«الثلاثاء الكبير».. يخلط الأوراق على الطريق إلى البيت الأبيض

تقدم ترامب لا يضمن فوزه.. وأداء كلينتون لم ينه مقاومة ساندرز

«الثلاثاء الكبير».. يخلط الأوراق على الطريق إلى البيت الأبيض
TT

«الثلاثاء الكبير».. يخلط الأوراق على الطريق إلى البيت الأبيض

«الثلاثاء الكبير».. يخلط الأوراق على الطريق إلى البيت الأبيض

اربطوا الأحزمة، فالولايات المتحدة تستعد لأحد أكثر الانتخابات الرئاسية الأميركية اضطرابًا منذ عقود. باختصار هذه هي الرسالة التي أرسلها «يوم الثلاثاء الكبير»، عندما أجرت 12 ولاية أميركية انتخابات تمهيدية، تضاف إليها ولاية كولورادو التي نظمت تجمعاتها الترشيحية، بهدف اختيار مرشحها المفضل من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري ليوم معركة الحسم الموعود في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
عند الحزبين سجّل مرشحا الصدارة حتى الآن، هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، أداء أفضل مما كان متوقعًا، عندما فاز كل منهما بسبع ولايات. وبالنسبة إلى سباق الديمقراطيين يمكن القول إن السيناتور بيرني ساندرز، الذي يشكل حالة تمرّد يسارية، تمكن من البقاء في الميدان على الأقل لجولات قليلة مقبلة بفضل انتزاعه الفوز بأربع ولايات. في حين كان المشهد أكثر إثارة، إذ استطاع السيناتور تيد كروز (من ولاية تكساس) الذي يعد حاليًا أقوى منافسي ترامب الفوز بثلاث ولايات بينها ولايته التي تعد ثاني كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان، بينما فاز السيناتور ماركو روبيو (من ولاية فلوريدا) بولاية واحدة.

أحد أكثر الجوانب أهمية في «الثلاثاء الكبير» أنه يشمل ولايات من كل أنحاء الولايات المتحدة، من ألاسكا في أقصى الشمال الغربي إلى ماساشوستس بالشمال الشرقي، مرورًا بتكساس في أقصى الجنوب. وخلال هذا اليوم يتاح للجمهوريين اختيار رُبع (1 من 4) مندوبيهم إلى المؤتمر الوطني الكبير الذي يصار فيها خلال الصيف المقبل إلى تسمية مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة. أما في المعسكر الديمقراطي، فحسم خلال هذا اليوم خُمس (1 من 5) عدد المندوبين الذاهبين إلى مؤتمر حزبهم الوطني.
غالبًا، في مثل هذا اليوم من الحملات الانتخابية السابقة، كانت مؤشرات الفوز المرتقب لهذا المرشح أو ذاك أوضح وملامح الحسم أجلى بكثير مما هي عليه الصورة الآن. أما السبب فهو أن كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري يعيش حقًا «حالتي تمرّد» شبيهتان بتلك التي هزّت المشهد السياسي في بعض الديمقراطيات الأوروبية، من إسبانيا إلى بولندا، عبر فرنسا وإيطاليا. في حين اقتصر «التمرد» في بريطانيا حتى الآن على حزب العمال الذي سلّم زمامه لمرشح - مفاجأة هو اليساري المتشدد جيريمي كوربن.

* «التمرّد»
«حالات التمرد» جاءت نتاج مشاعر سخط وغضب تولّدت عند أقليتين يسارية ويمينية، ووجدت ضالتها المنشودة في مرشح جذاب «كاريزمي» ظهر على المسرح فجأة من دون استئذان.
ولكن الحقيقة أنه هذه ليست المرة الأولى التي يخرج فيها خلال المعارك الانتخابية الرئاسية الأميركية مرشحون «فلتات» غير مألوفين. فعام 1964 رسا ترشيح الحزب الجمهوري على السيناتور اليميني المتشدد باري غولدووتر الذي كان يومذاك أشبه ما يكون بشخصية «حربجية» كاريكاتيرية من صقور الحرب الباردة. وعام 1972 رشح الديمقراطيون السيناتور جورج ماكغفرن، الموغل في ليبراليته لدرجة تجعل فرصة انتخابه معدومة. وبالفعل مني كل من غولدووتر وماكغفرن بهزيمتين ساحقتين أمام الرئيسين ليندون جونسون وريتشارد نيكسون.
بناءً عليه، لا يصح في الحملة الانتخابية الحالية استبعاد أي من المرشحين الأكثر راديكاليًا في السباق، أي الجمهوري اليميني دونالد ترامب والديمقراطي اليساري بيرني ساندرز.

* «راديكاليا» اليسار واليمين
الرجلان يوصفان اليوم بأنهما «شعبويّان»، وهذا مصطلح يفسر بجملة من الأسباب، أبرزها أن الرجلين، رغم التباعد الآيديولوجي الشاسع بينهما، يلعبان على وتر «الديمقراطية المباشرة» ضد «مؤسسة السلطة» في واشنطن، التي يزعمان أنها ما عادت تشعر بما يشعر به ويشكو منه معظم الأميركيين.
يسارًا يدّعي ساندرز أن 1 في المائة من أثرياء أميركا يحتكرون خيرة الأراضي والعقارات ويحرمون الغالبية من جني ثمار كدهم، ولعلاج هذا الوضع لا يقترح ساندرز - السبعيني اليساري - الثورة الجماهيرية العنيفة، بل يحث على إعادة توزيع الثروات وفق الطراز الأوروبي الديمقراطي - الاجتماعي أو الاشتراكي المعتدل الذي يستخدم السياسة الضريبية وسيلة لنقل المال من الأغنياء إلى الفقراء. ثم إنه يعد بنظام تعليمي مجاني في كل المراحل، وتوسيع إطار الغطاء الصحي المجاني للأسر الفقيرة والمتوسطة الحال، والاستيعاب التدريجي للمهاجرين الـ12 مليونا غير الشرعيين لكي يعيشوا كمواطنين في الولايات المتحدة. وحسب رأيه، فإن سياسات كهذه تحتاج إلى حكومة قوية المركز مهمتها استنباط ومن ثم فرض السياسات التي لا بد أن تعارضها بعض الولايات. وباختصار شديد، يجوز القول إن ساندرز يركز في فكرة «الأمل» حتى لو بدا مبالغًا فيها، بل في بعض الأحيان غير وارد مطلقًا.
وبعكس فكرة «الأمل» عند ساندرز، فإن رجل «اليمين» المتشدد ترامب يراهن على فكرة «الخوف»، وبالذات «الخوف من طغيان المهاجرين»، ولا سيما من دول أميركا اللاتينية، على الولايات المتحدة. وفي هذا السياق اقترح بناء جدار ضخم على طول حدود البلاد مع المكسيك لإبعاد المهاجرين المحتملين. وكذلك «الخوف من الإرهاب الإسلامي» الآتي من الخارج. ولكن يبدو خطاب ترامب أقل رتابة وربما تماسكًا من خطاب ساندرز أقله لسبب واحد. فالسيناتور ساندرز، الآتي من ولاية فيرمونت إحدى أصغر الولايات الأميركية، يعد على الدوام بتعزيز دور الدولة لكي تفعل وتؤثر في مختلف نواحي الحياة الأميركية. على العكس تمامًا، يسعى ترامب إلى تقليص كبير في دور الدولة التي يريد منها إجراء التغييرات الراديكالية التي يعد بها.
كلينتون و«تحالف الأقليات»
مع هذا فرص نجاح ساندرز بأن يكون مرشح حزبه في نوفمبر المقبل أقل بكثير من فرص ترامب. ذلك أن منافسته، هيلاري كلينتون «السيدة الأولى سابقًا»، ووزير الخارجية والسيناتورة عن ولاية نيويورك سابقًا، تتمتع بنقاط قوة وأفضلية كثيرة. منها أنها تتحكم بـ«ماكينة» الحزب الديمقراطي، ونجحت حقًا في توحيد صفوف التحالف العريض للأقليات الذي كان وأسسه الرئيس الحالي باراك أوباما، ونظمته خلفها.
ويشكل كل من الناخبين الأفرو - أميركيين (السود) والهسبانيكيين (المتحدرون من أصول أميركية لاتينية) نسبة 12 في المائة من مجموع الناخبين الأميركيين أهم أعمدة هذا التحالف، ثم هناك اليهود والمسلمون، وهاتان كتلتان بشريتان تشكل كل منهما نسبة 2 في المائة، وهو ما يعطي التحالف الديمقراطي الفرص الأكبر للفوز في الولايات المحوَرية غير المحسومة. أضف إلى ذلك الأقليات العرقية والدينية المذكورة جماعات أخرى يشملها كالمثليين والمثليات و«الجنس الحائر» الذين تقدّر نسبتهم من 2 في المائة والأميركيين الأصليين (الهنود الحمر) الذين تقارب نسبتهم 1.2 في المائة، وهؤلاء عمومًا أكثر ميلاً للحزب الديمقراطي. وهذا يعني أنه بصرف النظر عمّن سيرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة خلال الصيف، فإن لدى هذا المرشح (أو المرشحة) قاعدة تأييد صلبة حجمها نحو 30 في المائة من أصوات الأميركيين.
وهنا، يتوقع أن يشارك الرئيس أوباما دورًا نشطًا وحيويًا في الفترة المقبلة من الحملة الانتخابية. وثمة من يقول إنه سيحاول أن يختار المرشح لمنصب نائب الرئيس من شلة المقربين إذا ما رُشحت هيلاري كلينتون - كما هو مرجح - للرئاسة خلال المؤتمر الوطني الديمقراطي المقرر بين 25 و28 يوليو (تموز) في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا.
في المقابل، يعتمد الجمهوريون اعتمادًا كليًا على اليمين الأصولي المسيحي الذي يشكل أتباعه نحو 10 في المائة من الناخبين الأميركيين، والآسيويين الأميركيين من غير المسلمين ونسبتهم نحو 3 في المائة، وجماعات مصلحية أحادية الهدف كـ«لوبي» السلاح الفردي و«لوبيات» مناوئة الإجهاض تبلغ رقعة تصويتها نحو 4 في المائة. كل هؤلاء يضاف إليهم «السكان البيض في الضواحي»، ما يمنح المرشح الجمهوري قاعدة تأييد صلبة أعلاها 25 في المائة من أصوات الأميركيين.
هذه الأرقام تعني أن على الجمهوريين بذل جهد أكبر بكثير من الديمقراطيين من كسب أصوات المستقلين وغير الملتزمين. وتعني أيضًا أن دونالد ترامب ليس المرشح الأمثل، لأنه يستفز المستقلين ويستعديهم أكثر من أي من منافسيه. ولكن في المقابل، ما هو لصالح ترامب أن طروحاته المثيرة للجدل قد يجتذب إلى مراكز الاقتراع ناخبين جددًا كانوا وما زالوا على هامش الحياة السياسية. والواقع أنه بفضل أمثال هؤلاء الناخبين الهامشيين، وليس الجمهوريين «المؤسساتيين»، استطاع ترامب كسب نسبة 30.4 في المائة من المندوبين الـ1200 الذين عليه كسب تأييدهم للظفر بترشيح حزبه له في المؤتمر الوطني الجمهوري المقرر بين 18 و21 يوليو في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو.

* فرص ترامب وكلينتون
السؤال الأهم هنا هو هل سيتمكن ترامب من كسب ترشيح الجمهوريين؟ لقد عزّزت نتائج «الثلاثاء الكبير» فرص نجاحه، إلا أنه لم يحسم معركته بالكامل. وبداية، عجز عن كسب أي ولاية بغالبية مطلقة، بل إذا احتسبنا معدلات التصويت في الانتخابات التمهيدية والتجمعات الانتخابية نجد أن قرابة 65 في المائة من الأصوات كانت ضده. وبالتالي، فهو وإن كان يتصدّر لم يستطع حتى الآن ترجمة ذلك إلى غالبية.
في أميركا مثل سائر هو «بمقدور أي أميركي بلوغ الرئاسة». ولكن من الناحية العملية، قلة من الطامحين للمنصب ممن تقدموا إلى هذه النقطة من سباق البيت الأبيض أفلتوا من فتح خصومهم ملفات ماضيهم الشخصي والسياسي. فالرئيس هاري ترومان ظل يلقب بـ«بائع القمصان من ميزوري» رغم دخوله الكونغرس وتوليه منصب نائب الرئيس. وفي فترة أقرب زمنيًا غلب على الرئيس جيمي كارتر لقب «مزارع الفول السوداني»، وعلى الرئيس رونالد ريغان لقب «كاوبوي هوليوود».. مع أن كل منهما تولى منصب حاكم ولايته لسنوات. وهكذا، يندر أن يرد اسم ترامب بمعزل عن نعته بـ«مالك العقارات الثري» و«رجل الأعمال الملياردير»، كما يصرف الوقت والجهد لإثبات أن مسيرته في عالم أقل نجاحًا مما يزعم، كما أن حياته الشخصية ليست مثالية أبدًا. ولكن لا غرابة في هذا، فالرجل من «المشاهير» في عصر حل فيه هؤلاء مكان الأبطال التاريخيين. ثم إنه ما عاد شخصًا عاديًا أو رجل سياسة بل غدا «ماركة» روّج لها منذ سنوات عبر التلفزيون بما في ذلك برامج خاصة به. ومع أن الكثير من مشاريع ترامب التجارية والمالية فشلت ما زال الانطباع العام عنه أن يجسّد النجاح في فترة زمنية الانطباع فيها بات أحيانًا من الواقع.
ولكن لندع ترامب، ونتساءل.. أي رئيسة يمكن لهيلاري كلينتون أن تكون؟ الثابت أن كلينتون سياسية (ماكينة سياسية) أكثر توقًا للفوز بالسلطة من الرغبة بممارستها من منطلق آيديولوجي. وكان زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون قد صور هذا الجانب من شخصيتها ضمن مذكراته في اليوم التالي لفوزه بالرئاسة، عندما كتب أنه وزوجته استيقظا ذلك الصباح بعد ليلة النصر الكبير غير مصدقين أن النصر تحقق. ولاحقًا، أقر أنه كان أكثر حرصًا الفوز بالسلطة من حرصه على التصرف بنهج محدد بعد ذلك. ولعل ترك بيل كلينتون آليات العمل الحكومي تعمل بصورة تلقائية بينما انصرف إلى أمور أخرى ما جعل منه رئيسًا ناجحًا – على الأقل على الصعيد الداخلي –، وكان الرئيس الأميركي الوحيد خلال أكثر ستة عقود الذي حقق خلال حكمه نموًا اقتصاديًا مرتفعًا وميزانية متوازنة.
هيلاري كلينتون، بالتالي، ستشكل إذا فازت في نوفمبر المقبل استمرارية رتيبة بينما يتفجّر النظام الدولي أو يكاد. مناصرو هيلاري يشددون على «خبرتها»، إلا أن «الخبرة» السيئة قد تكون أسوأ من انعدام الخبرة. وبما يخص قادة الحزب الجمهوري فإنهم يكرهونها بمقدار كرهه زوجها. وبالتالي، إذا انتخبت رئيسة فإن أميركا ستعود إلى أجواء الصراع السياسي - الحزبي داخل العاصمة واشنطن خلال عقد التسعينات التي زرعت بذور الانقسام داخل النخبة الأميركية الحاكمة.
في الضفة المقابلة، لا يتمتع ترامب بأي تجربة سياسية أو خبرة حكومية. إنه صفحة بيضاء يمكن لأي كان أن يرسم عليها تصوراته أو تكهناته، ولعل هذا الجانب يلعب لصالحه. ولكن إذا كانت حياة ترامب العملية لتوفر أي مؤشر، فإنه إذا ما انتخب رئيسًا قد لا يستطيع التركيز على أي سياسة متوسطة أو طويلة الأمد. فهو أشبه بعصفور يقفز من غصن شجرة إلى غصن آخر، إذ اشتغل عبر مسيرته في مجالات عدة منها التنمية العقارية، وإدارة حقول غولف، ونشر المجلات، والمصارف، والنقل الجوي، والكازينوهات، وطبعًا الإنتاج التلفزيوني. وهناك من يذهب إلى حد القول إنه لم يدخل معركة الرئاسة بهدف الفوز، بل كانت المسألة بالنسبة له «ضربة» دعائية كبرى تعزز حضوره على شاشات التلفزيون بعد تراجع أرقام المشاهدة. ولعل في هذا ما يفسر إخفاقه في تقديم أي تصور استراتيجي متجانس حيال أي قضية.
القصة وما فيها أنه لا يعرف ما هي القضايا.
هذا، حقًا، سيف ذو حدّين. ترامب رغم زهوه وانهماكه بشخصه لا يكترث بنفور الآخرين منه أو كراهيتهم له. إنه «رجل صفقات» يتجاوز الاعتبارات الشخصية والحزبية لتمرير ما يود تمريره في واشنطن المعرّضة دائمًا للاستعصاء الناجم عن المناكفات والحزازات الحزبية. هذا الأمر إيجابي وسلبي في آن معًا. إيجابي ربما لأنه يعني أنه ليس لديه أي قناعات عنيدة غير قابلة للتغيير. وسلبي لأنه قد يغدو مجرد أداة بأيدي البيروقراطيين والتكنوقراطيين و«اللوبيات» التي ستستغل وجود رجل «غير سياسي» في البيت الأبيض.

* الجولات التالية
في أي حال ليس هناك ما يضمن أن يستمر مسلسل نجاحات ترامب. ذلك أن عددًا لا يستهان به من الكتل القوية داخل الحزب الجمهوري تعمل ضده بقوة الآن، وغايتها منع حصوله على ترشيح الحزب. لكن العقبة الكأداء راهنًا هي أن «المؤسسة الحزبية» لا تؤيد السيناتور كروز، ثاني أقوى المرشحين حتى الآن، وأن المرشح المفضل لـ«المؤسسة» السيناتور روبيو ما زال عاجزًا عن تحقيق الاختراق المأمول. مع هذا، لم يعلن صراحة دعم ترامب من قادة الجمهوريين سوى كريس كريستي حاكم ولاية نيوجيرسي، وعضو واحد في مجلس الشيوخ هو السيناتور جيف سيشونز من ولاية آلاباما.
وبناءً عليه، بعد الجولة التالية من المعارك التمهيدية المقررة يوم 18 مارس (آذار) الحالي، على «المؤسسة» الجمهورية إما إقناع كروز بالانسحاب لصالح روبيو، أو التنازل له والقبول مرغمة بدعمه. أي من هذين الحلين سيمكّن «المؤسسة» من مواجهة ترامب بمرشح واحد قوي يجمع من خلفه معظم قيادات الحزب في واشنطن والولايات، ويكسب أصوات مندوبي المرشحين المنسحبين ولعل أبرزهم جيب بوش.
ثم يرجح أن يكسب مرشح «المؤسسة» إذا اصطفت خلف مرشح واحد ضد ترامب أصوات «المندوبين المميزين الكبار» أي الشخصيات التي تحظى بأصوات في المؤتمر الوطني كونها من كبار الزعامات الحزبية على المستوى الوطني.
مقابل هذا «السيناريو»، حتى إذا ربح ترامب ترشيح الحزب فإنه سيواجه مصاعب جمة في حسم معركة الرئاسة أمام مرشح - أو على الأرجح مرشحة - الحزب الديمقراطي. لقد نجح بلا شك في خلق «حركة» على هامش الحزب الجمهوري، غير أن هذه «الحركة» تفتقر إلى الهيكل البنيوي، والكوادر القيادية، والخبرة في خوض الانتخابات والفوز بها. ثم إن «ماكينة» الحزب الجمهوري لن تحتضنه أو تتقبله بصدر رحب ما يضعف موقفه في الولايات المحورية المهمة.
إن شعار ترامب «لنعد أميركا إلى عظمتها السابقة» شعار تسويقي جذاب، إلا أن الانتخابات تحتاج «ماكينة» انتخابية تعرف كيف تنقل السيدات المتقدمات في السن إلى مراكز الاقتراع.
ولكن، في هذه المعركة، كما في غيرها من معارك الانتخابات الأميركية.. لا يحسم شيء إلا بعد إعلان النتائج في مراكز الاقتراع بعد يوم الانتخابات الطويل!

* من فاز بولايات «الثلاثاء الكبير»؟
- آلاباما: ترامب (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)
- ألاسكا: كروز (جمهوري) -الديمقراطيون يصوّتون يوم 28 مارس (آذار)
- آركنسو: ترامب (جمهوري) – كلينتون (ديمقراطية)
- كولورادو: الاختيار عند الجمهوريين بيد 37 مندوبًا - ساندرز (ديمقراطي)
- جورجيا: ترامب (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)
- ماساشوستس: ترامب (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)
- مينيسوتا: روبيو (جمهوري) - ساندرز (ديمقراطي)
- أوكلاهوما: كروز (جمهوري) - ساندرز (ديمقراطي)
- تينيسي: ترامب (جمهوري) – كلينتون (ديمقراطية)
- تكساس: كروز (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)
- فيرمونت: ترامب (جمهوري) - ساندرز (ديمقراطي)
- فيرجينيا: ترامب (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.