أشرف ريفي.. «حارس مرمى» الجمهورية اللبنانية

يوصف بأنه «حالة حريرية مستقلة».. ولذا استقال من الحكومة معبرًا عن قناعته

أشرف ريفي.. «حارس مرمى» الجمهورية اللبنانية
TT

أشرف ريفي.. «حارس مرمى» الجمهورية اللبنانية

أشرف ريفي.. «حارس مرمى» الجمهورية اللبنانية

في الأسابيع الأخيرة كان وزير العدل اللبناني أشرف ريفي الذي اصطلح على وصفه بـ«الوزير المشاكس» داخل الحكومة، هو الحدث في لبنان، خصوصًا بعد استقالته المفاجئة من الحكومة.
ريفي كان أعلن أكثر من مرة تبرّمه من حكومة ليست عاجزة عن حل مشكلات الناس فحسب، إنما باتت مطية لـ«حزب الله»، خصوصًا أنها بدت عاجزة عن التصدي لموقف وزير الخارجية جبران باسيل الذي أخرج لبنان عن الإجماع العربي، وأسهم موقفه في جامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي في ضرب علاقة لبنان بالمملكة العربية السعودية والدول العربية الأخرى.

أنصار وزير العدل اللبناني المستقبل اللواء أشرف ريفي يرفضون تسميته بـ«المشاكس»، بل يعتبرونه صاحب مبدأ الدفاع عن الدولة في وجه الدويلة. والرجل المتصالح مع نفسه، وصاحب الموقف وليس الموقع. ويقول هؤلاء: «أشرف ريفي كان في الموقع (الحكومة) مع وضوح في الموقف، واليوم ماضٍ في الموقف من دون الموقع، خصوصًا بعدما لمس أن هذا الموقع لم يعد يخدم القضية التي دخل الحكومة من أجلها».
أيضًا يرفض أصدقاء ريفي مقولة انقلابه على قرار تيار «المستقبل»، إذ يؤكدون أنه ليس عضوًا في هذا التيار، لكنه «حالة حريرية مستقلة»، والقواسم المشتركة بينه وبين الرئيس سعد الحريري كبيرة جدًا، لكن عندما يكون القرار في تيار المستقبل غير منسجم مع قناعته يعبّر عن رأيه بوضوح، مثل حالة ترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية. ومن ثم، يشددون على أن اللواء المتقاعد سيبقى مقاتلاً شرسًا لقضيته، فلا تساهل ولا مسايرة على مبدئه وقناعاته.
نشأ وزير العدل اللبناني أشرف ريفي في عائلة فقيرة وعصامية، لكنه كان مسيّسًا من نعومة أظفاره، ولقد عايش حقبة صعبة جبلته في السياسة كما في الأمن والروابط الاجتماعية.
والده، أحمد ريفي، كان يمتلك مطحنة للحبوب في منطقة القبّة الشعبية الفقيرة في مدينة طرابلس عاصمة شمال لبنان، حيث ولد نجله أشرف مع شقيقين وخمس شقيقات.
حال الأب لم تكن تسمح بتعليم أولاده الثمانية في مدارس خاصة، فاتجه أشرف للدراسة إلى مدرسة القبة الرسمية (الحكومية). وإلى جانب متابعته دراسته في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، كان يساعد والده مع شقيقيه الأكبر عبد الرحيم والأصغر جمال في المطحنة التي يستثمرها الوالد، فكان يغسل البرغل، وهو القمح مسلوقًا ومكسّرة حبوبه، قبل سلقه. بيد أن شغفه برياضة كرة القدم كان واضحًا منذ الصغر. إذ عشق هذه الرياضة الأكثر شعبية، فانتمى إلى «النادي الاجتماعي» المعروف في الوسط الرياضي اللبناني، وكان حارس مرماه الأساسي.
وبعد مرحلة المتوسطة، انتقل الشاب الطامح لدراسة الهندسة إلى ثانوية المئتين في حرمها بشارع المئتين الموازي لشارع عزمي، أحد أكبر شوارع طرابلس وأشهرها. وفي هذه المدرسة أكمل علومه الثانوية، لكنه بدا أكثر انخراطا في الشأن العام من خلال نشاطه في الحركات الطلابية التي توّجت بانتخابه رئيسًا لرابطة الطلاب في الثانوية. وعلى الصعيد العائلي لم يكن الشاب الطامح لكل شيء بعيدًا عن أجواء السياسة، فوالده كان مسؤول الحزب التقدمي الاشتراكي الذي كان يرأسه الزعيم الراحل كمال جنبلاط (والد النائب وليد جنبلاط) وبقي في هذا المنصب إلى أن توفي في عام 1993.
وفي عام 1973 نجح ريفي في مباراة الدخول إلى الكلية الحربية كتلميذ ضابط في قوى الأمن الداخلي. وإلى الكلية الحربية نقل معه هوايته الرياضية، وغدا حارس مرمى فريق الكلية الحربية لكرة القدم أيضًا.
يروي عارفو ريفي قصة لافتة، إذ خلال دورة لكرة القدم، تأهل للمباراة النهائية فريق الكلية الحربية وفريق الجامعة الأميركية في بيروت وأقيمت هذه المباراة على ملعب الأخيرة. وأثناء المباراة احتسب الحكم ركلة جزاء ضّد فريق الحربية، وكان الفوز في هذه المباراة أمرًا حاسمًا في تحديد هوية بطل الدورة. وبينما كان ريفي يتهيّأ لمواجهة ضربة الجزاء، تقدّم منه قائد الكلية الحربية - الذي كان يتابع المباراة مع عدد كبير من الضباط - وهمس في أذنه: «إذا نجحت في صدّ هذه الكرة، سأعفيك من الحجوزات طيلة سنوات الدورة الثلاث». وقبل حارس المرمى الشاب ذلك التحدّي وتمكن من كسبه، إذ صد الكرة وساعد فريقه على أن يتوّج بطلاً لتلك الدورة.
تخرّج ريفي ورفاقه من الكلية الحربية لكن فرحة التخرج لم تكتمل، إذ ما إن انتهت الدورة العسكرية، في العام أواخر العام 1975 حتى وقع ما يعرف بـ«انقلاب اللواء عزيز الأحدب» على السلطة الشرعية في الأشهر الأخيرة من عهد الرئيس سليمان فرنجية. وبالتالي، اضطر كل ضابط متخرّج إلى الالتحاق بمنطقته بعد انفراط عقد الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية.
غير أن الضابط المتخرج الشاب رفض أن يكون جزءًا من محاور الصراع في الداخل، فاختار العاصمة الفرنسية باريس وجهة له. ومن هناك التحق بعدد من رفاقه الذين سبقوه إلى جامعة مونبلييه العريقة بجنوب فرنسا، ليختار التخصص في هندسة الكيمياء ويتابع تحصيله العلمي. ولكن سرعان ما طرأ في لبنان تطوّر جديد أعاده إلى أحضان مؤسسته الأمنية. فإثر انتخاب الرئيس إلياس سركيس دعا الرئيس الأسبق الراحل كل موظّفي الدولة في المؤسسات المدنية والعسكرية إلى العودة إلى مؤسساتهم، فحزم ريفي حقائبه وعاد إلى لبنان على الفور ليلتحق بمؤسسة قوى الأمن.
وهنا يؤكد أصدقاء اللواء ريفي أن الأخير ترك بصماته في كل المراكز التي شغلها، لكن الموقع الذي أثّر وتأثر فيه، هو مركز رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي. لقد كان أول ضابط يعيّن في هذا الموقع، ومنه تمكن من نسج شبكة علاقات مهمة مع كثرة من الإعلاميين، وهو يعتز بأن معظم أصدقائه الإعلاميين من تلك الحقبة شغلوا مناصب رؤساء تحرير في مؤسسات إعلامية مهمة، وعلاقاته بهم مستمرة حتى الآن.
من ناحية أخرى، عزّزت علاقات ريفي المميزة مع مَن هم على احتكاك معه ثقة رؤسائه به، وكانت بالتالي مدخلاً لتعيينه رئيسًا لسرية رئاسة الحكومة في أواخر عام 1988. تزامن ذلك مع دخول لبنان مرحلة دقيقة جدًا كان فيها الدكتور سليم الحص رئيسًا لحكومة مدنية مقابل حكومة عسكرية كان يرأسها ميشال عون. وحينذاك، ساعده قربه من الحص ومن الوسيط العربي الأخضر الإبراهيمي في مرحلة التحضير لـ«اتفاق الطائف» في أن يطلّ على المجتمع السياسي من بابه الواسع، فتعمّقت علاقاته مع السياسيين اللبنانيين وغير اللبنانيين بشكل أوثق.
بعد استقالة حكومة الحص التي أتت بعد الطائف، عُيّن الرئيس عمر كرامي رئيسًا للحكومة، ولأن عائلة ريفي على خصومة سياسية محلية مع آل كرامي في مدينة طرابلس، كان الشرط الأول لرئيس الحكومة نقل ريفي من هذا المنصب. وفي الحقيقة، لم يفاجأ الأخير بهذا القرار، الذي أدى إلى تعيينه مديرًا لجهاز أمن الدولة في شمال لبنان، حيث بقي فيه إلى أن تولّى رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري رئاسة الحكومة.
عارفو ريفي يروون أن الحريري الأب استدعاه ذات يوم في عام 1994 إلى مكتبه في السرايا الحكومي ببيروت وأبلغه أنه سيؤسّس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وطلب منه تسلّم رئاسة هذا الفرع. بالفعل، أعطاه هذا الموقع خبرة كبيرة في مجال الاستعلامات والمخابرات، غير أن الوصاية السورية - في تلك الأيام - كانت ترسم سقفًا لهذا الفرع بحيث لم يتخطّ الـ120 عنصرًا و7 ضباط. ثم استبعد من رئاسة فرع المعلومات مع خروج رفيق الحريري من الحكم مع وصول إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية.
عند هذه المحطة نقل ريفي إلى الشمال، وجاء نقله بما يشبه المنفى المعنوي، لكنه مع ذلك بقي على تواصل مع رفيق الحريري، وكان يزوره ثلاث مرات في الأسبوع (الاثنين والأربعاء والجمعة) مرتديًا البزة العسكرية متمردًا على كل المحظورات والمضايقات التي كان يتعرّض لها من قيادته. ويذكر أنه في تلك الفترة افتتح لحود عهده بحرب إعلامية وقضائية وأمنية عنيفة على الحريري غايتها إخراجه من الحياة السياسية في لبنان، مُستندًا بذلك على ما كان يُعرف بـ«الجهاز الأمني اللبناني السوري».
بعد ذلك، شكّل فوز رفيق الحريري الكاسح في انتخابات عام 2000، فرصة لعودة ريفي إلى رئاسة جهاز المعلومات، إلا أن رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري (المخابرات) في لبنان اللواء غازي كنعان وضع «خطًا أحمر» أمام الرغبة الحريرية. وفي ضوء ذلك كان المكان الأفضل لريفي رئاسة قسم المباحث الجنائية الخاصة، الذي بقي فيه إلى أن أخرج الحريري لآخر مرة من رئاسة الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2014. وبعد تولّي النائب الحالي سليمان فرنجية منصب وزير الداخلية نقل ريفي عقابيًا إلى المفتشية العامة لقوى الأمن الداخلي بما يشبه المنفى السياسي.
يتحدث أصدقاء ريفي عن الأثر السلبي الذي تركه اغتيال رفيق الحريري في نفسه. ويذكرون أنه صباح يوم الاغتيال، 14 فبراير (شباط) 2005، وصل ريفي مع زوجته المحامية سليمى أديب إلى قصر قريطم عند العاشرة صباحًا واجتمع بالحريري لمدة 25 دقيقة، وكانت أمام الأخير صحيفة «المستقبل» التي نشرت في «المانشيت» تعيين آصف شوكت (صهر بشار الأسد) رئيسًا لشعبة المخابرات العسكرية السورية، وما ترك ذلك من دلالات أمنية لافتة كان لها تفسيراتها في مرحلة ما بعد الاغتيال.
واقعة لافتة أخرى يرويها لصيقون بريفي أيضًا؛ أنه «ليل 24 ديسمبر (كانون الأول) 2014 أي ليلة يوم الميلاد، كان يمارس رياضته في نادي «باناسيا» الرياضي بمنطقة الجناح في بيروت، حضر مسؤول أمني وأبلغه أن اسم رفيق الحريري وضع على لائحة الاغتيال بقرار سوري كبير. فورًا ترك (ريفي) رياضته وانتقل على عجل إلى قصر قريطم وعقد جلسة مع الحريري أبلغه مضمون الرسالة التي وصلته، أي أن القيادة السورية اتخذت القرار باغتياله ووضعته موضع التنفيذ بغضّ النظر عن الجهة المنفذة. ومن ثم، تمنّى على الحريري ألا يتساهل في هذا الأمر بل يتخذ كل الاحتياطات اللازمة. كذلك نصحه بأن يغادر البلد في هذه المرحلة ولو لفترة قصيرة إلى أن تتبدل الظروف. لكن جواب الحريري كان: «أنا أعرف أن لديهم إرادة باغتيالي، لكنهم لا يجرؤون على فعلها لأنها ستكلّفهم الكثير، ولدي تطمينات من قادة دول مؤثّرة حصلوا عليها من بشار الأسد شخصيًا». ولم تتوقف تحذيرات ريفي عند هذا الحدّ. ففي الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) 2005 التقى ريفي شخصية أمنية على علاقة بالسوريين، وأبلغه الأخير أن الأجواء غير مطمئنة بالنسبة للحريري، وكرّر إبلاغ الأخير بالأمر، لكنه سمع منه الجواب نفسه. وعندها ردّ ريفي: «أنت تعرف أن هذا النظام لا يقيم اعتبارًا للعلاقات الدولية، والجو ذاهب باتجاه الاغتيال بغض النظر عن الأداة التي قد تنفذ الجريمة». في الأول من أبريل (نيسان) 2013 أحيل ريفي على التقاعد لبلوغه السنّ القانونية (59 سنة) فكان تقاعده من مؤسسة قوى الأمن خسارة كبيرة لفريق «14 آذار» الذي أخفق في التمديد له لأن الحكومة التي كان يرأسها نجيب ميقاتي كانت خاضعة لنفوذ «حزب الله».
وبعد التقاعد كان ثمة فترة زمنية فاصلة لتقييم مرحلة ما بعد التقاعد. لكن لا الشأن العام ولا الوضع الأمني تركا ريفي وشأنه، إذ تعرض عام 2013 لإصابة طفيفة جراء تفجير سيارة مفخخة أمام منزله في طرابلس المواجه لمسجد السلام في طرابلس الذي فجّر بالتزامن مع تفجير مسجد التقوى، وأودى تفجيرا المسجدين إلى مقتل 54 مصليًا وجرح أكثر من 250 آخرين. ولقد ردّد ريفي غير أن معلوماته تفيد أنه كان المستهدف بالتفجير، خصوصًا أن السيارة المفخخة كانت تحاول الوقوف أمام منزله في البداية، لكن حراسه منعوا سائقها من الوقوف فالتف وأوقفها في الجهة المقابلة.
بعد تلك الفترة سافر ريفي لأيام إلى المملكة العربية السعودية، ثم قادته سفرة عائلية طويلة إلى فرنسا وأستراليا، قبل أن يعود إلى لبنان ويستأنف علاقاته مع الناس، إلى أن شكلت حكومة الرئيس تمام سلام. ويقول مقربون منه أن اسمه كان مطروحًا كوزير للداخلية، لكن فيتو «حزب الله» حال دون تسلمه هذه الوزارة. وعندها عرضت عليه وزارة الشؤون الاجتماعية، لكن ريفي رفضها. وفي نهاية المطاف، رست التسوية على تسليمه حقيبة العدل، فكان له دور في تنظيم هيكليتها الجديدة، وإنجاز خريطة المحاكم التي تخدم لبنان لـ50 سنة مقبلة، بالإضافة إلى إعداد مشروع قانون المنظومة القضائية الجديدة البديلة عن المحاكم الاستثنائية.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.