوار سعودية جديدة
TT

الرعد بعد العاصفة.. أدوار سعودية جديدة

الرعد بعد العاصفة.. أدوار سعودية جديدة

ما زالت أصداء تصريح المتحدث والمستشار العسكري لوزير الدفاع السعودي «العميد أحمد عسيري» عن استعداد الرياض للقتال في سوريا برًا، وسط تأكيدات بأن التدخل العسكري السعودي «إن تم» سيكون محدودًا، وسيستهدف تنظيم داعش ضمن تحالف دولي من شأنه تقوية هذا التدخل ومنحه الشرعية القانونية.
تقف السعودية عند حدود التلويح بالتدخل البري أو ببناء تحالف إسلامي عربي بهدف مكافحة الإرهاب؛ بل ذهبت أبعد من ذلك في نصرة الشعب السوري حيث طالبت بإنشاء لجنة تحقيق تدعمها الأمم المتحدة إلى إحالة نظام الأسد وتنظيم داعش إلى محكمة الجنايات الدولية أو لمحكمة جرائم حرب متخصصة لارتكابهما جرائم ضد الإنسانية بحق المدنيين السوريين، وطالب مندوب السعودية الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله المعلمي، الجمعية العامة بتولي قيادة العمل في المسألة السورية، والضغط على مجلس الأمن لاتخاذ اللازم لوقف جرائم النظام، وقد سبق ذلك موقف وزير الخارجية السعودي عادل الجبير، الذي دعا بدوره إلى تسليم المعارضة السورية صواريخ مضادة للطيران، موضحًا في الوقت نفسه أن هذا القرار يعود إلى «التحالف الدولي». مؤكدًا سياسة الحزم التي تنتهجها المملكة في قطع دابر الإرهاب وتقويض استقرار الأوطان بقوله: «نعتقد أن إدخال صواريخ أرض جو سيغير موازين القوى على الأرض»، ورد بـ«نعم» على سؤال حول ما إذا كان يؤيد تسليم هذا النوع من الأسلحة إلى المعارضة.
ثوابت سياسية
وقبل محاولة قراءة هذا السلوك السعودي الحازم تجاه الأزمة في سوريا، يجب التأكيد على أن المملكة تنطلق من ثوابت سياسية مشفوعة بعدم تجاوز الشرعية الدولية ولذلك فإنها لن تخوض حربًا برية دون تفويض دولي تجنبًا للتبعات القانونية أو الوقوع في فخ التدخل السيادي الذي تمارسه إيران على سبيل المثال، ولذلك تحرص السعودية منذ لحظة إعلان إمكانية التدخل البري أن هذا التدخل مشروط التحالف الدولي وليس بشكل منفرد.
تحرك السعودية عسكريًا هو رسالة مفادها أنه لا يحق لأي أحد من الأطراف الإقليمية أو الدولية الانفراد بالحل في سوريا، كما أن اتخاذ قتال «داعش» كذريعة لضرب المعارضات المعتدلة المكونة من أبناء الشعب السوري هو جريمة يجب أن تتوقف ولا يمكن أن تستمر ذريعة روسيا وإيران باتخاذ «داعش» حجة لتدمير المعارضة السورية الوطنية، التي لا علاقة لها بالجماعات المتطرفة والمقاتلين الأجانب، بل إن إضعاف «داعش» بالقضاء على معظم كوادره التنظيمية، مما سيعزز حالة المقاومة السورية المستهدفة من الإرهابيين كما هو الحال أيضًا من لدن قوات نظام الأسد وحلفائه.
إنقاذ المعارضة
تسعى المملكة بهذا الإعلان إلى إنقاذ المعارضة السورية المعتدلة وتغيير معادلات الأرض، وفي هذا السياق ينبه «أندرياس كريغ» المتخصص في الدراسات الدفاعية بكلية لندن على أن حزم السعودية الجديد يعني أنها «مستميتة للقيام بشيء ما في سوريا»، مضيفًا: «إن المعارضة (المعتدلة) تواجه خطر التعرض لهزيمة كبيرة في حال سيطرت قوات النظام على حلب، خصوصًا بعدما تمكنت الميليشيات الداعمة للنظام السوري من السيطرة على بلدات عدة وقطع طريق إمداد رئيسي لمقاتلي المعارضة يربط مدينة حلب بالريف الشمالي حتى تركيا، بغطاء جوي روسي».
بالتأكيد فإن السعودية لا تنوي فتح جبهة عريضة أو دائمة في الأراضي السورية، بل على الأرجح هو أشبه بالعلاج بالكي في آخر مراحل المرض، بعد أن تيقنت الدبلوماسية السعودية أن فرصة التوصل إلى حلّ سلمي للأزمة السورية محدودة جدا، ومع ذلك فيتوقع أن يكون التدخل السعودي الذي لم تعلن تفاصيله بشكل واضح حتى الآن محدودًا بكسر الانفراد الروسي الإيراني مع النظام على الأرض في سوريا، وهو الأمر الذي تحسس منه ملالي طهران التي أطلقت عدتها الإعلامية عبر حزمة متناقضة من التصريحات حول التدخل السعودي البري ما بين التنديد والتهديد ومحاولة إبداء قدرتها على التعاون في حال طلبت السعودية ذلك.
النظام الأسدي على لسان وزير خارجيته وليد المعلم كان الأكثر صراخًا تجاه الموقف السعودي الجديد حيث أطلق تهديداته التي تذكرنا بعبارات الصحّاف إبان الغزو الأميركي للعراق، متوعدًا كل من يدخل الأراضي السورية بالعودة في تابوت إلى بلاده.
مياه راكدة
الموقف السعودي الجديد حرّك المياه السياسية الراكدة وحاول إيقاظ حالة السبات التي تعاني منها الولايات المتحدة الأميركية فيما يخص الملف السوري، فقد تلقى الأميركيون الخبر بتفاؤل وترحيب، وصرح المتحدث باسم قيادة القوات الأميركية في الشرق الأوسط الكولونيل باتريك رايدر بأن إعلان السعودية للتدخل دليل على أنها تبحث عن سبل لتعزيز مشاركتها في التحالف ضد تنظيم داعش.
والحال أننا بإزاء تدخل سعودي عسكري وسياسي ولوجيستي قد يمنح الفرصة الأخيرة للشعب السوري المغلوب على أمره، والذي لا يزال يدفع الثمن باهظا إزاء تبلّد المجتمع الدولي، أن تسعى المعارضة السياسية في الخارج، مدعومة بالإنجازات على الأرض، إلى إغراء المناخ السياسي الدولي بأنها «البديل» المؤهل لقيادة البلاد، بعد أن اكتسب «النظام الأسدي»، ويا للأسف، شرعية الخيار الأسوأ في دوائر كثيرة الآن تتحدث عن قلقها من رحيله، في سابقة سياسية ستكون لها آثارها في المنطقة؛ فالاحتفاظ بشرعية نظام نكّل بشعبه وقتل منهم ما يقترب من حدود المائة ألف، فصل جديد في طبيعة علاقة الدولة القطرية بالقوى الدولية، عدا أنه، وعلى مرأى ومسمع الجميع، اجترّ «لبنان» عبر حليفه ميليشيا حزب الله إلى تفكيك منطق بنية الدولة اللبنانية، عبر دخول مكوّن سياسي عسكري كحزب الله للقتال في سوريا، ولاحقا تأديب اللبنانيين المعترضين على ذلك أمام السفارة الإيرانية، وقتل أحد المتظاهرين على طريقة العقاب المباشر، الذي يبعث أكثر من رسالة للداخل والخارج.
والسؤال هنا، عن المعارضة السورية ودورها في تخفيف صلف المجتمع الدولي ليس بغرض تحميلها جزءا من المسؤولية، بقدر ما أنه بحث عن حلول سياسية خارج دائرة القتال على الأرض.
مرحلة مفصلية
الأكيد أننا إزاء مرحلة مفصلية تقودها السعودية اليوم على مستوى السياسة الخارجية بشكل غير مسبوق، وبسبب تداعي الأحداث في المنطقة الذي أفضى إلى وضع سياسي في غاية التعقيد بين دول منهارة وأخرى منهكة من آثار فشل الربيع العربي وثالثة مستهدفة من التمدد الإيراني ووكلائه وبلدان باتت مرتعًا للإرهاب بكل أشكاله وأنواعه من الإرهاب الطائفي إلى الأقليات إلى الإرهاب الأممي الذي تقوده «داعش» بعد «القاعدة» إلى الإرهاب المعولم بسبب تحولات في أهداف الجماعات المتطرفة المؤمنة بالتغيير المسلح وإقامة دولة إسلامية أصولية من شأنها أن تكون مظلة لكل المقاتلين الراديكاليين بغض النظر عن انتماءاتهم الضيقة.
استهداف الداخل
ويمكن القول إن إعلان السعودية نيتها في التدخل المباشر لحل الأزمة السورية ومحاربة إرهاب «داعش» في مناطقه بعد أن بات يرسل أفراده المهووسين بالموت من أجل دولة البغدادي إلى الداخل السعودي ومحاولة استغلال الفراغ السياسي في اليمن وبناء قاعدة جماهيرية عريضة، وهو ما يعني أن يحاول التنظيم الهجرة إلى تلك الديار أو تكثيف حضوره وتحويل عاصمته إلى ليبيا، وتريد السعودية أن تقضي على التنظيم في عقر داره ومركز قوته دون تركه يتمدد بشكل أخطبوطي في أكثر من بلد ترتفع فيه جاذبية دعايته الأصولية المتشددة.
أهمية التحالف
ومن المهم هنا التأكيد على أهمية التحالف الإسلامي الذي تشكل قريبًا بقيادة سعودية والذي يهدف إلى توحيد الجهود والرؤى في مكافحة الإرهاب بدءًا من تعريفه وتقييم الحالة التي يمر بها ووصولاً إلى قطع الطريق على الدعاية الفكرية والثقافية والتغلغل الاجتماعي قبل استهداف الكوادر على الأرض بعمليات بريّة واسعة، وهو جزء من سيناريو الحل، لكنه ليس كل الحلّ الذي تتضافر فيه الجهود من كل فئات المجتمع وليس تضخيم العبء على الأجهزة الأمنية لوحدها التي تنوء بإرهاب الفوضى، حيث تحاول «داعش» العبث بأمن المنطقة وخصوصًا الخليج عبر بوابة الطائفية.
موقف التدخل المباشر في سوريا لم يأت من فراغ، فهو امتداد لموقف السعودية الثابت تجاه المشروع الإيراني في المنطقة، الذي بدأ تشكل الرؤية السعودية فيه مبكرًا منذ إعلانها ضرورة رحيل نظام بشار الأسد، ودعم المعارضة المعتدلة ومعارضة التدخل لصالح تثبيت النظام أو اقتطاع جزء من الأراضي السورية لإنشاء دولة علوية كما يذاع هذه الأيام، كما أنه من جهة أخرى يقطع الطريق على انفراد روسيا برسم حدود التدخل والحل في سوريا واستهداف المدنيين بغارات جوية وتوسيع مناطق نفوذ النظام وفك ضغط مواجهته عبر استهداف المعارضة المعتدلة. شهد عصر الملك الراحل عبد الله بن عبد العزيز عددًا من الإنجازات في مجالاتٍ عدة، منها السياسة الخارجية لبلاده؛ فقد أطلق شرارة الوحدة الخليجية، ونجح في ترتيب البيت الخليجي، وعاصر مرحلة جديدة يُؤمل أن يتحقَّق الاستقرار خلالها في جمهورية مصر العربية، وشهد إعلان الحرب على ما يُسَمَّى بتنظيم داعش ضمن تحالف عسكري خارج حدود الدولة في سابقة لم تعهدها السياسة السعودية.
عهد جديد
عهد خادم الحرمين الملك سلمان بدأ بمنعطفات مفصلية في تاريخ المنطقة، واستقبل في بداية تسنمه لزمام الحكم عددًا من الملفات والأزمات الإقليمية والدولية، لكنه وفق خبرته الطويلة في العمل السياسي منذ عهد المؤسس استجاب للتحديات ومارس صناعة القرار ودشن عهدًا جديدًا شعاره الحزم على مستوى الداخل والخارج، وإعادة الأمل للمناطق المنكوبة، وأولوية الإنسان السعودي في الداخل فوق كل اعتبار.
مرحلة حزم شاملة
أطلق الملك سلمان مرحلة الحزم وقام بتعيينات منذ البداية في مناصب أمنية ودفاعية لتحصين وضعية الاستقرار التي يعرف الخليجيون فضلها بعد أن عصفت بالمنطقة انهيارات الربيع العربي، وتحول كثير من المواقع إلى مناطق هشة لنمو الإرهاب والميليشيات المسلحة بشقيها السني والشيعي، لذلك لم يكن من المستغرب هذا الاهتمام المبكر في عهد الملك سلمان بالبعدين الأمني والدفاعي بعد استفحال البيئة المنتجة للإرهاب في مناطق التوتر، كما أن هذا التحرك هو سعي حثيث لطرح استراتيجيات احترازية في التعامل مع تداعيات التنظيمات الإرهابية كـ«القاعدة» و«داعش» والحوثيين (أنصار الله) إضافة إلى انتهاكات الميليشيات والأحزاب الشيعية بدءًا بحزب الله ووصولاً إلى الميلشيات الشيعية في العراق التي هشمت مفهوم الدولة المستقلة في عراق ما بعد الغزو الأميركي.
ومن المرجح أن تبادر المملكة بعد انتهاء عاصفة الحزم في اليمن وبدء إعادة الأمل، وبدء العمليات ضد تنظيم داعش في مناطق التوتر، أن تبادر إلى التأثير في دعم سياسات السلام والأمن الدولية وأخذ مكانها الطبيعي في المجتمع الدولي وقيادة العالم الإسلامي إلى مزيد من الاعتدال ومحاربة التطرف تتبعها واشنطن.
إضاعة وقت
للأسف أصبحت كل أزمات المنطقة مرتبطة بشكل ما بمآلات الأزمة السورية، ربما لهذا السبب تحديدا أدرك الأسد ضرورة استثمار حالة «الفزع» التي يعيشها المجتمع الدولي تجاه سوريا بمحاولة التحذير من انهيار الوضع كلما تقدم وضع المعارضة، كما أن حالة الطمأنينة بين «داعش» والنظام ودخول الميليشيات الشيعية على الخط زادا من تعقيد الوضع.
أولوية طهران
وإذا كانت أولوية طهران هي بقاء الأسد، بما يمثله ذلك من الحفاظ على مكاسبها في المنطقة، وعلى رأسها إبقاء فعالية حزب الله في لبنان، فإن من المهم الآن خلق طبقة سياسية مؤمنة بشعار «سوريا للجميع»، بما يعنيه ذلك من الحفاظ على التنوع العرقي والسياسي والمذهبي في سوريا ما بعد الأسد، التي ستعاني كثيرًا من استقطاب كل أولئك المهاجرين الذين قاسوا الويلات للهروب من نيران الحرب. وبحسب ليز سلاي، مراسلة «واشنطن بوست»، فإن سوريا أصبحت أكبر مصدر للاجئين في العالم منذ أكثر من أربعة عقود، ومن يتابع تقارير مجموعات الأزمات الدولية حول الأطفال السوريين، سيدرك أي مستقبل قاتم ينتظر المنطقة، لا سيما مع جنوح كثير منهم إلى تيارات العنف والتطرف في محاولة للعيش الآمن في جوف الوحش كما يعبر «بيتر هارلينغ» في تقريره الأخير عن وضعية الأطفال السوريين داخل مناطق التوتر: «هنا جيل بأكمله محروم من أي شيء يحلمون به أو يؤمنون به».
هيمنة الإرهاب
التعويل على القوى الغربية في الملف السوري أقرب لإضاعة الوقت، ومع ذلك يجب أن يتم الضغط لخلق حملة دولية رادعة وقوية بهدف حماية ما تبقى من الشعب والمدنيين لا يبدو الأمر سوى استنزاف للوقت والمزيد من الدماء، وتضخم حالة العنف وتحويلها إلى جزء من الحياة اليومية، وقد تفاقم الوضع في المناطق التي تخضع لهيمنة الجماعات الإرهابية، التي لا ترى في نفسها جماعات إصلاح سياسي بل قوى معسكرة تسعى عبر الإرهاب الطويل إلى تأسيس لدولة عابرة للحدود، وهو ما يجعل اختيار الأولويات في هذه المرحلة أمرًا صعبًا للغاية.. لكن البداية الفعلية لمستقبل سوريا هي رحيل نظام الأسد، فهو السبب الرئيسي وكل ما عداه مجرد أعراض لأزمات مزمنة تعيشها المنطقة منذ عقود.

أضغط هنا لمزيد من التقارير والتحقيقات والحوارات بشأن مناورة رعد الشمال



الاستقراران السياسي والاقتصادي يتلازمان في بدايات التأسيس السعودي

النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
TT

الاستقراران السياسي والاقتصادي يتلازمان في بدايات التأسيس السعودي

النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)
النشاط الزراعي في الدرعية شكّل الركيزة الأساسية لاقتصادات الدولة السعودية الأولى (وزارة السياحة)

أكدت الدكتورة هالة بنت ذياب المطيري، الأمينة العامة للجمعية التاريخية السعودية، أن تجربة الإمام محمد بن سعود أظهرت أن النهضة الاقتصادية في الدولة السعودية لم تكن منفصلة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل كانت متداخلة معها، لافتة إلى أن الاستقرار الأمني كان له أثر مباشر في ازدهار النشاط الزراعي الذي شكل الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة الأولى.

وقالت لـ«الشرق الأوسط»، قامت الدولة السعودية الأولى في وسط شبه الجزيرة العربية خلال مرحلة تاريخية اتسمت بعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي، حيث كانت منطقة نجد قبل قيام الدولة تعاني من التفكّك السياسيّ وتعدّد الكيانات المحلّية، وغياب سلطة مركزية قادرة على فرض الأمن وحماية المصالح العامّة. وقد أدّى هذا الوضع غير المستقرّ إلى تراجع النشاط الاقتصادي بشكل ملحوظ، إذ تضرّرت الزراعة والتجارة بسبب كثرة النزاعات وانتشار أعمال السلب وقطع الطرق، ممّا جعل القوافل التجارية عُرضة للخطر، كما أضعف حركة التبادل التجاري بين مناطق نجد والمناطق المجاورة، متّسماً آنذاك بالبساطة والعشوائية، حتى اعتمد السكان على الجهود الفردية المحدودة في تأمين معيشتهم، مع ضعف الموارد المالية وغياب أيّ تنظيم اقتصاديّ شامل.

وأضافت: عندما تولّى الإمام محمد بن سعود -رحمه الله- الحكم في الدرعية، أدرك منذ البداية أنّ بناء دولة قوية مستقرّة لا يتحقّق إلّا من خلال الأمن وتنظيم الموارد الاقتصادية، فالأمن يُعدّ الأساس الذي تقوم عليه أيّ نهضة اقتصادية حقيقية. ولذلك عمل الإمام على توحيد الجهود وبسط النفوذ في المناطق المحيطة، وتأمين الطرق التجارية وطرق الحجاج، وحماية القوافل من الاعتداءات، حتى أسهم هذا الاستقرار الأمني في إعادة الثقة إلى طرق نجد التجارية، بعد أن كانت مهجورة أو محفوفة بالمخاطر، مما شجّع التّجار على معاودة استخدامها، فتحقّق تنشيط حركة التجارة الداخلية والخارجية، وزيادة التبادل التجاري بين نجد وبقيّة مناطق شبه الجزيرة العربية.

الازدهار وليد الاستقرار

كان للاستقرار الأمني أثر مباشر في ازدهار النشاط الزراعيّ، الذي شكّل الركيزة الأساسية لاقتصاد الدولة السعودية الأولى، فقد شهدت منطقة الدرعية ووادي حنيفة توسّعاً ملحوظاً في الزراعة، نتيجة توفُّر الأمن والاستقرار السياسيّ. وأسهم ذلك في زيادة إنتاج المحاصيل الأساسية، مثل الحبوب والتمور والخضراوات، التي كانت تشكّل الغذاء الرئيسي للسكان. كما شجّع المزارعين على استصلاح الأراضي والعناية بها، وتحسين أساليب الريّ والزراعة، فتحقّق قَدْرٌ من الاكتفاء الذاتي، وقَلّ الاعتماد على الواردات من المناطق المجاورة. وأسهم الفائض الزراعي في دعْم الأسواق المحلّية وتزويد القوافل التجارية بالمؤن، الأمر الذي عزّز الروابط الاقتصادية بين سكان الحاضرة والقبائل المجاورة.

الدكتورة هالة المطيري

وفي ظِلّ هذا النشاط الزراعيّ المتنامي، تؤكد المطيري أن أسواق الدرعية شهدت ازدهاراً كبيراً، حتى أصبحت من أهم المراكز التجارية في نجد، فقد جذبت هذه الأسواق التّجار من مختلف المناطق، ووفّرت بيئة مناسبة لتبادل السلع والمنتجات. وتنوّعت البضائع المعروضة في الأسواق بين المنتجات الزراعية المحلّية، والحِرَف اليدويّة، والسلع المستوردة التي كانت تصل عبر القوافل التجارية، كما نشطت الحِرَف والمِهَن، مثل النجارة والحدادة وصناعة الأدوات الزراعية، فتوفّرت فرصُ عملٍ جديدة، وتحسّنت مستويات المعيشة لدى السكان.

ولم يقتصر دور الأسواق على الجانب الاقتصادي فقط، بل كانت -أيضاً- مراكز للتفاعل الاجتماعيّ وتبادل الخبرات والمعارف، مما عزّز من مكانة الدرعية بصفتها مركزاً حضاريّاً واقتصاديّاً مهمّاً.

ورأت أن النظام الماليّ في الدولة السعودية الأولى، تميّز بالبساطة والتنظيم، والالتزام بأحكام الشريعة الإسلامية. واعتمدت الدولة في مواردها المالية على الزكاة والصدقات، التي كانت تُجمَع وتُدار بطريقة منظّمة، بالإضافة إلى عوائد الأسواق والتجارة من الرسوم البسيطة على السلع، دون إثقال كاهل التجّار أو السّكان. كما شملت الموارد المالية الإنتاج الزراعي والسلع الفائضة المتداولة في الأسواق، بالإضافة إلى موارد المناطق التي خضعت لسلطة الدولة، بما في ذلك بعض الغنائم الناتجة عن توسيع النفوذ. وقد مكّن هذا النظام المالي الدولة من تسيير شؤونها الإدارية والعسكرية، ودعْم الأمْن، وتحقيق قدْرٍ من الاستقرار الماليّ، فتعزّزت ثقة السكان بالدولة وسلطتها.

خفض النزاعات

شددت هالة المطيري على أن الاستقرار الماليّ أسهم في تمكين الإمام محمد بن سعود من تنفيذ عدد من المشروعات التي دعّمت البنية التحتية، مثل تحسين الطرق وتأمينها، وتطوير الأسواق، ودعْم الأنشطة الزراعية، وهو ما انعكس إيجاباً على الاقتصاد والمجتمع. كما أتاح هذا الاستقرار المالي تحقيق توازن بين متطلبات التوسّع السياسيّ والحفاظ على قوة الاقتصاد المحليّ، دون الإضرار بمصالح السكان أو استنزاف مواردهم، وقد انعكس هذا الازدهار الاقتصادي على المجتمع بشكل إيجابي، إذ ساعد في تحسين مستوى المعيشة، وتقليل النزاعات على الموارد، وتعزيز الروابط الاجتماعية بين القبائل وسكان الدرعية. كما أسهم في ترسيخ السلطة السياسية، حيث أتاح للإمام محمد بن سعود إدارة الدولة بكفاءة، وتوسيع نفوذها تدريجياً، دون الاعتماد الكامل على القوة العسكرية. وبذلك، أصبح الاقتصاد أداة استراتيجية في بناء الدولة وتعزيز استقرارها السياسيّ والاجتماعيّ.

ورأت أن تجربة الإمام محمد بن سعود تُظهِر أنّ النهضة الاقتصادية في الدولة السعودية الأولى لم تكن منفصلة عن الجوانب الاجتماعية والسياسية، بل كانت متداخلة معها بشكل وثيق. فكلّما ازدهرت الزراعة وتوسّعت الأسواق، تحسّن مستوى المعيشة، وازدادت الروابط الاجتماعية قوةً، مما عزّز الولاء للدولة، وساعد على تحقيق الاستقرار الداخلي. وقد مكّن هذا الترابط بين الاقتصاد والسياسة الإمام محمد بن سعود من التركيز على بناء مؤسّسات الدولة وتوسيع نفوذها، مع الحفاظ على تماسك المجتمع وقوة اقتصاده، كما تُبرِز هذه التجربة أهمية الموقع الجغرافي للدرعية، على وادي حنيفة، حيث استُخدم هذا الموقع الاستراتيجي لدعْم النشاطَين الزراعيّ والتجاريّ، وربْط الأسواق الداخلية بالقوافل التجارية الإقليمية. وقد أسهم ذلك في تدفّق السلع ورؤوس الأموال، وزيادة فرص العمل، وتحسين مستويات المعيشة، فتعزّزت مكانة الدرعية بصفتها مركزاً اقتصاديّاً حيويّاً في شبه الجزيرة العربية.

الثقة بين الدولة والمجتمع

تقول الدكتورة هالة المطيري، إن دراسة النواحي الاقتصادية في الدولة السعودية الأولى خلال عهد الإمام محمد بن سعود تُظهِر أنّ الاقتصاد كان عنصراً أساسياً في بناء الدولة واستقرارها، فقد أسهم تحقيق الأمن، وتنشيط الزراعة، وازدهار الأسواق، وتنظيم الموارد المالية في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والسياسي، وجعل الدولة السعودية الأولى نموذجاً مبكراً لإدارة الموارد الاقتصادية بوعْي وحِكمة. وتُعدّ هذه التجربة مصدراً مهماً للدراسة والبحث، لما تحمله من دروس في كيفية توظيف الاقتصاد لدعم قيام الدول وتحقيق التنمية المستدامة، حتى في البيئات التي تتسم بالصعوبات والتحدّيات، كما ساعدت السياسة الاقتصادية المتوازنة التي انتهجها الإمام محمد بن سعود -طيّب الله ثراه- على خلْق حالة من الاستقرار طويل المدى، إذ لم تقتصر جهوده على معالجة المشكلات الاقتصادية الآنية، بل سعى إلى وضْع أسس تضمن استدامة النشاط الاقتصاديّ. فقد شجّع ترسيخ قِيَم العمل والإنتاج، وربَط الاستقرار الاقتصادي بالعاملَيْن الدينيّ والأخلاقيّ، فانضبطت المعاملات التجارية، وقلّ الغش والاحتكار، و بُنِيت ثقةٌ متبادلة بين التجار والمجتمع والدولة. كما أدّى انتظام جباية الزكاة وتوزيعها العادل إلى تحقيق نوْع من التكافل الاجتماعيّ، فقد دعَمت الفئاتُ القادرةُ الفقراءَ والمحتاجين، فقلّت الفوارق الاجتماعية والتوترات داخل المجتمع. وأسهم هذا التكافل في تعزيز الشعور بالانتماء للدولة، وجعل السكان أكثر استعداداً لدعمها والمحافظة على استقرارها. بالإضافة إلى ذلك، فإن وضوح النظام الاقتصادي وبساطته شجّعا السكان على الانخراط في الأنشطة الإنتاجية المختلفة دون خوف من التعسّف أو الظلم، فتوسّعت القاعدة الاقتصادية للدولة.

وشددت على أنه يمكن القول إنّ هذه السياسات الاقتصادية لم تكن مجرّد وسائل لزيادة الموارد، بل أدوات فعّالة لبناء مجتمع متماسك واقتصاد قادر على الاستمرار، وهو ما شكّل دعامة أساسية في نجاح الدولة السعودية الأولى خلال عهد الإمام محمد بن سعود.


التجربة السعودية... عندما تتحوّل اللحظة التاريخية إلى مشروع حكم

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
TT

التجربة السعودية... عندما تتحوّل اللحظة التاريخية إلى مشروع حكم

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)
قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)

يضع الدكتور عبد الرحمن الشقير، الباحث وعالم الاجتماع، تجربة تأسيس الدولة السعودية داخل إطار تفسيري غير مسبوق، إذ يتعامل مع التاريخ بوصفه نظاماً تحكمه علاقات معقدة قابلة للقياس بين السكان والموارد والنخب، بعد أن كان يدرس بوصفه سلسلة وقائع معزولة، موضحاً أن هذا المنظور يعتمد على مقاربات علم التعقيد ونظرية الكليو-دايناميكس (قوانين التاريخ)، لفهم كيف تتولّد الدول وتنمو ثم تدخل مراحل الضغط بسبب تضخم النخب، ما يولد الأزمة فالذروة، ثم تبرز شخصية قيادية تُعيد إنتاج الاستقرار.

وأوضح الشقير لـ«الشرق الأوسط»، أنه من خلال هذا الإطار نفهم أن الدرعية قبل الإمام محمد بن سعود كانت نظاماً محلياً بلغ حد التشبع النخبوي والاضطراب البنيوي، فتُفسر لحظة صعود الإمام محمد بن سعود بوصفها لحظة إعادة ضبط تاريخية، أعادت تشكيل مركز الحكم، وأطلقت دورة سياسية جديدة.

علم التعقيد

وذكر الشقير أن علم التعقيد، وهو دراسة الأنظمة التي تتكون من أجزاء كثيرة مترابطة، مثل المجتمعات أو الاقتصاد؛ حيث يؤثر كل جزء صغير في الآخر، وتنتج من كثافة التفاعل أنماط وسلوكيات جديدة لا يمكن فهمها بمجرد دراسة كل جزء وحده، ومن ثم فهو يهتم بكيفية نشوء الاستقرار أو الفوضى أو التغير الكبير نتيجة تراكم تفاعلات صغيرة عبر الزمن.

الدورة الخماسية لتحول الدول

وعرج الشقير إلى الحديث عن الدورة الخماسية لتحول الدول، موضحاً أن تحولات الدول تخضع لديناميات يمكن قياسها وتوقع اتجاهاتها العامة؛ إذ تتحرك المجتمعات في هذا الإطار عبر دورة خماسية تتشكل كما يلي:

  • مرحلة النمو، وهي طور تتسع فيه الموارد وترتفع قدرة الدولة على الضبط، ويتزامن ذلك مع زيادة سكانية وتكاثر في النخب، وتقاس هذه المرحلة بمعرفة تقريبية للسكان والموارد الاقتصادية والتنبؤ بها وفق مؤشرات، دون الحاجة إلى نصوص مؤرخين.
  • مرحلة الضغط حين تتراجع وفرة الموارد نسبياً، ويزداد عدد الطامحين إلى المناصب وتمسك النخب القديمة بمناصبها، بما يفوق قدرة الدولة على استيعاب الجميع؛ وذلك لأن زيادة السكان تزيد من ظهور النخب السياسية والاقتصادية والعلمية والاجتماعية، فيكون عدد النخب أكثر من المناصب المتاحة.
  • مرحلة الأزمة التي تتصدع فيها وحدة النخب، وتبدأ فيها الصراعات الكامنة بالتحول إلى مواجهات مفتوحة.
  • مرحلة الذروة، وهي قمة الأزمة واللااستقرار التي تتفكك عندها التحالفات، وتتسارع فيها الإقصاءات والانشقاقات.
  • مرحلة الاستقرار، حيث تتمكن قيادة جديدة أو منظومة حكم معدّلة من إعادة ضبط العلاقة بين السكان والموارد والنخب بما يتلاءم مع روح المجتمع الجديد؛ حيث تبدأ دورة جديدة أشد تماسكاً من سابقتها.

تنافس غير قابل للاحتواء

ذكر الشقير أن مرحلة الذروة ظهرت في السنوات القريبة من 1139هـ، عندما بلغ التنافس بين الفروع الحاكمة مستوى غير قابل للاحتواء، وتسارعت وتيرة الانشقاقات داخل النخب حالات إمارة لمدد قصيرة لبعض الشخصيات، وتقلّبت الولاءات بصورة كشفت عن انهيار القدرة على إدارة التوازن الداخلي. وفي هذا الوضع بلغ النظام السياسي حدَّه الأقصى؛ إذ أصبح عدد الطامحين يفوق قدرة الإمارة على تنظيم السلطة، ما جعل الذروة لحظة تفكك بنيوي كامل مهّد لظهور قيادة قادرة على إعادة التأسيس.

قوانين حركة التاريخ (رسمة أعدها الباحث الشقير)

جاء صعود محمد بن سعود بوصفه نتيجة لاكتمال شروط الاستقرار داخل الدرعية، عقب بلوغ تضخم النخب حدّاً أعجز منظومة الحكم القديمة عن الاستمرار، فبرزت لحظة تاريخية تطلبت قائداً يقرأ ما تعجز عنه النخب المتصارعة، فجسّد انتقال السلطة إليه إعادة ضبط لتوازن القوى داخل الدرعية، واستعاد عبرها النظام المحلي قدرته على الاستقرار البنيوي.

بناء مركز الحكم

تمكن الإمام محمد بن سعود من تأسيس حي الطريف في الدرعية لبداية نمو جديد، وجعلها مقر الحكم، بعد أن كان أمراء الدرعية يقيمون في غصيبة أو المليبيد، وأعاد بناء مركز الحكم عبر توزيع النخب السياسية والدينية والعسكرية على مؤسسات الدولة الجديدة، وتنظيم هياكل السلطة داخل الدرعية، وتقليص فائض النخب، وضبط العلاقات بين الفروع المتنافسة. وأسفر هذا الضبط البنيوي عن استعادة قدرة الإمارة على إدارة السكان والموارد والنخب ضمن إطار موحد، الأمر الذي مهّد لانطلاق دورة تأسيس جديدة أصبحت نواة الدولة السعودية الأولى.

وعدّ الشقير بأن هذه القراءة الجديدة تفتح أفقاً بحثياً يفسر نشأة الدول في جزيرة العرب عبر دورات بنيوية تحكمها علاقة السكان والموارد والنخب، مع تباين آليات الضبط تبعاً لاختلاف البيئات المحلية، ويجعل بناء إحصاءات سكانية ومالية تقريبية مدخلاً لازماً لتحويل التاريخ إلى مادة قابلة للاختبار والمقارنة، ما يتطلب ضرورة تجميع البيانات وتوليد فرضيات قابلة للفحص عن تاريخ المنطقة، بما يدعم بناء نموذج تفسيري عربي طويل المدى أعلى دقة وأشد استقلالاً عن السرديات الجزئية.

وتظهر الكتابة عن الإمام محمد بن سعود محدودة في بُعدها السردي التحليلي؛ حيث لا سيرة تاريخية تشرح منطق الفعل التأسيسي، ولا تمدنا المدونات التاريخية بما يُسهم في معرفة ما حدث قبل وأثناء التأسيس؛ لذا تفرض هذه الفجوة مساراً بحثياً يعيد تركيب حياة الإمام من داخل بنية الأحداث عبر قراءة القرارات والتحالفات والصراعات بوصفها نظاماً دلالياً يكشف تصور الحكم وشروط الدولة، فتتشكل سيرة تاريخية مستخرجة من حركة الواقع، وتنتج تفسيراً لمسار المشروع السياسي.


باحثة: دور النساء بالمعارك التاريخية السعودية واقعي وليس تقليديا

جانب من مدينة الدرعية التي شهدت العديد من الأحداث التاريخية خلال الدولتين الأولى والثانية (موقع الدرعية)
جانب من مدينة الدرعية التي شهدت العديد من الأحداث التاريخية خلال الدولتين الأولى والثانية (موقع الدرعية)
TT

باحثة: دور النساء بالمعارك التاريخية السعودية واقعي وليس تقليديا

جانب من مدينة الدرعية التي شهدت العديد من الأحداث التاريخية خلال الدولتين الأولى والثانية (موقع الدرعية)
جانب من مدينة الدرعية التي شهدت العديد من الأحداث التاريخية خلال الدولتين الأولى والثانية (موقع الدرعية)

شكّلت مقاومة الحملات العثمانية في الدرعية وغيرها من مناطق الدولة السعودية الأولى، ثم لاحقاً في الدولة السعودية الثانية، اختباراً قاسياً لقدرة المجتمع على الصمود. وفي مثل هذه السياقات، لم تكن المواجهة حِكراً على الميدان العسكري وحده، بل امتدت إلى الفضاء الاجتماعي بأكمله، حيث لعبت المرأة دوراً محورياً في الحفاظ على تماسك المجتمع واستمراره في ظل الحصار والدمار.

قالت الدكتورة فاطمة بنت حسين آل فردان القحطاني، أستاذة التاريخ بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، إن الحديث عن الحضور النسائي في المقاومة لا يعني بالضرورة إقحام المرأة في صور قتالية نمطية، بقدر ما يعني الاعتراف بأدوار واقعية فرضتها طبيعة المجتمع والظرف التاريخي، فقد تجلّت هذه الأدوار في عدة جوانب رئيسة.

الصمود اليومي

أوضحت أستاذة التاريخ أن الدرعية لم تكن، خلال حصارها في مواجهة الحملة العثمانية، ساحة قتال عسكري فحسب، بل فضاء لمقاومة مجتمعية شاملة كانت النساء في قلبها. فقد شاركت نساء الدرعية في الصمود اليومي للحياة تحت الحصار، من خلال إدارة شؤون الأسرة في غياب الرجال، وحماية الأطفال والممتلكات، ورعاية الجرحى، وتأمين ما أمكن من الغذاء، والحفاظ على تماسك المجتمع في لحظة وجودية فارقة. وتشير التقارير العثمانية نفسها إلى أن المدينة لم تُحاصَر بوصفها قوة عسكرية منفصلة، بل بوصفها مجتمعاً كاملاً، وهو ما يفسّر شمول إجراءات الأُسر والترحيل للنساء والأطفال بعد سقوطها، في اعتراف غير مباشر بأن المقاومة لم تكن فعل السلاح وحده، بل فعل مجتمع آمَن بفكرته ودافع عنها حتى النهاية.

وتكشف بعض الشهادات الأجنبية عن ملامح أخرى من المقاومة النسائية المنسية، لا بوصفها دعماً خلفيّاً فحسب، بل بوصفها حضوراً جسوراً في قلب المواجهة. فقد نقل هارفرد بريدجز، المكلّف من قِبل الإمبراطورية البريطانية في المنطقة، عن المؤرخ الفرنسي فيليكس منجان، المقيم آنذاك في بلاط محمد علي باشا والمُطّلع على مراسلات الجنود وحملة إبراهيم باشا، وصفاً دقيقاً لإحدى لحظات القتال، حين علم الإمام عبد الله بن سعود بغياب إبراهيم باشا عن المعسكر، أصدر أوامره بضرب خطوط الأتراك كافة. ويشير الوصف إلى أن المعركة دارت بعنف وصلابة، واستمرت نيران البنادق ساعات طويلة في ظروف مُناخية قاسية وحرارة مرتفعة. وفي خِضم ذلك المشهد، شُوهدت نساء الدولة السعودية وهُنّ يحملن جرار الماء ويمررن أمام طلقات البنادق بكل شجاعة، لإسقاء المدافعين من الجنود. وتُقدّم هذه الشهادة صورة نادرة عن مشاركة المرأة في زمن الحرب، لا كرمز معنوي فحسب، بل كعنصر حاضر في ميدان الخطر، يجسّد روح التضحية والتكاتف التي وسمت المجتمع السعودي المبكر في دفاعه عن دولته وكيانه.

من التحصين إلى اليقظة الأمنية

في سياق المشاركة النسائية التي تجاوزت حدود الدعم التقليدي، أبرزت القحطاني أحداث بلدة شقراء سنة 1233هـ/1818م مثالاً واضحاً على انخراط النساء في الجهد الدفاعي العملي زمن حملة إبراهيم باشا، أثناء مروره بالبلدة تمهيداً للتوجه نحو الدرعية. فقد كانت شقراء محاطة بخندق بدأ العمل فيه منذ أيام طوسون باشا ثم توقف. ومع تصاعد التهديد أمر أمير البلدة باستكماله على وجه السرعة تحسباً لحصار طويل. وفي هذه اللحظة الحرجة، هبَّ السكان جميعاً رجالاً ونساءً، في مشهد يعكس طبيعة المقاومة بوصفها فعلاً جماعياً، حيث شاركت النساء في أعمال الحفر وتقديم العون، متحملات مشاقّ العمل في ظروف قاسية، في تضحيةٍ تؤكد أن حضور المرأة في زمن الحرب لم يقتصر على الدعم المعنوي أو الخلفي، بل امتد إلى المشاركة المباشرة في تحصين المدن وحماية المجتمع.

وزادت الدكتورة فاطمة القحطاني بالقول: «يُضاف إلى أدوار الصمود والدعم أن نساء الدرعية ومناطق المقاومة كُنّ حاضرات الذهن، مشاركات في الوعي الأمني العام للحرب، لا يتوانين عن التدخل متى أدركن خطراً يهدد المجتمع. وتُورد الروايات المحلية، في سياق حصار الرَّس، أن القوات العثمانية حاولت حفر نفق أسفل سور المدينة للتسلل إليها ليلاً، غير أن امرأة كانت تطحن، في ساعات متأخرة من الليل، انتبهت إلى الأصوات غير المألوفة قُرب منزلها، فأدركت خطورة ما يجري. ولم تتردد في التوجه إلى الشيخ قرناس بن عبد الرحمن بن قرناس، أمير الرَّس، وإبلاغه بما سمعت، الأمر الذي أسهم في تنبُّه المدافعين إلى الخطر، فبادر الشيخ إلى اتخاذ إجراء مضاد عبر حفر حفرة اعتراضية لإفشال المحاولة. وتكشف هذه الواقعة أن مشاركة النساء في المقاومة لم تكن عاطفية أو رمزية فحسب، بل اتسمت باليقظة والمسؤولية، وأسهمت عملياً في حماية المدينة وإفشال خطط العدو، بما يعكس طبيعة المقاومة بوصفها جهداً جماعياً شارك فيه المجتمع بكل فئاته».

الحضور العسكري

لم يقتصر حضور النساء في مقاومة الحملات العثمانية على أدوار الدعم والصمود فحسب، بل تشير القراءة السياقية للمصادر النجدية والعثمانية إلى وجود مشاركة نسائية عسكرية ظرفية في لحظات الخطر القصوى، ولا سيما أثناء حصار بعض البلدات. تقول القحطاني: «في مجتمعات الحصار، حيث يصبح البقاء نفسه معركة، لم يكن حمل السلاح حِكراً مطلقاً على الرجال، بل جرى أحياناً بوصفه فعل دفاع مباشر عن النفس والمكان. ورغم أن المصادر لم تُفرد أسماء نسائية محددة في هذا السياق، وهو أمر مفهوم في طبيعة التدوين التقليدي، فإن الإشارات العامة إلى القتال داخل المدينة، وإلى اشتراك (أهالي الدرعية) في الدفاع، تفتح المجال لفهم أوسع لدور النساء بوصفهن جزءاً من الجبهة الداخلية المسلَّحة عند الضرورة. إن هذا الحضور العسكري النسائي، وإن كان محدوداً وظرفياً، يعكس طبيعة الصراع بوصفه صراع وجود، ويؤكد أن مقاومة الدرعية لم تكن فعل رجالٍ وحدهم، بل فعل مجتمع قاتلَ دفاعاً عن كيانه وسيادته».

وذكرت أن غالية البقمية تُعدّ من أبرز النماذج التاريخية التي تُجسّد الحضور النسائي العسكري المباشر في مقاومة الحملات العثمانية على الدولة السعودية الأولى، بوصفها فاعلاً قيادياً لا مجرد رمز معنوي، فقد أشار القنصل الفرنسي في القاهرة فيليكس مانجان إلى الأوضاع التي رافقت الحملات العثمانية في تلك المرحلة، ومنها وصول القوات العثمانية إلى تربة ومحاصَرتها ثلاثة أيام متتالية؛ في محاولةٍ لإخضاعها وكسر مقاومتها. غير أن البلدة صمدت صموداً لافتاً، وكان لغالية البقمية دور محوري في ذلك، إذ عملت على رفع معنويات المدافعين من رجال قبيلتها البقوم. وتشير بعض المصادر إلى أنها خرجت على رأس فريق من رجالها لمواجهة الغزاة، في مشهدٍ يعكس طبيعة الصراع بوصفه صراع وجود لا تمايز فيه بين القيادة العسكرية والقيادة المجتمعية. وتزامن هذا الصمود مع وصول المدد السعودي، لتنتهي المواجهة بمعركة وادي السليم، التي دارت فيها معركة شرسة انتهت بهزيمة القوات العثمانية وانسحابها باتجاه الطائف، مُخلفة وراءها قتلى وغنائم كثيرة، في واحدة من أقسى الهزائم التي تعرّضت لها تلك الحملات. ويكشف هذا المثال أن مشاركة المرأة في المقاومة لم تكن حاضرة في الهامش فحسب، بل تجلّت، في حالات مفصلية، وفي أدوار قيادية عسكرية أسهمت مباشرة في تغيير مسار المواجهة، ورسّخت حضور المرأة بوصفها جزءاً أصيلاً من تاريخ الدفاع عن الدولة والمجتمع.

مقاومة لم يذكرها التاريخ كثيراً

أدّت النساء، إلى جانب السلاح والصمود، دوراً تحفيزياً بالغ الأثر في زمن المواجهة - والحديث لأستاذة التاريخ - عبر الكلمة والموقف وشحذ الهمم، وهو دورٌ قلّما توقّف عنده التدوين التاريخي التقليدي. ففي مجتمعات الجزيرة العربية، كان للصوت النسائي، ولا سيما عبر الشعر، أثره العميق في ترسيخ قيم الشجاعة والثبات، وتحفيز الرجال على الدفاع عن الأرض والمجتمع.

وتذكر بعض الروايات النجدية حضور شاعرات وجّهْن قصائدهن في سياق التحريض على الصمود والمقاومة. وتبرز موضي بنت سعد الدهلوي بوصفها نموذجاً لصوت النساء في زمن الحرب والدفاع، حين تحوّلت الكلمة إلى أداة تعبئة وطنية لا تقل أثراً عن السلاح. ففي أثناء حصار إبراهيم باشا بلدة الرَّس سنة 1232هـ/1817م، والذي استمر أكثر من ثلاثة أشهر دون أن تنكسر المدينة، أطلقت موضي قصيدتها الحماسية التي استهلّت بقولها: «يا راكب من فوق حمر ضهيرة / تزعج الكور نابت سناها»، موجّهة خطابها إلى الدرعية لحثّ جيش الإمام عبد الله بن سعود على المؤازرة ومواصلة المواجهة. وقد عُدّت هذه القصيدة من أشهر العرضات الحربية في زمن الدولة السعودية الأولى، واستمر حضورها في الذاكرة القتالية حتى عهد الملك عبد العزيز، بما يعكس عمق الأثر الذي تركته الكلمة النسائية في شحذ الهمم وترسيخ معنى الدفاع عن الأرض والكيان.

واختتمت القحطاني قراءتها عن حضور النساء في مقاومة المحتل العثماني، بالقول: «تمثّل الكتابة عن الحضور النسائي في مقاومة المحتل العثماني مدخلاً مهماً لتعميق الوعي بتاريخ الدولة السعودية المبكر، وترسيخ فهم أكثر توازناً للهوية الوطنية يقوم على الاعتزاز بالماضي دون تبسيطه، وعلى الاحتفاء بالرموز دون تجريدها من سياقها التاريخي. ويظل يوم التأسيس، في النهاية، مناسبة للتذكير بأن قوة الدولة السعودية منذ نشأتها لم تكن في السلاح وحده، بل في مجتمع متماسك آمَن بفكرته ودافع عنها، شاركت فيه النساء كما الرجال، كلٌّ وفق موقعه ودوره، في واحدة من أكثر اللحظات حسماً في تاريخ الجزيرة العربية».