بعد الصين والمكسيك.. ترامب يوجه سهامه نحو الاقتصاد الياباني

تصريحات المرشح الصاخبة تهدد العلاقات التجارية للولايات المتحدة

شاشات تلفزيونية في أحد المتاجر اليابانية تعرض جانبًا من أحد مؤتمرات المرشح الجمهوري دونالد ترامب
شاشات تلفزيونية في أحد المتاجر اليابانية تعرض جانبًا من أحد مؤتمرات المرشح الجمهوري دونالد ترامب
TT

بعد الصين والمكسيك.. ترامب يوجه سهامه نحو الاقتصاد الياباني

شاشات تلفزيونية في أحد المتاجر اليابانية تعرض جانبًا من أحد مؤتمرات المرشح الجمهوري دونالد ترامب
شاشات تلفزيونية في أحد المتاجر اليابانية تعرض جانبًا من أحد مؤتمرات المرشح الجمهوري دونالد ترامب

كان دونالد ترامب كثيرًا ما يستهدف من علامته التجارية الصاخبة انتقاص الدول الأجنبية المختلفة خلال حملته الانتخابية الحالية. فهناك الصين التي قال إنها تمزق الولايات المتحدة تجاريا وتسرق فرص العمل. وهناك المكسيك التي قال إنها تغمض عينيها عن جحافل المهاجرين ومروجي المخدرات المنطلقين عبر أراضيها صوب الشمال.
ولكن انشغال الرجل باليابان كان الأكثر غرابة وعلى نحو غير معتاد، إن لم يكن ينضوي على مفارقة تاريخية معتبرة. فلقد توجه السيد ترامب بانتقاداته اللاذعة نحو اليابان خلال مناظرة المرشحين الرئاسيين للحزب الجمهوري الأسبوع الماضي، حيث وصفها إلى جانب الصين والمكسيك بقوله إنها من الدول «التي تسحقنا تماما على الصعيد التجاري». ولقد اتهم اليابان من قبل بالتلاعب في عملتها المحلية لتحقيق ميزة اقتصادية غير منصفة مقابل الدولار، ومحاولة استغلال تحالفها العسكري مع الولايات المتحدة لحماية نفسها من القليل من المخاطر والتكاليف.
غير أن شكواه تذكرنا بحقبة تاريخية أخرى، عندما كان الاقتصاد الياباني في أوج ازدهاره، وكانت الشركات اليابانية تشتري أبرز الأصول الاقتصادية الأميركية مثل استوديوهات السينما ومركز روكفلر. ومنذ فترة التسعينات من القرن الماضي، رغم كل شيء، كان النمو الاقتصادي الياباني في غالب الأمر بطيئا، وكانت الخلافات التجارية أكثر من كونها مهمشة وغير ذات بال، حتى مع كون الولايات المتحدة تواجه عجزا تجاريا كبيرا مع اليابان.
وفي حين أن المسؤولين اليابانيين كانوا من قبل يخشون ما يُسمى بـ«التقريع الياباني» من قبل الأميركيين، إلا أنهم اليوم أكثر عرضة للنحيب على «التمرير الياباني»، وهو تحول في الانتباه إلى الأماكن التي يُنظر إليها من زاوية أكثر ديناميكية مثل الصين.
«تذكرني تعليقات ترامب بشأن اليابان بالفترة من السبعينات وحتى منتصف التسعينات من القرن الماضي، حينما كانت اليابان تعتبر من المنافسين الحقيقيين للهيمنة الاقتصادية الأميركية»، كما يقول غلين إف. فوكوشيما، المسؤول التجاري الأميركي الأسبق والذي يشغل الآن منصب الزميل البارز لدى مركز التقدم الأميركي، وهو من المؤسسات السياسية الليبرالية الأميركية، والذي أضاف يقول إنه «من المثير للاهتمام أنه على الرغم من الركود الذي يشهده الاقتصاد الياباني منذ عقدين من الزمان أن يثير ترامب في هذا التوقيت فكرة اليابان باعتبارها المنافس الاقتصادي الكبير الذي يسرق فرص العمل من الولايات المتحدة». أو كما يقول روبرت إي. كيلي، وهو الباحث المتخصص في شؤون شرق آسيا لدى جامعة بوسان الوطنية في كوريا الجنوبية، في تغريدة له على «تويتر» خلال مناظرة الحزب الجمهوري الأخيرة: «اليابان، ثم اليابان، ثم اليابان مرة أخرى.. إن ترامب لا يزال يعيش في حقبة مايكل كرايتون الثمانينية».. (كانت رواية السيد كرايتون الأفضل مبيعا بعنوان «الشمس المشرقة» قد نُشرت عام 1992، وهي تصف اليابان التي شنت حربا اقتصادية شرسة على الولايات المتحدة).
بدأت هجمات السيد ترامب في إثارة حالة من عدم الارتياح والقلق الكبير على الجانب الياباني. وحتى مع قصور حملته الانتخابية عن وصول الرجل إلى عتبات البيت الأبيض، يكمن القلق في أن المناظرات الانتخابية البارزة التي يهيمن عليها مثل هذا النوع من الخطاب السياسي قد تترك الولايات المتحدة أكثر انغلاقا من الناحية التجارية وأقل استعدادا للدفاع عن حلفائها.
ويقول كيشي فوجيوارا، الخبير في السياسة الدولية لدى جامعة طوكيو عن ذلك: «إن أصدقائي في وزارة الخارجية اليابانية تعتريهم حالة من الذعر الغريب. فتلك أول مرة منذ فترة طويلة التي نشهد فيها تلك النزعة الحمائية الشديدة من أحد مرشحي الانتخابات الرئاسية الأميركية». ونشرت كبريات الصحف اليابانية مقالات افتتاحية شديدة الحساسية في أعقاب الانتصارات الكبيرة التي حققها السيد ترامب يوم الثلاثاء الكبير في الانتخابات التمهيدية الأسبوع الماضي.
وعلقت صحيفة «نيكي» الاقتصادية اليومية تقول: «إذا كان هناك اهتزاز كبير في السياسة الأميركية، فهناك خطر كامن في أن تتحول اليابان إلى مجرد متنفس لعدم الرضا الشعبي الأميركي مع انتشار حالة عدم المساواة وغيرها من القضايا الملحة».
وأحد مصادر القلق هو اتجاه منافسي السيد ترامب إلى اتخاذ مواقف أكثر انعزالية لمواجهته. وفي الشهر الماضي، وجهت السيدة هيلاري كلينتون، مرشحة الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة - التي تملؤها الشكوك حول التجارة من المرشح المنافس في حزبها - السيد بيرني ساندرز، الاتهامات ضد الصين واليابان في مقالة للرأي نُشرت في الصحف الإقليمية الأميركية. وكتبت السيدة كلينتون تقول: «تحافظ الصين واليابان وغيرهما من الدول الآسيوية الأخرى على أسعار البضائع رخيصة بشكل مصطنع لسنوات عن طريق تخفيض قيمة العملات المحلية لديهم»، مضيفة أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تضع في اعتبارها تطبيق «علاجات اقتصادية جديدة وفعالة، مثل الرسوم أو التعريفات الجمركية».
ولقد أبدت السيدة كلينتون تراجعا عن تأييدها السابق لاتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، وهي اتفاقية التجارة التي تضم 12 دولة من بينها اليابان، ولا تزال الاتفاقية في انتظار التصديق عليها من جانب الدول المشاركة. ولقد كانت السيدة كلينتون قد سعت لتعزيز إبرام هذه الاتفاقية أثناء شغلها لمنصب وزيرة الخارجية الأميركية سابقا.
وصرح أحد كبار المسؤولين اليابانيين ومن المشاركين في أعمال الاتفاقية المذكورة، والذي فضل عدم ذكر هويته بسبب سرية المناقشات: «إننا نعمل بالفعل على صياغة قوانين ولوائح جديدة، ولكن قد ينهار كل شيء على نحو مفاجئ. وأضل آمالنا هو سرعة التصديق على الاتفاقية، إلى جانب الدول الأخرى المشاركة، من أجل الضغط على الولايات المتحدة لمتابعة نفس المسار».
وتماما كما فعل مع الصين، فإن السيد ترامب يتهم اليابان بالاستيلاء على فرص العمل الأميركية، وبعد انتصاراته التي حققها يوم الثلاثاء الكبير، تحدث عن كوماتسو، وهي من الشركات اليابانية التي تعمل في صناعة ماكينات البناء، حيث قال إن الين الضعيف منح تلك الشركة ميزة غير عادلة على منافستها الأميركية وهي شركة كاتربيلار. ولقد تعهد باستخدام الماكينات المصنعة لدى كاتربيلار وجون دير، وهي إحدى شركات تصنيع المعدات الأميركية، في بناء الجدار التي تعهد ببنائه على الحدود الأميركية المكسيكية للحيلولة دون تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة.
وأثارت العولمة القلق الكبير لدى الجمهوريين بشأن فرص العمل وهو ما ينتهز السيد ترامب الفرصة للتشديد عليه. وتصدر اليابان إلى الولايات المتحدة، في واقع الأمر، أكثر من ضعفي ما تشتريه منها. ولكن العولمة قد سببت غموضا في الخطوط الفاصلة ما بين الشركات الأجنبية والمحلية بطرق غير مدروسة وغير محسوبة في انتقادات السيد ترامب المشار إليها.
وبالإضافة إلى مصانعها العاملة في اليابان، فإن شركة كوماتسو تمتلك مصانع أخرى في الخارج، بما في ذلك ثلاثة مصانع في الولايات المتحدة وحدها، وعلى الرغم من أنها تستورد المكونات الرئيسية، مثل المضخات الهيدروليكية والمحركات، من اليابان، حيث تحتفظ بعمليات التصميم والهندسة عالية الأجور. وتأتي شركتا كاتربيلار وجون دير على قدم المساواة تقريبا، من حيث التصنيع المحلي وفي الخارج، ولكنهما تحتفظان بأغلب العمليات الهندسية داخل الولايات المتحدة. ومع ذلك، يمكن لهجمات السيد ترامب أن تؤتي ثمارها في أماكن مثل ميتشغان وأوهايو، وهي من الولايات المهمة للغاية في سباق الانتخابات التمهيدية للرئاسة الأميركية.
ولقد عانت اقتصادات تلك الولايات بسبب نقل عمليات التصنيع إلى الخارج. ولقد كان صناع السيارات والنقابات العمالية، وهي من القوى ذات التأثير الكبير في هذه الولايات، من أشد المنتقدين للطريقة التي سمحت بها الحكومة اليابانية بانخفاض الين.
ويقول أحد المسؤولين من اتحاد عمال السيارات الأميركيين، والذي دائما ما يؤيد الحزب الديمقراطي بصورة تقليدية: «إن آخر شيء أود فعله هو تأييد أو الدفاع عن دونالد ترامب، ولكن هناك مشكلة مع الين الياباني من دون شك».
ولقد انخفضت العملة اليابانية بقيمة 40 في المائة مقابل الدولار منذ عام 2012، على الرغم من ارتفاع طفيف شهدته خلال العام الحالي. ولقد تسبب تخفيض العملة اليابانية في مزيد من أرباح شركات صناعة السيارات مثل تويوتا وهوندا من خلال زيادة قيمة المبيعات الخارجية لتلك الشركات.
ويقول المسؤولون اليابانيون إن انخفاض الين هو من الأعراض الجانبية للسياسات المحلية الهادفة إلى إنهاء حالة الانكماش الاقتصادي الراهنة، وليست من قبيل الجهود المتعمدة لتحقيق المميزات التجارية. ومع ذلك فلقد تعهد السيد شينزو آبي رئيس وزراء اليابان خلال حملته الانتخابية عام 2012 بإضعاف الين من أجل مساعدة الشركات اليابانية.
ويقول ستيفن بيغان، نائب رئيس شركة فورد للشؤون الحكومية الدولية: «ليس لمجرد أن الحكومة اليابانية لم تعد تكرر الإعلان عن ذلك أنها قد غيرت من مسار أهدافها».
وليس بمقدور أحد أن يتهم السيد ترامب بالتعامل مع تلك القضية في وقت متأخر، فلقد كان يكرر نفس التصريحات المماثلة منذ عقود، حيث صرح في برنامج أوبرا وينفري عام 1988: «إنهم يأتون إلينا، ويبيعون سياراتهم هنا، وأجهزتهم المنزلية المختلفة. ويسرقون الفرص تلو الفرص من شركاتنا المحلية».
وفي مقابلة أجريت مع إحدى المجلات الترفيهية الأميركية في عام 1990 قال السيد ترامب: «إنهم يأخذون كل أموالنا من خلال السلع الاستهلاكية التي يبيعونها، ثم يعودون يشترون بها العقارات والمباني في كل أرجاء مانهاتن».
ومن الناحية العسكرية، أعرب السيد ترامب عن عدم رضائه حول تحالف الولايات المتحدة الممتد منذ عقود مع اليابان. فذلك التحالف يجبر الولايات المتحدة على الانطلاق لمساعدة اليابان في حالة تعرض الأخيرة للهجوم، ولكن اليابان غير مضطرة إلى اتخاذ نفس الموقف تجاه الولايات المتحدة، بسبب دستورها المناوئ لشن الحروب، والذي فرضته قوات الاحتلال الأميركي في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية.
يقول السيد آبي، أيضا، إنه غير سعيد بذلك «التحالف غير المتوازن». وكان يحاول لعب دور أكثر نشاطا للجيش الياباني، على الرغم من المعارضة الشديدة من قبل خبراء القانون الدستوري إلى جانب الشعب الياباني.
وإذا ما نزعت الولايات المتحدة نحو الانعزالية، فسوف تزداد جرأة رئيس الوزراء الياباني في عدد من القضايا الملحة، ولكنها لن تكون إلا نوع من التوازن السياسي الدقيق، إذ إن فك الارتباط الأميركي من المحيط الآسيوي في وجه الجرأة الصينية والكورية الشمالية الفجة سوف تؤدي إلى وضع شديد الألم والمعاناة بالنسبة لزعماء اليابان.
يقول جيرو ايشي، وهو من أعضاء البرلمان الياباني عن الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم: «ظلت الولايات المتحدة ولفترة من الوقت تقول إنه ينبغي على اليابان تحمل قدرا متزايدا من الأعباء للمحافظة على الاستقرار الإقليمي. والسيد ترامب يقول نفس الشيء ولكن بصورة أكثر تطرفا، ولكنها الحقيقة التي يتعين على اليابان مواجهتها وبذل مزيد من الجهد في العمل عليها».
* خدمة «نيويورك تايمز»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.