اللواء إدريس: الأسد لن يرحل إلا بالقوة

قائد الجيش الحر حدد في {الشرق الأوسط} حوار مع علل المعارضة

اللواء إدريس: الأسد لن يرحل إلا بالقوة
TT

اللواء إدريس: الأسد لن يرحل إلا بالقوة

اللواء إدريس: الأسد لن يرحل إلا بالقوة

أكد رئيس أركان الجيش السوري الحر اللواء سليم إدريس، أن الجيش الحر «سيعطي العملية السياسية الفرصة الكاملة»، مشددا في المقابل على قناعته بأن هذا النظام «لن يترك الحكم إلا بالقوة». وفي حوار مطول مع «الشرق الأوسط» من إسطنبول، قال إدريس إن كل الكلام عن تسلم «الحر» أطنانا من الذخائر هو «غير واقعي»، نافيا بشدة أن تحجب قيادة الأركان السلاح عن المقاتلين، مشيرا في المقابل إلى أن ما يجعل الأركان تظهر ضعفا في السيطرة على المقاتلين على الأرض هو غياب الدعم المادي والسلاح، مشددا على أن الأركان «لم تتسلم صاروخ (كونكورس) واحدا»، خلافا لكل ما أثير في هذا المجال، قائلا إن «كل شيء يدخل إلى الأركان ويخرج منها مسجل في سجلات خاصة.. ولو أطلعناكم عليها لأشفقتم علينا».
وشكا إدريس أيضا من عامل آخر يصعب عملية توحيد المعارضة المسلحة، وهو الزعامات الشخصية الذين يعتقد كل واحد منهم أنه «زعيم كل سوريا»، كما شكا من وجود من يحاول ضرب صدقية الأركان والتشكيك بتمثيلها وبتمثيل جيش الائتلاف الوطني السوري.
ورفض إدريس إعطاء ضمانات لكبار الضباط في النظام من المتورطين في القتل، مشيرا إلى أن بعض هؤلاء «أكثر إجراما» من الرئيس السوري بشار الأسد، لكن أصحاب الرتب الدنيا يمكن إعادة النظر بوضعهم في إطار الجيش الوطني المستقبلي إذا ثبت أنهم لم يرتكبوا انتهاكات.
ورغم محاولته تقليل حجم الخلاف مع دولة العراق والشام الإسلامية (داعش) «لصالح محاربة النظام»، فإنه اتهم هذه الجماعة بالتنسيق المباشر مع النظام السوري ومع تنظيمات كردية مؤيدة له، مشيرا إلى أن هؤلاء يأتون ليملأوا الفراغ الذي يتركه مقاتلو «الجيش الحر» الذين يستولون على المناطق وتحاول «داعش» إجبار أهلها على مبايعتها. وحذر قائلا: «من سيعتدي علينا لن نتركه بخير». وفي ما يأتي نص الحوار:

* أنتم الآن في ورشة عمل عسكرية وسياسية.. أين أصبحتم بها؟
- كما تعلم عقدت عدة اجتماعات بين قادة الجبهات وقادة المجالس والإخوة في المجلس الأعلى لاستعراض الوضع الميداني على الأرض والصعوبات والمشكلات التي نواجهها في العمل ضد النظام. كما عقد اجتماع موسع لقادة الجبهات والمجالس والمجلس الأعلى وحضره الأخ رئيس الائتلاف الوطني (أحمد عاصي الجربا)، جرى فيه تدارس الوضع السياسي، والجولة التي قام بها الأخ رئيس الائتلاف في الولايات المتحدة وبعض الدول الشقيقة والصديقة، والجهود التي يبذلها لتأمين دعم للثورة بشقيها السياسي والعسكري.
من الواضح أن هناك استحقاقات في المرحلة القادمة يجب التشاور بشأنها، وأهم هذه الاستحقاقات موضوع مؤتمر جنيف والحكومة المقبلة المزمع تشكيلها، والتي جرت تسمية رئيسها. طبعا نوقشت كل هذه الأمور بكل صراحة وصدق وشفافية وعرضت كل المستجدات والظروف المحيطة بالعمل، سواء بالنسبة للإخوة في الائتلاف أو المجلس العسكري والأركان والقوى العسكرية الموجودة على الأرض.
* هل من نتائج محددة يمكن التكلم بها؟
- بالتأكيد في ما يتعلق بالعمل الميداني وضعت أسس واضحة تضمن عملا جماعيا في كل ما يتعلق بموضوع الأسلحة وتوزيع الأسلحة على العمليات والمشاركة في دراسة العمليات بحيث يكون الإخوة في المجلس الأعلى مشاركين ومطلعين ومتابعين.
* بينما أنتم مجتمعون صدرت بيانات تتبرأ منكم وتقول إنه لا تمثيل لكم؟
- الإخوة في قادة الجبهات يشاركون بشكل دائم بوضع خطط للعمليات العسكرية، وهذا اللقاء بين قادة الجبهات وقادة المجالس الذين يعتبرون الجانب التنفيذي في الجناح المسلح للثورة مع الإخوة في المجلس الأعلى له أثر إيجابي كبير على العمل في الداخل في المرحلة المقبلة. لكن هناك بعض الجهات التي تعمل على تخريب مؤسسات الثورة السورية، فهي لا تريد أن ترى وجودا للائتلاف أو لحكومة مؤقتة أو هيئة أركان لأن لهم أهدافا وغايات خاصة يريدون أن يحققوها. ولذلك هناك حملات ظالمة سواء على الائتلاف أو رئاسة الأركان وادعاءات باطلة من أشخاص كانوا يحاولون أن يندسوا في سياقات مختلفة في اجتماعات المجلس الأعلى، وعندما كشفت حقيقتهم وأبعدوا ولم يسمح لهم بدخول هذا المجلس بدأوا عبر الصفحات الإلكترونية بتشويه الحقائق والإساءة إلى المجلس وغيره. طبعا هذه الاجتماعات تزعج هؤلاء كثيرا، وأول شيء يسارعون إليه هو أن هذه الاجتماعات تعقد خارج البلاد. هناك ظروف موضوعية ومبررات لا تخفى على أحد، فاجتماع بهذا الحجم يحضره قادة الجبهات والمجالس، يجب أن توفر له الظروف الأمنية المناسبة. رغم أننا أحيانا نعقد اجتماعات كثيرة داخل البلاد، ولكن هؤلاء الذين يتهموننا هم غالبا خارج البلاد، إما في الدول العربية الشقيقة، أو في الدول المجاورة لسوريا، ونادرا ما يدخلون إليها لذلك.
* أخيرا، هناك اتهامات كثيرة تتعلق بحجب المجلس السلاح، هناك كلام عن دخول أطنان من الذخيرة، لكنها لا تصل إلى أيدي المقاتلين؟
- هذه الأمور تأتي في إطار حملة لتخريب الأركان، يريدون الإساءة إلى الأركان وتخريبها من خلال أكاذيب تنقل وتبث على الصفحات الإلكترونية. أساسا الخبر غير صحيح، هم يقولون أن الأركان تسلمت 4000 طن من الذخائر، وهذا رقم مبالغ فيه إلى درجة لا توصف، ثم إنها حجبت عن الجبهات! نحن نعمل كمؤسسة فيها قادة جبهات وقادة مجالس. لدينا خمس جبهات. الإخوة قادة الجبهات هل يخجلون إذا لم تصلهم الأسلحة من القول إنهم لا يحصلون على شيء؟ أعتقد أنهم أول من يجب أن يسأل عن كيفية التعامل مع الأركان. هل لديهم اطلاع على ما يصل إلى الأركان؟ كيف يوزع السلاح والذخيرة؟ لدينا خمسة قادة جبهات ولهم خمسة نواب. ولدينا 15 مجلسا عسكريا ولكل مجلس قائد، كما لدينا في رئاسة الأركان إدارة عمليات فيها 45 ضابطا، ولدينا إدارة تسليح فيها أكثر من 35 ضابطا ومدنيا يعملون في المستودعات. هؤلاء لا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يخفوا الحقيقة. ولكن نحن لا نظهر معلوماتنا إلا للجهات التي تعمل معنا. وأظن أنه ليس مطلوبا منا أن ننشر ما يأتينا في صفحات الجرائد لأن هذا من أسرار العمل.
* لماذا لا يوجد كيان تنظيمي واحد للمعارضة حتى الآن؟ حكي عن جيش وطني ولم يتم تأليفه بعد..
- نعم، هناك بعض الصعوبات، وأبرزها عدم توفر الإمكانات المادية اللازمة لإنشاء مثل هذا التشكيل الموحد. ولإنشاء هذا التشكيل لا بد من وجود مقومات منها: تأمين التسليح والذخيرة والعربات وكل المتطلبات اللوجيستية الأخرى، بالإضافة إلى إمكانات مادية لدفع حد أدنى من الرواتب للمقاتلين وتأمين الإطعام ومصروف وقود وغيرها.
النقطة الثانية ويجب أن لا نخفيها، هناك مجموعات تعمل على الأرض لا تريد تشكيلا عسكريا ثوريا يهتم بالشأن الميداني ضد النظام، لا تريد إنشاء تشكيل موحد والسبب بكل صراحة هو أن هؤلاء لهم أهداف خاصة، فهم يريدون أن يكونوا زعماء. وحتى في ما بينهم لا يتفقون على زعيم، كل واحد منهم يريد أن يصبح الزعيم، والكارثة أن كل من لديه مجموعة من المقاتلين وحمل السلاح، يعتبر نفسه صاحب الفضل الوحيد على الثورة وزعامة هذا البلد يجب أن تكون له. وفي كل الاجتماعات وفي كل ما يطرحه يجب أن تنظر ماذا يريد هو من هذا الطرح. لأن الكثير مما يقال قد يكون حقا لكن يراد منه الباطل. لم أتكلم من قبل بمثل هذه الصراحة، لكن الآن بلغ السيل الزبى. بدأ النخر في مؤسسات هذه الثورة. وبدلا من أن يهتم بالمجرم بشار وفضح جرائمه وفضح ما يقوم به ضد الشعب، فهم يتوجهون ضد الجهات التي تعمل على الأرض يظنون أنها منافس لهم لتحقيق ممالكهم وزعامتهم.
* أنتم الآن أكبر قوى منظمة في الثورة السورية، أين أصبحتم في مراحل التنظيم.. هل هناك معدات معينة؟ وما هو عديدكم؟
- حقيقة بذلت جهود كبيرة في تنظيم مؤسسات الأركان تنظيما جيدا، وخصوصا في تنظيم وتأطير عمل القوى الموجودة على الأرض، لكنني لا أدعي أننا وصلنا إلى حالة مثالية أو حالة نرضى عنها، والسبب في ذلك أمور كثيرة أبرزها ضعف الإمكانات المادية وضعف التذخير والتسليح. التشكيلات الموجودة على الأرض إذا لم تقدم لها السلاح لتعمل ضد النظام وإن لم تقدم لها الحد الأدنى من متطلبات الحياة من طعام وشراب والقليل من مصروف الجيب، للأسف هذه الأمور غير متوفرة. لذلك يكون الارتباط ضعيفا، ولكي نضمن تشكيلا قويا ومتينا ويعمل بتراتبية، يجب أن نوفر له السلاح والذخيرة ودعما لوجيستيا وما يكفيه من المال. نحن لدينا إدارة اسمها «إدارة التنظيم والتعبئة». كل القوى العسكرية والثورية التي تعمل تحت ما زلت المجالس، موثقة بالأعداد وبالأرقام لجهة السلاح وعدد المسلحين وأين تعمل هذه المجموعات وفي أي مجالس وماذا قدم لهم من سلاح وذخائر وماذا قدم لهم من مساعدات مالية. فإذا اطلعت على هذه السجلات والوثائق ستشفق علينا، لأن الإمكانات ضعيفة للغاية. فهذا هو السبب الأساسي لما يظهر للناس من ضعف في التشكيل وضعف في القيادة والسيطرة على هذا التشكيل.
* ما عددكم؟
- بعضهم يقول إن عدد المقاتلين الموجودين على الأراضي السورية، 200 ألف مقاتل، أنا أنظر إلى هذه النقطة بموضوعية شديدة.. أنا أعتقد أن لدينا في كل الأراضي السورية ما لا يزيد على 40 ألف مقاتل فعال مسلحين ببنادق أغلبيتها «كلاشنيكوف». طبعا هناك بعض الكتائب والألوية غنمت من الجيش بعض السلاح الثقيل كالدبابات والعربات المدرعة ومدافع وغيرها من أنواع العتاد المتوسط والثقيل. لكن عندما تنتهي الذخائر التي غنمت مع هذا العتاد، تصبح كتلا من الحديد. فالدبابات 52 و62 و72 التي غنمها الثوار الأغلب لا يوجد لها قذائف فتصبح عبئا. الأسلحة التي تتوفر لدى الثوار في الغالب هي أسلحة خفيفة ورشاشات متوسطة وقاذفات «آر بي جي» وقذائف مضادة للدروع «B10» و«B9».
* هناك حديث عن سلاح نوعي مثل صواريخ «كونكورس» المضادة للدروع؟
- جرى التطبيل والتزمير في السلاح النوعي كثيرا.. واتهمت الأركان بالمجيء بسلاح نوع وحجبه عن الجبهات وآلاف الأطنان من الذخائر. حقيقة السلاح النوعي بكل صدق، بالنسبة لصواريخ الدفاع الجوي التي تطلق عن الكتف، لم تتسلم الأركان قطعة واحدة، لأن هناك تشددا في وصول هذا النوع من الصواريخ. أما بالنسبة لمضادات الدبابات أقول بكل صدق لم تتسلم الأركان صاروخ «كونكورس» واحدا. قد تكون بعض المجموعات غنمت من مستودعات النظام بعض هذه الصواريخ، وبعض القوى حصلت على هذه النوعيات، لكن ليس من الأركان. نحن بشكل رسمي وسجلاتنا موجودة للإخوة في قادة الجبهات وقادة المجالس والإخوة في المجلس الأعلى يعلمون ذلك، نحن لم نتسلم صواريخ «كونكورس». هناك نوع آخر من مضادات الدبابات وهذه تصنف على أنها أسلحة نوعية، نعم تسلمنا كمية من هذه الصواريخ، وجرى إطلاع الإخوة في الجبهات والمجالس على الكمية التي وصلت وأرسلت دفعة منها إلى جبهات القتال. نحن نتمنى أن يتوفر لنا سلاح نوعي، السلاح النوعي غالبا ما يقصد به مضادات الدروع ومضادات الطائرات، وطبعا هناك أسلحة نوعية كثيرة لا نتكلم عنها لأننا نعتبرها حلما بالنسبة إلينا.
* فيما يتعلق بالوضع الميداني على الأرض، كيف يمكن اختصاره بكلمات الآن؟
- أنا متفائل دوما، الوضع جيد في الجبهة الشمالية والشرقية، وجيد إن شاء الله في جبهة الساحل، وجيد جدا في معركة قادمون، في أرياف حماه الشرقية والشمالية، حيث يخوض الإخوة معارك ضارية ضد حواجز وقوات النظام هناك. في حمص نتعرض لضغط شديد في المدينة المحاصرة. نعاني من ضغط شديد في أرياف دمشق بسبب قطع طرق الإمداد في داريا والمعضمية والغوطة الشرقية وغيرها، لكن هذه هي الأكثر معاناة. في جبهة درعا الوضع جيد نسبيا، العمليات مستمرة، هناك تحقيق نجاحات، رغم كل الصعوبات ونقص الذخائر. ولو تمكنا من تحييد سلاح الجو الموجود لدى المجرم ورغم امتلاكه سلاحا صاروخيا وأسلحة بعيدة المدى، لكن أعتقد أن كفة الميزان ستميل لصالح الثوار.
* بعد كل ما جرى.. هل ما زلتم تعتقدون بإمكانية إسقاط النظام عسكريا؟
- نحن نتمنى أن تحل الأزمة السورية اليوم. والثوار أجبروا على حمل السلاح، لأنكم تتذكرون البدايات الأولى للثورة وكيف كانت أجهزة الأمن المجرمة تقتل الناس في الشوارع وتفتح النار عليهم. اليوم هناك تساؤلات كثيرة، وكلام عن أننا لا يمكن أن نسقط النظام والنظام لا يستطيع أن يقهر المعارضة المسلحة ولا بد من حلول سلمية. المشكلة مع هذا النظام هو أنه متعنت ولا يريد أن يقدم أي شيء إلا الكذب. أنا أعتقد أن النظام في دمشق لن يترك السلطة إلا بالقوة. نحن نعلم أن إيران تمده وحزب الشيطان (حزب الله اللبناني) يمده، والمقاتلون المتطرفون من العراق يأتون بأعداد كبيرة جدا، وموجودون في حلب ونعرف أماكن وجودهم.. هذا لا يهون من عزيمتنا على الإطلاق. نعلم إمكــاناتنــا، لكن نعم هناك حقائق فبشار والزمرة التي من حوله، لا يتركـــون نظــــام الحكم في دمشق إلا بالقوة، لأنهم ينظرون إليه على أنه نظام حكم لطائفة. منذ بداية الثورة قال لي أحدهم إن هذا الكرسي هو كرسي حكم علوي لن نتركه إلا إذا أحرقنا سوريا، ومن يساعده في ذلك؟ النظام الإيراني وحزب الله، الذي كان يدعي أنه موجود في لبنان للمقاومة والتحرير، وكان يخدع الدنيا كلها، لكن كشفته الثورة السورية بأنه موجود لتخريب المنطقة وتحقيق أهداف إيران في المنطقة من خلال إقامة ما يسمونه الهلال الشيعي، الذي يمتد من إيران عبر العراق ثم سوريا فجنوب لبنان، كخطوة أولى للسيطرة على المنطقة واستعادة إمبراطورية كسرى. هذه حقائق كنا نعرفها قبل الثورة، لكن كنا لا نريد التكلم بها. لكن الآن معروف أن بشار لا يتحكم بشيء في سوريا، لكن هناك ضابطا إيرانيا هو قاسم سليماني يقود كل شيء في سوريا. والأميركيــون والروس والكل يعرف أن سليماني هو المتحكـــم بكـــل شيء. بشار أصبح دمية فقط لتطمين الزمرة التي معه.
* هل ستعطون العملية السياسية فرصة؟ الآن هناك دعوات لـ«جنيف 2».
- أنا مع الرأي في أن تعطى العملية السياسية فرصة كاملة. لكن ليس بإملاءات روسيا، (وزير الخارجية) سيرغي لافروف، يريد أن يسمي وفد المعارضة، ويصف المعارضة بالإرهابيين والتكفيريين. فتصور أنه يريد من طرف المعارضة أن تحضر ما يسمى معارضة الداخل. على من يكذبون؟ أنا كنت عميد دكتور في الجيش السوري وأعرف كل هذه الأكاذيب كيف تفبرك وكيف يفرض على الناس أن تقول بأمور مخالفة للحقيقة.. هذه معارضة يقودها (رئيس جهاز الأمن القومي) علي مملوك وأجهزة الاستخبارات ويدعون أنها معارضة. يريدون أن يأتي هيثم مناع باسم هيئة التنسيق ليحضر ممثلا عن المعارضة، وأن يحضر الإخوة الكرد كوفد مستقل يمثل المعارضة، ثم يتكرم علينا (وزير الخارجية الروسي سيرغي) لافروف بأن الائتلاف تمثيله ضعيف ولا يمثل أحدا على الأرض. تماما كما تنطلق الآن بعض الأصوات الناعقة من الداخل، وأن هذا الائتلاف لا يمثل أحدا. يريدون إضعاف دور الائتلاف كي تذهب أربعة وفود مشتتة ومبعثرة تجلس أمام وفد المجرم بشار، وتتقاتل فيما بينها. ويقولون للدنيا انظروا هذه معارضة مفككة ومشتتة ليس لها رأس، وهؤلاء سيخربون سوريا وبالتالي يجب أن لا يحصلوا على شيء.
* هل تقدمون تطمينات لقادة الجيش؟
- نحن نعرف تسلسل هرمية القيادة في الجيش، كيف تصدر الأوامر وكيف تنفذ وكيف يجبر الناس على تنفيذها. هناك قادة مجرمون متورطون، هم ملكيون أكثر من الملك، وأشد إجراما من بشار، هؤلاء ليس لديهم تطمينات وستطالهم العدالة. أما القادة على المستويات المتوسطة أو الدنيا، فهؤلاء لا ذنب لهم ويمكن النظر في وضعهم، من كان منهم يشارك في العمليات يقدم إلى المحاكم، التي تدرس وضعه، وإن وجدوا له جريمة، لا بد من أن يطاله العقاب. أما الرتب الدنيا هؤلاء يمكن أن يجري في إطار إعادة هيكلة جيش بعد التأكد من عدم تورطهم في القتل والدماء فلا توجد مشكلة في ذلك.
أتمنى أن ينتهي القتال اليوم لأننا كلما وجدنا الحال باكرا كانت عمليات معالجة الجراح أسهل، هي صعبة اليوم، لكن تخيل لو بقي الصراع خمس أو عشر سنوات، فلن تجد أحدا يده نظيفة وستكون المصالحة معقدة ومستحيلة. اليوم أرى أن ما فعله المجرم وزمرته في سوريا، يحتاج إلى 100 عام لكي تهدأ النفوس.
* هل ستبقى سوريا موحدة؟
- هذه القضية نادرا ما يتحدث عنها أحد، لاحظ إجرام هذا النظام في سوريا، نترك التدمير والقتل والضحايا والدماء. إما أن يبقى ديكتاتورا على سوريا وإما أن تقسم سوريا. فهذا الشعب في هذه البلاد ابتلي بمجموعة الشياطين تخجل لأنها مقصرة عندما تذكر هذه الأسماء وهذه الوجوه الكئيبة. فماذا فعل الشعب السوري بكل مكوناته وطوائفه وأديانه وقومياته حتى يأتي بحافظ الأسد وبشار؟ فإما أن تظل هذه الأسرة مالكة للأمور السورية ومستعبدة للسوريين، وإما أن تحرق سوريا وتقسمها.. هنا المأساة.
* هناك قضية أخرى.. الإسلاميون، وتحديدا «داعش»، هل الصدام أصبح حتميا؟
- لم يعد يخفى على أحد. الجيش الحر يحرر مناطق، نتوجه لنحرر مناطق أخرى، ليس لدينا مقاتلون ليرابطوا في المناطق المحررة، فتأتي «داعش» لتضع الحواجز وتمنع مقاتلي «الجيش الحر» من المرور، وتعلن السيطرة على هذه المناطق وتقوم باحتلال قرى، والضغط على مقاتلين هناك ومحاولة فرض إرادتها على الناس لتبايعها. لننظر إلى هذا من زاوية ماذا يسوق النظام، فهو يقول إنهم لا يمثلون الشعب السوري ويقصد الثوار الذين منهم الأطباء وتلاميذ الجامعات السورية وضباط وغيرها. هؤلاء تركوا كل شيء ودمر لهم كل شيء، وفقدوا أعز أبنائهم وأهلهم. يقول النظام إن السوريين لا يقاتلون النظام، وإن من يقاتل النظام هم مجموعة من الأجانب التكفيريين الذين يريدون ذبح الأقليات. نحن ننظر بكل موضوعية وصدق، عندما تأتي هذه المجموعات ويجري إعدام طفل في ساحة، ما الرسالة التي تقدم إلى العالم؟ تماما هذه هي الرسالة التي يريد بشار أن يقدمها إلى العالم. الحقيقة نحن في «الجيش الحر» كنا وما زلنا نحاول الابتعاد ولو بالتصريحات عن إثارة الموضوع لأننا ننطلق من مبدأ أن المرحلة الآن يجب أن يجري فيها التركيز على قتال بشار. وأنا قلت مرارا أمام وسائل الإعلام ووجهت رسالة للجميع، تعالوا وتفضلوا قاتلوا نظام بشار، وعندما يسقط هذا النظام، هناك شعب في سوريا ثار على مجرم ديكتاتور استعبد البلد على مدى 50 عاما. هذا الشعب هو الذي يقرر شكل الدولة وشكل نظام الحكم الذي يريد، وكلنا يجب أن يحترم إرادة هذا الشعب. هذه هي رسالتنا، لكن بإمكاناتنا أن من سيعتدي علينا لن نتركه بخير.
* لكن الأمور وصلت في الأيام الأخيرة إلى صدام مباشر، ويبدو أن الكثيرين يتوقعون أن المعركة ستقع ولا بد من حسمها معهم؟
- في الأيام الأخيرة صدرت بيانات من عدة جهات منها مجلس الرستن وكان القرار واضحا، أن هؤلاء معهم مهلة ويجب أن يغادروا مناطق الرستن وما حولها. والغريب في الأمر أن الإخوة القادة يبلغونني بأننا نحرر المناطق وهم يريدون السيطرة عليها.. هل غايتهم محاربة النظام؟ أنا لم أسمع يوما أن النظام هاجم مقرات «داعش»، هذه علامة استفهام؟ هناك معلومات خطيرة جدا عن تنسيق مع النظام وتنسيق مع الـ«بي كي كي» (تنظيم حزب العمال الكردستاني) وهذه أيضا دلائل، إذا كان المقاتلون الذين يعملون تحت مظلة «داعش» لا يعرفون هذه القضايا، يجب عليهم أن يسألوا ويطلعوا. من جاء ليقاتل سواء كان من خارج البلد أو من داخله وانضم إلى «داعش»، هل غايتك تحرير البلد من هذا النظام المجرم أم غايتك قتل من يقاتلون النظام؟
* لكن هناك بيانا رسميا صادرا عنهم يقول عكس ذلك.. يقولون إنهم يقاتلون و«الجيش الحر» يتبنى!
- معركة «قادمون»، هي من أكبر المعارك التي تدور الآن من الذي يقاتل بها؟ لا يوجد ولا مقاتل واحد منهم ومعارك الساحل التي دارت، قام بالمعارك ونفذها قيادة الجبهة والمجلس العسكري والقوى الثورية الموجودة في الجبهة من أهل سوريا. المعارك التي جرت في «خناصر» حول حلب من الذي نفذها؟ السوريون. معارك خان العسل نفذتها الفرقة 9 والفرقة 19 والإخوة من ثوار حلب. المعارك في مطار «منغ» العسكري من الذي حاصر المطار وقدم الشهداء والأركان قدموا السلاح، فجاء هم آخر يوم وقالوا إنهم حرروا المطار. نحن الذين نعاني وليس العكس.
* تشكون من الدعم المالي والدعم العسكري، لماذا هذا التلكؤ الدولي؟
- تلكؤ الدعم الدولي له أسباب، ضعف الإرادة وليس ضعف الإمكانات.. هم عندهم إمكانات ضخمة جدا. عندهم ضعف في الإرادة وعدم قدرة على اتخاذ قرار علما بأن الأمر واضح، هناك شعب يباد، هناك مسؤوليات أخلاقية وقانونية للأمم المتحدة ولدول العالم.
* هل أصبتم بالخيبة؟
- لقد أصبنا بمرارة.. موضوع الضربات كان قاب قوسين أو أدنى ثم اختفى خطر الضربات وزال وعاد النظام يعربد. قيل لنا إن الشعب الأميركي مل من الحروب، من أفغانستان ومن العراق وغيرهما. الوضع في سوريا يختلف. المطلوب ليس تدخلا عسكريا مباشرا على الأرض، وإنما ضربات جوية توجه إلى مفاصل رئيسة ومراكز قيادة، تسهل قدرة النظام على المتابعة، لكن يجب أن نعترف بأن النظام لديه إمكانات ولوبي ضاغط حتى في أميركا ويوظف أموالا طائلة جدا في وسائل الدعاية والإعلام وفي الفضائيات وغيرها. أكثر من 40 مليون دولار صرفت في الولايات المتحدة لشراء إعلانات ومؤسسات إعلامية كاملة لتتهم «الجيش الحر» والمجموعات المقاومة بأنها إرهابية وعصابات لكي تغير الرأي العام الأميركي.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.