بعد الصين والمكسيك.. ترامب يوجه سهامه نحو الاقتصاد الياباني

تصريحات المرشح الصاخبة تهدد العلاقات التجارية للولايات المتحدة

شاشات تلفزيونية في أحد المتاجر اليابانية تعرض جانبًا من أحد مؤتمرات المرشح الجمهوري دونالد ترامب
شاشات تلفزيونية في أحد المتاجر اليابانية تعرض جانبًا من أحد مؤتمرات المرشح الجمهوري دونالد ترامب
TT

بعد الصين والمكسيك.. ترامب يوجه سهامه نحو الاقتصاد الياباني

شاشات تلفزيونية في أحد المتاجر اليابانية تعرض جانبًا من أحد مؤتمرات المرشح الجمهوري دونالد ترامب
شاشات تلفزيونية في أحد المتاجر اليابانية تعرض جانبًا من أحد مؤتمرات المرشح الجمهوري دونالد ترامب

كان دونالد ترامب كثيرًا ما يستهدف من علامته التجارية الصاخبة انتقاص الدول الأجنبية المختلفة خلال حملته الانتخابية الحالية. فهناك الصين التي قال إنها تمزق الولايات المتحدة تجاريا وتسرق فرص العمل. وهناك المكسيك التي قال إنها تغمض عينيها عن جحافل المهاجرين ومروجي المخدرات المنطلقين عبر أراضيها صوب الشمال.
ولكن انشغال الرجل باليابان كان الأكثر غرابة وعلى نحو غير معتاد، إن لم يكن ينضوي على مفارقة تاريخية معتبرة. فلقد توجه السيد ترامب بانتقاداته اللاذعة نحو اليابان خلال مناظرة المرشحين الرئاسيين للحزب الجمهوري الأسبوع الماضي، حيث وصفها إلى جانب الصين والمكسيك بقوله إنها من الدول «التي تسحقنا تماما على الصعيد التجاري». ولقد اتهم اليابان من قبل بالتلاعب في عملتها المحلية لتحقيق ميزة اقتصادية غير منصفة مقابل الدولار، ومحاولة استغلال تحالفها العسكري مع الولايات المتحدة لحماية نفسها من القليل من المخاطر والتكاليف.
غير أن شكواه تذكرنا بحقبة تاريخية أخرى، عندما كان الاقتصاد الياباني في أوج ازدهاره، وكانت الشركات اليابانية تشتري أبرز الأصول الاقتصادية الأميركية مثل استوديوهات السينما ومركز روكفلر. ومنذ فترة التسعينات من القرن الماضي، رغم كل شيء، كان النمو الاقتصادي الياباني في غالب الأمر بطيئا، وكانت الخلافات التجارية أكثر من كونها مهمشة وغير ذات بال، حتى مع كون الولايات المتحدة تواجه عجزا تجاريا كبيرا مع اليابان.
وفي حين أن المسؤولين اليابانيين كانوا من قبل يخشون ما يُسمى بـ«التقريع الياباني» من قبل الأميركيين، إلا أنهم اليوم أكثر عرضة للنحيب على «التمرير الياباني»، وهو تحول في الانتباه إلى الأماكن التي يُنظر إليها من زاوية أكثر ديناميكية مثل الصين.
«تذكرني تعليقات ترامب بشأن اليابان بالفترة من السبعينات وحتى منتصف التسعينات من القرن الماضي، حينما كانت اليابان تعتبر من المنافسين الحقيقيين للهيمنة الاقتصادية الأميركية»، كما يقول غلين إف. فوكوشيما، المسؤول التجاري الأميركي الأسبق والذي يشغل الآن منصب الزميل البارز لدى مركز التقدم الأميركي، وهو من المؤسسات السياسية الليبرالية الأميركية، والذي أضاف يقول إنه «من المثير للاهتمام أنه على الرغم من الركود الذي يشهده الاقتصاد الياباني منذ عقدين من الزمان أن يثير ترامب في هذا التوقيت فكرة اليابان باعتبارها المنافس الاقتصادي الكبير الذي يسرق فرص العمل من الولايات المتحدة». أو كما يقول روبرت إي. كيلي، وهو الباحث المتخصص في شؤون شرق آسيا لدى جامعة بوسان الوطنية في كوريا الجنوبية، في تغريدة له على «تويتر» خلال مناظرة الحزب الجمهوري الأخيرة: «اليابان، ثم اليابان، ثم اليابان مرة أخرى.. إن ترامب لا يزال يعيش في حقبة مايكل كرايتون الثمانينية».. (كانت رواية السيد كرايتون الأفضل مبيعا بعنوان «الشمس المشرقة» قد نُشرت عام 1992، وهي تصف اليابان التي شنت حربا اقتصادية شرسة على الولايات المتحدة).
بدأت هجمات السيد ترامب في إثارة حالة من عدم الارتياح والقلق الكبير على الجانب الياباني. وحتى مع قصور حملته الانتخابية عن وصول الرجل إلى عتبات البيت الأبيض، يكمن القلق في أن المناظرات الانتخابية البارزة التي يهيمن عليها مثل هذا النوع من الخطاب السياسي قد تترك الولايات المتحدة أكثر انغلاقا من الناحية التجارية وأقل استعدادا للدفاع عن حلفائها.
ويقول كيشي فوجيوارا، الخبير في السياسة الدولية لدى جامعة طوكيو عن ذلك: «إن أصدقائي في وزارة الخارجية اليابانية تعتريهم حالة من الذعر الغريب. فتلك أول مرة منذ فترة طويلة التي نشهد فيها تلك النزعة الحمائية الشديدة من أحد مرشحي الانتخابات الرئاسية الأميركية». ونشرت كبريات الصحف اليابانية مقالات افتتاحية شديدة الحساسية في أعقاب الانتصارات الكبيرة التي حققها السيد ترامب يوم الثلاثاء الكبير في الانتخابات التمهيدية الأسبوع الماضي.
وعلقت صحيفة «نيكي» الاقتصادية اليومية تقول: «إذا كان هناك اهتزاز كبير في السياسة الأميركية، فهناك خطر كامن في أن تتحول اليابان إلى مجرد متنفس لعدم الرضا الشعبي الأميركي مع انتشار حالة عدم المساواة وغيرها من القضايا الملحة».
وأحد مصادر القلق هو اتجاه منافسي السيد ترامب إلى اتخاذ مواقف أكثر انعزالية لمواجهته. وفي الشهر الماضي، وجهت السيدة هيلاري كلينتون، مرشحة الحزب الديمقراطي في انتخابات الرئاسة - التي تملؤها الشكوك حول التجارة من المرشح المنافس في حزبها - السيد بيرني ساندرز، الاتهامات ضد الصين واليابان في مقالة للرأي نُشرت في الصحف الإقليمية الأميركية. وكتبت السيدة كلينتون تقول: «تحافظ الصين واليابان وغيرهما من الدول الآسيوية الأخرى على أسعار البضائع رخيصة بشكل مصطنع لسنوات عن طريق تخفيض قيمة العملات المحلية لديهم»، مضيفة أنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تضع في اعتبارها تطبيق «علاجات اقتصادية جديدة وفعالة، مثل الرسوم أو التعريفات الجمركية».
ولقد أبدت السيدة كلينتون تراجعا عن تأييدها السابق لاتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، وهي اتفاقية التجارة التي تضم 12 دولة من بينها اليابان، ولا تزال الاتفاقية في انتظار التصديق عليها من جانب الدول المشاركة. ولقد كانت السيدة كلينتون قد سعت لتعزيز إبرام هذه الاتفاقية أثناء شغلها لمنصب وزيرة الخارجية الأميركية سابقا.
وصرح أحد كبار المسؤولين اليابانيين ومن المشاركين في أعمال الاتفاقية المذكورة، والذي فضل عدم ذكر هويته بسبب سرية المناقشات: «إننا نعمل بالفعل على صياغة قوانين ولوائح جديدة، ولكن قد ينهار كل شيء على نحو مفاجئ. وأضل آمالنا هو سرعة التصديق على الاتفاقية، إلى جانب الدول الأخرى المشاركة، من أجل الضغط على الولايات المتحدة لمتابعة نفس المسار».
وتماما كما فعل مع الصين، فإن السيد ترامب يتهم اليابان بالاستيلاء على فرص العمل الأميركية، وبعد انتصاراته التي حققها يوم الثلاثاء الكبير، تحدث عن كوماتسو، وهي من الشركات اليابانية التي تعمل في صناعة ماكينات البناء، حيث قال إن الين الضعيف منح تلك الشركة ميزة غير عادلة على منافستها الأميركية وهي شركة كاتربيلار. ولقد تعهد باستخدام الماكينات المصنعة لدى كاتربيلار وجون دير، وهي إحدى شركات تصنيع المعدات الأميركية، في بناء الجدار التي تعهد ببنائه على الحدود الأميركية المكسيكية للحيلولة دون تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى الولايات المتحدة.
وأثارت العولمة القلق الكبير لدى الجمهوريين بشأن فرص العمل وهو ما ينتهز السيد ترامب الفرصة للتشديد عليه. وتصدر اليابان إلى الولايات المتحدة، في واقع الأمر، أكثر من ضعفي ما تشتريه منها. ولكن العولمة قد سببت غموضا في الخطوط الفاصلة ما بين الشركات الأجنبية والمحلية بطرق غير مدروسة وغير محسوبة في انتقادات السيد ترامب المشار إليها.
وبالإضافة إلى مصانعها العاملة في اليابان، فإن شركة كوماتسو تمتلك مصانع أخرى في الخارج، بما في ذلك ثلاثة مصانع في الولايات المتحدة وحدها، وعلى الرغم من أنها تستورد المكونات الرئيسية، مثل المضخات الهيدروليكية والمحركات، من اليابان، حيث تحتفظ بعمليات التصميم والهندسة عالية الأجور. وتأتي شركتا كاتربيلار وجون دير على قدم المساواة تقريبا، من حيث التصنيع المحلي وفي الخارج، ولكنهما تحتفظان بأغلب العمليات الهندسية داخل الولايات المتحدة. ومع ذلك، يمكن لهجمات السيد ترامب أن تؤتي ثمارها في أماكن مثل ميتشغان وأوهايو، وهي من الولايات المهمة للغاية في سباق الانتخابات التمهيدية للرئاسة الأميركية.
ولقد عانت اقتصادات تلك الولايات بسبب نقل عمليات التصنيع إلى الخارج. ولقد كان صناع السيارات والنقابات العمالية، وهي من القوى ذات التأثير الكبير في هذه الولايات، من أشد المنتقدين للطريقة التي سمحت بها الحكومة اليابانية بانخفاض الين.
ويقول أحد المسؤولين من اتحاد عمال السيارات الأميركيين، والذي دائما ما يؤيد الحزب الديمقراطي بصورة تقليدية: «إن آخر شيء أود فعله هو تأييد أو الدفاع عن دونالد ترامب، ولكن هناك مشكلة مع الين الياباني من دون شك».
ولقد انخفضت العملة اليابانية بقيمة 40 في المائة مقابل الدولار منذ عام 2012، على الرغم من ارتفاع طفيف شهدته خلال العام الحالي. ولقد تسبب تخفيض العملة اليابانية في مزيد من أرباح شركات صناعة السيارات مثل تويوتا وهوندا من خلال زيادة قيمة المبيعات الخارجية لتلك الشركات.
ويقول المسؤولون اليابانيون إن انخفاض الين هو من الأعراض الجانبية للسياسات المحلية الهادفة إلى إنهاء حالة الانكماش الاقتصادي الراهنة، وليست من قبيل الجهود المتعمدة لتحقيق المميزات التجارية. ومع ذلك فلقد تعهد السيد شينزو آبي رئيس وزراء اليابان خلال حملته الانتخابية عام 2012 بإضعاف الين من أجل مساعدة الشركات اليابانية.
ويقول ستيفن بيغان، نائب رئيس شركة فورد للشؤون الحكومية الدولية: «ليس لمجرد أن الحكومة اليابانية لم تعد تكرر الإعلان عن ذلك أنها قد غيرت من مسار أهدافها».
وليس بمقدور أحد أن يتهم السيد ترامب بالتعامل مع تلك القضية في وقت متأخر، فلقد كان يكرر نفس التصريحات المماثلة منذ عقود، حيث صرح في برنامج أوبرا وينفري عام 1988: «إنهم يأتون إلينا، ويبيعون سياراتهم هنا، وأجهزتهم المنزلية المختلفة. ويسرقون الفرص تلو الفرص من شركاتنا المحلية».
وفي مقابلة أجريت مع إحدى المجلات الترفيهية الأميركية في عام 1990 قال السيد ترامب: «إنهم يأخذون كل أموالنا من خلال السلع الاستهلاكية التي يبيعونها، ثم يعودون يشترون بها العقارات والمباني في كل أرجاء مانهاتن».
ومن الناحية العسكرية، أعرب السيد ترامب عن عدم رضائه حول تحالف الولايات المتحدة الممتد منذ عقود مع اليابان. فذلك التحالف يجبر الولايات المتحدة على الانطلاق لمساعدة اليابان في حالة تعرض الأخيرة للهجوم، ولكن اليابان غير مضطرة إلى اتخاذ نفس الموقف تجاه الولايات المتحدة، بسبب دستورها المناوئ لشن الحروب، والذي فرضته قوات الاحتلال الأميركي في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية.
يقول السيد آبي، أيضا، إنه غير سعيد بذلك «التحالف غير المتوازن». وكان يحاول لعب دور أكثر نشاطا للجيش الياباني، على الرغم من المعارضة الشديدة من قبل خبراء القانون الدستوري إلى جانب الشعب الياباني.
وإذا ما نزعت الولايات المتحدة نحو الانعزالية، فسوف تزداد جرأة رئيس الوزراء الياباني في عدد من القضايا الملحة، ولكنها لن تكون إلا نوع من التوازن السياسي الدقيق، إذ إن فك الارتباط الأميركي من المحيط الآسيوي في وجه الجرأة الصينية والكورية الشمالية الفجة سوف تؤدي إلى وضع شديد الألم والمعاناة بالنسبة لزعماء اليابان.
يقول جيرو ايشي، وهو من أعضاء البرلمان الياباني عن الحزب الديمقراطي الليبرالي الحاكم: «ظلت الولايات المتحدة ولفترة من الوقت تقول إنه ينبغي على اليابان تحمل قدرا متزايدا من الأعباء للمحافظة على الاستقرار الإقليمي. والسيد ترامب يقول نفس الشيء ولكن بصورة أكثر تطرفا، ولكنها الحقيقة التي يتعين على اليابان مواجهتها وبذل مزيد من الجهد في العمل عليها».
* خدمة «نيويورك تايمز»



مسؤولة في بنك إنجلترا: التقاعس عن إصلاح سوق إعادة شراء السندات الحكومية ليس خياراً

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
TT

مسؤولة في بنك إنجلترا: التقاعس عن إصلاح سوق إعادة شراء السندات الحكومية ليس خياراً

مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)
مبنى بنك إنجلترا في لندن (رويترز)

أكدت سارة بريدن، نائبة محافظ بنك إنجلترا، أن «التقاعس عن العمل ليس خياراً» فيما يتعلق بتنظيم سوق إعادة شراء السندات الحكومية البريطانية، في ظل استمرار خطر تعطل تداول السندات خلال الأزمات المالية.

ووفقاً لبيانات بنك إنجلترا، يبلغ صافي الاقتراض في سوق إعادة شراء السندات الحكومية، التي يستخدمها المتداولون للاستفادة من تقلبات أسعار الفائدة، فيما يحوّل المستثمرون حيازاتهم من السندات إلى سيولة نقدية مؤقتة، نحو 200 مليار جنيه إسترليني (270 مليار دولار)، من بينها 85 مليار جنيه إسترليني تعود إلى صناديق التحوط.

وكان بنك إنجلترا قد طرح العام الماضي مقترحات لتشديد الرقابة على هذه السوق، بعدما اضطر إلى التدخل في عامي 2020 و2022، مع اندلاع جائحة كوفيد-19 وفي أعقاب الاضطرابات التي أعقبت «الموازنة المصغّرة» التي أعلنتها رئيسة الوزراء السابقة ليز تروس.

إلا أن هذه المقترحات واجهت معارضة من القطاع المالي. وأوضحت بريدن أن بعض الإصلاحات، مثل التوسع في استخدام المقاصة المركزية، «ستستغرق على الأرجح سنوات لا أشهراً»، وفق «رويترز».

وأضافت أن أبحاث بنك إنجلترا أظهرت أن التوسع في استخدام المقاصة المركزية كان سيخفض تعرض المتعاملين للمخاطر بنسبة 40 في المائة خلال أزمة كوفيد-19 في عام 2020، مع إمكانية تحقيق خفض إضافي بنسبة 20 في المائة لو كانت اتفاقيات إعادة شراء السندات الحكومية تعتمد تواريخ استحقاق أكثر توحيداً.

وجاءت تصريحات بريدن، التي نُشرت في مقال على الموقع الإلكتروني لبنك إنجلترا يوم الجمعة، استناداً إلى خطاب ألقته خلال مؤتمر الرابطة الدولية لسوق رأس المال في مايو (أيار).

كما انتقدت بريدن الممارسة السائدة في القطاع المالي والمتمثلة في تطبيق «تخفيضات» صفرية أو شبه صفرية، وهي هوامش المخاطر المفروضة على صفقات إعادة الشراء، والتي يبررها بعض المتعاملين بوجود مراكز مقابلة في محافظهم الاستثمارية.

وأضافت أنه إذا كان هذا التبرير صحيحاً، فإن رفع هوامش صفقات إعادة شراء السندات الحكومية سيسمح للبنوك بخفض الهوامش في مواضع أخرى من دون تكبد تكلفة إضافية، مشيرة إلى أن «الضغوط التجارية قد تكون سبباً في انتشار الهوامش شبه المعدومة في سوق إعادة شراء السندات الحكومية غير الخاضعة للمقاصة المركزية».

ورفضت أيضاً رأي بعض المشاركين في السوق القائل إن التحول إلى المقاصة المركزية لصفقات إعادة شراء السندات الحكومية، بدلاً من التسوية المباشرة بين الأطراف كما هو معمول به حالياً، لن يحقق وفورات تُذكر في التكاليف، بل قد يؤدي إلى تسريع عمليات البيع خلال فترات التراجع في الأسواق.


العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع هبوط أسهم الرقائق وضغط توقعات «نتفليكس»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

العقود الآجلة الأميركية تتراجع مع هبوط أسهم الرقائق وضغط توقعات «نتفليكس»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية يوم الجمعة، مع استمرار موجة البيع في أسهم شركات أشباه الموصلات، ما دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم قدرة موجة الصعود التي قادها الذكاء الاصطناعي هذا العام على الاستمرار، في وقت زادت فيه توقعات ضعيفة من شركة «نتفليكس» الضغوط على السوق.

وبعد ارتفاعات قياسية دفعت مؤشرات «وول ستريت» الرئيسية إلى مستويات غير مسبوقة، بدأ المستثمرون في تقليص مراكزهم في أسهم شركات الرقائق التي شهدت إقبالاً كبيراً، مع تجدد المخاوف بشأن حجم الإنفاق المرتبط بالذكاء الاصطناعي واستدامة العوائد المستقبلية، وفق «رويترز».

وتراجعت أسهم شركات تصنيع الرقائق على نطاق واسع، مواصلة خسائر الجلسة السابقة؛ إذ انخفض سهم «إنفيديا» و«إنتل» بنسبة 2.7 في المائة و2.8 في المائة على التوالي في تداولات ما قبل افتتاح السوق. كما هبط صندوق «آي شيرز» لأشباه الموصلات بنسبة 2.4 في المائة.

وسجل مؤشر «فيلادلفيا» لأشباه الموصلات أدنى مستوى له في نحو شهرين يوم الخميس، متجهاً إلى تسجيل أسوأ أداء أسبوعي له منذ مارس (آذار) 2025، بعدما فقد أكثر من 19 في المائة من مستواه القياسي المسجل في أواخر يونيو (حزيران).

ولم تساعد النتائج القوية التي أعلنتها شركة «تي إس إم سي»، أكبر مصنع عالمي لرقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة، وشركة «إيه إس إم إل»، المورد الرئيسي لمعدات تصنيع الرقائق المتطورة، في تهدئة المخاوف بشأن استدامة صعود أسهم قطاع أشباه الموصلات.

وقال كريس بيوشامب، كبير محللي السوق لدى «آي جي»: «يتحول الأمر من مجرد عمليات بيع مكثفة في أسهم الرقائق إلى ظاهرة أوسع نطاقاً، ويظهر ذلك بوضوح في مؤشرات مثل (ناسداك)، الذي شهد ارتفاعاً كبيراً وسريعاً خلال فترة زمنية قصيرة للغاية».

كما أثرت شركة «نتفليكس» سلباً على معنويات المستثمرين بعد أن قدمت توقعات لإيرادات وأرباح الربع الثالث جاءت دون تقديرات «وول ستريت»، ما أدى إلى انخفاض سهمها بنحو 10 في المائة.

ودفعت عودة التقلبات مؤشر تقلبات بورصة شيكاغو (CBOE)، المعروف باسم «مؤشر الخوف» في «وول ستريت»، إلى أعلى مستوى له في أكثر من أسبوع، مرتفعاً 1.36 نقطة إلى 18.09.

وبحلول الساعة 7:07 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، انخفضت العقود الآجلة لمؤشر «داو جونز» بمقدار 272 نقطة، أو 0.52 في المائة، كما تراجعت العقود الآجلة لمؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بمقدار 59.5 نقطة، أو 0.79 في المائة. وانخفضت العقود الآجلة لمؤشر «ناسداك 100» بمقدار 454.25 نقطة، أو 1.55في المائة.

وكانت خسائر يوم الخميس، بقيادة أسهم شركات أشباه الموصلات، قد عززت بالفعل احتمالات تباطؤ زخم السوق. وتتجه المؤشرات الرئيسية نحو تسجيل خسائر أسبوعية، رغم البداية القوية لموسم نتائج الربع الثاني لدى البنوك الكبرى وصدور بيانات تضخم معتدلة في وقت سابق من الأسبوع.

كما تصاعدت المخاطر الجيوسياسية، بعدما أعلنت إيران تنفيذ هجمات جديدة على منشآت أميركية، عقب ليلة سادسة متتالية من الضربات الأميركية على أهداف عسكرية إيرانية.

وجاء التصعيد بعد انهيار وقف إطلاق النار الهش الذي تم التوصل إليه الشهر الماضي، ما أعاد المخاوف بشأن حركة إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، وزاد الضغوط على الأسعار.

وقال بيوشامب: «لا شك في وجود مخاوف من أننا قد نشهد موجة بيع أوسع نطاقاً، قد تتفاقم بفعل التطورات بين الولايات المتحدة وإيران».

وفي الوقت نفسه، تهدد اتهامات جديدة وجّهها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الصين، بشأن التدخل في الانتخابات الأميركية، بتعقيد الهدنة الهشة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، قبل شهرين فقط من القمة المرتقبة في واشنطن.

ومن بين الأسهم الأخرى التي تحركت في تداولات ما قبل الافتتاح، تراجع سهم «إنتويتيف سيرجيكال» بنسبة 11.2 في المائة، رغم تجاوز الشركة المصنعة للأجهزة الطبية توقعات «وول ستريت» لأرباح وإيرادات الربع الثاني، مدعومة بقوة الطلب على أنظمتها الجراحية.


كيف غيّرت رهانات مليارية على شركات الذكاء الاصطناعي وجه سوق الأسهم الكورية؟

شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول التابعة لـ«بنك هانا» في سيول (أ.ب)
شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول التابعة لـ«بنك هانا» في سيول (أ.ب)
TT

كيف غيّرت رهانات مليارية على شركات الذكاء الاصطناعي وجه سوق الأسهم الكورية؟

شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول التابعة لـ«بنك هانا» في سيول (أ.ب)
شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول التابعة لـ«بنك هانا» في سيول (أ.ب)

أدت رهانات بمليارات الدولارات، مُموَّلة بالاقتراض على أسهم شركات الذكاء الاصطناعي المُفضَّلة لدى المستثمرين في كوريا الجنوبية، إلى تشويه سوق أسهم كان يُنظَر إليها سابقاً بوصفها مقياساً موثوقاً للنمو العالمي، لتصبح ساحة مضاربات شديدة التقلب، في تَطوُّر أربك الجهات التنظيمية والمستثمرين على حد سواء.

ولم تقتصر آثار هذه التقلبات، التي امتدت إلى قاعات التداول من طوكيو إلى نيويورك، على إلحاق خسائر بالمَحافظ الاستثمارية، بل أدت أيضاً إلى تشويه تقييم المستثمرين للعوامل الأساسية في السوق الكورية الجنوبية، التي تُعدُّ إحدى أهم الأسواق في قلب طفرة الذكاء الاصطناعي العالمية.

وقد تم رصد أكثر من نصف حالات تفعيل آليات وقف التداول في تاريخ «مؤشر كوسبي القياسي» - وهي القيود التي تُفرَض عندما يتراجع المؤشر بأكثر من 8 في المائة لمدة لا تقل عن دقيقة واحدة - خلال الأشهر الـ6 الماضية وحدها.

وقال ألكسندر ريدمان، كبير استراتيجيي الأسهم لدى «سي إل إس إيه»: «لقد انفصل المؤشر عن جميع المحركات التاريخية للاقتصاد الكوري».

وأضاف: «كانت كوريا سابقاً سوقاً سهلةً بالنسبة للاستراتيجيين، إذ كانت هناك علاقات تاريخية مستقرة يمكن الاعتماد عليها لتحديد نقاط الدخول والخروج من السوق».

وأوضح أنَّ تلك العلاقات لم تعد قائمةً، وأنَّ المحرِّك الرئيسي للأسعار حالياً يتمثَّل في تدفقات رؤوس الأموال الناتجة عن الانفجار في صناديق الاستثمار ذات الرافعة المالية التي تركز على سهم واحد، وهي صناديق تعد المستثمرين بعوائد مضاعفة، لكنها في الوقت نفسه زادت من حدة التقلبات.

وتتركز الاستثمارات الرئيسية لهذه الصناديق في أسهم شركتَي «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس»، اللتين تعدان من أكبر المستفيدين من دورة النمو الهائل للذكاء الاصطناعي، وتُشكِّلان معاً أكثر من نصف وزن مؤشر «كوسبي».

وباتت السوق تبتعد عن العوامل الأساسية، فهي لا تعكس بصورة كاملة توقعات الأرباح المستقبلية، إذ انخفضت مكررات الربحية لكل من «سامسونغ إلكترونيكس» و«إس كيه هاينكس» إلى أقل من 5 مرات، كما لم تعد الأسعار تستجيب للعلاقات الاقتصادية التي كانت تُعدُّ مؤشرات موثوقةً في السابق.

وارتفعت تقلبات مؤشر «كوسبي» بصورة حادة، وأصبحت الأسعار، التي كانت تتحرَّك سابقاً بالتوازي مع المؤشرات الأميركية، تؤثر الآن في تحرُّكات «وول ستريت»، بعدما تحوَّل الارتفاع الذي ضاعف القيمة السوقية للمؤشر خلال 6 أشهر إلى موجة هبوط حادة أفقدته 20 في المائة من قيمته منذ بداية هذا الشهر.

وقال ريدمان: «في الماضي، لو هبطت السوق الكورية بنسبة 7 في المائة في يوم واحد، لما كنت أتحدث إليكم الآن. أما اليوم فقد أصبح ذلك أمراً اعتيادياً، لكنه يزيد من قلق المستثمرين المؤسساتيِّين».

الرئيس التنفيذي لشركة «إس كيه هاينكس» لأشباه الموصلات وشرائح الذاكرة كواك نو-جونغ خلال مراسم قرع جرس افتتاح التداول في سوق «ناسداك» بنيويورك (رويترز)

انفصال عن العوامل الأساسية

بلغت قيمة القروض الهامشية التي استخدمها المستثمرون الأفراد في كوريا الجنوبية هذا الأسبوع 34.37 تريليون وون (23 مليار دولار)، منخفضة قليلاً من المستوى القياسي البالغ 38.6 تريليون وون الذي سُجِّل في يونيو (حزيران)، في وقت باتت فيه سوق الأسهم الكورية الجنوبية واحدة من أغرب الأسواق الهابطة في الذاكرة الحديثة.

ولا تستند موجة الصعود إلى الكم الهائل من الأموال المقترضة فحسب، بل أيضاً إلى رهانات شديدة التركيز عبر صناديق المؤشرات المتداولة ذات الرافعة المالية التي تستثمر في سهم واحد.

وقفزت أصول صندوق مدرج في هونغ كونغ يوفر رافعةً ماليةً تعادل ضعفي أداء سهم «إس كيه هاينكس» بأكثر من 20 ضعفاً منذ بداية العام لتصل إلى 7.78 مليار دولار، ليصبح أكبر صندوق من هذا النوع في العالم، مع تدفقات إعادة موازنة ضخمة باتت قادرةً على التأثير في اتجاه السوق.

وقال فلوريان نيتو، رئيس الاستثمار لمنطقة آسيا لدى «أموندي»: «يتجاوز متوسط حجم التداول في بعض صناديق المؤشرات المتداولة ذات الرافعة المالية التي تركز على سهم واحد 4 أضعاف متوسط التداول في السهم الأساسي».

وأضاف: «عندما تتضخم الأصول المدارة بهذا الشكل، تبدأ حدود استخدام الرافعة المالية على الأسهم الفردية في الظهور، وهذا يرسل بالنسبة لنا إشارات تحذيرية».

وتحاول الجهات التنظيمية تحقيق توازن دقيق بين كبح التجاوزات، وتجنب إثارة مخاوف من حملة تنظيمية واسعة قد تفزع المستثمرين وتؤدي إلى التقلبات نفسها التي تسعى السلطات إلى الحدِّ منها.

وسعت كوريا الجنوبية، هذا الأسبوع، إلى منع إطلاق صناديق جديدة ذات رافعة مالية تركز على سهم واحد. واعتباراً من 5 أغسطس (آب)، سيتم رفع الحد الأدنى للرصيد النقدي المطلوب للتداول في هذه الصناديق، بما يشمل المدرجة في الخارج، إلى 3 أضعاف ليبلغ 30 مليون وون (20.300 دولار).

وقال مايك سيل، رئيس أسهم الأسواق الناشئة العالمية لدى شركة «أليكويتي» لإدارة الأصول ومقرها لندن: «التقلبات في سوق الأسهم الكورية أصبحت جنونية في الآونة الأخيرة».

وأضاف: «لذلك فإن أي إجراءات تعيد تركيز السوق على العوامل الأساسية هي موضع ترحيب... ونعتقد أن العودة إلى المنطق ستكون إيجابية للمستثمرين على المدى الطويل».

هل تنتصر الرافعة المالية؟

ومع ذلك، فإنَّ التَّحوُّل الذي تشهده السوق أفرز رابحين أيضاً، وفي مقدمتهم شركات تصنيع الرقائق التي واصلت أسهمها الارتفاع.

وساعد الطلب القوي من المستثمرين شركة «إس كيه هاينكس» على تنفيذ أكبر عملية جمع رؤوس أموال في الولايات المتحدة تقوم بها شركة أجنبية على الإطلاق الأسبوع الماضي، إذ جمعت 26.5 مليار دولار.

وقال مايكل غرين، كبير الاستراتيجيين ومدير المحافظ لدى «سيمبليفاي لإدارة الأصول»: «رأس المال المضارب يُحدث في الواقع تغييرات دائمة في الشركات».

ومع ذلك، فإن تحركات السوق الكورية تظل ذات أهمية للمستثمرين، خصوصاً أن مديري الصناديق، وفقاً لاستطلاع أجراه «بنك أوف أميركا»، يعدون أنَّ فقاعة الذكاء الاصطناعي تُمثِّل أكبر خطر محتمل يُهدِّد الأسواق.

وقال داميان بوي، استراتيجي المَحافظ الاستثمارية لدى «ويلسون لإدارة الأصول» في سيدني: «أعتقد بالفعل أنَّ من الصواب أن يولي كل مستثمر تقريباً حول العالم اهتماماً بالغاً بما يحدث في كوريا».

وأضاف: «السيناريو المتفائل يفترض استمرار نمو الأرباح، وأن تنتصر الرافعة المالية، وأن تواصل الأسهم الكورية التحليق. لكنني لا أعتقد أن تحركات السوق تشير إلى أن القصة بهذه البساطة».