الديمقراطية الحقيقية هي التي تستطيع كبح كارثة حضارتها

مصداقية قيمها التي بشرت بها مهددة بالانهيار الوشيك والتام

أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي
أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي
TT

الديمقراطية الحقيقية هي التي تستطيع كبح كارثة حضارتها

أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي
أستاذ الفلسفة والفكر الإسلامي

الديمقراطية، ذلك المفهوم المغري والمثير الذي انطلق من أثينا القديمة، ليغزو، منذ مطلع العصر الحديث إلى وقتنا الحالي، كل بقاع الأرض، محاطا بهالة فكرية وآلة إعلامية شديدة الضخامة، تكاد تجعله مفهوما مقدسا منزها عن النقص، حامل لآمال وطموحات وتطلعات الشعوب التي أنهكها الاستبداد ودمرتها الحروب. هذا المفهوم أصبح، في نظر الفرويديين، مشحونا بالعواطف التي قد يكون غير قادر على تحملها. وما دام هذا الخيار يتم التسويق له، باعتباره أفضل النماذج في الحكم التي أبدعها الإنسان في مسيرته الطويلة، فإننا سنحاول الحفر في جنيالوجية المفهوم، منقبين في جذوره ومعانيه ودلالته، بغية إماطة اللثام عن جانب آخر مهم جدا، يجري التغاضي عنه دائما، بوعي أو من دون وعي. إنه الوجه الآخر للديمقراطية، الوجه الذي نحاول من خلاله إنزال الديمقراطية من عليائها وقدسيتها لترتطم بحقيقتها الخفية، باعتبارها ليست سوى مجرد نموذج في الحكم. وكما نتحدث عن حسنات الديمقراطية، يتوجب علينا أن نتحدث، بالأمانة نفسها، عن مشكلة الديمقراطية، ومأزقها. فللنقد الحق في الوجود مثلما للمديح حق. فما الأسباب الحقيقية التي تجعل الديمقراطية تطل علينا اليوم، هذه الإطلالة الواسعة، بعدما خبت لقرون طويلة؟ وما الذي يجعلها تملك هذه الغلبة على الخطاب السياسي في العالم المعاصر؟ باختصار، لماذا هذا الطلب المتزايد اليوم على الديمقراطية؟
تعود أصول مفهوم الديمقراطية، إلى الاسم القديم، ديمو Demo أي الشعب، والأدق، قطعة الأرض التي تعود إلى جماعة معينة، وقراط أو قراطوس Grate Kratia، Krates، Kratos، التي تعني الحكم، أو بشكل أدق الممسك بالسلطة، أو شكل الحكومة، السيد المالك، في مقابل العبد. وهو معنى لا يمكن القول إنه أساس الشرعية، أو نظام يعرف بحسن نياته أو نبل رسالته. بل إنه مجرد شكل معين في الحكم، ونظرية لقيت في ميلادها، جدالا كبيرا بين رموز السفسطائية من داخل الفلسفة اليونانية، بين مساند ومعارض. فلم تكن الديمقراطية تشبه ما يمكن أن يخطر ببال أحد اليوم أن يسميه ديمقراطية. وثبت أنها بعيدة عن الشرعية من حيث النظرية، ومجلبة للكوارث من حيث الممارسة. فأكبر احتفال بالديمقراطية هو الذي أتى من الزعيم السياسي بركليس، الذي قاد أثينا إلى الحرب التي كادت تجلب لها الاندثار، وانتهت بهزيمة نكراء مذلة وحاسمة، لم تقم لأثينا قائمة من بعدها. كما لا ننسى أن سقراط، رفض هذا النظام باعتباره نظامًا يجعل الحكم من نصيب الأغلبية من الإسكافيين، والبنائين، والباعة المتجولين، والعامة، بتعبير ابن رشد والفارابي في المدينة الفاضلة، وكذلك من لا معرفة لهم بالسياسة، ولا دراية لهم بفنها. وقد رأى أفلاطون أيضا أن الديمقراطية نظام يقوم على الجهل، والأنانية، وعدم الكفاءة، والسلبية، والرشوة، واحتقار المبادئ، والمساواة بين غير المتساوين، وغيرها من الصفات الشريرة التي تزدهر في ظل هذا النظام. لهذا سيصنف في كتابه «الجمهورية الديمقراطية» بين نظم الحكم الفاسدة، بل في المرتبة الأخيرة من هذه النظم.
لم يكتسب مفهوم الديمقراطية زخمه مجددًا، إلا مع عصر النهضة، حين جرى استبعاد تدخلات الكنيسة الكاثوليكية، ليجد الأوروبيون في الديمقراطية ملجأ من تعسف الكنيسة واضطهادها. لذا عادت أوروبا إلى مناقشة القضية من جديد. ومن حينها، حلت الديمقراطية محل المسيحية، وتحولت إلى دين أوروبا الجديد. أما بعد هذه الصيرورة الطويلة، فيمكن القول إن تاريخ الديمقراطية الطويل، لم يفلح في أن يعطينا تجربة سياسية يحكم فيها الناس، ويسود فيها الشعب المتخيل في ذهنية المنظرين. من هنا، فإن كلام الديمقراطية باسم المجموع والعام، هو من طبيعة هذه الممارسة، التي تغطي فيها المصالح الخاصة نفسها بمضامين عامة، أما المجموع الذي يجري الحديث باسمه، فلا دور له سوى الذهاب إلى صناديق الاقتراع. وبالتالي، فعوض الحديث عن أنظمة حكم متعددة متغيرة على مر التاريخ وصولا إلى الديمقراطية، تصحيحا لذلك بالأحرى، يجب القول إن كل الأنظمة القديمة كانت ديمقراطيات بمعيار هذه الديمقراطية السائدة. لقد جرى الانتقال من ديمقراطية الملاك والعبيد إلى ديمقراطية الإقطاعيين. أما اليوم، فعندنا ديمقراطية البرجوازية والرأسمالية. وهذا ما تنبه له كارل ماركس، عندما رأى أن قوانين ومؤسسات الديمقراطية الشكلية، هي التمظهرات التي خلفها، والأدوات التي بواسطتها تجري ممارسة سلطة الطبقة البرجوازية. ومن ثم يصبح النضال ضد تلك التمظهرات، هو الطريق صوب ديمقراطية حقيقية. وبتعبير أدق مع الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس، إنها ديمقراطية القلة التجارية، ديمقراطية الشركات الكبرى، حيث كل شيء مباح، كل شيء يباع ويشترى. بحيث يصبح السياسي الناجح، هو ذلك السياسي الذي يستطيع أن يجعل الاقتصاد في خدمته، ويزيد من ثروته ويحقق مصالحه التي لا تكون دائمًا وطنية، بل قد تكون حتى معارضة لها. فتصبح المصلحة الوطنية هي مصلحة شبكة القوى المدنية والعسكرية التي تتحكم بمجمل النظام، إذ إن الحكم ليس هو رأي الشعب، كل الشعب، بل هو رأي الجهة صاحبة القوة والقرار، التي تستطيع، بوسائل كثيرة، اقتصادية وقمعية وإعلامية وغيرها، الحصول على شرعية لعبة، تحت اسم الممارسة الديمقراطية بوسائل أخف وزنًا وأكثر احترافًا، بعيدًا عن أساليب العنف الدموي، خصوصًا في المجتمعات الأكثر ديمقراطية. فالإنسان المعاصر، لم يعد يسحب من يده أو عنقه، بل صار يسحب من غرائزه واحتياجاته التي يتم التحكم فيها بدقة. لقد وضع غريج بالاست، المراسل والمحقق الصحافي الأميركي الشهير، كتابًا بعنوان «أفضل ديمقراطية يستطيع المال شراءها»، اعتبر الأكثر مبيعًا. وقد استطاع، من خلاله، أن يثبت، بالوقائع والأرقام، فساد السلطة في أميركا، ووحشية الأساليب السياسية التي ينتهجها الاقتصاد العالمي بقيادة الدول الديمقراطية الصناعية الكبرى.
أما على المستوى الفردي، فيكتب الفيلسوف الفرنسي، جاك رانسيير، في كتابه «كراهية الديمقراطية»، وهو من ترجمة أحمد حسان، بأن الديمقراطية قد ارتبطت بالحرية، لكنها حرية ذات وجهين مختلفين. إنها حرية الفعل، وحرية فعل الشر. حرية الفوضى، والعواطف التواقة للإشباع والزيادة، التي لا تقهر، للمطالب التي تضغط على الحكومات، وتتسبب في تدهور السلطة، وتجعل الأفراد والجماعات عصيين على الانضباط، وعلى التضحيات التي يتطلبها الصالح العام. الحرية التي تصبح فيها العلاقات بين المريض والطبيب، بين المحامي وزبونه، بين القس والمؤمن، بين المعلم والطالب، بين العامل ومن ينال المساعدة، تتطابق باطراد مع نموذج العلاقات التعاقدية بين أفراد متساوين، حسب نموذج العلاقات التعاقدية وحسب العلاقات المساواتية من الناحية الأساسية، التي تقوم بين مقدم خدمة وبين زبونه. يفرغ صبر الإنسان الديمقراطي إزاء كل منافسة، بما في ذلك منافسة الطبيب أو المحامي. تفقد العلاقات التي يعقدها الآخرون أفقها السياسي أو الميتافيزيقي. تميل كل الممارسات المهنية إلى الابتذال. ويصبح الطبيب باطراد، أجيرًا لدى الضمان الاجتماعي، والقس اختصاصيًا اجتماعيًا وموزعًا لبركات الكنيسة.. ويضعف بعد المقدس وبعد الإيمان الديني، بعد الحياة والموت، والمهن التي كانت تؤسس شكلا، ولو غير مباشر أو متواضع، من القيم الجماعية، تتأثر بنضوب التسامي الجمعي، سواء كان دينيا أم سياسيا. أما حقوق الإنسان في ظل الديمقراطية، فليست إلا حقوق الأفراد البرجوازيين والأنانيين، والأفراد الأنانيون هم، بكل بساطة، المستهلكون الشرهون. فالديمقراطية، على حد تعبير جان بودريار، أصبحت إغواء، وحولت المستهلك إلى مستلب نرجسي يلعب بحرية بأشياء وعلامات المعلن التجاري، لتقيم تماهيًا إيجابيًا بين الديمقراطية والاستهلاك. فأصبح الإنسان الديمقراطي، هو ذلك المستهلك النرجسي الذي ينوع خياراته الانتخابية مثلما ينوع لذاته الحميمية، هكذا يدعو رانسيير إلى ضرورة التفكير في ديمقراطية أخرى، يكون بإمكانها السيطرة على كارثة الحضارة الديمقراطية.
ماذا عن العبر المستخلصة من كل هذا؟ هنا أستعين بالمفكر اللبناني، جورج قرم، في كتابه «شرق وغرب»، حينما قال إن الغرب وديمقراطيته، لم ينجحا في إدراك شكل التناقض الفاضح في المبادئ التي أعلنها لتسويق نظامه الإمبريالي، حيث بات شكل هذه الأفكار التي يدعيها، مجرد ديكور كاريكاتوري نافر. وبالتالي، فإن فلسفة الأنوار تواجه أزمة خطيرة، لأن مصداقية هذه الفلسفة ومصداقية القيم الليبرالية والديمقراطية التي بشرت بها، وانتشرت على نطاق واسع في العالم الثالث، مهددتان بالانهيار الوشيك والتام! واسترجع معه السؤال نفسه: هل يعيد المفكرون العرب قراءة الأسطورة الخلاصة في موضوع الديمقراطية، من أجل البناء والإسهام، من باب الواجب، في تحمل المسؤولية أمام هذا التدمير الذي يعيشه المشروع الأنواري، الذي وإن كان نتاجًا غربيًا، فإنه حق مشترك لجميع البشرية؟



لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟
TT

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

لماذا لم يعد هذا العالم كافياً لمنحنا الطمأنينة؟

في عالمٍ محكومٍ بالتواصل الدائم والمنبهات اللانهائية، يبدو الحديث عن «الملل» مفارقةً غريبةً. فكيف يمكن للإنسان المعاصر أن يشعر بالسأم وهو يحمل في جيبه جهازاً ذكياً يمنحه وصولاً فورياً إلى مكتبات الموسيقى العالمية، وآلاف الأفلام، وملايين الكتب، وتدفقات لا تتوقف من النصوص والصور؟

تثبت هذه المفارقة أن الملل ليس غياباً للمثيرات، بقدر ما هو أزمة في صيغة «استجابتنا» لها. لقد تحول في عصر ما بعد الحداثة من حالة عابرة ناتجة عن نقص الخيارات إلى ركودٍ وجوديٍ معقد ناتج عن إفراطها. إنه اللحظة التي يفقد فيها كل شيء معناه، ليس لأن الإنسان لا يملك شيئاً ليفعله، بل لأن كل ما يمكنه فعله يبدو فجأة وكأنه بدون قيمة.

تقلّب مفهوم الملل عبر التاريخ الإنساني بين الإدانة الأخلاقية والتحليل الفلسفي. في العصور الوسطى، أطلق الرهبان عليه اسم «السأم الوجودي»، وعدّوه خطيئةً كبرى تندرج تحت بند الكسل الروحي الذي يصيب النفس في عزلتها. ومع صعود الرومانسية في القرن التاسع عشر، تحول إلى «الضجر» سمة لمثقفين وشعراء رأوا في العالم واقعاً أضيق من خيالهم.

أما اليوم، فيُجمع علماء النفس والباحثون على أن الملل أداة تنبيه تطورية حيوية لا تختلف عن الألم الجسدي. فتقول د. جوزيفا روس فيلاسكو (2026) في كتابها عن الملل (2026)، «إن الوظيفة الحيوية للملل تشبه تماماً وظيفة الألم؛ إنه كما جرس إنذار يخبرنا بأن علاقتنا بالمحيط قد تضررت، وأن النشاط الحالي استُنزف ولم يعد يقدم لعقولنا أي حافز حقيقي للنمو».

الملل بهذا المنطق «صوت رغبةٍ في الرغبة»؛ حالة من التوق الحاد لشيءٍ يعيد إلينا الشغف، دون أن نمتلك القدرة على تحديد ماهية هذا الشيء.

يتخذ الملل المعاصر شكلاً مغايراً تماماً لصورته التقليدية. قديماً، كان الملول شخصاً يجلس في غرفة فارغة وينتظر مرور الوقت؛ اليوم، الملول شخص يستلقي على أريكته ويمسك بهاتفه، يتنقل بين منصات التواصل الاجتماعي، يفتح عشرات التبويبات على شاشته، ويمارس ما يمكن تسميته بالهرولة الرقميّة دون استقرار.

تفسر النظريات السلوكية الحديثة هذا التحول بظاهرة «الإغراق الدوباميني». إن التدفق المستمر للمثيرات السريعة (الفيديوهات القصيرة، الإشعارات، التحديثات اللانهائية) يرفع سقف التوقعات الكيميائية للدماغ. وعندما يعتاد العقل على هذا المستوى المرتفع من التحفيز، يصبح الواقع العادي بقراءته الهادئة، وحواراته العميقة، ولحظات سكونه بطيئاً ومملاً بالمقارنة بشكل لا يطاق. إننا نعيش في بيئة تقدم تسليةً هائلةً ومعنىً ضئيلاً. وهذا التباين الحاد بين وفرة المحتوى وغياب القيمة تربة لا شك خصبة لينمو فيها الملل المزمن.

يكشف تتبع هذا المفهوم عن تبدل كامل في تمظهراته السلوكية؛ إذ تميز الملل التقليدي قديماً ببطء إيقاع الزمن والشعور بثقله الشديد، بينما يتسمّ الملل المعاصر بتسارع ركيك للوقت عبر تشتيت الانتباه المستمر بين الشاشات. وفي حين كان يعاني النمط القديم من نقص حاد في الفرص والخيارات المتاحة، يواجه إنسان ما بعد الحداثة تخمة في الخيارات تؤدي إلى شلل الإرادة وعجز الاختيار. كما كان يعبر الملل سابقاً عن نفسه عبر السكون الجسدي التامّ وانتظار المثير الخارجي، بينما يرتدي في عصرنا الحالي قناع الحركة المحمومة والمطاردة الدائمة للتجارب الجديدة لملء الفراغ.

لقد تحول هذا الهوس بالإنتاجية، وتكديس الشهادات، والاشتراك في الأنشطة المتلاحقة إلى قناعٍ سميك يخفي وراءه رعباً حقيقياً من مواجهة الذات حين تصبح الجرأة على ألا نفعل شيئاً غائبة تماماً؛ فالإنسان المعاصر يخشى الصمت الداخلي الذي ينتظره إذا ما توقف، لأن الصمت يثير الأسئلة الوجودية المؤجلة حول جدوى ما يفعل وجدوى الطريق الذي يسلكه.

لا تتوقف خطورة الملل المزمن عند حدود الشعور بالضيق، بل تمتد لتلقي بظلالها على الخيارات الأخلاقية والسلوكية للفرد. إذ عندما يستقر السأم في أعماق النفس، تبهت الألوان في عين الإنسان، ولا تعود المحفزات المعتادة كافية لتحريك مشاعره. وتقود هذه الحالة، بحسب دراسات علم النفس الاجتماعي، إلى سلوك ركوب المخاطر والبحث عن حوافز متطرفة لكسر الرتابة. قد يتجلى ذلك في الاستهلاك الاندفاعي، أو الانغماس في عوالم افتراضية بديلة، أو حتى تبني مواقف وأفكار متطرفة لمجرد الشعور بالانتماء لحدث صاخب.

وفي هذه الحال، يتضاءل اهتمام الفرد بالمعايير العقلانية أو الأخلاقية للخيارات، ويصبح المعيار الوحيد الحاكم هو قدرة الفعل على انتشاله من البلادة الشعورية ومنحه جرعة إثارة فورية، حتى وإن كان ذلك الفعل مؤذياً للذات أو للآخرين.

مع ذلك كله، فإن ثمة فلسفات ترى في الملل نافذةً لا تعوض للاستبصار وتجعل من النظر إليه بوصفه عدواً تنبغي مواجهته بالتسلية الفورية خطأ نكرره يومياً. فإذا كان الملل إنذاراً يخبرنا بأن علاقتنا بالعالم قد تضررت، فإن الحل لا يكون في تجاهل الإنذار، بل في قراءة الرسالة. يمنحنا الملل، إذا ما واجهناه بشجاعة، فرصةً ذهبيةً لإعادة ترتيب الأولويات، والبحث عن مصادر حقيقية للمعنى والاتصال الإنساني العميق عوضاً عن المثيرات السطحية المؤقتة. إن لحظات الفراغ والسكون، التي نهرب منها اليوم برعب، هي ذاتها المساحات التي ولدت فيها عبر التاريخ أعظم الأفكار الفلسفية، والإبداعات الفنية، والاكتشافات العلمية.

ليست أزمة الإنسان المعاصر في قلة ما يملك من أدوات لإزجاء الوقت، بل في عجزه عن استيعاب ما يملك ومنحه قيمته الحقيقية. إن مواجهة الملل في عصر ما بعد الحداثة تتطلب شجاعةً من نوع خاص: شجاعة التوقف عن الهرولة، والقدرة على معاقرة الصمت، والامتناع الإرادي عن الاستهلاك اللانهائي للمثيرات.

لن تتأتى السعادة من أن نملأ أوقاتنا بأي شيء كي ننجو من الملل، بل حين ندرك لماذا لم يعد هذا العالم، بكل وفرته وصخبه، كافياً لمنحنا الطمأنينة والرضا.


«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة
TT

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

«التجريدة»... تفكيك عقل السلطة

تتخذ رواية «التجريدة: ثورة الصعيد المقدسة» للروائي المصري أحمد إبراهيم الشريف (منشورات الربيع - القاهرة) من حدث تاريخي مركزاً لها، وتتأسس على تقنية تعدد الأصوات، فرغم كثرة الشخصيات داخل المتن السردي، التي تصل إلى 30 شخصية، فإن السارد يمنح كل منها مساحة للتعبير عن ذاته، وتداعي أفكاره، وما يعتمل داخله من أحلام وهواجس وطموحات وتطلعات، فنرى العالم من وجهة نظر كل منها، دون أن يعوق هذا تدفق الحكاية واستمراريتها، فكل شخصية، حين تحكي عن نفسها ورؤيتها، فإنها تمارس في الوقت نفسه دورها في التنامي الحكائي. ورغم هذا الاحتفاء بالشخصيات وخطاباتها ورؤاها، فإن الحدث المركزي، وهو التجريدة، يظل مركز الثقل الأكبر في النص الروائي، ومناط جدارته السردية.

تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من القرن التاسع، تحديداً مع بدايات حكم الخديو إسماعيل في قرية «قاو»، إحدى قرى محافظة أسيوط، بصعيد مصر، حيث جرت وقائع مذبحة ضد هذه القرية، حين شن عليها الوالي إسماعيل غارة لإخماد ما ظنه تمرداً فيها على حكمه الناشئ حديثاً، فأراد عبر قمع هذه القرية أن تكون عبرة لكل من يتمرد على سلطته مستقبلاً، لذا كان التنكيل بكل من فيها، وهدم منازلها على رؤوسهم، حتى أضحت خراباً، ومن وقعوا في يد قواته تم قطع رؤوسهم على مرأى من بقية أهل القرية من النساء والشيوخ والأطفال.

نشأت بذرة الأحداث من «جريس» المسيحي عندما اشترى جارية أفريقية، وادعى كذباً أنها مسلمة، وأن اسمها «فاطمة» رغم أنها لا تعرف لنفسها اسماً ولا ديناً، ولا تعرف اللغة العربية، فقد اختطفت من بلادها وهي طفلة صغيرة، وتعمد مضاجعتها أو جلدها وضربها على مسمع من جيرانه، وإشاعة أفعاله معها للجميع، ليثير حنق أهل القرية ويدفعهم للفتك به، وأرسل للوالي يستغيث من اضطهاد المسلمين له، رغم تحذيرات أقربائه، حتى قس الكنيسة تبرأ منه، لمعرفته بنواياه في إثارة فتنة طائفية. ولم يتعاط الوالي إسماعيل مع أحداث العنف في القرية بوصفها حتى حدثاً طائفياً، بل اعتبرها محاولة سياسية لزعزعة حكمه الوليد، فقرر قمع الجميع بكل عنف.

الرواية ذات طابع ملحمي واضح، وقد قسمها الروائي إلى أربعة فصول؛ كل فصل منها يتكون من عدة لوحات سردية، وكل لوحة تحمل اسم شخصية ويأتي الحكي على لسانها، راويةً حكايتها ورؤيتها لجانب من الأحداث، وكل شخصية تسلم راية الحكاية لمن يليها، كي يكمل مسار السرد. وبناء السرد وفقاً لشخصيات الرواية يذكرنا برواية «حديث الصباح والمساء» لنجيب محفوظ، إذ يتشابه الشكل البنائي للروايتين، وإن كان تتابع الشخصيات لدى الشريف يأتي وفق المنطق الدرامي، ولم يتبع النهج الألفبائي الذي اختاره أديب نوبل.

الفصل الأول «الغارة»، يروي بدايات ما ظنه الوالي ورجاله تمرداً سياسياً، لكنه في الحقيقة لم يكن له علاقة بالحاكم وسياساته، بل مجرد صراعات قبلية على المكانة الاجتماعية بين أهل القرية وخرجت عن السيطرة. الفصل الثاني «الخراب» يصور قمع السلطة للقرية وأهلها، فقد تحولت إلى أطلال، وكانت الأشلاء في كل مكان، حتى أن النيل تضمخ باللون الأحمر من فرط الدماء، وسط هذه المأساة يتمكن قلة من أهل القرية من الفرار إلى الجبال والاختباء في كهوفها، ومجموعة أخرى من النساء والأطفال تختبئ في قبو الكنيسة.

الفصل الثالث «التيه»، يروي حكاية من تبقى في القرية ممن نجوا من المذبحة، وقد حكم عليهم الوالي بالنفي إلى دمياط، أقصى شمال مصر، إمعاناً في الانتقام منهم، ولتظل خراباً شاهداً على قوة السلطة وقمعها لكل من يفكر في أن يرفع رأسه في مواجهة الحاكم ولو بالخطأ. هذا النفي لبلد بعيد، يشبه تغريبة بني هلال، ويتناص بشكل واضح مع هذا الجزء من الحكاية الشعبية. أما الفصل الرابع «العودة»، فيروي بدايات عودة المشردين في الجبال والمنفيين إلى القرية ومحاولة تأسيسها من جديد.

يتبدى في الرواية، وفي بنيتها العميقة وخطابها المضمر، محاولة سردية لتشريح الصراعات الخفية داخل المجتمعات القبلية، حتى داخل العائلة الواحدة، رغم ما يبدو على السطح من تناغم، لكن في العمق تكمن صراعات خفية على السلطة، وعلى المكانة الاجتماعية داخل القرية، ولو بين الأشقاء، أو بين كبير العائلة وابن شقيقه النابغ، ورغبته في توريث سلطته لابنه هو رغم تدني قدرته واندفاعه الأرعن، ويخشى على مكانته هو وابنه من ذكاء وحكمة ابن شقيقه. من جانب آخر تفكك الرواية ما يبدو أنه صراعات دينية، موضحاً أنها صراعات على السلطة والمكانة أيضاً، فالمسيحي الذي فجّر الأحداث وأشعل النيران كلها، لم يكن يكره المسلمين، بل كان يكره كل أهل القرية، مسلمين ومسيحيين، حتى أنه كان يمقت قس الكنيسة، وكان راغباً في الانتقام من الجميع، رغم محاولات القس إثناءه عن أفعاله الشريرة.

إلى جانب تشريح بنية المجتمع القبلي، تنزع الرواية إلى تفكيك عقل السلطة، وبنية خطابها، وكيفية تفكير من يجلس في مقعد الحكم، سواء كانت السلطة الأعلى ممثلة في الوالي إسماعيل، أو سلطة دنيا مثل عمدة القرية المجاورة لقرية «قاو»، فرغم الفارق الشاسع في حجم سلطة كل منهما، فإن ثمة رابطاً بنيوياً يوحد بينهما، ويلغي الفروق بين الوالي والعمدة، إذ يفكر كلاهما بالمنطق ذاته. يقول الوالي إسماعيل: «تعلمت أنه ليس مهما أن يحبك الناس، بل دعهم يخافون منك، ولا تهتم بهم من الأساس، حتى إن أبديت لهم غير ذلك». في حين يقول العمدة عبد العال العقيلي: «لا أهتم بمحبة الناس، حتى أولادي لا أشعر أنهم يحبونني، وذلك ليس مهماً، وما داموا يطيعونني ويتبعونني، فلن أشق قلوبهم لأعرف ما بها، حتى لو تمنوا موتي، لن أهتم، ما دام الواحد منهم يقف بين يدي لا يستطيع أن يضع عينه في عيني».

رغم التفاوت الكبير في حجم السلطتين، فإنهما ينطلقان من رؤية واحدة للعالم، وللحكم، وللمحكومين، وحتى لأقرب الناس إليهما. إنهما أبناء العقل ذاته، عقل السلطة، الذي لا يمنح اهتماماً للحب، في مقابل اهتمامه بالبطش والقمع، وبترهيب المحكومين، فهذا ما يرسخ الحكم ويقويه، خنوع المحكوم للحاكم، وليس حبه له، ولا إيمانه بجدارته واقتناعه به، فهذا العقل يعتنق فلسفة الخوف والرعب، حتى أن البناء اللغوي في الفقرتين يبدو متشابهاً حد التوحد، إذ إن هذه اللغة لا تصدر من شخصيتين مختلفتي المكانة والثقافة والمرجعيات النفسية والاجتماعية، بل تصدر عن عقل واحد حاكم لكليهما، هو عقل السلطة وكرسي الحكم.

ثمة شخصيات لامعة على مدار الرواية، خصوصاً النسائية، ومنها «شمعة»، المسيحية التي تنقذ الأطفال، مسلمين ومسيحيين، وتخرج بهم من المخبأ في الكنيسة، عقب انتهاء التجريدة، لتعيد بناء القرية وإعمارها، فتبدو نسخة جديدة من إيزيس، لكنها لا تعيد جميع أشلاء شخص أو حبيب، بل تعيد القرية إلى الحياة.


«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب
TT

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

«بنسيون كليو»... الإسكندرية في مرمى الإرهاب

ترتبط شواطئ مدينة الإسكندرية تاريخياً في المخيلة العامة بالرومانسية والحنين والذكريات البهية، وهو ما جسدته أغنية فيروز الشهيرة «شط إسكندرية يا شط الهوى - رحنا إسكندرية رمانا الهوى - يا دنيا هنية وليالي رضية - أحملها بعينيه»، وهو ما تناولته، وفق أنساق مختلفة، روايات عربية وعالمية عديدة، أبرزها «رباعية الإسكندرية» للورانس داريل.

لكن الكاتبة المصرية مي خالد في روايتها «بنسيون كليو» تتناول عروس البحر المتوسط من منظور مختلف يمزج الحنين بحادث دموي لم تبرأ منه الذاكرة المصرية تماماً هو تفجير «كنيسة القديسين» عام 2011 بالمدينة، وكأن أمواج الجمال النقي على شواطئها اختلطت في لحظة استثنائية هاربة من الزمن بموجة من التطرف والعنف والمصادرة على الآخرين.

في الرواية الصادرة عن «دار العربي» بالقاهرة، يبدو كما لو كانت كل عائلة لديها نسختها الخاصة من «بنسيون كليو»، وهو مكان يلتقى فيه الغرباء الباحثون عن إقامة سريعة مؤقتة، لا يُزار ولا يُذكر لكنه يحتفظ بكل ما تم تجاهله. في هذا البنسيون المطل على بحر الإسكندرية لا تُخزّن الأشياء القديمة فقط، بل تُخفي الحقائق عبر صداقات لم تصمد وعائلات أتقنت الصمت ونساء تم إبعادهن عن الصورة قسراً لأسباب غير منطقية.

يعود سعد، بطل العمل، إلى المدينة المثقلة بجراح اللحظة الطائشة إثر التفجير الإرهابي بعد عمر كامل ليكتشف أن ما سُمّي نسياناً كان اتفاقاً، وأن ما سُمي نجاة كان توزيعاً ذكياً للأذى.

وذلك عبر سردية تمزج بين الوقائع الخارجية المتلاحقة وما تخفيه الشخصيات من أسرار وهواجس ومخاوف. تعود أحداث الرواية إلى الماضي لترصده من خلال أبرز تجلياته في الإسكندرية، منذ الأربعينات عبر رسائل لم تُفتح ولوحات تخفي أكثر مما تُظهر، ووثائق انتظرت اللحظة الحرجة لتكشف الحقائق غير المرغوب فيها.

من أجواء الرواية نقرأ:

«سيارة الأجرة القديمة من طراز (بيجو 504) التي صمدت أمام الزمن، كما صمدت أشياء كثيرة، هي التي أنقذتني عند محطة مصر حين لم أجد قطاراً يتحرك نحو الإسكندرية في الرابعة صباحاً. وفي تمام السابعة والنصف توقفتُ أخيراً أمام البنسيون ذي الواجهة الحائلة المطلة على الكورنيش، هواء البحر المتوسط البارد في يناير المشبع برائحة اليود والملح لفح وجهي.

كان الجو رمادياً كئيباً يعكس حالة الحداد غير المعلنة التي خيمت على المدينة بعد ليلة رأس السنة الدامية. نظرت إلى لافتة البنسيون النحاسية القديمة، تذكرت وجه أسعد الضاحك وسخريته اللاذعة من كل شيء وكذبة أبريل التي كان يتفنن في تأليفها كل عام حد ادعاء الموت ثم الضحك عالياً والسخرية من قلقنا، كيف يمكن أن يكون أسعد ضحية عمل إرهابي يبدو عبثياً؟ شعرت ببرودة تسري في أوصالي فأحكمت الكوفية ومعطفي الثقيل حول جسدي ودلفت سريعاً إلى مدخل العمارة لأتفادى تيار الهواء.

شعرت كأنني أعبر بوابة زمنية تعيدني إلى سنوات غابرة، كانت العمارة شاهقة لكنها لم تعد مهيبة كما كانت يوماً، ونوافذها الطويلة المهشمة في بعض أجزائها أضفت طابعاً حزيناً كأنها عيون تبكي أطلال مجدها. استقبلني المدخل الواسع بأرضيته المرصوفة بالفيسفساء التي تعرضت للتآكل وبرزت منها نتوءات الحصى الحادة.

في نهاية المدخل، انتصب باب المصعد العتيق من الحديد المشغول مثل بوابة قفص وُضع بين العصور، وقد نقشت الرطوبة بقعاً خضراء من الصدأ على مقبضه النحاسي الكبير وهو ينزل ببطء من أعلى بدا كأنه يئن بصمت أو كأنه يريد أن يتوقف في مكانه ليحبس أسرار الذين عبروا به من طابق إلى آخر».