«الثلاثاء الكبير».. يخلط الأوراق على الطريق إلى البيت الأبيض

تقدم ترامب لا يضمن فوزه.. وأداء كلينتون لم ينه مقاومة ساندرز

«الثلاثاء الكبير».. يخلط الأوراق على الطريق إلى البيت الأبيض
TT

«الثلاثاء الكبير».. يخلط الأوراق على الطريق إلى البيت الأبيض

«الثلاثاء الكبير».. يخلط الأوراق على الطريق إلى البيت الأبيض

اربطوا الأحزمة، فالولايات المتحدة تستعد لأحد أكثر الانتخابات الرئاسية الأميركية اضطرابًا منذ عقود. باختصار هذه هي الرسالة التي أرسلها «يوم الثلاثاء الكبير»، عندما أجرت 12 ولاية أميركية انتخابات تمهيدية، تضاف إليها ولاية كولورادو التي نظمت تجمعاتها الترشيحية، بهدف اختيار مرشحها المفضل من كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري ليوم معركة الحسم الموعود في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
عند الحزبين سجّل مرشحا الصدارة حتى الآن، هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، أداء أفضل مما كان متوقعًا، عندما فاز كل منهما بسبع ولايات. وبالنسبة إلى سباق الديمقراطيين يمكن القول إن السيناتور بيرني ساندرز، الذي يشكل حالة تمرّد يسارية، تمكن من البقاء في الميدان على الأقل لجولات قليلة مقبلة بفضل انتزاعه الفوز بأربع ولايات. في حين كان المشهد أكثر إثارة، إذ استطاع السيناتور تيد كروز (من ولاية تكساس) الذي يعد حاليًا أقوى منافسي ترامب الفوز بثلاث ولايات بينها ولايته التي تعد ثاني كبرى الولايات الأميركية من حيث عدد السكان، بينما فاز السيناتور ماركو روبيو (من ولاية فلوريدا) بولاية واحدة.

أحد أكثر الجوانب أهمية في «الثلاثاء الكبير» أنه يشمل ولايات من كل أنحاء الولايات المتحدة، من ألاسكا في أقصى الشمال الغربي إلى ماساشوستس بالشمال الشرقي، مرورًا بتكساس في أقصى الجنوب. وخلال هذا اليوم يتاح للجمهوريين اختيار رُبع (1 من 4) مندوبيهم إلى المؤتمر الوطني الكبير الذي يصار فيها خلال الصيف المقبل إلى تسمية مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة. أما في المعسكر الديمقراطي، فحسم خلال هذا اليوم خُمس (1 من 5) عدد المندوبين الذاهبين إلى مؤتمر حزبهم الوطني.
غالبًا، في مثل هذا اليوم من الحملات الانتخابية السابقة، كانت مؤشرات الفوز المرتقب لهذا المرشح أو ذاك أوضح وملامح الحسم أجلى بكثير مما هي عليه الصورة الآن. أما السبب فهو أن كلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري يعيش حقًا «حالتي تمرّد» شبيهتان بتلك التي هزّت المشهد السياسي في بعض الديمقراطيات الأوروبية، من إسبانيا إلى بولندا، عبر فرنسا وإيطاليا. في حين اقتصر «التمرد» في بريطانيا حتى الآن على حزب العمال الذي سلّم زمامه لمرشح - مفاجأة هو اليساري المتشدد جيريمي كوربن.

* «التمرّد»
«حالات التمرد» جاءت نتاج مشاعر سخط وغضب تولّدت عند أقليتين يسارية ويمينية، ووجدت ضالتها المنشودة في مرشح جذاب «كاريزمي» ظهر على المسرح فجأة من دون استئذان.
ولكن الحقيقة أنه هذه ليست المرة الأولى التي يخرج فيها خلال المعارك الانتخابية الرئاسية الأميركية مرشحون «فلتات» غير مألوفين. فعام 1964 رسا ترشيح الحزب الجمهوري على السيناتور اليميني المتشدد باري غولدووتر الذي كان يومذاك أشبه ما يكون بشخصية «حربجية» كاريكاتيرية من صقور الحرب الباردة. وعام 1972 رشح الديمقراطيون السيناتور جورج ماكغفرن، الموغل في ليبراليته لدرجة تجعل فرصة انتخابه معدومة. وبالفعل مني كل من غولدووتر وماكغفرن بهزيمتين ساحقتين أمام الرئيسين ليندون جونسون وريتشارد نيكسون.
بناءً عليه، لا يصح في الحملة الانتخابية الحالية استبعاد أي من المرشحين الأكثر راديكاليًا في السباق، أي الجمهوري اليميني دونالد ترامب والديمقراطي اليساري بيرني ساندرز.

* «راديكاليا» اليسار واليمين
الرجلان يوصفان اليوم بأنهما «شعبويّان»، وهذا مصطلح يفسر بجملة من الأسباب، أبرزها أن الرجلين، رغم التباعد الآيديولوجي الشاسع بينهما، يلعبان على وتر «الديمقراطية المباشرة» ضد «مؤسسة السلطة» في واشنطن، التي يزعمان أنها ما عادت تشعر بما يشعر به ويشكو منه معظم الأميركيين.
يسارًا يدّعي ساندرز أن 1 في المائة من أثرياء أميركا يحتكرون خيرة الأراضي والعقارات ويحرمون الغالبية من جني ثمار كدهم، ولعلاج هذا الوضع لا يقترح ساندرز - السبعيني اليساري - الثورة الجماهيرية العنيفة، بل يحث على إعادة توزيع الثروات وفق الطراز الأوروبي الديمقراطي - الاجتماعي أو الاشتراكي المعتدل الذي يستخدم السياسة الضريبية وسيلة لنقل المال من الأغنياء إلى الفقراء. ثم إنه يعد بنظام تعليمي مجاني في كل المراحل، وتوسيع إطار الغطاء الصحي المجاني للأسر الفقيرة والمتوسطة الحال، والاستيعاب التدريجي للمهاجرين الـ12 مليونا غير الشرعيين لكي يعيشوا كمواطنين في الولايات المتحدة. وحسب رأيه، فإن سياسات كهذه تحتاج إلى حكومة قوية المركز مهمتها استنباط ومن ثم فرض السياسات التي لا بد أن تعارضها بعض الولايات. وباختصار شديد، يجوز القول إن ساندرز يركز في فكرة «الأمل» حتى لو بدا مبالغًا فيها، بل في بعض الأحيان غير وارد مطلقًا.
وبعكس فكرة «الأمل» عند ساندرز، فإن رجل «اليمين» المتشدد ترامب يراهن على فكرة «الخوف»، وبالذات «الخوف من طغيان المهاجرين»، ولا سيما من دول أميركا اللاتينية، على الولايات المتحدة. وفي هذا السياق اقترح بناء جدار ضخم على طول حدود البلاد مع المكسيك لإبعاد المهاجرين المحتملين. وكذلك «الخوف من الإرهاب الإسلامي» الآتي من الخارج. ولكن يبدو خطاب ترامب أقل رتابة وربما تماسكًا من خطاب ساندرز أقله لسبب واحد. فالسيناتور ساندرز، الآتي من ولاية فيرمونت إحدى أصغر الولايات الأميركية، يعد على الدوام بتعزيز دور الدولة لكي تفعل وتؤثر في مختلف نواحي الحياة الأميركية. على العكس تمامًا، يسعى ترامب إلى تقليص كبير في دور الدولة التي يريد منها إجراء التغييرات الراديكالية التي يعد بها.
كلينتون و«تحالف الأقليات»
مع هذا فرص نجاح ساندرز بأن يكون مرشح حزبه في نوفمبر المقبل أقل بكثير من فرص ترامب. ذلك أن منافسته، هيلاري كلينتون «السيدة الأولى سابقًا»، ووزير الخارجية والسيناتورة عن ولاية نيويورك سابقًا، تتمتع بنقاط قوة وأفضلية كثيرة. منها أنها تتحكم بـ«ماكينة» الحزب الديمقراطي، ونجحت حقًا في توحيد صفوف التحالف العريض للأقليات الذي كان وأسسه الرئيس الحالي باراك أوباما، ونظمته خلفها.
ويشكل كل من الناخبين الأفرو - أميركيين (السود) والهسبانيكيين (المتحدرون من أصول أميركية لاتينية) نسبة 12 في المائة من مجموع الناخبين الأميركيين أهم أعمدة هذا التحالف، ثم هناك اليهود والمسلمون، وهاتان كتلتان بشريتان تشكل كل منهما نسبة 2 في المائة، وهو ما يعطي التحالف الديمقراطي الفرص الأكبر للفوز في الولايات المحوَرية غير المحسومة. أضف إلى ذلك الأقليات العرقية والدينية المذكورة جماعات أخرى يشملها كالمثليين والمثليات و«الجنس الحائر» الذين تقدّر نسبتهم من 2 في المائة والأميركيين الأصليين (الهنود الحمر) الذين تقارب نسبتهم 1.2 في المائة، وهؤلاء عمومًا أكثر ميلاً للحزب الديمقراطي. وهذا يعني أنه بصرف النظر عمّن سيرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة خلال الصيف، فإن لدى هذا المرشح (أو المرشحة) قاعدة تأييد صلبة حجمها نحو 30 في المائة من أصوات الأميركيين.
وهنا، يتوقع أن يشارك الرئيس أوباما دورًا نشطًا وحيويًا في الفترة المقبلة من الحملة الانتخابية. وثمة من يقول إنه سيحاول أن يختار المرشح لمنصب نائب الرئيس من شلة المقربين إذا ما رُشحت هيلاري كلينتون - كما هو مرجح - للرئاسة خلال المؤتمر الوطني الديمقراطي المقرر بين 25 و28 يوليو (تموز) في مدينة فيلادلفيا بولاية بنسلفانيا.
في المقابل، يعتمد الجمهوريون اعتمادًا كليًا على اليمين الأصولي المسيحي الذي يشكل أتباعه نحو 10 في المائة من الناخبين الأميركيين، والآسيويين الأميركيين من غير المسلمين ونسبتهم نحو 3 في المائة، وجماعات مصلحية أحادية الهدف كـ«لوبي» السلاح الفردي و«لوبيات» مناوئة الإجهاض تبلغ رقعة تصويتها نحو 4 في المائة. كل هؤلاء يضاف إليهم «السكان البيض في الضواحي»، ما يمنح المرشح الجمهوري قاعدة تأييد صلبة أعلاها 25 في المائة من أصوات الأميركيين.
هذه الأرقام تعني أن على الجمهوريين بذل جهد أكبر بكثير من الديمقراطيين من كسب أصوات المستقلين وغير الملتزمين. وتعني أيضًا أن دونالد ترامب ليس المرشح الأمثل، لأنه يستفز المستقلين ويستعديهم أكثر من أي من منافسيه. ولكن في المقابل، ما هو لصالح ترامب أن طروحاته المثيرة للجدل قد يجتذب إلى مراكز الاقتراع ناخبين جددًا كانوا وما زالوا على هامش الحياة السياسية. والواقع أنه بفضل أمثال هؤلاء الناخبين الهامشيين، وليس الجمهوريين «المؤسساتيين»، استطاع ترامب كسب نسبة 30.4 في المائة من المندوبين الـ1200 الذين عليه كسب تأييدهم للظفر بترشيح حزبه له في المؤتمر الوطني الجمهوري المقرر بين 18 و21 يوليو في مدينة كليفلاند بولاية أوهايو.

* فرص ترامب وكلينتون
السؤال الأهم هنا هو هل سيتمكن ترامب من كسب ترشيح الجمهوريين؟ لقد عزّزت نتائج «الثلاثاء الكبير» فرص نجاحه، إلا أنه لم يحسم معركته بالكامل. وبداية، عجز عن كسب أي ولاية بغالبية مطلقة، بل إذا احتسبنا معدلات التصويت في الانتخابات التمهيدية والتجمعات الانتخابية نجد أن قرابة 65 في المائة من الأصوات كانت ضده. وبالتالي، فهو وإن كان يتصدّر لم يستطع حتى الآن ترجمة ذلك إلى غالبية.
في أميركا مثل سائر هو «بمقدور أي أميركي بلوغ الرئاسة». ولكن من الناحية العملية، قلة من الطامحين للمنصب ممن تقدموا إلى هذه النقطة من سباق البيت الأبيض أفلتوا من فتح خصومهم ملفات ماضيهم الشخصي والسياسي. فالرئيس هاري ترومان ظل يلقب بـ«بائع القمصان من ميزوري» رغم دخوله الكونغرس وتوليه منصب نائب الرئيس. وفي فترة أقرب زمنيًا غلب على الرئيس جيمي كارتر لقب «مزارع الفول السوداني»، وعلى الرئيس رونالد ريغان لقب «كاوبوي هوليوود».. مع أن كل منهما تولى منصب حاكم ولايته لسنوات. وهكذا، يندر أن يرد اسم ترامب بمعزل عن نعته بـ«مالك العقارات الثري» و«رجل الأعمال الملياردير»، كما يصرف الوقت والجهد لإثبات أن مسيرته في عالم أقل نجاحًا مما يزعم، كما أن حياته الشخصية ليست مثالية أبدًا. ولكن لا غرابة في هذا، فالرجل من «المشاهير» في عصر حل فيه هؤلاء مكان الأبطال التاريخيين. ثم إنه ما عاد شخصًا عاديًا أو رجل سياسة بل غدا «ماركة» روّج لها منذ سنوات عبر التلفزيون بما في ذلك برامج خاصة به. ومع أن الكثير من مشاريع ترامب التجارية والمالية فشلت ما زال الانطباع العام عنه أن يجسّد النجاح في فترة زمنية الانطباع فيها بات أحيانًا من الواقع.
ولكن لندع ترامب، ونتساءل.. أي رئيسة يمكن لهيلاري كلينتون أن تكون؟ الثابت أن كلينتون سياسية (ماكينة سياسية) أكثر توقًا للفوز بالسلطة من الرغبة بممارستها من منطلق آيديولوجي. وكان زوجها الرئيس الأسبق بيل كلينتون قد صور هذا الجانب من شخصيتها ضمن مذكراته في اليوم التالي لفوزه بالرئاسة، عندما كتب أنه وزوجته استيقظا ذلك الصباح بعد ليلة النصر الكبير غير مصدقين أن النصر تحقق. ولاحقًا، أقر أنه كان أكثر حرصًا الفوز بالسلطة من حرصه على التصرف بنهج محدد بعد ذلك. ولعل ترك بيل كلينتون آليات العمل الحكومي تعمل بصورة تلقائية بينما انصرف إلى أمور أخرى ما جعل منه رئيسًا ناجحًا – على الأقل على الصعيد الداخلي –، وكان الرئيس الأميركي الوحيد خلال أكثر ستة عقود الذي حقق خلال حكمه نموًا اقتصاديًا مرتفعًا وميزانية متوازنة.
هيلاري كلينتون، بالتالي، ستشكل إذا فازت في نوفمبر المقبل استمرارية رتيبة بينما يتفجّر النظام الدولي أو يكاد. مناصرو هيلاري يشددون على «خبرتها»، إلا أن «الخبرة» السيئة قد تكون أسوأ من انعدام الخبرة. وبما يخص قادة الحزب الجمهوري فإنهم يكرهونها بمقدار كرهه زوجها. وبالتالي، إذا انتخبت رئيسة فإن أميركا ستعود إلى أجواء الصراع السياسي - الحزبي داخل العاصمة واشنطن خلال عقد التسعينات التي زرعت بذور الانقسام داخل النخبة الأميركية الحاكمة.
في الضفة المقابلة، لا يتمتع ترامب بأي تجربة سياسية أو خبرة حكومية. إنه صفحة بيضاء يمكن لأي كان أن يرسم عليها تصوراته أو تكهناته، ولعل هذا الجانب يلعب لصالحه. ولكن إذا كانت حياة ترامب العملية لتوفر أي مؤشر، فإنه إذا ما انتخب رئيسًا قد لا يستطيع التركيز على أي سياسة متوسطة أو طويلة الأمد. فهو أشبه بعصفور يقفز من غصن شجرة إلى غصن آخر، إذ اشتغل عبر مسيرته في مجالات عدة منها التنمية العقارية، وإدارة حقول غولف، ونشر المجلات، والمصارف، والنقل الجوي، والكازينوهات، وطبعًا الإنتاج التلفزيوني. وهناك من يذهب إلى حد القول إنه لم يدخل معركة الرئاسة بهدف الفوز، بل كانت المسألة بالنسبة له «ضربة» دعائية كبرى تعزز حضوره على شاشات التلفزيون بعد تراجع أرقام المشاهدة. ولعل في هذا ما يفسر إخفاقه في تقديم أي تصور استراتيجي متجانس حيال أي قضية.
القصة وما فيها أنه لا يعرف ما هي القضايا.
هذا، حقًا، سيف ذو حدّين. ترامب رغم زهوه وانهماكه بشخصه لا يكترث بنفور الآخرين منه أو كراهيتهم له. إنه «رجل صفقات» يتجاوز الاعتبارات الشخصية والحزبية لتمرير ما يود تمريره في واشنطن المعرّضة دائمًا للاستعصاء الناجم عن المناكفات والحزازات الحزبية. هذا الأمر إيجابي وسلبي في آن معًا. إيجابي ربما لأنه يعني أنه ليس لديه أي قناعات عنيدة غير قابلة للتغيير. وسلبي لأنه قد يغدو مجرد أداة بأيدي البيروقراطيين والتكنوقراطيين و«اللوبيات» التي ستستغل وجود رجل «غير سياسي» في البيت الأبيض.

* الجولات التالية
في أي حال ليس هناك ما يضمن أن يستمر مسلسل نجاحات ترامب. ذلك أن عددًا لا يستهان به من الكتل القوية داخل الحزب الجمهوري تعمل ضده بقوة الآن، وغايتها منع حصوله على ترشيح الحزب. لكن العقبة الكأداء راهنًا هي أن «المؤسسة الحزبية» لا تؤيد السيناتور كروز، ثاني أقوى المرشحين حتى الآن، وأن المرشح المفضل لـ«المؤسسة» السيناتور روبيو ما زال عاجزًا عن تحقيق الاختراق المأمول. مع هذا، لم يعلن صراحة دعم ترامب من قادة الجمهوريين سوى كريس كريستي حاكم ولاية نيوجيرسي، وعضو واحد في مجلس الشيوخ هو السيناتور جيف سيشونز من ولاية آلاباما.
وبناءً عليه، بعد الجولة التالية من المعارك التمهيدية المقررة يوم 18 مارس (آذار) الحالي، على «المؤسسة» الجمهورية إما إقناع كروز بالانسحاب لصالح روبيو، أو التنازل له والقبول مرغمة بدعمه. أي من هذين الحلين سيمكّن «المؤسسة» من مواجهة ترامب بمرشح واحد قوي يجمع من خلفه معظم قيادات الحزب في واشنطن والولايات، ويكسب أصوات مندوبي المرشحين المنسحبين ولعل أبرزهم جيب بوش.
ثم يرجح أن يكسب مرشح «المؤسسة» إذا اصطفت خلف مرشح واحد ضد ترامب أصوات «المندوبين المميزين الكبار» أي الشخصيات التي تحظى بأصوات في المؤتمر الوطني كونها من كبار الزعامات الحزبية على المستوى الوطني.
مقابل هذا «السيناريو»، حتى إذا ربح ترامب ترشيح الحزب فإنه سيواجه مصاعب جمة في حسم معركة الرئاسة أمام مرشح - أو على الأرجح مرشحة - الحزب الديمقراطي. لقد نجح بلا شك في خلق «حركة» على هامش الحزب الجمهوري، غير أن هذه «الحركة» تفتقر إلى الهيكل البنيوي، والكوادر القيادية، والخبرة في خوض الانتخابات والفوز بها. ثم إن «ماكينة» الحزب الجمهوري لن تحتضنه أو تتقبله بصدر رحب ما يضعف موقفه في الولايات المحورية المهمة.
إن شعار ترامب «لنعد أميركا إلى عظمتها السابقة» شعار تسويقي جذاب، إلا أن الانتخابات تحتاج «ماكينة» انتخابية تعرف كيف تنقل السيدات المتقدمات في السن إلى مراكز الاقتراع.
ولكن، في هذه المعركة، كما في غيرها من معارك الانتخابات الأميركية.. لا يحسم شيء إلا بعد إعلان النتائج في مراكز الاقتراع بعد يوم الانتخابات الطويل!

* من فاز بولايات «الثلاثاء الكبير»؟
- آلاباما: ترامب (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)
- ألاسكا: كروز (جمهوري) -الديمقراطيون يصوّتون يوم 28 مارس (آذار)
- آركنسو: ترامب (جمهوري) – كلينتون (ديمقراطية)
- كولورادو: الاختيار عند الجمهوريين بيد 37 مندوبًا - ساندرز (ديمقراطي)
- جورجيا: ترامب (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)
- ماساشوستس: ترامب (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)
- مينيسوتا: روبيو (جمهوري) - ساندرز (ديمقراطي)
- أوكلاهوما: كروز (جمهوري) - ساندرز (ديمقراطي)
- تينيسي: ترامب (جمهوري) – كلينتون (ديمقراطية)
- تكساس: كروز (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)
- فيرمونت: ترامب (جمهوري) - ساندرز (ديمقراطي)
- فيرجينيا: ترامب (جمهوري) - كلينتون (ديمقراطية)



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».