مصادر فرنسية رسمية لـ «الشرق الأوسط»: زيارة ولي العهد إلى باريس «ناجحة بكل المقاييس»

باريس لديها نفس «المشاغل والقلق» من مصادرة حزب الله لقرار الحكومة اللبنانية

رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس خلال استقباله ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف (تصوير: عمار عبد ربه)
رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس خلال استقباله ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف (تصوير: عمار عبد ربه)
TT

مصادر فرنسية رسمية لـ «الشرق الأوسط»: زيارة ولي العهد إلى باريس «ناجحة بكل المقاييس»

رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس خلال استقباله ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف (تصوير: عمار عبد ربه)
رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس خلال استقباله ولي العهد السعودي الأمير محمد بن نايف (تصوير: عمار عبد ربه)

أكدت مصادر دبلوماسية فرنسية رفيعة المستوى أن أحد أهداف الزيارة الرسمية التي قام بها الأمير محمد بن نايف بن عبد العزيز ولي العهد السعودي إلى فرنسا تلبية لدعوة رسمية، هو «إعادة التأكيد على دوام واستمرارية الشراكة الاستراتيجية» التي تربط الرياض وباريس والتي تعتبر من الجانبين الفرنسي والسعودي أنها «خيار سياسي واع» ونتائجه «مفيدة للطرفين»، واصفة الزيارة بأنها «ناجحة بكل المقاييس».
وأشارت المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أمس، إلى أن «توقيت» الزيارة مهم جدًا كون الزيارة تأتي بعد مجموعة من الأحداث والتحولات التي أفضت إلى نوع من «التشويش» في الرؤية وكان بالتالي من الضروري للطرفين أن «يعيدا التأكيد» على عزمهما الاستمرار في علاقاتهما المتميزة والرغبة في توثيقها في كافة المجالات. وكانت المصادر الفرنسية تلمح بذلك إلى التكهنات التي سبقت وأعقبت زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني لباريس والتقارير التي تحدثت عن «حاجة» فرنسا لإعادة تعديل الموازين واتباع سياسة «مختلفة» عن السابقة، لتؤكد باريس أن أول عنصر في الرسالة التي شددت عليها القيادة الفرنسية هي التأكيد على «ثبات» العلاقة الثنائية بين الرياض وباريس والرغبة في تطويرها ودفعها إلى الأمام.
وفي المقام الثاني، ترى المصادر الفرنسية أن الجانب الآخر لأهمية الزيارة يكمن في التقدير الذي تكنه باريس لولي العهد السعودي ولمجمل القيادة السعودية وعن ارتياحها للتعامل معها، وذلك على أسس أصبحت معروفة للجميع وتضمن مصالح جميع الأطراف. وفي هذا السياق، قلد الرئيس هولاند الأمير محمد بن نايف وسام جوقة الشرف للتعبير عن تقدير فرنسا الرسمي للدور الذي يلعبه.
وأكدت المصادر الفرنسية، أيضًا، أهمية التعاون مع ولي العهد السعودي الذي هو في الوقت نفسه نائب لرئيس مجلس الوزراء ووزير للداخلية، وبالتالي فإن الطرفين ركزا على رغبتهما في تعزيز التعاون في المجال الأمني وتحديدًا محاربة الإرهاب. ولعل أكبر دلالة على الاهتمام بهذا الجانب هو مستوى وضخامة الوفد الأمني الذي رافق ولي العهد خلال المحادثات التي عقدها مع المسؤولين الفرنسيين، إضافة إلى أن اجتماعه برئيس الجمهورية في قصر الإليزيه، بعد ظهر أمس، شكل أهمية كبرى، إضافة إلى أنه التقى أيضًا رئيس الحكومة مانويل فالس الذي هو وزير داخلية سابق في غداء عمل انضم إليه الوفد الرسمي السعودي وكذلك مساعدو رئيس الحكومة الفرنسية. وإضافة إلى اللقاءين مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، استقبل الأمير محمد بن نايف في مقر إقامته في العاصمة الفرنسية أمس وزيري الخارجية والداخلية جان مارك أيرولت وبرنار كازنوف.
وفي أول اجتماع ولي العهد السعودي مع أيرولت كان التركيز على المسائل الإقليمية وعلى رأسها الملف السوري الذي كان وزير الخارجية الفرنسي قد تطرق إليه في اجتماع صباحي مع نظيره عادل الجبير في مقر الخارجية إلى جانب الملفات الأخرى مثل الحرب في اليمن ولبنان ودور إيران وخطة باريس لإعادة إطلاق ملف المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.
في الملف السوري الذي كان أمس محل اهتمام فرنسي - دولي كبير تمثل في الاتصال الهاتفي المطول لأربعة قادة أوروبيين (الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون ونظيره الإيطالي رنزو) مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أفادت المصادر الفرنسية بأن موقفي باريس والرياض «متطابقان»، ولا يرى الطرفان غضاضة في أن تستمر روسيا بضرب تنظيمي «داعش» و«النصرة». لكنهما «حذرا» من استهداف المعارضة السورية المعتدلة التي تحظى بدعمهما، مشيرين إلى أن ضرب المعارضة المعتدلة «سيكون له نتائج سلبية» وسيدفع الكثير من الأطراف «لزيادة دعمها العسكري لهذه المعارضة».
وتضيف هذه المصادر أن روسيا «حققت بعض الانتصارات، لكن الأمور يمكن أن تتغير» وبالتالي يتعين على الرئيس الروسي أن يعي أنه قد يكون مقدمًا على الغرق في الرمال السورية المتحركة وأنه سينسف صورة بلاده في العالم السني وبالتالي عليه التفكير في مصالح بلاده على المدى البعيد. وخلاصة المصادر الفرنسية المبنية على متابعة مجريات المحادثات التي حصلت أمس في باريس، أن الدول الداعمة للمعارضة «تعي أهمية سوريا للمصالح الروسية». لكنها في الوقت ذاته تريد من موسكو أمرين؛ أن تعيد تصحيح نهجها في سوريا من جهة وأن تضغط على رئيس النظام السوري بشار الأسد من أجل التوصل إلى مفاوضات سلام حقيقية تقود إلى عملية سياسية «يجب ألا يكون الأسد ضمنها» وذلك وفق بيان جنيف وقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254.
أما في الملف الفلسطيني - الإسرائيلي فإن باريس تبدو عازمة على القيام بشأنه بمبادرة سلام جدية من خلال الدعوة لمؤتمرين للسلام؛ الأول من غير طرفي النزاع الشهر القادم والثاني بحضورهما في بداية الصيف القادم. ولهذا الغرض، فإن وزير الخارجية جان مارك أيرولت سيزور القاهرة يومي التاسع والعاشر من الشهر الجاري لعرض الخطة الفرنسية على لجنة المتابعة العربية في القاهرة ومحاولة كسب تأييد الطرف العربي و«الفلسطيني» رغم وعي باريس للصعوبات التي ستعرقل التقدم على هذا الطريق وليس أقلها انغماس الولايات المتحدة في الانتخابات الرئاسية ومعارضة إسرائيل و«فتور» الاتحاد الأوروبي وتردد ألمانيا. وتعوّل باريس على دور فاعل وداعم للسعودية خصوصًا أنها صاحبة مبادرة السلام العربية التي تبنتها قمة بيروت العربية في عام 2002.
يبقى الملف اللبناني وقرار السعودية بوقف الهبة الممنوحة للجيش اللبناني وقيمتها 3 مليارات دولار التي يفترض أن تخصص لشراء سلاح فرنسي للبنان. وفي هذا الصدد، أشارت المصادر الفرنسية وثيقة الاطلاع على الملف أنها «تتفهم» موقف الرياض التي تتعرض لافتراءات من قبل حزب الله اللبناني وترى أن القرار الحكومي الرسمي قد تمت مصادرته. وتضيف هذه المصادر أن باريس لديها نفس «المشاغل والقلق» من مصادرة قرار الحكومة اللبنانية، لكنها ترى أن الأهم هو دعم المؤسسات في لبنان والمحافظة على أمنه واستقراره خصوصًا في ظل الفراغ المؤسساتي على رأس السلطة التنفيذية (رئاسة الجمهورية). وبعد مهمة في الرياض قام بها مسؤولان من وزارتي الخارجية والدفاع الفرنسيتين، فقد كشفت المصادر الفرنسية إلى أن العقد الموقع للسلاح مع الشركات الفرنسية سيتم العمل به وبالتالي لن يصيب هذه الشركات أي ضرر، وتضيف هذه المصادر أن السلاح سيسلم إلى السعودية التي هي صاحبة القرار فيما تريد أن تفعله وفق التطورات التي سيعرفها لبنان وأن باريس «تحترم» القرار السعودي.
وكان الأمير محمد بن نايف قد استقبل مساء أول من أمس وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لو دريان الذي زار السعودية أكثر من مرة. وبحسب باريس، فإن اللقاء تناول المسائل الإقليمية ومشاريع التعاون المشتركة والقادمة بين الطرفين السعودي والفرنسي.
أما المستوى الثالث والأخير لأهداف زيارة ولي العهد وفق القراءة الفرنسية، فمحوره العلاقات الثنائية بمختلف أوجهها رغم أن هذه المصادر تشدد بقوة على أنها زيارة «سياسية - أمنية» وليس غرضها البحث في عقود أو التوقيع عليها. ومع ذلك، فقد أشارت إلى أن من يشكك في قوة العلاقات الاقتصادية «واهم»، والدليل على ذلك أن فرنسا وقعت مع السعودية العام الماضي عقودًا قيمتها 15 مليار دولار وهي واقع قائم «بعكس ما هو ممكن مع إيران لأنه يبقى افتراضيًا». وللطرفين استحقاق قادم مهم هو الاجتماع الثالث للجنة المشتركة السعودية - الفرنسية الذي سيلتئم الشهر القادم في باريس برئاسة الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز ولي ولي العهد ووزير الخارجية جان مارك أيرولت حيث ستبحث عندها بالتفصيل العقود القادمة والاستثمارات المشتركة.
لقطات
* عمدت السلطات الفرنسية إلى اتخاذ إجراءات أمنية مشددة خلال الزيارة الرسمية لولي العهد السعودي إلى باريس في محيطي رئاسة الحكومة ورئاسة الجمهورية وخلال تنقلاته الكثيرة في العاصمة الفرنسية.
* كان الرئيس فرنسوا هولاند على مدخل القصر الرئاسي لاستقبال ولي العهد ولدى وصوله نزل حتى باب سيارته لمصافحته مطولاً.. ثم وقفا معًا على مدخل القصر من أجل الصورة التذكارية.. وكما استقبله هولاند ودّعه لدى مغادرته
* في مقر رئاسة الحكومة قام مانويل فالس بالشيء نفسه.. واللافت كان الحديث المنفرد الذي دام عدة دقائق على مدخل رئاسة الحكومة لدى مغادرة الأمير محمد بن نايف مع فالس.. وحدها المترجمة الرسمية كانت إلى جانب المسؤولين
* في الإليزيه كما في قصر ماتينيون (مقر رئاسة الحكومة) وقف حرس الشرف الرئاسي لتحية ولي العهد شاهرين سيوفهم لدى وصوله ولدى مغادرته.
* اصطحب ولي العهد معه وفدًا صحافيًا كبيرًا أنزل في فندق قريب من مقر السفارة السعودية في باريس.



الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

TT

الشراكة السعودية – الباكستانية... من التنسيق الاستراتيجي إلى صناعة الاستقرار

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وصف محللون تصاعد العلاقات السعودية - الباكستانية بأنها تحولت من الشراكة إلى صناعة الاستقرار والسلام، عادِّين زيارة رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف للمملكة؛ تجسيداً لعمق العلاقة الاستثنائية بين البلدين، وتنسيقهما الاستراتيجي بشأن تطورات المنطقة الراهنة.

وتحدث المحللون مع «الشرق الأوسط» في إطار المشاورات السياسية التي يجريها البلدان لتكثيف المساعي المشتركة لخفض التصعيد بالمنطقة، والتوصل لاتفاق ينهي الحرب الإيرانية، بما يحقق الأمن والاستقرار الإقليمي.

وجرت في جدة (غرب السعودية)، الأربعاء، نقاشات بين الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، ومحمد شهباز شريف، رئيس الوزراء الباكستاني، حول مجريات أوضاع المنطقة، والمستجدات المتعلقة بالمحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد.

توحيد الرؤى

يُوضِّح علي عواض عسيري، السفير السعودي الأسبق لدى باكستان، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أن الزيارة تأتي ضمن التواصل المكثف والزيارات المستمرة بين البلدين حول مختلف القضايا الإقليمية والدولية، وتعكس حرص إسلام آباد على التنسيق الوثيق وتوحيد الرؤى مع الرياض فيما يتعلق بمستجدات المنطقة والإقليم.

بدوره، أكد الدكتور عبد الله الرفاعي، أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود، في حديثٍ لـ«الشرق الأوسط»، أن «الشراكة السعودية - الباكستانية تجاوزت مرحلة التنسيق إلى صناعة الاستقرار»، وقال إن «الزيارة تأتي في لحظة إقليمية مضطربة تتداخل فيها الأزمات والمصالح؛ لهذا لا تكون التحركات الدبلوماسية بين البلدين مجرد لقاءات بروتوكولية، بل خطوات فاعلة لإعادة تشكيل موازين الاستقرار»

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة الأربعاء (واس)

وحسب الرفاعي، تكتسب زيارات المسؤولين الباكستانيين المتواصلة إلى السعودية «أهمية خاصة، بوصفها تعبيراً عن عمل استراتيجي عميق يتجاوز الظرف الآني إلى بناء موقف مشترك تجاه تحولات المنطقة»، ويرى أنه «لا يمكن قراءة هذه الزيارات بمعزل عن الدور الذي تضطلع به باكستان في مسارات الوساطة الإقليمية».

عمق العلاقات

العلاقات التاريخية الراسخة بين السعودية وباكستان ارتقت إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية»، ويصفها السفير الأسبق بأنها «مميزة ومستدامة، ومبنية أساساً على العقيدة»، موضحاً أنه «لم يشُبها أي شيء منذ نشأت، ولم تتغير بتغير القيادات في البلدين كلياً، بل بالعكس تنمو مع كل قيادة».

وبينما يُنظر إلى السعودية بوصفها ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة والعالم، يقول عسيري إن «باكستان تعتمد على رأي القيادة السعودية، وتتشاور معها سواءً في علاقاتها مع الدول الأخرى، أو فيما يتعلق بالحرب ما بين إيران وأميركا وإسرائيل، ونجحت في التوصل إلى هدنة لمدة أسبوعين، وهناك أمل بتمديد أسبوعين إضافيين، ويوجد حوار ربما ينهي هذه الحرب».

وصرَّح الدكتور مطلق المطيري، أستاذ الإعلام السياسي بجامعة الملك سعود، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «العلاقة بين السعودية وباكستان تطوَّرت من تحالف تقليدي إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد (سياسية، أمنية، اقتصادية)، هدفها الأساسي إدارة الأزمات، ومنع التصعيد، وبناء استقرار مستدام في المنطقة».

ويستدل المطيري بأن الزيارات المتكررة تعكس أن «العلاقة ليست بروتوكولية بل تشاورية مستمرة، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية مضطربة»، منوهاً بأن «هذه اللقاءات تسعى لتنسيق المواقف تجاه التوترات الإقليمية وقضايا الأمن البحري والطاقة».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة (واس)

تغليب السلام

عن المساعي المشتركة تجاه تطورات المنطقة، يقول السفير عسيري إن «السعودية ليست بلد حرب»، ويضيف أن «جهودها داعمة لاستضافة باكستان المشاورات الأميركية – الإيرانية في إسلام آباد»، كما يرى أن باكستان مؤهلة لحيادها بين الطرفين، «فعلاقتها مميَّزة بأميركا منذ عام 1971، حيث كان لها دور ممتاز في علاقة أميركا مع الصين وإيقاف حرب فيتنام، وكانت خير حليف لأميركا في الحرب على الإرهاب، وفي الوقت نفسه ساعدتها في خروج آمن من أفغانستان، فضلاً عن أنها جارة لإيران وعلاقتها طيبة معها».

يوافقه الرفاعي والمطيري الرأي، حيث أشار الأول إلى «محاولة إسلام آباد استثمار علاقاتها المتوازنة لفتح نوافذ للحلول السياسية، مستفيدة من الدعم السعودي لهذه الجهود بوصفه امتداداً لنهج ثابت يقوم على تغليب الحلول السلمية، وتجنب الانزلاق إلى مسارات التصعيد»، وأفاد الآخر بأن دعم الرياض لوساطة إسلام آباد يعكس تقاسم أدوار ذكي، ففي حين لباكستان علاقات متقاربة مع أميركا وإيران، تحظى السعودية بثقلٍ سياسي واقتصادي عالمي؛ ما يمنح الوساطة قوة دفع، ويُعزز فرص الوصول إلى حلول سلمية».

ويشرح أستاذ الإعلام بجامعة الإمام محمد بن سعود بالقول إن «المملكة، التي راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، تدرك أن الاستقرار لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى عبر التفاهمات والتوازنات الدقيقة»، متابعاً: «في المقابل، تعكس هذه التحركات مكانة الرياض باعتبارها ركيزة أساسية في معادلة الاستقرار الإقليمي والدولي». بينما يؤكد المطيري أن «التحرك السعودي لا يقتصر على البعد السياسي، بل يرتبط أيضاً بحماية أسواق الطاقة العالمية، وتأمين خطوط التجارة، وتعزيز بيئة الاستثمار؛ ما يجعل المملكة ركيزة استقرار إقليمي ودولي».

رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف لدى وصوله إلى مطار الملك عبد العزيز الدولي في جدة الأربعاء (إمارة مكة المكرمة)

رؤية استراتيجية

شدَّد الرفاعي على أن «السعودية لم تعد مجرد لاعب مؤثر في سوق الطاقة، بل أصبحت فاعلاً سياسياً واقتصادياً قادراً على التأثير في مسارات الأزمات، وصياغة المبادرات، وبناء التحالفات التي تعزز الأمن الجماعي»، مؤكداً أن «هذا الدور المتنامي لا يأتي من فراغ، بل يستند إلى ثقل سياسي، واقتصاد متماسك، ورؤية استراتيجية واضحة تسعى لتحويل الاستقرار مشروعاً دائماً، لا مجرد استجابة مؤقتة للأزمات».

وحول الموقف من طهران، اعتبر عسيري في حديثه إيران «عاملاً للقلاقل الموجودة في المنطقة، والرئيسان الأميركيان السابقان باراك أوباما وجو بايدن كانت لهما توجهات مختلفة عن الرئيس دونالد ترمب الذي بحنكته عرف أن هناك مخاطر من إيجاد سلاح نووي مع إيران، وانسحب من الاتفاق المبرم معها»، متابعاً: «ما ترجوه السعودية أن تكون إيران بلداً جاراً آمناً ومستقراً، وليس مزعجاً لجيرانه، ولا يسبب أي قلق في المنطقة نفسها».

بموازاة ذلك، أوضح السفير الأسبق أن «توجهات السعودية سلمية، و(رؤية 2030) خير برهان، إذ تُمثّل خطة أمن وسلام ونهضة وتنمية، وتوجهات حضارية وليست عدائية لأحد»، مردفاً: «سعت المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى إيجاد حل مع الإيرانيين بأي شكل، وتم ذلك باتفاق بكين بين الرياض وطهران، لكن إيران وبكل أسف لم تحترم المساعي الحميدة التي أُنجز فيها الاتفاق، لم تحترمها إيران باعتداءاتها على المملكة ودول الخليج جيرانها والذين ليس لهم علاقة بالحرب».

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس)

حماية متوازنة

بشأن التعاون العسكري السعودي - الباكستاني، يروي عسيري أنه «بدأ من السبعينات، وكان تدريب جميع القوات السعودية البرية والبحرية والجوية بعناصر باكستانية، واستمر ذلك، وكان هناك اتفاقية عام 1982»، مبيناً أن «وجود القوة العسكرية الباكستانية التي وصلت مؤخراً إلى المملكة -ضمن اتفاقية الدفاع المشترك- يعكس حرص إسلام آباد على وقوفها بجانب الرياض، كما يبرهن على تنفيذ ما اتفق عليه الجانبين»، ومؤكداً أن «باكستان بحبها للسعودية وقيادتها والحرمين الشريفين، لن تتخلى عنها في حال هُوجِمت حتى لو لم تكن هناك اتفاقية».

وطبقاً لذلك؛ أرجع المطيري الحضور العسكري الباكستاني إلى «الامتداد التاريخي للعلاقات العسكرية بين البلدين، ويعكس الثقة الاستراتيجية المتبادلة»، منوهاً بأنه «يأتي في إطار التعاون الدفاعي المشروع بين دولتين ذاتي سيادة، وتعزيز الجاهزية والتدريب المشترك، ودعم أمن المنطقة دون نية عدائية».

وفي الإطار نفسه، يشير الرفاعي إلى أن هذا «يعكس عمق الشراكة الأمنية بين البلدين، التي تعزز استقرار المنطقة، وتؤكد أن أمن المملكة جزء لا يتجزأ من منظومة أمن إقليمي أوسع»، ويُبيِّن قدرة هذه الشراكة الاستراتيجية على «توفير مظلات حماية متوازنة دون الانجرار إلى مواجهات مفتوحة».

من لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة بحضور عاصم منير قائد قوات الدفاع رئيس أركان الجيش الباكستاني 12 مارس 2026 (واس)

من ناحية أخرى، لفت عسيري إلى أن «السعودية خير حليف وأخ لباكستان، ودائماً تقف معها في أزماتها، ولها مواقف مُشرِّفة، منها دعمها البنك المركزي الباكستاني بعد زلزال 2005 الذي راح ضحيته أكثر من 80 ألف شخص، وكانت أول دولة تسيّر جسراً جوياً ومستشفيين ميدانيين بأطباء سعوديين وممرضين لمعالجة المصابين».

شراكة عميقة

وفقاً للرفاعي، فإن «التقارب السعودي - الباكستاني لا يقتصر على الأبعاد السياسية والأمنية، بل يمتد ليشمل آفاقاً اقتصادية واعدة؛ فالبلدان يدركان أن الشراكة الحقيقية تُبنى على المصالح المتبادلة، واستثمار الفرص، وخلق مسارات تنموية مشتركة»، وأكمل بالقول: «من هنا، تتجه الجهود نحو دفع التعاون الاقتصادي إلى مستويات أكثر عمقاً، سواء عبر الاستثمارات، أو المشاريع المشتركة، أو استكشاف قطاعات جديدة قادرة على تحقيق قيمة مضافة للطرفين».

المطيري ذهب إلى صعود الجانب الاقتصادي، وأنه أصبح محوراً رئيسياً في العلاقات بين الرياض وإسلام آباد، خاصة مع «رؤية السعودية 2030»، وحاجة باكستان إلى الاستثمار والطاقة، مؤكداً تركيز التوجه الحالي على الاستثمارات المشتركة، والطاقة والبنية التحتية، والتعدين والزراعة، وهذا يحول العلاقة من سياسية وعسكرية إلى شراكة تنموية طويلة الأمد.

وعن الوديعة السعودية الحالية بمليارات الدولارات، يقول عسيري إنها «ليست أول مرة تدعم المملكة البنك المركزي الباكستاني، وهذا الدعم له جانبان رئيسيان دائماً، أولهما بالسيولة عندما يهتز الاقتصاد الباكستاني أو العملة الباكستانية، والآخر بتأجيل مدفوعات نفطية، وهذان أهم عنصرين، فضلاً عن المساعدات الإغاثية».

مصافحة بين وزير المالية السعودي محمد الجدعان ونظيره الباكستاني محمد أورنغزيب عقب الاتفاق على دعم الرياض الإضافي لإسلام آباد (وزارة المالية الباكستانية)

تفعيل الاتفاقيات

تحدَّث عسيري عن الاتفاقيات التي شهدتها زيارات ولي العهد السعودي لإسلام آباد، وأن «المطلوب هو تفعيلها»، مشيراً إلى «وجود فرص لدى باكستان في شركات تسليح وتصنيع، وتصديرها أجهزة جراحية لدول أوروبا، والقطن لشركات معروفة في أميركا، لكن تنقصها الخبرة في تسويق الفرص التي لا يعرف عنها القطاع الخاص السعودي ولم يبحث عنها».

ولتحقيق الأهداف المرجوة؛ اقترح السفير الأسبق «عقد ندوات أو إجراءات زيارة وفود من الغرف التجارية السعودية إلى باكستان، للاطلاع على الفرص الموجودة، كذلك الحال بالنسبة للجانب الباكستاني»، متطرقاً في الوقت نفسه إلى «وجود أكثر من 120 شركة باكستانية مستثمرة في المملكة بمجالات التقنية وغيرها».


سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
TT

سلطان عُمان وأمير قطر يبحثان التطورات واحتواء التصعيد

السلطان هيثم بن طارق  والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)
السلطان هيثم بن طارق والشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر (العمانية)

بحث العاهل العماني السلطان هيثم بن طارق مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.

ووصل أمير قطر إلى مسقط في زيارة لسلطنة عُمان، حيث أجرى مع السلطان هيثم بن طارق في قصر البركة يوم الخميس، مباحثات تبادلا خلالها وجهات النظر بشأن المستجدّات الراهنة، ولا سيما ما يتعلق بتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها، وانعكاساتها على إمدادات الطاقة وحركة الملاحة الدولية.

بحث السلطان هيثم والشيخ تميم تطورات الأوضاع بالمنطقة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية (العمانية)

وقال الديوان الأميري القطري إن الجانبين أكدا أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لتسوية النزاعات، بما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي.

كما شددا على أهمية التنسيق والتشاور المستمر بين البلدين إزاء مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بالإضافة إلى العلاقات الراسخة بين البلدين، وسُبل تعزيزها وتطويرها في مختلف المجالات.

عقب ذلك، عقد سلطان عُمان وأمير قطر لقاء ثنائياً تبادلا فيه وجهات النظر حول تعزيز التعاون بين البلدين، وعدد من الموضوعات ذات الاهتمام المشترك.


شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
TT

شهباز شريف وتميم بن حمد يؤكدان دعم مسار التهدئة

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)
أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ورئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف (قنا)

استكمالا لجولته المكوكية التي بدأت من السعودية، بحث محمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مع الشيخ تميم بن حمد أمير قطر، مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها التطورات في منطقة الشرق الأوسط، وذلك خلال اجتماع عقد في الدوحة يوم الخميس.

وجدد رئيس الوزراء الباكستاني إدانة بلاده للهجمات التي استهدفت قطر ودول المنطقة، مؤكداً تضامن باكستان الكامل، ودعمها لما تتخذه الدوحة من إجراءات لحماية سيادتها، وصون أمنها، واستقرارها.

وأعرب أمير قطر عن تقديره للدور الباكستاني في دعم المساعي لخفض التصعيد، وتعزيز الحوار الدبلوماسي بما يخدم الأمن والسلم الإقليميين.

بحث الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر ومحمد شهباز شريف رئيس وزراء باكستان مستجدات الأوضاع الإقليمية والدولية (قنا)

ووفقا للمصادر الرسمية، أكد الجانبان ضرورة دعم مسار التهدئة، وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن المنطقة واستقرارها، لا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية.

كما جرى، خلال الاجتماع، استعراض علاقات التعاون والصداقة بين البلدين، وسبل تطويرها بما يعزز الشراكة بين البلدين، ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون الثنائي.

وأكد الجانبان ضرورة مواصلة التنسيق والتشاور بين البلدين، في ظل الأحداث الجارية وتداعياتها على أمن المنطقة واستقرارها.

وكان رئيس الوزراء الباكستاني وصل إلى الدوحة يوم الخميس في زيارة عمل، وكان في استقباله والوفد المرافق، لدى وصوله لمطار الدوحة الدولي، سلطان المريخي وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية.