أشرف ريفي.. «حارس مرمى» الجمهورية اللبنانية

يوصف بأنه «حالة حريرية مستقلة».. ولذا استقال من الحكومة معبرًا عن قناعته

أشرف ريفي.. «حارس مرمى» الجمهورية اللبنانية
TT

أشرف ريفي.. «حارس مرمى» الجمهورية اللبنانية

أشرف ريفي.. «حارس مرمى» الجمهورية اللبنانية

في الأسابيع الأخيرة كان وزير العدل اللبناني أشرف ريفي الذي اصطلح على وصفه بـ«الوزير المشاكس» داخل الحكومة، هو الحدث في لبنان، خصوصًا بعد استقالته المفاجئة من الحكومة.
ريفي كان أعلن أكثر من مرة تبرّمه من حكومة ليست عاجزة عن حل مشكلات الناس فحسب، إنما باتت مطية لـ«حزب الله»، خصوصًا أنها بدت عاجزة عن التصدي لموقف وزير الخارجية جبران باسيل الذي أخرج لبنان عن الإجماع العربي، وأسهم موقفه في جامعة الدول العربية والمؤتمر الإسلامي في ضرب علاقة لبنان بالمملكة العربية السعودية والدول العربية الأخرى.

أنصار وزير العدل اللبناني المستقبل اللواء أشرف ريفي يرفضون تسميته بـ«المشاكس»، بل يعتبرونه صاحب مبدأ الدفاع عن الدولة في وجه الدويلة. والرجل المتصالح مع نفسه، وصاحب الموقف وليس الموقع. ويقول هؤلاء: «أشرف ريفي كان في الموقع (الحكومة) مع وضوح في الموقف، واليوم ماضٍ في الموقف من دون الموقع، خصوصًا بعدما لمس أن هذا الموقع لم يعد يخدم القضية التي دخل الحكومة من أجلها».
أيضًا يرفض أصدقاء ريفي مقولة انقلابه على قرار تيار «المستقبل»، إذ يؤكدون أنه ليس عضوًا في هذا التيار، لكنه «حالة حريرية مستقلة»، والقواسم المشتركة بينه وبين الرئيس سعد الحريري كبيرة جدًا، لكن عندما يكون القرار في تيار المستقبل غير منسجم مع قناعته يعبّر عن رأيه بوضوح، مثل حالة ترشيح سليمان فرنجية لرئاسة الجمهورية. ومن ثم، يشددون على أن اللواء المتقاعد سيبقى مقاتلاً شرسًا لقضيته، فلا تساهل ولا مسايرة على مبدئه وقناعاته.
نشأ وزير العدل اللبناني أشرف ريفي في عائلة فقيرة وعصامية، لكنه كان مسيّسًا من نعومة أظفاره، ولقد عايش حقبة صعبة جبلته في السياسة كما في الأمن والروابط الاجتماعية.
والده، أحمد ريفي، كان يمتلك مطحنة للحبوب في منطقة القبّة الشعبية الفقيرة في مدينة طرابلس عاصمة شمال لبنان، حيث ولد نجله أشرف مع شقيقين وخمس شقيقات.
حال الأب لم تكن تسمح بتعليم أولاده الثمانية في مدارس خاصة، فاتجه أشرف للدراسة إلى مدرسة القبة الرسمية (الحكومية). وإلى جانب متابعته دراسته في المرحلتين الابتدائية والمتوسطة، كان يساعد والده مع شقيقيه الأكبر عبد الرحيم والأصغر جمال في المطحنة التي يستثمرها الوالد، فكان يغسل البرغل، وهو القمح مسلوقًا ومكسّرة حبوبه، قبل سلقه. بيد أن شغفه برياضة كرة القدم كان واضحًا منذ الصغر. إذ عشق هذه الرياضة الأكثر شعبية، فانتمى إلى «النادي الاجتماعي» المعروف في الوسط الرياضي اللبناني، وكان حارس مرماه الأساسي.
وبعد مرحلة المتوسطة، انتقل الشاب الطامح لدراسة الهندسة إلى ثانوية المئتين في حرمها بشارع المئتين الموازي لشارع عزمي، أحد أكبر شوارع طرابلس وأشهرها. وفي هذه المدرسة أكمل علومه الثانوية، لكنه بدا أكثر انخراطا في الشأن العام من خلال نشاطه في الحركات الطلابية التي توّجت بانتخابه رئيسًا لرابطة الطلاب في الثانوية. وعلى الصعيد العائلي لم يكن الشاب الطامح لكل شيء بعيدًا عن أجواء السياسة، فوالده كان مسؤول الحزب التقدمي الاشتراكي الذي كان يرأسه الزعيم الراحل كمال جنبلاط (والد النائب وليد جنبلاط) وبقي في هذا المنصب إلى أن توفي في عام 1993.
وفي عام 1973 نجح ريفي في مباراة الدخول إلى الكلية الحربية كتلميذ ضابط في قوى الأمن الداخلي. وإلى الكلية الحربية نقل معه هوايته الرياضية، وغدا حارس مرمى فريق الكلية الحربية لكرة القدم أيضًا.
يروي عارفو ريفي قصة لافتة، إذ خلال دورة لكرة القدم، تأهل للمباراة النهائية فريق الكلية الحربية وفريق الجامعة الأميركية في بيروت وأقيمت هذه المباراة على ملعب الأخيرة. وأثناء المباراة احتسب الحكم ركلة جزاء ضّد فريق الحربية، وكان الفوز في هذه المباراة أمرًا حاسمًا في تحديد هوية بطل الدورة. وبينما كان ريفي يتهيّأ لمواجهة ضربة الجزاء، تقدّم منه قائد الكلية الحربية - الذي كان يتابع المباراة مع عدد كبير من الضباط - وهمس في أذنه: «إذا نجحت في صدّ هذه الكرة، سأعفيك من الحجوزات طيلة سنوات الدورة الثلاث». وقبل حارس المرمى الشاب ذلك التحدّي وتمكن من كسبه، إذ صد الكرة وساعد فريقه على أن يتوّج بطلاً لتلك الدورة.
تخرّج ريفي ورفاقه من الكلية الحربية لكن فرحة التخرج لم تكتمل، إذ ما إن انتهت الدورة العسكرية، في العام أواخر العام 1975 حتى وقع ما يعرف بـ«انقلاب اللواء عزيز الأحدب» على السلطة الشرعية في الأشهر الأخيرة من عهد الرئيس سليمان فرنجية. وبالتالي، اضطر كل ضابط متخرّج إلى الالتحاق بمنطقته بعد انفراط عقد الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية.
غير أن الضابط المتخرج الشاب رفض أن يكون جزءًا من محاور الصراع في الداخل، فاختار العاصمة الفرنسية باريس وجهة له. ومن هناك التحق بعدد من رفاقه الذين سبقوه إلى جامعة مونبلييه العريقة بجنوب فرنسا، ليختار التخصص في هندسة الكيمياء ويتابع تحصيله العلمي. ولكن سرعان ما طرأ في لبنان تطوّر جديد أعاده إلى أحضان مؤسسته الأمنية. فإثر انتخاب الرئيس إلياس سركيس دعا الرئيس الأسبق الراحل كل موظّفي الدولة في المؤسسات المدنية والعسكرية إلى العودة إلى مؤسساتهم، فحزم ريفي حقائبه وعاد إلى لبنان على الفور ليلتحق بمؤسسة قوى الأمن.
وهنا يؤكد أصدقاء اللواء ريفي أن الأخير ترك بصماته في كل المراكز التي شغلها، لكن الموقع الذي أثّر وتأثر فيه، هو مركز رئيس شعبة العلاقات العامة في قوى الأمن الداخلي. لقد كان أول ضابط يعيّن في هذا الموقع، ومنه تمكن من نسج شبكة علاقات مهمة مع كثرة من الإعلاميين، وهو يعتز بأن معظم أصدقائه الإعلاميين من تلك الحقبة شغلوا مناصب رؤساء تحرير في مؤسسات إعلامية مهمة، وعلاقاته بهم مستمرة حتى الآن.
من ناحية أخرى، عزّزت علاقات ريفي المميزة مع مَن هم على احتكاك معه ثقة رؤسائه به، وكانت بالتالي مدخلاً لتعيينه رئيسًا لسرية رئاسة الحكومة في أواخر عام 1988. تزامن ذلك مع دخول لبنان مرحلة دقيقة جدًا كان فيها الدكتور سليم الحص رئيسًا لحكومة مدنية مقابل حكومة عسكرية كان يرأسها ميشال عون. وحينذاك، ساعده قربه من الحص ومن الوسيط العربي الأخضر الإبراهيمي في مرحلة التحضير لـ«اتفاق الطائف» في أن يطلّ على المجتمع السياسي من بابه الواسع، فتعمّقت علاقاته مع السياسيين اللبنانيين وغير اللبنانيين بشكل أوثق.
بعد استقالة حكومة الحص التي أتت بعد الطائف، عُيّن الرئيس عمر كرامي رئيسًا للحكومة، ولأن عائلة ريفي على خصومة سياسية محلية مع آل كرامي في مدينة طرابلس، كان الشرط الأول لرئيس الحكومة نقل ريفي من هذا المنصب. وفي الحقيقة، لم يفاجأ الأخير بهذا القرار، الذي أدى إلى تعيينه مديرًا لجهاز أمن الدولة في شمال لبنان، حيث بقي فيه إلى أن تولّى رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري رئاسة الحكومة.
عارفو ريفي يروون أن الحريري الأب استدعاه ذات يوم في عام 1994 إلى مكتبه في السرايا الحكومي ببيروت وأبلغه أنه سيؤسّس فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي، وطلب منه تسلّم رئاسة هذا الفرع. بالفعل، أعطاه هذا الموقع خبرة كبيرة في مجال الاستعلامات والمخابرات، غير أن الوصاية السورية - في تلك الأيام - كانت ترسم سقفًا لهذا الفرع بحيث لم يتخطّ الـ120 عنصرًا و7 ضباط. ثم استبعد من رئاسة فرع المعلومات مع خروج رفيق الحريري من الحكم مع وصول إميل لحود إلى رئاسة الجمهورية.
عند هذه المحطة نقل ريفي إلى الشمال، وجاء نقله بما يشبه المنفى المعنوي، لكنه مع ذلك بقي على تواصل مع رفيق الحريري، وكان يزوره ثلاث مرات في الأسبوع (الاثنين والأربعاء والجمعة) مرتديًا البزة العسكرية متمردًا على كل المحظورات والمضايقات التي كان يتعرّض لها من قيادته. ويذكر أنه في تلك الفترة افتتح لحود عهده بحرب إعلامية وقضائية وأمنية عنيفة على الحريري غايتها إخراجه من الحياة السياسية في لبنان، مُستندًا بذلك على ما كان يُعرف بـ«الجهاز الأمني اللبناني السوري».
بعد ذلك، شكّل فوز رفيق الحريري الكاسح في انتخابات عام 2000، فرصة لعودة ريفي إلى رئاسة جهاز المعلومات، إلا أن رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري (المخابرات) في لبنان اللواء غازي كنعان وضع «خطًا أحمر» أمام الرغبة الحريرية. وفي ضوء ذلك كان المكان الأفضل لريفي رئاسة قسم المباحث الجنائية الخاصة، الذي بقي فيه إلى أن أخرج الحريري لآخر مرة من رئاسة الحكومة في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2014. وبعد تولّي النائب الحالي سليمان فرنجية منصب وزير الداخلية نقل ريفي عقابيًا إلى المفتشية العامة لقوى الأمن الداخلي بما يشبه المنفى السياسي.
يتحدث أصدقاء ريفي عن الأثر السلبي الذي تركه اغتيال رفيق الحريري في نفسه. ويذكرون أنه صباح يوم الاغتيال، 14 فبراير (شباط) 2005، وصل ريفي مع زوجته المحامية سليمى أديب إلى قصر قريطم عند العاشرة صباحًا واجتمع بالحريري لمدة 25 دقيقة، وكانت أمام الأخير صحيفة «المستقبل» التي نشرت في «المانشيت» تعيين آصف شوكت (صهر بشار الأسد) رئيسًا لشعبة المخابرات العسكرية السورية، وما ترك ذلك من دلالات أمنية لافتة كان لها تفسيراتها في مرحلة ما بعد الاغتيال.
واقعة لافتة أخرى يرويها لصيقون بريفي أيضًا؛ أنه «ليل 24 ديسمبر (كانون الأول) 2014 أي ليلة يوم الميلاد، كان يمارس رياضته في نادي «باناسيا» الرياضي بمنطقة الجناح في بيروت، حضر مسؤول أمني وأبلغه أن اسم رفيق الحريري وضع على لائحة الاغتيال بقرار سوري كبير. فورًا ترك (ريفي) رياضته وانتقل على عجل إلى قصر قريطم وعقد جلسة مع الحريري أبلغه مضمون الرسالة التي وصلته، أي أن القيادة السورية اتخذت القرار باغتياله ووضعته موضع التنفيذ بغضّ النظر عن الجهة المنفذة. ومن ثم، تمنّى على الحريري ألا يتساهل في هذا الأمر بل يتخذ كل الاحتياطات اللازمة. كذلك نصحه بأن يغادر البلد في هذه المرحلة ولو لفترة قصيرة إلى أن تتبدل الظروف. لكن جواب الحريري كان: «أنا أعرف أن لديهم إرادة باغتيالي، لكنهم لا يجرؤون على فعلها لأنها ستكلّفهم الكثير، ولدي تطمينات من قادة دول مؤثّرة حصلوا عليها من بشار الأسد شخصيًا». ولم تتوقف تحذيرات ريفي عند هذا الحدّ. ففي الأسبوع الأول من يناير (كانون الثاني) 2005 التقى ريفي شخصية أمنية على علاقة بالسوريين، وأبلغه الأخير أن الأجواء غير مطمئنة بالنسبة للحريري، وكرّر إبلاغ الأخير بالأمر، لكنه سمع منه الجواب نفسه. وعندها ردّ ريفي: «أنت تعرف أن هذا النظام لا يقيم اعتبارًا للعلاقات الدولية، والجو ذاهب باتجاه الاغتيال بغض النظر عن الأداة التي قد تنفذ الجريمة». في الأول من أبريل (نيسان) 2013 أحيل ريفي على التقاعد لبلوغه السنّ القانونية (59 سنة) فكان تقاعده من مؤسسة قوى الأمن خسارة كبيرة لفريق «14 آذار» الذي أخفق في التمديد له لأن الحكومة التي كان يرأسها نجيب ميقاتي كانت خاضعة لنفوذ «حزب الله».
وبعد التقاعد كان ثمة فترة زمنية فاصلة لتقييم مرحلة ما بعد التقاعد. لكن لا الشأن العام ولا الوضع الأمني تركا ريفي وشأنه، إذ تعرض عام 2013 لإصابة طفيفة جراء تفجير سيارة مفخخة أمام منزله في طرابلس المواجه لمسجد السلام في طرابلس الذي فجّر بالتزامن مع تفجير مسجد التقوى، وأودى تفجيرا المسجدين إلى مقتل 54 مصليًا وجرح أكثر من 250 آخرين. ولقد ردّد ريفي غير أن معلوماته تفيد أنه كان المستهدف بالتفجير، خصوصًا أن السيارة المفخخة كانت تحاول الوقوف أمام منزله في البداية، لكن حراسه منعوا سائقها من الوقوف فالتف وأوقفها في الجهة المقابلة.
بعد تلك الفترة سافر ريفي لأيام إلى المملكة العربية السعودية، ثم قادته سفرة عائلية طويلة إلى فرنسا وأستراليا، قبل أن يعود إلى لبنان ويستأنف علاقاته مع الناس، إلى أن شكلت حكومة الرئيس تمام سلام. ويقول مقربون منه أن اسمه كان مطروحًا كوزير للداخلية، لكن فيتو «حزب الله» حال دون تسلمه هذه الوزارة. وعندها عرضت عليه وزارة الشؤون الاجتماعية، لكن ريفي رفضها. وفي نهاية المطاف، رست التسوية على تسليمه حقيبة العدل، فكان له دور في تنظيم هيكليتها الجديدة، وإنجاز خريطة المحاكم التي تخدم لبنان لـ50 سنة مقبلة، بالإضافة إلى إعداد مشروع قانون المنظومة القضائية الجديدة البديلة عن المحاكم الاستثنائية.



سنة على عهد الرئيس اللبناني... تثبيت الدولة

سلاح "حزب الله" في قلب اختبار النيات السياسية والتحديات الإقليمية (آ ف ب/غيتي)
سلاح "حزب الله" في قلب اختبار النيات السياسية والتحديات الإقليمية (آ ف ب/غيتي)
TT

سنة على عهد الرئيس اللبناني... تثبيت الدولة

سلاح "حزب الله" في قلب اختبار النيات السياسية والتحديات الإقليمية (آ ف ب/غيتي)
سلاح "حزب الله" في قلب اختبار النيات السياسية والتحديات الإقليمية (آ ف ب/غيتي)

شكّلت السنة الأولى من عمر عهد الرئيس اللبناني جوزيف عون محطة مفصلية وأساسية في مسار استعادة الدولة. وفي بلد مثقل بالأزمات لم تكن السنة الأولى مرحلة إنجازات مكتملة بقدر ما شكّلت محطة تأسيسية لإعادة انتظام العمل العام، وتعزيز موقع الدولة كمرجعية وحيدة في إدارة الشأن الوطني وعلى رأسها قرار الحرب والسلم. وفي هذا الإطار، سُجّل تركيز واضح على دعم الجيش اللبناني بوصفه المؤسسة الضامنة للاستقرار والوحدة الوطنية، إلى جانب اعتماد مقاربة مسؤولة، وإن لم تكن سهلة، لملف حصرية السلاح بيد الدولة، وعلى رأسها نزع سلاح «حزب الله»، ضمن رؤية تدريجية تفتح الباب أمام حوار وطني يراعي التوازنات الداخلية والظروف الإقليمية. وهو ما كان تحدياً بالنسبة إلى العهد والحكومة على حد سواء مع الضغوط الدولية والإقليمية التي رافقت هذا المسار وبعد النتائج المدمرة للحرب الإسرائيلية على لبنان نتيجة حرب الإسناد التي بدأ بها «حزب الله»، وانتهت باتفاق وقف إطلاق النار في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 يتضمن بشكل أساسي حصرية السلاح وسيطرة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية.

مع بعض الانتقادات التي يوجّهها جزء من الأفرقاء اللبنانيين إلى العهد، عمدت الرئاسة الأولى إلى إصدار تقرير بعد مرور سنة على تولي الرئيس جوزيف عون، حمل عنوان «سنة أولى من ولاية الرئيس العماد جوزيف عون... ماذا تحقق من خطاب القسم؟»، نشر خلاله ما تحقق خلال هذه الفترة من إنجازات لما تعهد به الرئيس يوم انتخابه، مع إقراره بأن «ثمة مسائل أخرى لا تزال عالقة لأسباب مختلفة، وهناك ملفات أخرى لم تفتح بعد في انتظار الظروف المناسبة».

تثبيت منطق الدولة... والمؤسسات

شهدت السنة الأولى من العهد اللبناني الجديد جهوداً ملحوظة لإعادة انتظام العمل الحكومي وتفعيل دور المؤسسات الدستورية، في محاولة للخروج من منطق الشلل الذي طبع المرحلة السابقة. وشددت الرئاسة في «جردتها»، على احترام الدستور و«وثيقة الوفاق الوطني» خلال العام الأول من الرئاسة، وتأكيد الرئيس عون على التزامه الحفاظ على الميثاق الوطني و«وثيقة الوفاق الوطني»، وممارسة صلاحياته الدستورية كاملة بوصفه حَكَماً عادلاً بين المؤسسات.

كذلك شهدت السنة الأولى تعيينات شملت قادة الأجهزة الأمنية وأعضاء المجلس العسكري، وتشكيلات قضائية شاملة، وتعيينات دبلوماسية ومالية، من بينها حاكم مصرف لبنان ونوابه، إضافة إلى تعيينات في مؤسسات عامة وهيئات ناظمة ووظائف الفئة الأولى، إضافة إلى إقرار قانون جديد لتنظيم القضاء العدلي. وفي إطار تعهده بعدم توفير أي حصانة لمجرم أو فاسد، صدرت تشكيلات قضائية للمرة الأولى منذ عام 2016، ما أدى إلى تكثيف عمل المحاكم والنيابات العامة وتسريع البت في الدعاوى العالقة والملفات الطارئة.

حصرية السلاح ودعم الجيش

برز دعم الجيش اللبناني كأولوية ثابتة في خطاب وممارسة العهد، انطلاقاً من دوره الجامع والضامن للاستقرار الداخلي. وفي موازاة ذلك، جرى اعتماد مقاربة واقعية وتدريجية لملف حصرية السلاح بيد الدولة، بدأ بقرار في جلسة الحكومة في 5 أغسطس (آب) الماضي رغم اعتراض «الثنائي الشيعي» (حزب الله وحركة أمل)، واستكمل بخطوات عملية شملت في المرحلة الأولى حصر السلاح ونزعه في جنوب الليطاني، على أن يستكمل العمل في المرحلة المقبلة في شمال الليطاني.

هذا الإنجاز لاقى ترحيباً داخلياً وخارجياً، وبناء عليه حُدّد بعد طول انتظار موعد لمؤتمر لدعم الجيش اللبناني في باريس يوم 5 مارس (آذار) المقبل. وذلك بعدما كان قد بدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل، رغم الانقسام الداخلي حوله، عبر تكليف السفير السابق سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة الـ«ميكانيزم»، تعزيزاً للتنسيق مع القوات الدولية، وتأكيداً لالتزام لبنان القرارات الدولية واتفاق الهدنة.

ويلفت تقرير الرئاسة أيضاً إلى هذا الملف، مشيراً إلى ارتباطه بملف المخيمات الفلسطينية، حيث جرى التأكيد على رفض التوطين، مع بدء تسليم السلاح في عدد من المخيمات إلى الدولة اللبنانية، بعد اتفاق فلسطيني - لبناني بهذا الشأن مع استمرار تعنّت حركة «حماس» ورفضها تسليم سلاحها.

الإصلاح الاقتصادي وأموال المودعين

وفي مجال الإصلاح المالي والاقتصادي بعد الأزمة التي أطاحت بأموال المُودعين، جاء قانون الفجوة المالية الذي أقرّته الحكومة وأحالته إلى مجلس النواب، حيث ستكون الكلمة الفصل بشأنه في البرلمان، في ظل انقسام حاد حوله، ورفض له من قبل المودعين وجمعية المصارف، واعتبار المسؤولين، ولا سيما رئيس الحكومة، بأنه «أفضل الممكن». وفي هذا الإطار، يلفت تقرير الرئاسة إلى إصدار موازنة عام 2025 بموجب مرسوم، وإحالة مشروع قانون موازنة 2026 إلى مجلس النواب ضمن المهلة الدستورية، إضافة إلى توقيع قوانين متصلة بسرية المصارف وإصلاح القطاع المصرفي.

العلاقات العربية والدولية

وبعد الفراغ في رئاسة الجمهورية الذي تجاوز السنتين، وما رافقه من انقطاع في العلاقات مع لبنان على خلفية قضايا عدّة، ولا سيما منها سيطرة «حزب الله» على قرار الدولة، أعاد الرئيس عون تفعيل علاقات لبنان مع الدول العربية، وشارك في قمم عربية، وزار دولاً أوروبية وعربية، وشارك في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد الذي اتسمت العلاقة معه بالـ«عداوة السياسية»، أعيد إحياء هذه العلاقة مع تولي الرئيس أحمد الشرع السلطة، وبدأت مفاوضات بين الطرفين، تولّاها من الجانب اللبناني نائب رئيس الحكومة الدكتور طارق متري، وقد حققت المباحثات حتى الآن تقدماً في قضايا عدة لا سيما في ضبط الحدود، في حين لا يزال ملف إعادة النازحين عالقاً، إضافة إلى الملف الأساس المرتبط بالموقوفين السوريين في لبنان والمفقودين في سوريا.

... وانتقادات للعهد

ولكن رغم انطلاق العهد وحكومة الدكتور نواف سلام في مسارات سياسية وأمنية تأسيسية، لا يزال بعض الأفرقاء يرون أنها ناقصة ويوجهون لهما انتقادات، مقابل إقرار الرئاسة بأن ثمة مسائل أخرى لا تزال عالقة لأسباب مختلفة، وهناك ملفات أخرى لم تفتح بعد في انتظار الظروف المناسبة.

يأتي «التيار الوطني الحر» الذي تولى رئيسه السابق ميشال عون الولاية الرئاسية الأخيرة، ولقد رفض الأخير انتخاب جوزيف عون رئيساً، في مقدمة المنتقدين، وهو الذي لطالما ولا يزال يوجّه له انتقادات على خلفية الإخفاق في إدارة البلاد على امتداد الأربع سنوات. ومن جهة ثانية، تبرز الملاحظات التي يطلقها حزب «القوات اللبنانية» على الرئاسة والعهد، وهو الذي انتخبت كتلته الرئيس عون، ويشارك في الحكومة عبر وزراء محسوبين عليه.

ويرى حزب «القوات»، على لسان النائب جورج عقيص، أنه «يمكن اعتبار العام الذي مضى (سنة سماح) مع محاولة الرئيس خلالها وضع الأسس، لكن المحاسبة الحقيقية ستبدأ مع انطلاق العام الثاني في سدة الرئاسة».

وبينما يرى عقيص أننا «بعيدون عن بناء الدولة»، يقول: «كل ما يحصل راهناً أننا نسمع حديثاً عن بناء الدولة... لكننا لم نر أساسات ولا عمّالاً انطلقوا فعلياً بهذه الورشة».

ويضيف: «لا يمكن أن نقول إن الرئيس عون لم يحاول، لكنه لا شك لم يتمكن من نقل اللبنانيين من مزاج لآخر ويحقق ثقة كاملة بالدولة ومؤسساتها، وإن كان لا يتحمل هذه المسؤولية وحيداً». ومن ثم انتقد النائب «القواتي» العجز عن إنجاز ملف واحد بالكامل، شارحاً: «لا نتيجة لتحقيقات انفجار المرفأ، ولا نقلة نوعية قضائية، ولا نقلة نوعية بالكهرباء أو بقطاع الاتصالات. فقط في وزارة الخارجية يمكن القول إننا انتقلنا من وزارة تدور في فلك معين إلى وزارة تراعي المصلحة اللبنانية».

ووفق عقيص، فإن «الجيش يحاول بقدرات ضئيلة تحقيق سحب السلاح من جنوب الليطاني، لكن تردد السلطة السياسية بإعطاء التعليمات اللازمة للقيام بالمثل في منطقة شمال الليطاني يطرح علامات استفهام». وفي حين يعارض حزب «القوات» مشروع قانون الفجوة المالية، وسبق له أن هاجم الحكومة على خلفيته، يلفت عقيص إلى أهمية إجراء الانتخابات النيابية في شهر مايو (أيار) المقبل، قائلاً: «في حال قبل عون لسبب أو لآخر أن تتأجل الانتخابات النيابية فعندها يمكن القول إنه فشل».

رغم انطلاق العهد وحكومة نواف سلام في مسارات سياسية وأمنية تأسيسية فلا يزال بعض الأفرقاء يرون أنها ناقصة

بين تثبيت الدولة وقصور الإصلاح

من جهة ثانية، يقول الدكتور عماد سلامة، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية الأميركية في بيروت: «يمكن اعتبار السنة الأولى من العهد مرحلة تثبيت سياسي وأمني، وضعت الأسس الضرورية، ولو غير الكافية بعد، للانتقال في المرحلة المقبلة من إدارة الأزمات إلى معالجتها».

ويتابع سلامة، في لقاء مع «الشرق الأوسط»: «يمكن القول إن أداء الرئيس عون اتّسم أساساً بإعادة تثبيت موقع الدولة بعد سنوات من الشلل والانقسام. فقد نجح في إنهاء الفراغ الرئاسي، ووفّر مظلّة سياسية أعادت انتظام عمل المؤسسات الدستورية، وعزّز حضور الدولة والجيش ولا سيما في الجنوب، وكرّس مبدأ حصر السلاح بيد الدولة كخيار سيادي داخلي. كما أسهم خطابه المتوازن في تحسين صورة الرئاسة خارجياً، وإعادة فتح قنوات التواصل مع شركاء عرب ودوليين، بما ساعد على احتواء مخاطر الانزلاق إلى تصعيد واسع في ظل بيئة إقليمية شديدة الهشاشة».

لكن في المقابل، يتحدث سلامة عن «قصور محدّد في ملف الإصلاح الاقتصادي، حيث لم ينجح العهد بعد في دفع إصلاحات مالية وهيكلية حاسمة، مثل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، أو وضع مسار واضح لمعالجة الخسائر وتوزيعها، أو تحقيق اختراق فعلي في التفاوض مع المؤسسات الدولية، ما أبقى الأزمة المعيشية على حدّتها». ثم يضيف: «كذلك، رغم المواقف السياسية الواضحة المندّدة بالاعتداءات الإسرائيلية، بقيت قدرة الرئاسة على ترجمة هذا الموقف إلى ردع فعلي أو حماية دولية ملموسة محدودة، سواء عبر تفعيل آليات الرقابة الدولية، أو فرض التزام فعلي بوقف الانتهاكات».

عام واحد لا يكفي للحكم

هذا، وفي حين تقرّ مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية بأن هناك بعض الملفات العالقة التي تشكّل تحدياً بالنسبة إلى الرئاسة والعهد في المرحلة المقبلة، فهي ترفض الدخول في سجالات أو الرد على الانتقادات؛ إذ إنها تكتفي بالقول لـ«الشرق الأوسط»: «من لا يريد أن يرى كل ما تحقّق خلال سنة فقط تبقى المشكلة عنده، وعند مَن يفترض أن يكون ملماً بكل تفاصيل الأزمات التي كانت متربّصة بالدولة ومؤسساتها، بحيث شهد العام الأول تنفيذ الكثير من الالتزامات»، مجددة التأكيد أنه «لدى الرئيس قناعة راسخة بأن خطاب القسم لم يكن مجرد حبر على ورق، بل هو كتب لينفذ، لكن لا يمكن أن يتحقق كله في سنة واحدة».

تحديات المرحلة المقبلة

من جهة ثانية، وبينما يُنتظر أن تشكّل القدرة على تحويل المسارات، التي أُطلقت خلال السنة الأولى إلى نتائج عملية، المعيار الأساسي لتقييم أداء العهد، تتحدث المصادر الوزارية لـ«الشرق الأوسط» عن تحديات أساسية أمامه في المرحلة المقبلة، وهي أمنية وسياسية.

ويأتي إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين إلى بلداتهم - بحسب المصادر - في أولوية تحديات العهد في المرحلة المقبلة، إضافة إلى استكمال مسار حصرية السلاح ودعم الجيش اللبناني الذي يأخذ حيزاً أساسياً من الاهتمام الدولي في هذه المرحلة، بعد التقدم الذي حقّقه في المرحلة الماضية، معوّلة في ذلك على ما سيصدر من مؤتمر دعم المؤسسة العسكرية في باريس في شهر مارس المقبل.

وتلفت المصادر إلى أنه من بين الأمور التي لم تتحقق من خطاب القسم، وضع استراتيجية للأمن الوطني، موضحة: «هذا الموضوع سيأتي في مرحلة لاحقة بعد الانتهاء من حصرية السلاح».

ومن ثم، في حين تتجّه الأنظار في لبنان إلى ما سيكون عليه التوافق السياسي حول قانون الانتخابات النيابية والانقسامات السياسية حوله، ترى فيه المصادر أنه يشكّل تحدياً فعلياً بالنسبة إلى الرئيس جوزيف عون الذي قال في حديث تلفزيوني قبل أيام: «الانتخابات النيابية ممنوع أن تتأجل وممنوع ألا تُجرى».


قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
TT

قراءات موسكو لاعتماد واشنطن سياسة «القوة الخشنة»

الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)
الرئيس الفنزويلي على الأرض الأميركية بعد اختطافه (أ ب)

في عام 2020، أطلق السياسي الروسي الراحل والمثير للجدل فلاديمير جيرينوفسكي نبوءة لافتة؛ إذ قال إن الولايات المتحدة سوف تسيطر على فنزويلا، وإن الطريق سيكون ممهداً لصفقة مُرضية للطرفين: فنزويلا للأميركيين، وأوكرانيا لروسيا! جيرينوفسكي عُرف على مدى سنوات طويلة بإطلاق توقعات صاخبة، أصابت في أكثر من مناسبة، بينها بالنسبة للشرق الأوسط مثلاً انفجار مواجهة كبرى في الشرق الأوسط بين عامي 2023 و2024، وتعرض إيران لهجوم قوي من جانب واشنطن وتل أبيب. وسقوط مدوٍ لنظام بشار الأسد في سوريا، فضلاً عن بعض التوقعات الدقيقة لتطورات جرت في روسيا وحولها، مثل اندلاع الحرب الكبرى في أوكرانيا في 2023. كان السياسي الراحل (توفي عام 2022) يتكلم حينذاك في برنامج «توك شو» تلفزيوني، وقال إن الرئيس دونالد ترمب سيعود بقوة إلى البيت الأبيض بعد انتخابات 2024... و«علينا أن نساعده»(!)، قبل أن يضيف أن التوافق مع الرئيس الجمهوري في عدد من الملفات الحيوية «ممكن وضروري». وبعد ذلك أطلق عباراته المشهورة: «سوف يستولي (ترمب) على فنزويلا... هذا أمر واضح وأكيد، ونحن سنحكم سيطرتنا على أوكرانيا»، ورأى أن تلك ستكون «صفقة عادلة».

ليس من قبيل المصادفة أن يتذكّر الجميع في روسيا كلمات فلاديمير جيرينوفسكي بعد «العملية الخارقة» الأميركية التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي اليساري نيكولاس مادورو ونقله إلى نيويورك بالطريقة التي تابعها العالم. ولا شك أن السياسي الشعبوي الروسي، الذي كان مقرّباً جداً من دوائر اتخاذ القرار في روسيا لسنوات طويلة، لم يكن ليطلق نبوءاته السياسية جزافاً، وهذا على الرغم من أن الكثير منها بدا للوهلة الأولى «ساذجاً» - حسب وصْف معلقين - أو «سخيفة وغير محتملة إطلاقاً»، مثل حديثه عن «انهيار سريع لنظام الأسد»، في وقت كانت فيه موسكو تؤكد انتهاء الحرب السورية، واستقرار الوضع نهائياً في هذا البلد.

لكن، عندما يستعيد الروس حالياً شريط توقعاته بشأن فنزويلا والصفقة المحتملة مع واشنطن، فإن النظرة إليها تختلف بالتأكيد عن نظرتهم لعباراته الصاخبة في أوقات سابقة.

جيرينوفسكي (آ ب)

ارتباك في أوساط النخب السياسية

واقع الأمر أن العملية الأميركية الخاطفة في فنزويلا، أصابت بعض النخب السياسية الروسية بنوع من الارتباك. ولقد برز هذا في تعليقات أظهرت انقساماً واضحاً حيال الحدث الفنزويلي بين طرفين:

إذ يرى الطرف الأول أن العملية الأميركية تشكل «فرصة مهمة» أمام موسكو لإطلاق عمليات مماثلة تجاه أوكرانيا، وللتشدد أكثر تجاه ملف التسوية.

أما الطرف الثاني فمال إلى تغليب الموقف التقليدي المتحفّظ، منطلقاً في حساباته من أن واشنطن، على الرغم من اختطاف الرئيس مادورو، «ليست قريبة أبداً من فرض سيطرة مطلقة في فنزويلا التي يحافظ التشافيزيون (نسبة إلى الرئيس السابق الراحل هوغو تشافيز) على تماسك مواقعهم وسيطرتهم في البلاد، بل يرى أصحاب هذا الرأي، الذي عبّرت عنه وكالة «نوفوستي» الحكومية في مقالة لمعلّقها السياسي، أن الطريق ما زالت طويلة أمام ترمب لإحكام السيطرة على نفط فنزويلا، وأن تهديداته للقادة الحاليين في هذا البلد لن تنعكس خطوات عملية؛ لأن هذا سوف يعني إدخال فنزويلا في حرب أهلية دامية.

لا تأثير يذكر لموقف روسيا والصين

في أي حال، هذا الرأي (الثاني)، وفقاً لمعلّقين، لن تكون له تأثيرات كبرى على آليات تعامل الكرملين مع الحدث الكبير، وخصوصاً أنه مهما كانت طبيعة التطورات اللاحقة، فإن مستوى التأثير الروسي أو الصيني على الأحداث اللاحقة سيكون محدوداً للغاية. وهذا ما يعني الحاجة إلى الإقرار بأن واشنطن انتقلت بالفعل إلى استخدام «القوة الخشنة» لتأمين مصالحها، وبدأت بفرض واقع جديد ينطلق من فكرة إحياء «شرعة مونرو»، وإحباط أي جهد خارجي للتأثير في منطقة نفوذ الولايات المتحدة في نصف الكرة الغربي.

بعبارة أخرى، فإن الرؤية الروسية التي تجري بلورتها حالياً، قد تقوم على تحاشي تصعيد المواجهة مع واشنطن، والانطلاق - بدلاً عن ذلك - من تفحّص الفرص التي يمكن أن يوفرها الحدث الفنزويلي لتحقيق مكاسب لروسيا.

في هذا الإطار، يستبعد خبراء روس أن تذهب موسكو باتجاه تكرار «سيناريو» فنزويلا حرفياً. ذلك أنها ليست بحاجة إلى اختطاف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، لكن الأولوية ستكون باتجاه تصعيد الضغط العسكري على كييف لحملها على تقديم تنازلات مؤلمة. ومن جهة أخرى، تصعيد الضغط السياسي على العواصم الأوروبية، بهدف تقليص الأخيرة مطالبها حول الضمانات الأمنية التي تجري مناقشتها راهناً. ومن ثم، بالتوازي مع هذا المسار، يتوقع خبراء أن تعمل موسكو على تثبيت مبدأ «عدم شرعية زيلينسكي»، وأنه لن يكون مقبولاً في أي مرحلة مقبلة كـ«شريك في السلام».

بين حسابات الصفقات والتعامل مع الدخل

بطبيعة الحال، تعود هنا إلى الأذهان فكرة «الصفقة» المحتملة لاحقاً مع واشنطن، وهذا على الرغم من الضجة التي أثارها ترمب أخيراً حول تشديد العقوبات على موسكو.

في المقابل، ثمة مخاوف أخرى لدى الروس برزت بعد العملية الأميركية في فنزويلا. وهي تقوم على انتهاج القيادة الأميركية سياسة جديدة متشددة في التعامل مع ملفات إقليمية عدة، في جوهرها استخدام القوة العسكرية والتدخل المباشر بدلاً من استخدام أدوات «القوة الناعمة» التي لطالما استُخدمت في أوقات سابقة.

ولا شك أن هذا العنصر سيضيف هاجساً جديداً للسياسة الروسية، التي استشعرت - على الرغم من كل المؤشرات - اقتراب الرئيس ترمب من فهم أوسع لمطالب موسكو في أوكرانيا؛ إذ إن خطوته العملية الأخيرة في فنزويلا، من شأنها التسبب بأضرار فادحة للكرملين على المدى البعيد.

من الأمثلة على ذلك في الفترة القصيرة الفائتة، استبعاد موسكو عملياً من مناقشة الملفات الإقليمءية، كما ظهر في ملف التسوية في غزة، وأيضاً استبعادها من الملف النووي الإيراني. وهذا وذاك فضلاً عن سياسات «عزل» موسكو في آسيا الوسطى التي هي تقليدياً منطقة نفوذ حيوي روسي، وتفاقم المنافسة الأميركية (والصينية) في هذا الإقليم.

جنوب القوقاز... أو الخاصرة الرخوة

غير أن الأخطر من كل هذا، أن موسكو واجهت تطوراً غير مسبوق في منطقة جنوب القوقاز، التي لا تقل في أهميتها وخطورتها بالنسبة إلى الكرملين عن آسيا الوسطى... فهي «الخاصرة الرخوة» لروسيا على مدى قرون.

في هذه المنطقة لم تكتف واشنطن بإبعاد موسكو عن مباحثات التسوية بين أرمينيا وأذربيجان، بل فرضت واقعاً جديداً عبر إبرام اتفاق «ممر زانغزور». وهذا اتفاق يسمح للولايات المتحدة، وللمرة الأولى في التاريخ، أن يكون لها وجود أمني واقتصادي - وربما عسكري لاحقاً - في هذه المنطقة، الأمر الذي يهدد بشكل مباشر المصالح الاستراتيجية لروسيا، ولإيران أيضاً.

كل هذا حدث خلال العام الأول من ولاية دونالد ترمب الثانية فقط. وهذا المنحى مرشح للتصاعد أكثر في سياق العملية الأميركية في فنزويلا، وليس فقط بسبب التوقعات المتشائمة في موسكو بانخفاض حاد على أسعار النفط. فهذه توقعات لم ترتبط فقط بالحدث الفنزويلي بل سبقتها مؤشرات عدة.

مع هذا البعد الاقتصادي، الحيوي جداً للكرملين في هذه الظروف، تبدو الأبعاد السياسية المحتملة لانتقال واشنطن إلى استخدام القوة الخشنة لفرض سياساتها مسألة أكثر إلحاحاً للكرملين.

خلال الفترة القصيرة الفائتة جرى استبعاد موسكو عملياً

من مناقشة الملفات الإقليمية كملفي التسوية في غزة

و«النووي» الإيراني

الفهم الروسي لإزاحة مادورو

ينطلق الفهم الروسي من أن الولايات المتحدة لم تكتف في فنزويلا بالإطاحة برئيسٍ عجزت عن السيطرة عليه؛ إذ عبر خطف نيكولاس مادورو، كشفت واشنطن عن «تقنية» جديدة تستثمرها للتأثير الدولي. وبعد هذا الاستعراض الباهر الذي تعمّد ترمب وفريقه إبراز كل تفاصيله، يتوقع على نطاق واسع «استنساخ» هذه «التقنية»، بل تصديرها.

ما يستحق الإشارة إليه في هذا السياق، ما كتبه محلل سياسي روسي عن أنه في السنوات الأخيرة، برزت شكوك قوية حول قدرة الولايات المتحدة على التأثير في حياة وسياسات الدول الأخرى.

فلقد كانت التقنية الرئيسة للتأثير الأميركي في الخارج بأواخر القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين هي ما يُسمى بـ«الثورات الملوّنة»، أي تغيير الأنظمة الناتج عن اضطرابات جماهيرية تُدبّرها شبكات من وسائل الإعلام والمنظمات غير الحكومية وقادة الرأي الموالين للغرب.

أما اليوم، فبات من الواضح أن هذه التقنية قد توقّفت عن العمل. وكان هذا جلياً من خلال فشل الثورات الملوّنة في جورجيا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء) وصربيا والمكسيك، وفنزويلا أيضاً.

هنا يرى فريق من الخبراء الروس أن هذا فقط واحد من الأسباب - وليس لأن الحزب الديمقراطي الأميركي كان يتولى السلطة في واشنطن - التي دفعت دونالد ترمب إلى حلّ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID) العام الماضي. ومعلومٌ أن تلك الوكالة كانت أكبر جهة مانحة وراعية لجميع هؤلاء «القادة الشعبيين للاحتجاج» حول العالم، لكنها فقدت كل فاعليتها.

انطلاقاً من هذه الحقيقة، بات واضحاً أن البيت الأبيض لن يتقبّل بعد اليوم بسهولة فقدان النفوذ الأميركي في الخارج، بل سيسعى إلى أدوات جديدة أكثر فاعلية.

الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران... نموذجاً

وبهذا الفهم، تحديداً، يفسّر الخبراء الروس الهجوم الأميركي - الإسرائيلي على إيران، العام الماضي، بوصفه «تجربة أولية» للمبدأ الجديد للسياسة الأميركية القائم على استخدام القوة المباشرة.

هذا المبدأ يقوم على تغيير الأنظمة التي تناكف واشنطن من خلال تدخل عسكري خارجي مباشر، مدعوم بخيانة داخلية. وهنا يجوز القول إنه ما كان من الممكن، مثلاً، القضاء على القيادة العسكرية الإيرانية لولا عملاء «الموساد» الإسرائيلي، الذين قدموا «التوجيهات» داخل العاصمة الإيرانية طهران. وحالياً، لا تنكر واشنطن البتة عامل التواطؤ مع بعض عناصر الدائرة المقرّبة من مادورو.

باختصار، عند هذه النقطة، تعود الولايات المتحدة إلى ممارسة قديمة، وإن كانت مُحسّنة قليلاً، ألا وهي «الانقلابات العسكرية». ولإعادة إحياء «القوة الناعمة» الأميركية، طُوّرت معادلة «الغزو بالإضافة إلى التآمر داخل النخبة».

ومن ثم، يرى بعض الخبراء أن التجربة الأميركية قد لا تقتصر على بلدان في فناء أميركا الخلفي بل قد تمتد إلى مناطق عدة، بينها حتى أوروبا، التي لا تبدي بعض دولها ارتياحاً كبيراً للتحركات الأميركية.

أما من الناحية الاستراتيجية، فقد يصبح «الفضاء ما بعد السوفياتي» بأكمله هدفاً لهذه الممارسة الأميركية القديمة – الجديدة؛ كونه منطقة حساسة لاثنين من منافسي أميركا العالميين: روسيا والصين. وبالتالي، فإن كازاخستان وتركمانستان وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، جميعها دول مُعرّضة للهجوم.

لوكاشينكو (آ ب)

حالة بيلاروسيا

في بيلاروسيا، على سبيل المثال، وعلى مدار السنوات الثلاثين التي تولت السلطة فيها حكومة متحالفة مع روسيا، جرت ست أو سبع محاولات لـ«ثورات ملوّنة» هزّت العاصمة مينسك، غير أنها باءت جميعها بالفشل. مع هذا لا يزال الغرب يرفض الاعتراف بأن دولة رئيسة (بيلوروسيا) في أوروبا الشرقية لا تزال متحالفة عسكرياً وسياسياً مع موسكو.

من هذا المنطلق، يحذر خبراء في موسكو من أن الغرب قد يحاول التخلّص من الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو باستخدام «سيناريو مادورو». ولعل «صياغة» اتهامات ضد لوكاشينكو تُصنّفه كـ«مجرم» لن تشكّل مشكلةً للأميركيين. علاوة على ذلك، هناك بولندا، «جارة» بيلاروسيا، التي تتهم لوكاشينكو «بتصدير الفوضى والسلاح والمهاجرين غير الشرعيين» إليها. وبالمناسبة، يرى البعض في روسيا أن «وظيفة» بولندا بالنسبة إلى سياسات ترمب في أوروبا تكاد تكون مُطابقة لوظيفة إسرائيل في الشرق الأوسط.بالتأكيد، لا يعني وجود هذا التهديد حتمية تطبيقه، لكن حقيقة أن تعليقات ومقالات كثيرة في روسيا باتت ترسل إشارات وتنبيهات من هذا النوع، تعكس درجة من القلق المتزايد بسبب سياسات ترمب.  


ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
TT

ديلسي رودريغيز... يسارية ملتزمة براغماتيتها سهّلت «خلافتها» لمادورو في رئاسة فنزويلا

بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن
بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في قطاع النفط على عهد سلفها في المنصب... حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن

العملية العسكرية الخاطفة التي نفّذتها قوات النخبة الأميركية في مقرّ الرئاسة الفنزويلية، انتهت فجر الثالث من هذا الشهر بإلقاء القبض على نيكولاس مادورو واقتياده مع زوجته إلى نيويورك للمحاكمة أمام القضاء الأميركي بتهم «الإرهاب المرتبطة بالمخدرات». وبعد القرار المفاجئ الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب بتهميش المعارضة الفنزويلية - على الأقل في المرحلة الراهنة – وإبعادها عن مسار انتقال السلطة، يبدو أنها راهنت على بعض أركان النظام لتحقيق أهداف هذه العملية غير المسبوقة التي لا يُعرَف منها إلى الآن سوى إحياء قطاع النفط الفنزويلي وتسليمه للشركات الأميركية. ثم، تتجه كل الأنظار الآن إلى ديلسي رودريغيز، نائبة مادورو التي تولّت الرئاسة بالإنابة، كما تولّت منصب القائد العام للقوات المسلحة، وبدأت تشرف على توجيه وإدارة «المرحلة» الانتقالية على وقع تهديدات ترمب، الذي ما انفكّ يكرّر: «الأمر لي في فنزويلا»، ويتوعّد من يخالف تعليماته بعواقب أين منها تلك التي نزلت بالرئيس المخلوع.

ديلسي رودريغيز ليست شخصية طارئة، أو حديثة العهد على المشهد السياسي الفنزويلي المضطرب والمعقّد. فهي في الصورة منذ صعود شخصية هوغو تشافيز الذي وضع أركان النظام الحالي، مروراً بفشل محاولته الانقلابية ودخوله السجن، إلى إطلاق سراحه وتوليه رئاسة البلاد، حتى مرضه ورحيله... ومجيء نيكولاس مادورو إلى سدّة الرئاسة.

خلفية يسارية ملتزمة

بل يمكن القول إن رودريغيز، التي «تدير» اليوم أخطر أزمة مرّت بها فنزويلا في تاريخها الحديث، تحمل السياسة في «حمضها النووي». وحكايتها مع السياسة تتمة لحكاية والدها خورخي أنطونيو الذي كان من قادة حركة «اليسار الثوري» الماركسية في ستينات القرن الماضي، وهو الذي أسّس «الرابطة الاشتراكية»... أي الحركة التي تدرّج فيها نيكولاس مادورو ناشطاً نقابياً، وكانت المدماك الأساسي في علاقة ديلسي وشقيقها خورخي مع «وريث» هوغو تشافيز.

الأب، خورخي أنطونيو، لقي حتفه عندما كان في عهدة الشرطة عام 1976 بعد اعتقاله بتهمة الضلوع في خطف أحد رجال الأعمال الأميركيين، وكانت ديلسي لا تزال في السابعة من عمرها. ولقد أثارت وفاته الناجمة عن تعرضه للتعذيب وسوء المعاملة على يد الاستخبارات السياسية، غضباً واسعاً في الأوساط الشعبية، سيما وأن فنزويلا كانت تنعم يومذاك بأجواء من الحرية السياسية النسبية على عهد الرئيس الاشتراكي الديمقراطي كارلوس أندريس بيريز. وهنا تقول رودريغيز إن تلك الواقعة هي التي حفزتها لدراسة الحقوق، حيث تخرجت محامية من جامعة فنزويلا المركزية في كاراكاس، ثم تابعت تخصصها في القانون النقابي في باريس ولندن.

ديلسي ترعرعت مع شقيقها الأكبر خورخي في أجواء اليسار الفنزويلي المتشدد والحزب الذي أسسه والدهما... وكان أنصاره يعاملون الشقيقين دائماً بوصفهما ولدَي «شهيد الحركة اليسارية»، وكانا يشاركان خطيبَين في الاحتفالات بذكرى استشهاد أبيهما.

التأثر بهوغو تشافيز

وتعترف رودريغيز بأن «الثورة البوليفارية» التي حملت «القائد» هوغو تشافيز إلى رئاسة البلاد كانت بمثابة «انتقام شخصي» لذكرى أبيها، وحافزاً قوياً لها لدخول المعترك السياسي، وأيضاً لشقيقها خورخي الذي يتولّى حالياً رئاسة البرلمان... وسبق له أن أشرف على المفاوضات التي أجراها النظام على مراحل مع الإدارة الأميركية.

وحقاً، بدأت ديلسي رودريغيز صعودها السياسي في تراتبية النظام مع تشكيل حكومة تشافيز الأولى، حين تولت حقيبة مكتب الرئاسة التي غادرتها بعد أشهر قليلة بسبب اعتراضها العلني على بعض القرارات التي اتخذها تشافيز، وانتقلت للعمل مع شقيقها خورخي الذي كان يومذاك رئيساً لبلدية كاراكاس.

ولكن مع وصول مادورو إلى السلطة بدأ حضورها يترسّخ في المشهد السياسي الفنزويلي، فتولّت حقائب وزارية مهمة مثل الإعلام والاقتصاد والخارجية. كذلك اختارها مادورو نائبة له وكلّفها حقيبة النفط المهمة بعد إقالة الوزير السابق طارق العيسمي، المتحدر من أصول سورية - لبنانية، وسط فضائح مالية، وصارت تُعرف بلقب «سيّدة النفط».

شخصية بارزة ومؤثرة

رودريغيز تولّت أيضاً رئاسة «المجلس الوطني الدستوري التأسيسي»، وهو منصب بالغ الأهمية؛ إذ يمنحه الدستور سلطة أعلى من سلطة رئيس الجمهورية. وعلى غرار شقيقها الأكبر خورخي، الذي أقسمت اليمين الدستورية أمامه، كانت ركناً أساسياً في نظام مادورو، داخل فنزويلا وخارجها؛ إذ كانت المُحاور الرئيس مع الدول الحليفة مثل روسيا والصين وتركيا وإيران. واليوم تشكّل ديلسي، مع شقيقها خورخي، ووزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، وسيليا فلوريس زوجة مادورو، الدائرة الضيّقة التي يقوم كان يرتكز إليها نظام مادورو بشكل أساس.

ووفق مقربين منها، فإنها تعمل دائماً بتنسيق تام مع شقيقها، ويتمتع كلاهما باحترام كبير في أوساط النظام لما يحملان من مؤهلات وخبرة وتمرّس، خاصة بعد انكفاء عدد كبير من الساسة المخضرمين عن المشهد السياسي مع مجيء مادورو. وفي عام 2018، فرضت الإدارة الأميركية عقوبات على ديلسي وشقيقها خورخي ووزير الدفاع فلاديمير بادرينو و«السيدة الأولى» سيليا فلوريس (زوجة مادورو). وهي تخضع أيضاً لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بتهم انتهاكات حقوق الإنسان وتدهور النظام الديمقراطي في فنزويلا. وللعلم، رودريغيز متزوجة من رجل الأعمال المتحدر من أصول لبنانية يوسف أبو ناصيف الصميلي.

مثقفة ومنفتحة طبقياً

من جهة أخرى، يتفق الدبلوماسيون ورجال الأعمال الأجانب الذين تعاطوا مع رودريغيز خلال السنوات المنصرمة، على أنها تتمتع بثقافة عالية ولها علاقات جيّدة مع الأوساط البورجوازية الفنزويلية، وتعرف عنها مهارة فائقة في التفاوض حول الملفات الشائكة.

أيضاً، يذكر مطلعون أنها تدرك جيداً وجود «عالم» خارج معركتها الثورية، يقوم على المفاوضات والتفاهمات. وهذا ما ظهر إبان توليها حقيبة النفط بعد انفجار فضائح فساد ضخمة في هذا القطاع الحيوي بالنسبة لفنزويلا على عهد سلفها في المنصب؛ إذ حرصت على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع واشنطن، وهي التي كانت وراء بقاء عملاق النفط الأميركي «شيفرون» في فنزويلا.

ولا شك، أنه بعد انكشاف هدف واشنطن الرئيس من وراء عملية اعتقال مادورو وإبعاد المعارضة في هذه المرحلة، أسهمت هذه الصفات في دفع إدارة دونالد ترمب، ووزير خارجيته ماركو روبيو «المهندس الحالي» للسياسة اللاتينية في الولايات المتحدة، إلى المراهنة على ديلسي رودريغيز في إدارة المرحلة الانتقالية.

بيد أنها، في المقابل، تعرَف ديلسي باحتقارها الشديد للمعارضة الفنزويلية، وقسوة تصريحاتها حول الكثير من قياداتها وفي رأسهم كورينا ماتشادو؛ إذ تسكنها قناعة بأن مهمتها الرئيسة هي ترسيخ الثورة التي بدأها هوغو تشافيز. ثم أن رودريغيز شديدة الإعجاب بالزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو، وغالباً ما تستشهد بإنجازات الثورة الكوبية وبـ«الحركة الساندينية» في نيكاراغوا، ومفكّرها المفضّل هو الكاتب المعروف إدواردو غاليانو، أحد كبار منظّري اليسار الأميركي اللاتيني وصاحب المؤلف الشهير «أوردة أميركا اللاتينية المفتوحة».

امتحانها الأول...بعد إطاحة مادورو

الامتحان الأول الذي يفترض برودريغيز أن تتجاوزه، وبسرعة، هو الموقف الذي سيتخذه وزير الداخلية ديوسدادو كابيّو، الذي يعدّ «الرجل الثاني في النظام»، وهو القادر على إثارة الفوضى عن طريق سيطرته الكاملة على قوى الأمن والشرطة، وبخاصة على الميليشيا الشعبية المسلّحة التي تجوب شوارع المدن على دراجاتها النارية وتزرع الرعب في صفوف المواطنين منذ سنوات. وهذا الواقع دفع واشنطن إلى تحذيره من أنه قد يلقى مصير مادورو إذا امتنع عن تسهيل مهمة ديلسي رودريغيز كرئيسة مؤقتة للبلاد.

للعلم، كان لافتاً أن كابيّو، بخلاف بقية أركان النظام، خرج إلى الشارع بعد ساعات قليلة على اختطاف مادورو، معتمراً خوذة فولاذية وسترة واقية من الرصاص ومحاطاً بأفراد من الشرطة والجيش المسلحين. لكن معلومات تداولتها بعض أجهزة الإعلام الأميركية أفادت بأن إدارة الرئيس ترمب، بإيعاز من وزير الخارجية روبيو، قرّرت أيضاً المراهنة مرحلياً على كابيّو للحفاظ على الأمن خلال المرحلة الانتقالية، وعلى وزير الدفاع فلاديمير بادرينو لوبيز الذي يقود التيّار الأكثر تشدداً داخل النظام. ويذكر أنه سبق لواشنطن أن أعلنت في الماضي عن جائزة مقدارها 25 مليون دولار لمن يساعد في القبض على كابيّو، وأخرى بقيمة 15 مليون دولار على رأس وزير الدفاع.

... رهان أميركي

المتفائلون بنجاح الرهان الأميركي على كابّيو، يستندون إلى مساره السياسي بعد وفاة تشافيز الذي تردّد حتى اللحظات الأخيرة قبل رحيله، إثر مرض عضال، بين كابيّو ومادورو. وبعد اختيار الأخير لخلافة تشافيز، توقّع كثيرون أن الخصومة بين الاثنين قد تؤدي إلى ترنّح النظام وإسقاطه. لكن تبيّن لاحقاً أن المساكنة بينهما كانت ناجحة من حيث إنها حافظت على السلطة طيلة هذه السنوات الصعبة التي واجه فيها النظام مشاكل على صعيد الاعتراف بشرعيته إقليمياً ودولياً، وكان محط اتهامات عدّة بانتهاك حقوق الإنسان، وفرضت عليه عقوبات قاسية.

حقائق

رودريغيز... في سطور

> ولدت 18 مايو (أيار) 1969 في العاصمة الفنزويلية كاراكاس

> والدها القيادي اليساري البارز خورخي أنطونيو رودريغيز (زعيم حركة اليسار الثوري، ثم مؤسس حزب «الرابطة الاشتراكية») ووالدتها ديلسي غوميز

> أخوها القيادي اليساري خورخي رودريغيز، رئيس مجلس النواب الحالي والوزير السابق.

> شريك حياتها: يوسف أبو ناصيف الصميلي

> حياتها الحزبية: عضو الحزب الاشتراكي المتحد (2012 - 2018) ثم حركة «نحن فنزويلا»

> تعليمها: محامية تخرجت في كلية حقوق جامعة فنزويلا المركزية، بجانب دراسة قانون العمل (من دون أن تتخرج في جامعة باريس الأولى (باريس بانثيون - سوربون)

> مناصبها السياسية: وزيرة شؤون الرئاسة (2006) - وزيرة القوة الشعبية للاتصال والإعلام (2013 - 2014) - وزيرة الخارجية (2014 - 2017) - رئيسة المجلس الوطني الدستوري (2017 - 2018) - وزيرة الاقتصاد والمالية (2020 - 2024) - وزيرة النفط والثروة الهيدروكربونية (2024) - نائبة رئيس الجمهورية (2024 - 2026) - رئيسة الجمهورية بالوكالة (2026)