«حارس الموتى».. رواية تختبر حدْس القراء

من روايات القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية

غلاف الرواية
غلاف الرواية
TT

«حارس الموتى».. رواية تختبر حدْس القراء

غلاف الرواية
غلاف الرواية

حين نشر جورج يَرَق روايته الأولى «ليل» عام 2013 ذاعَ صيتهُ في الوسط الثقافي اللبناني بسرعة كبيرة وتعلّق القرّاء بالشخصية الكفيفة التي رسمها في نصه الروائي المحكم الذي أثنى عليه النقّاد والقرّاء في آنٍ معا. أما روايته الثانية «حارس الموتى» 1915 فقد قطعت الشك باليقين بأن مُبدعها صاحب مشروع روائي تتكشف ملامحه بهدوء وسلاسة من دون الحاجة إلى السقوط في فخّ الضجيج المُفتعَل.
تختبر حبكة هذه الرواية حدْس قرّائها، فالبطل في هذا النص يُختَطَف من قِبَل أناس مجهولين ولكنه لا يعرف سبب اختطافه فيبدأ بتحليل أبرز الوقائع التي حدثت له منذ هروبه من الضيعة بسبب مصادفة عمياء جمعتهُ بأستاذٍ مخطوف ومُصاب برأسه حتى استقراره ببيروت، وسوف يعرف الراوي لاحقًا أنّ هذا الرجل قد خُطف من قِبَل ثلاثة «شبّيحة» ينتمون إلى ميليشيا حزب «السيادة» الذي يهيمن على جانب من بيروت وبعض المدن والقرى اللبنانية.
لا تخرج الوقائع المثيرة للانتباه التي مرّ بها الراوي «عابر ليطاني» عن أربعة احتمالات رئيسية وهي إمّا «مقتل عزيزي، أو سرقة الصائغ، أو ليلة الكبارية، أو امرأة الهوندا البيضاء» وكلّها أحداث مهمة تبرِّر عملية اختطافه وإطلاق النار عليه لكنه يظل مترجحًا بين الموت والحياة، وينادي بعينيه المرتجفتين ظلال العابرين على الجسر.
اعتمد يَرَق في بناء روايته على ثلاث تقنيات سردية وهي السرد الواقعي الخطّي الذي غطّى القسم الأكبر من الرواية، والفلاش باك، وتقنية الأحلام والكوابيس. ولا بد من الإشارة إلى هيمنة عنصر التشويق على مدار الرواية الذي يحقق واحدًا من أهمّ اشتراطات النص السردي الناجح.
ثمة أشياء كثيرة يمكن أن تقال عن نموّ الشخصية الإشكالية، وتطوّر الأحداث الدرامية التي لعبت دورًا مهمًا في مصير البطل وأوصلته إلى نهايته المأساوية التي لا يُحسد عليها، كما أن ثيمات الرواية كثيرة ومتعددة إلى الدرجة التي توحي وكأن الكاتب لم يترك شيئا للآخرين حيث تبدأ بالخطف والضرب والتعذيب، وتمرّ بالقنص، والسرقة، والاغتصاب، والفساد بكل أشكاله، المالي والديني، والطبي، وتنتهي بالتشبيح، واستغلال السلطة، والقتل. وأكثر من ذلك فإن الرواية تُدين الأحزاب والميليشيات برمتها، وتكشف لنا عبثية الحروب التي كان فيها الخاسر الأوحد هم المقاتلون المغلوبون على أمرهم الذين لاذوا بالثُكنات الميليشياوية لكي يؤمنوا هاجس الطعام والشراب والمأوى، تمامًا كما فعل عابر ليطاني الذي جاء إلى بيروت وقت اشتداد الحرب الأهلية بينما كان السكّان يهربون من جحيمها المُستعر.
لا يمكن غضّ الطرف عن هاجس الخوف الذي يسيطر على البطل من جهة، وعنصر المصادفة السيئة التي تتحكم بمصيره الفردي حتى لتبدو الرواية وكأنها محصورة بين هاتين الأنشوطتين اللتين تُضيّقان الخناق على رقبته حتى يصل إلى اللحظة الأخيرة التي تشتعل فيها أحشاؤه برصاصات ثلاث أطلقها ملثّمون وتركوه يئنّ وحيدًا في مواجهة مصيره المحتوم.
يمكن اعتبار عابر ليطاني بطلاً سلبيًا وخائفًا على الدوام لأنه هرب من مصادقة وجود الأستاذ المخطوف قرب مكبّ للنفايات، وخشية أن يتعرّف عليه الضحية ويتهمه بالخطف والضرب هرب إلى بيروت واضطرّه التشرّد إلى الالتحاق بثُكنة الحزب. وبما أنه لا يجيد سوى القنص فسوف يتم اختياره كقنّاص بعد أن أثبت كفاءته في هذا المضمار لكنه لا يحبذ السلاح لأنه يعتبر نفسه مثقفًا مسالمًا يؤمن بحوار الكلمة ولا يثق أبدا بلغة الرصاص.
لعل الحدث الأهم في الثُكنة هو لقاؤه بـ«عزيزي»، الخطيب المفوّه القادر على تعبئة الطلاب في المدرسة الثانوية وكلية الحقوق لاحقًا. وعلى الرغم من عُزلة «عزيزي» فإن قلبه ارتاح لعابر ليطاني ودعاه إلى غرفته التي كان يقرأ فيها كتبًا بهدف التثقيف لا التسلية، ونصحه بقراءة مذكرات هتلر وبسمارك وغيرهما من القادة، والكفّ عن قراءة الروايات البوليسية. كما أسرّ له بأهمية اليوميات التي يكتبها في دفتر يخبئه تحت البلاط الأمر الذي فاقم لهفة الراوي لقراءة هذه اليوميات ومعرفة الأسرار التي تنطوي عليها خصوصًا بعد تأكيده على «أن مضمون هذا الدفتر خطر، وقد يصبح الدم إلى الرُكب في حال شيوعه» لذلك أوصاه، في حال أصابه مكروه، أن يصون هذا الدفتر أو يدسّه بين ألسنة النار لأن أحرف اسم الراوي قد وردت فيه الأمر الذي يبرِّر خشيته: «لم أخف على عزيزي فقط، خفتُ أيضًا على نفسي».
قد تكون سرقة الصائغ سببا في عملية الخطف لكنه لم يشترك بها قط. وقد كان جالسًا فقط في المقعد الخلفي يراقب تطور الأحداث التي تجري أمام عينيه، حيث نفذّ نابليون، قائد الثُكنة، العملية بنفسه وجُرح في زنده الأيمن كما أصيب الصائغ أيضا. ترى، هل أراد نابليون توريط «عابر» ليضمن إخلاصه له، أم أن هناك سببا آخر لا نعرفه؟
يمكن أن يكون سبب الخطف هو مشهد الكباريه الذي شرب فيه دومينو كثيرًا بحضور شرنّو والراوي ورقص مع الفتيات الأربع اللواتي ركبنَ على ظهره تباعًا حتى تقيأ ونام. وبغية مسح هذا المشهد المُخزي من ذاكرة الناس قرر خطف عابر وإسكات صوته إلى الأبد.
لعل الاحتمال الرابع والأخير للاختطاف هو اغتصاب امرأة الهوندا البيضاء من قِبل الزرزور وشكسبير على التوالي وضرب صاحبها ضربًا مبرِّحًا أوصله إلى مرحلة الإغماء. أما مَنْ يقف وراء عملية الاختطاف فقد يكون أهلها أو عائلة صديقها الذي قد ينتمي إلى أسرة ثرية أو حزب قوي يبسط نفوذه على العاصمة.
لو تركنا النهاية التخمينية المفتوحة جانبا وعرّجنا على «عابر» الذي وجد مهنة عامل في ثلاجة الموتى نهارًا وفي قسم العمليات ليلاً. وعلى الرغم من صعوبة هذه المهنة التي تحتاج إلى شجاعة نادرة، وقلب قوي، وافقَ الراوي عليها، ونجح فيها، وعامَلَ الجثامين معاملة الأشخاص الأحياء حتى لُقِّب بحارس الموتى. وما إن ضَمنَ الأكل والشرب والسكن والراتب الثابت حتى بدأ الفساد يتسرّب إليه مثل الآخرين بغض النظر عن مناصبهم سواء أكانوا أطباء، أم ممرضين، أم كهنة، فحتى الأخت الراهبة كريستين دارت حولها الشبهات، وقالوا: إن المطران متيّم بها، ولا يرد لها طلبا، وقد أحبّها «عابر» وكان يروي لها النكات الخليعة لكن الممرضة شهلا أحبته رغم أنها على ذمة رجل غائب، ومارست الحب معه من دون أن تشعر بالخيانة لأن هذه العلاقة وليدة الروح وليست نتاج الجوع الجسدي.
على الرغم من أن شخصية «عابر» هادئة وغير صدامية فإن المدينة أيقظت الوحش الكامن فيه حيث بدأ يسرق ملابس الموتى، وأسنانهم الذهبية، ويسطو على جارور كريستين في أوقات مختلفة قبل أن تشكّ فيه وتبعث به لشراء قفل جديد كرسالة ذكية لم ترتدِ لباس التهمة بعد. لعل أخطر ما في شخصية «عابر» هو الهاجس النيكروفيلي لكنه لم يرتكب الخطيئة مع جثة الفتاة الشابة ذات البياض المتشح بحمرة خافتة. يستحق برّاد الموتى وحده دراسة منفصلة تعرّي أعماق البطل السلبي «عابر ليطاني» لأن السبب الذي دفعه للموافقة على العمل هو حُب كريستين وصوتها الجميل الذي لا يزال يرنّ في أعماقه، وغلّة البرّاد التي اعتبرها أحدهم ميزابًا من ذهب! إنها رواية شخصية بامتياز في قالب سردي محبوك.



لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.


«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة
TT

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها، وتتأسس على تقنية تعدد الأصوات، فرغم كثرة الشخصيات داخل المتن السردي، التي تصل إلى 30 شخصية، فإن السارد يمنح كل منها مساحة للتعبير عن ذاته، وتداعي أفكاره، وما يعتمل داخله من أحلام وهواجس وطموحات وتطلعات، فنرى العالم من وجهة نظر كل منها، دون أن يعوق هذا تدفق الحكاية واستمراريتها، فكل شخصية، حين تحكي عن نفسها ورؤيتها، فإنها تمارس في الوقت نفسه دورها في التنامي الحكائي. ورغم هذا الاحتفاء بالشخصيات وخطاباتها ورؤاها، فإن الحدث المركزي، وهو التجريدة، يظل مركز الثقل الأكبر في النص الروائي، ومناط جدارته السردية.

تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن التاسع، تحديداً مع بدايات حكم الخديو إسماعيل في قرية «قاو»، إحدى قرى محافظة أسيوط، بصعيد مصر، حيث جرت وقائع مذبحة ضد هذه القرية، حين شن عليها الوالي إسماعيل غارة لإخماد ما ظنه تمرداً فيها على حكمه الناشئ حديثاً، فأراد عبر قمع هذه القرية أن تكون عبرة لكل من يتمرد على سلطته مستقبلاً، لذا كان التنكيل بكل من فيها، وهدم منازلها على رؤوسهم، حتى أضحت خراباً، ومن وقعوا في يد قواته تم قطع رؤوسهم على مرأى من بقية أهل القرية من النساء والشيوخ والأطفال.

نشأت بذرة الأحداث من «جريس» المسيحي عندما اشترى جارية أفريقية، وادعى كذباً أنها مسلمة، وأن اسمها «فاطمة» رغم أنها لا تعرف لنفسها اسماً ولا ديناً، ولا تعرف اللغة العربية، فقد اختطفت من بلادها وهي طفلة صغيرة، وتعمد مضاجعتها أو جلدها وضربها على مسمع من جيرانه، وإشاعة أفعاله معها للجميع، ليثير حنق أهل القرية ويدفعهم للفتك به، وأرسل للوالي يستغيث من اضطهاد المسلمين له، رغم تحذيرات أقربائه، حتى قس الكنيسة تبرأ منه، لمعرفته بنواياه في إثارة فتنة طائفية. ولم يتعاط الوالي إسماعيل مع أحداث العنف في القرية بوصفها حتى حدثاً طائفياً، بل اعتبرها محاولة سياسية لزعزعة حكمه الوليد، فقرر قمع الجميع بكل عنف.

الرواية ذات طابع ملحمي واضح، وقد قسمها الروائي إلى أربعة فصول؛ كل فصل منها يتكون من عدة لوحات سردية، وكل لوحة تحمل اسم شخصية ويأتي الحكي على لسانها، راويةً حكايتها ورؤيتها لجانب من الأحداث، وكل شخصية تسلم راية الحكاية لمن يليها، كي يكمل مسار السرد. وبناء السرد وفقاً لشخصيات الرواية يذكرنا برواية «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، إذ يتشابه الشكل البنائي للروايتين، وإن كان تتابع الشخصيات لدى الشريف يأتي وفق المنطق الدرامي، ولم يتبع النهج الألفبائي الذي اختاره أديب نوبل.

الفصل الأول «الغارة»، يروي بدايات ما ظنه الوالي ورجاله تمرداً سياسياً، لكنه في الحقيقة لم يكن له علاقة بالحاكم وسياساته، بل مجرد صراعات قبلية على المكانة الاجتماعية بين أهل القرية وخرجت عن السيطرة. الفصل الثاني «الخراب» يصور قمع السلطة للقرية وأهلها، فقد تحولت إلى أطلال، وكانت الأشلاء في كل مكان، حتى أن النيل تضمخ باللون الأحمر من فرط الدماء، وسط هذه المأساة يتمكن قلة من أهل القرية من الفرار إلى الجبال والاختباء في كهوفها، ومجموعة أخرى من النساء والأطفال تختبئ في قبو الكنيسة.

الفصل الثالث «التيه»، يروي حكاية من تبقى في القرية ممن نجوا من المذبحة، وقد حكم عليهم الوالي بالنفي إلى دمياط، أقصى شمال مصر، إمعاناً في الانتقام منهم، ولتظل خراباً شاهداً على قوة السلطة وقمعها لكل من يفكر في أن يرفع رأسه في مواجهة الحاكم ولو بالخطأ. هذا النفي لبلد بعيد، يشبه تغريبة بني هلال، ويتناص بشكل واضح مع هذا الجزء من الحكاية الشعبية. أما الفصل الرابع «العودة»، فيروي بدايات عودة المشردين في الجبال والمنفيين إلى القرية ومحاولة تأسيسها من جديد.

يتبدى في الرواية، وفي بنيتها العميقة وخطابها المضمر، محاولة سردية لتشريح الصراعات الخفية داخل المجتمعات القبلية، حتى داخل العائلة الواحدة، رغم ما يبدو على السطح من تناغم، لكن في العمق تكمن صراعات خفية على السلطة، وعلى المكانة الاجتماعية داخل القرية، ولو بين الأشقاء، أو بين كبير العائلة وابن شقيقه النابغ، ورغبته في توريث سلطته لابنه هو رغم تدني قدرته واندفاعه الأرعن، ويخشى على مكانته هو وابنه من ذكاء وحكمة ابن شقيقه. من جانب آخر تفكك الرواية ما يبدو أنه صراعات دينية، موضحاً أنها صراعات على السلطة والمكانة أيضاً، فالمسيحي الذي فجّر الأحداث وأشعل النيران كلها، لم يكن يكره المسلمين، بل كان يكره كل أهل القرية، مسلمين ومسيحيين، حتى أنه كان يمقت قس الكنيسة، وكان راغباً في الانتقام من الجميع، رغم محاولات القس إثناءه عن أفعاله الشريرة.

إلى جانب تشريح بنية المجتمع القبلي، تنزع الرواية إلى تفكيك عقل السلطة، وبنية خطابها، وكيفية تفكير من يجلس في مقعد الحكم، سواء كانت السلطة الأعلى ممثلة في الوالي إسماعيل، أو سلطة دنيا مثل عمدة القرية المجاورة لقرية «قاو»، فرغم الفارق الشاسع في حجم سلطة كل منهما، فإن ثمة رابطاً بنيوياً يوحد بينهما، ويلغي الفروق بين الوالي والعمدة، إذ يفكر كلاهما بالمنطق ذاته. يقول الوالي إسماعيل: «تعلمت أنه ليس مهما أن يحبك الناس، بل دعهم يخافون منك، ولا تهتم بهم من الأساس، حتى إن أبديت لهم غير ذلك». في حين يقول العمدة عبد العال العقيلي: «لا أهتم بمحبة الناس، حتى أولادي لا أشعر أنهم يحبونني، وذلك ليس مهماً، وما داموا يطيعونني ويتبعونني، فلن أشق قلوبهم لأعرف ما بها، حتى لو تمنوا موتي، لن أهتم، ما دام الواحد منهم يقف بين يدي لا يستطيع أن يضع عينه في عيني».

رغم التفاوت الكبير في حجم السلطتين، فإنهما ينطلقان من رؤية واحدة للعالم، وللحكم، وللمحكومين، وحتى لأقرب الناس إليهما. إنهما أبناء العقل ذاته، عقل السلطة، الذي لا يمنح اهتماماً للحب، في مقابل اهتمامه بالبطش والقمع، وبترهيب المحكومين، فهذا ما يرسخ الحكم ويقويه، خنوع المحكوم للحاكم، وليس حبه له، ولا إيمانه بجدارته واقتناعه به، فهذا العقل يعتنق فلسفة الخوف والرعب، حتى أن البناء اللغوي في الفقرتين يبدو متشابهاً حد التوحد، إذ إن هذه اللغة لا تصدر من شخصيتين مختلفتي المكانة والثقافة والمرجعيات النفسية والاجتماعية، بل تصدر عن عقل واحد حاكم لكليهما، هو عقل السلطة وكرسي الحكم.

ثمة شخصيات لامعة على مدار الرواية، خصوصاً النسائية، ومنها «شمعة»، المسيحية التي تنقذ الأطفال، مسلمين ومسيحيين، وتخرج بهم من المخبأ في الكنيسة، عقب انتهاء التجريدة، لتعيد بناء القرية وإعمارها، فتبدو نسخة جديدة من إيزيس، لكنها لا تعيد جميع أشلاء شخص أو حبيب، بل تعيد القرية إلى الحياة.


«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب
TT

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

ترتبط شواطئ مدينة الإسكندرية تاريخياً في المخيلة العامة بالرومانسية والحنين والذكريات البهية، وهو ما جسدته أغنية فيروز الشهيرة «شط إسكندرية يا شط الهوى - رحنا إسكندرية رمانا الهوى - يا دنيا هنية وليالي رضية - أحملها بعينيه»، وهو ما تناولته، وفق أنساق مختلفة، روايات عربية وعالمية عديدة، أبرزها «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل.

لكن الكاتبة المصرية مي خالد في روايتها «بنسيون كليو» تتناول عروس البحر المتوسط من منظور مختلف يمزج الحنين بحادث دموي لم تبرأ منه الذاكرة المصرية تماماً هو تفجير «كنيسة القديسين» عام 2011 بالمدينة، وكأن أمواج الجمال النقي على شواطئها اختلطت في لحظة استثنائية هاربة من الزمن بموجة من التطرف والعنف والمصادرة على الآخرين.

في الرواية الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، يبدو كما لو كانت كل عائلة لديها نسختها الخاصة من «بنسيون كليو»، وهو مكان يلتقى فيه الغرباء الباحثون عن إقامة سريعة مؤقتة، لا يُزار ولا يُذكر لكنه يحتفظ بكل ما تم تجاهله. في هذا البنسيون المطل على بحر الإسكندرية لا تُخزّن الأشياء القديمة فقط، بل تُخفي الحقائق عبر صداقات لم تصمد وعائلات أتقنت الصمت ونساء تم إبعادهن عن الصورة قسراً لأسباب غير منطقية.

يعود سعد، بطل العمل، إلى المدينة المثقلة بجراح اللحظة الطائشة إثر التفجير الإرهابي بعد عمر كامل ليكتشف أن ما سُمّي نسياناً كان اتفاقاً، وأن ما سُمي نجاة كان توزيعاً ذكياً للأذى.

وذلك عبر سردية تمزج بين الوقائع الخارجية المتلاحقة وما تخفيه الشخصيات من أسرار وهواجس ومخاوف. تعود أحداث الرواية إلى الماضي لترصده من خلال أبرز تجلياته في الإسكندرية، منذ الأربعينات عبر رسائل لم تُفتح ولوحات تخفي أكثر مما تُظهر، ووثائق انتظرت اللحظة الحرجة لتكشف الحقائق غير المرغوب فيها.

من أجواء الرواية نقرأ:

«سيارة الأجرة القديمة من طراز (بيجو 504) التي صمدت أمام الزمن، كما صمدت أشياء كثيرة، هي التي أنقذتني عند محطة مصر حين لم أجد قطاراً يتحرك نحو الإسكندرية في الرابعة صباحاً. وفي تمام السابعة والنصف توقفتُ أخيراً أمام البنسيون ذي الواجهة الحائلة المطلة على الكورنيش، هواء البحر المتوسط البارد في يناير المشبع برائحة اليود والملح لفح وجهي.

كان الجو رمادياً كئيباً يعكس حالة الحداد غير المعلنة التي خيمت على المدينة بعد ليلة رأس السنة الدامية. نظرت إلى لافتة البنسيون النحاسية القديمة، تذكرت وجه أسعد الضاحك وسخريته اللاذعة من كل شيء وكذبة أبريل التي كان يتفنن في تأليفها كل عام حد ادعاء الموت ثم الضحك عالياً والسخرية من قلقنا، كيف يمكن أن يكون أسعد ضحية عمل إرهابي يبدو عبثياً؟ شعرت ببرودة تسري في أوصالي فأحكمت الكوفية ومعطفي الثقيل حول جسدي ودلفت سريعاً إلى مدخل العمارة لأتفادى تيار الهواء.

شعرت كأنني أعبر بوابة زمنية تعيدني إلى سنوات غابرة، كانت العمارة شاهقة لكنها لم تعد مهيبة كما كانت يوماً، ونوافذها الطويلة المهشمة في بعض أجزائها أضفت طابعاً حزيناً كأنها عيون تبكي أطلال مجدها. استقبلني المدخل الواسع بأرضيته المرصوفة بالفيسفساء التي تعرضت للتآكل وبرزت منها نتوءات الحصى الحادة.

في نهاية المدخل، انتصب باب المصعد العتيق من الحديد المشغول مثل بوابة قفص وُضع بين العصور، وقد نقشت الرطوبة بقعاً خضراء من الصدأ على مقبضه النحاسي الكبير وهو ينزل ببطء من أعلى بدا كأنه يئن بصمت أو كأنه يريد أن يتوقف في مكانه ليحبس أسرار الذين عبروا به من طابق إلى آخر».