حواضن {داعش} للأجانب في ليبيا تتآكل

المقاتلون الغرباء في التنظيم المتطرّف يتحرّكون صوب العاصمة طرابلس

حواضن {داعش} للأجانب في ليبيا تتآكل
TT

حواضن {داعش} للأجانب في ليبيا تتآكل

حواضن {داعش} للأجانب في ليبيا تتآكل

قتل في الغارة الأميركية على مقر لـ«داعش» في مدينة صبراتة الليبية الأسبوع الماضي نحو أربعين ممن يعتقد أنهم من التنظيم المتطرف. وجاءت هذه الغارة بعد عدة أشهر من غارتين نفذتهما الولايات المتحدة الأميركية في ليبيا العام الماضي.. الأولى على اجتماع كان يحضره القيادي الجزائري في تنظيم القاعدة مختار بلمختار، إلى الجنوب من مدينة إجدابيا – القريبة من مدينة بنغازي - ما أدى إلى مقتل عدد من المجتمعين، والثاني على درنة نفسها، ما أدى إلى مقتل القيادي في «داعش»، الملقب بـ«أبو نبيل».
يبلغ سعر نقل سبعين مقاتلاً أجنبيًا من تنظيم داعش بمدينة درنة في شرق ليبيا، إلى العاصمة طرابلس في غرب البلاد، نحو 25 ألف دولار أميركي عن طريق البر المحفوف بالمخاطر، بينما يزيد السعر إلى أكثر من 30 ألف دولار إذا كانت عملية النقل تجري عبر المراكب الصغيرة في البحر. ومن دون تفاوض، تبلغ كلفة نقل شحنة من السلاح من ميناء طرابلس إلى ميناء درنة 50 ألف دولار. ولكن، مع تآكل الحواضن الشعبية للدواعش الأجانب في درنة، وتعرّض الدواعش التونسيين في صبراتة للقصف من الطائرات الأميركية، تغيّرت وجهة عناصر التنظيم المتطرّف، من غير الليبيين، إلى طرابلس، وارتفعت أسعار نقل المقاتلين، وتحوّلت إلى تجارة رائجة بين محترفي التهريب عبر البر والبحر.
أحمد إسماعيل، أحد القيادات الشعبية في مدينة درنة، بشمال شرقي ليبيا، الذي نزح شرقًا إلى مدينة طبرق بسبب الاقتتال في المدينة، قال لـ«الشرق الأوسط» إن الأهالي تمكنوا في نهاية المطاف، وبعد نحو أربع سنوات من سيطرة المتطرفين الغرباء على درنة، من طردهم خارج الأسوار. وأردف إسماعيل: «بعض العناصر من العرب والأجانب التحق بالقتال في بنغازي وسرت، والبعض الآخر رحل إلى طرابلس»، لكنه عاد فحذّر من استمرار الخطر بسبب لجوء المتطرّفين المحليين في البلدة الواقعة على البحر، إلى الجبال والوديان التي تحيط بها من ثلاث جهات.
القائد الأول لـ«داعش» في ليبيا اسمه محمد المدهوني، وهو على اتصال مباشر برجل يقيم في مقر الخليفة المزعوم أبو بكر البغدادي في العراق، واسمه ياسين. وحسب المعلومات، ينفق المدهوني، الذي انتقل من بلدته الأصلية صبراتة، للإقامة في طرابلس، أموالا طائلة على تحريك المقاتلين وشحنات الأسلحة عبر البلاد. ويتعاون معه في هذا المجال قيادات من جماعة الإخوان المسلمين ومن «الجماعة الليبية المقاتلة»، وفقا لوثائق تحقيقات اطّلعت عليها «الشرق الأوسط»، إلا أن هذا لا يخفي وجود ارتباك وتضارب في المصالح بشأن مستقبل التنظيمات المتطرفة في ليبيا، وتُعد مدينتا درنة وصبراتة أبرز مثالين على هذا التناقض الذي يبدو أن من تسبب فيه هم المقاتلون الأجانب.
في العلن تؤكد قيادات في جماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة» أنها ضد المتطرفين وضد داعش، إلا أنه وفق المخابرات الليبية فإن الصورة على الأرض تبدو مغايرة، إذ قال ضابط في جهاز المخابرات الليبي إن مسارات تحرّك المتشددين، بمن فيهم الدواعش، ومسارات انتقال الأسلحة، تقع تحت نفوذ الإخوان و«الجماعة المقاتلة». وما زال الرجال الأقوياء في هاتين الجماعتين يُطلقون على مجالس المتطرفين في درنة وصبراتة وغيرها اسم «مجالس الثوار»، ويزعمون أن محاربة الجيش الوطني الليبي لهذه المجالس تعد حربا ضد الثورة وانقلابا عليها.
للوصول سريعًا إلى مواقع التشقّقات داخل صفوف المتطرّفين لا بد من العودة إلى الأيام الأولى من سقوط نظام معمّر القذافي عام 2011. في ذلك الوقت تشكَّل في كثير من المدن الليبية ما يعرف بـ«المجالس العسكرية»، أو بـ«مجالس الثوار»، أي مجلس عسكري لكل مدينة يضم المقاتلين الذين كانوا يحاربون قوات النظام السابق. وتشكّل في كل من درنة وصبراتة مجلس للثوار مهمته، مثل مجالس المدن الأخرى في طرابلس وبنغازي وغيرهما، الحفاظ على ثورة 17 فبراير (شباط)، وإدارة شؤون المجتمع المحلي.
وبمرور الوقت أخذت التيارات المتطرّفة تهيمن على كثير من مجالس الثوار والمجالس العسكرية، مع إقصاء ممثلي التيارات المدنية والعلمانية والقيادات الداعية لإعادة تأسيس الجيش وبناء وزارة الداخلية. وبحلول منتصف عام 2014، أي بعد حرب الصيف حول مطار طرابلس الدولي، وانتخاب الليبيين برلمانًا جديدًا متحررًا من هيمنة القيادات الدينية المتطرّفة، حدث الانقسام الكبير. وأصبحت توجد في ليبيا مجالس موالية بشكل تام لزعماء التطرف وتستعين بخليط من المقاتلين القادمين من دول مختلفة، وأخرى تحارب مع الجيش لبناء الدولة.
ومن ثم، بدأ التنافس داخل مجالس المدن الواقعة تحت يدي المتطرّفين، بين القيادات العليا التي تتحكّم في هذه المجالس انطلاقا من العاصمة طرابلس. وهو تنافسٌ محموم بين قادة الإخوان وقادة «الجماعة المقاتلة». وفي هذه الأثناء كان كل فريق يعزّز من مواقفه من خلال جلب المتطرفين والأسلحة من الدول العربية والأجنبية، بغرض زيادة قوته وهيمنته داخل مجالس المدن.
وحول هذا الوضع ذكر أحد المصادر الأمنية أن «البداية كانت في درنة، ثم في صبراتة.. كثرة الوجوه الغريبة أصابت سكان هذه المدن بالإحباط، ما معنى أن تجد نقطة أمنية في مدخل المدينة يديرها أفغان أو توانسة». وأضاف أن أحد الأسباب التي أدت لاندماج المقاتلين الأجانب مع المتطرفين المحليين، يرجع إلى الأرضية القديمة للتطرف في المدينتين، حيث خرج من درنة عدة مئات من الشباب في ثمانينات القرن الماضي لـ«الجهاد» في أفغانستان، ثم بعد ذلك في عدة بلدان أخرى مثل البوسنة والشيشان والعراق، و«لهذا كان من السهل استيعاب المتطرّفين من الوافدين العرب الأجانب، من أفغانستان وباكستان واليمن ومصر وغيرها، في صفوف المتطرّفين المحليين».
أما صبراتة، وبحكم موقعها القريب من تونس، فلها علاقة وثيقة منذ زمن بقيادات متطرّفة في ذلك البلد، وانخرط عدد من شبانها في حروب خارجية مماثلة. وحين وصل قادة من باكستان والشيشان وجدوا رفاقًا ليبيين وتونسيين في صبراتة كانوا يحاربون معهم في الجبال الآسيوية.
أول إعلان عن وجود تنظيم داعش في ليبيا كان انطلاقا من درنة، وذلك بعدما تحوّل قسم كبير من جماعة أنصار الشريعة في المدينة إلى موالاة الخليفة المزعوم في العراق والشام. واستغل التحالف بين المتطرفين المحليين والوافدين ضعف البنية القبلية للمدينة، مقارنةً بمدن أخرى مثل البيضاء وشحّات، المجاورتين، وبدأ هذا التحالف في إرهاب الأهالي، وتنفيذ عمليات الذبح والقتل علانيةً في الساحات والشوارع.
وجدير بالذكر أنه يعيش في درنة، التي كانت تشتهر قديما بالفنون والطرب، خليطٌ من ذوي الأصول العربية والبربرية (الأمازيغية) وغيرها. وبسبب موقعها الفريد على البحر وشواطئها الهادئة وغاباتها الخلابة، وحدودها الجبلية الوعرة، اكتسبت المدينة طابعًا حضاريًا. وفي المقابل، ومنذ بداية ثمانينات القرن الماضي، لجأ قطاع من الشباب إلى العزلة والتشدّد الديني ضمن موجة ضربت العالم العربي في ذلك الوقت. ومن المعروف أن محمد الزهاوي، قائد تنظيم «أنصار الشريعة» الذي قتل في معارك مطار بنينا ضد الجيش قرب بنغازي كان عازف إيقاع في فرقة درنة الموسيقية، قبل أن يختار «طريق الجهاد»، كما يقول أحد أقاربه.
وهنا شرح الشيخ حسين عبد الله، العضو في لجنة المصالحة القبلية في شرق البلاد، أن «ليبيا تحكمها القبيلة.. وكلما تعددت القبائل في مدينة معينة، أصبحت المدينة هشة، وتحوّلت إلى لقمة سائغة للمتطرفين والغرباء. وبما يخص درنة لا يمكن أن تقول إنه توجد في درنة قبيلة قائدة أو قبيلة ذات أغلبية، بل يعيش فيها أبناء لعشرات القبائل المختلفة، بالإضافة إلى عائلات صغيرة ليست لها قبائل معروفة. وكانت هذه ميزة لتقدم المدينة في وقت ما في السابق، ولكن حين ظهرت التنظيمات المتطرفة، بات من السهل أن تجد لها موضع قدم فيها».
ومن جانبه، أوضح محمد الزبيدي، الرئيس السابق للجنة القانونية لمؤتمر القبائل الليبية، إن أصول أكثر من 70 في المائة من سكان درنة تعود إلى مناطق مختلفة من ليبيا، من تاجوراء وطرابلس، ومن أصول يونانية وإيطالية.. «أي هي مدينة خليط ومتحضرة، والقبيلة ليس لها ثقل يذكر».
الأمر يختلف عن مدينة مثل طبرق أو البيضاء أو القبة، على سبيل المثال، التي لم تشهد أي منها نشاط يذكر للمتطرفين طيلة عقود. والسبب أن كل مدينة من هذه المدن توجد فيها قبائل حاكمة، أي قبائل رئيسية مثل القطعان والمنفة والعبيدات والبراعصة. وأبرز مثال على ارتباط الاستقرار في المدن الليبية بالقبيلة، يمكن أن تلاحظه في مدينة بني وليد، التي يقتصر الوجود السكاني فيها على قبيلة ورفلة.
وحسب الزبيدي فإن من مميزات درنة وصبراتة الإضافية التي تجعل المتطرفين ينشطون فيهما، خصوصا من الوافدين، هو أن كلا منهما قريبة من الحدود، بجانب ضعف الهوية القبلية في كل منهما أيضا.. «درنة قريبة من الأراضي المصرية وصبراتة قريبة من تونس. المتطرفون عادة يستقرون في المدن الحدودية. في الجنوب الغربي، مثلاً، يوجد دواعش جزائريون في بلدة تراغن، التي هي بلدة عبد الوهاب قائد العضو في المؤتمر الوطني المنتهية ولايته، وشقيق أبو يحيى الليبي القيادي في تنظيم القاعدة (قتل في 2012)».
وأردف الزبيدي أن «تهريب السلاح ودخول المقاتلين أمر متيسر في كل من درنة وصبراتة. كما أن قبضة الدولة في مثل هذه الأماكن ليست قوية، إلى جانب حالة إنكار وجود تنظيمات متطرفة منذ البداية من جانب المسؤولين في البلاد». وتابع أن الحكّام الجدد في ليبيا بعد معمر القذافي «كانوا يرفضون الاعتراف بوجود هؤلاء المتطرفين مع أنهم كانوا ينشطون بالفعل في درنة منذ عام 2011، إلى أن تفجّرت عملية الكرامة التي يقوها الجيش الوطني الليبي ضد الإرهاب منذ عام 2014».
واستطرد الزبيدي شارحًا أن الأمر نفسه حدث في صبراتة، «حيث كان المتطرّفون ينشطون منذ عام 2011 بينما المسؤولون ظلوا ينكرون ذلك حتى الآن، بمن فيهم رئيس بلدية المدينة الذي قال (متهكمًا) إنه إذا كان يوجد دواعش هنا فأنا أمير الدواعش». وأضاف أن هذه التصرفات من جانب المسؤولين كانت تأتي في سياق «نوع من التغطية والتعمية على نشاط المتطرفين». ويبدو أن عملية الإنكار والتعمية ما زالت مستمرة حتى بعدما أعلن تنظيم داعش عن وجوده بقوة في ليبيا، سواء منذ البداية في درنة وصبراتة، أو في مناطق أخرى.
وحسب الزبيدي فإن الذين قتلوا في عملية صبراتة من جنسيات تونسية. وزاد أن هذا «لا يعني عدم وجود متطرفين ليبيين في المدينة، ولكن الليبيين، سواءً في صبراتة أو في درنة، يعرفون جغرافية المنطقة، ويختبئون وسط الناس أو في أماكن آمنة.. بينما المقاتلون القادمون من الخارج هم أجانب في نهاية المطاف، ولا يعرفون الدروب ولا الطرق. ولو لم تكن هناك حواضن لهم في درنة وصبراتة لما دخلوا أيا منهما منذ البداية».
وبعد التأكيد على أن ثمة مدنا ليبية يمكن أن تطلق عليها اسم «القبيلة المدينة» أي المدينة التي ترتبط بوجود قبيلة معينة فيها، قال الزبيدي إن «القبيلة المدينة يصعب على المجاميع المتطرفة الوجود فيها ويصعب ذلك حتى على الميليشيات. وهذا عكس المدن المختلطة مثل درنة وصبراتة، ومثل هذه المدن هي التي توفر حواضن للمتطرفين، ويتحركون فيها بحرية ودون قيود. في مدينة بني وليد على سبيل المثال حيث قبيلة ورفلة، لا يمكن لأي غريب أو متطرف أن ينشط أو يتحرك، لأن الأهالي سيقاومونه. وكذلك الأمر في مدن كطبرق والمرج.. المجتمع هناك متجانس».
في صبراتة، الوضع مختلف، إذ توجد فيها كثير من العائلات مثل الدبابشة التي ينتمي إليها مندوب ليبيا في الأمم المتحدة إبراهيم الدباشي، والمدهوني، التي ينتسب إليها رئيس المجلس المحلي. ويبدو أن تحرّكات المقاتلين الأجانب بدأت هي الأخرى تتجه إلى التمركز في طرابلس، التي وصلها بالفعل، وفقا للمصادر الأمنية، قيادات داعشية من آسيا وأفريقيا.
مع هذا، تمكّن شباب من درنة وصبراتة من تخطي مشكلة ضعف التماسك القبلي في المدينتين، في بلاد تعاني أصلا من ضعف السلطة المركزية وهشاشة الحكومة منذ 2011 حتى الآن. ففي درنة، بعد سنوات من هيمنة المتطرفين على المدينة، تكوّنت مجموعات من الشباب لمقاومة المتطرفين الغرباء الذين غزوا المدينة من البر والبحر، واستعانوا في ذلك بمساعدة من الجيش الذي فرض حصارًا على المدينة منذ صيف 2014. وأمام هذا الضغط لجأ مئات من متطرّفي درنة الأجانب إلى عدة طرق، منها دفع أموال لمهرّبين محترفين لنقلهم إلى مناطق أقل خطرًا، خصوصا طرابلس. أما الدواعش المحليون فاختاروا التحصّن في مناطق جبلية محيطة بالمدينة.
ووفق أحد المصادر العسكرية فإنه لوحظ أن من لديهم قدرة على دفع أموال للانتقال إلى العاصمة، هم من قيادات «داعش» العرب والأجانب.. «لقد جرى رصد ثلاث قوافل لسيارات الدفع الرباعي تحمل أكثر من 70 من عناصر داعش. تحرّكوا إلى سرت، عبر الطريق البري، ومنها إلى طرابلس»، مشيرا إلى أن المتطرّفين المحللين من أبناء المدينة، فضلوا البقاء في الغابات والجبال خصوصا جنوب المدينة، وهو نفس المكان الذي اختبأ فيه متطرفو درنة في عهد القذافي حين اضطر لضربهم بالطيران في عام 1995».
أما عن خط الهروب من درنة إلى طرابلس من طريق البحر، فأشار المصدر نفسه إلى أن المراكب الصغيرة التي يطلق عليها الليبيون «جرافات»، تأتي من العاصمة بشحنات من الأسلحة وتسلّمها للمجموعات المحلية من المتطرفين، وتعود بمقاتلين من بينهم سوريون وسودانيون وأفغان وحتى من القادمين من بنغلاديش، معربا عن اعتقاده أن إعادة الانتشار يشرف عليها قائد «داعش» الليبي محمد المدهوني، الذي يتخذ من العاصمة مقرًا له، بعلم باقي قادة الميليشيات في طرابلس، سواءً من «الجماعة المقاتلة» أو جماعة الإخوان.



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».


ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)

عندما وصف رجل ألماني في شريط على «يوتيوب» سوسن شبلي، السياسية الألمانية الشابة من أصل فلسطيني، والتي تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنها: «دمية متحدثة باسم الإسلاميين»، ظنت أن محكمة ألمانية سترد لها حقها بعد «الإهانة» التي تعرضت لها، ولكنها فوجئت عندما حكمت المحكمة بأن هذه الصفة وغيرها من التي ألصقها بها الرجل، هي «ضمن حرية التعبير التي يصونها القانون الألماني»، وليست إهانة ولا تحريضاً على الكراهية.

في الواقع، لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض لها شبلي لتوصيفات عنصرية كهذه. فهي وغيرها من السياسيين المسلمين القلائل في ألمانيا، والسياسي الأسود الوحيد كرامبا ديابي، معتادون على سماع كثير من الإهانات، بسبب ديانتهم ولونهم فقط؛ حتى أنهم يتلقون تهديدات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات، تصل أحياناً لحد التهديد بالقتل.
ورغم أن هذه التهديدات التي يتعرض لها السياسيون المسلمون في ألمانيا تجلب لهم التضامن من بقية السياسيين الألمان، فإن أكثر من ذلك لا يُحدث الكثير.
في ألمانيا، تصنف السلطات ما يزيد على 12 ألف شخص على أنهم من اليمين المتطرف، ألف منهم عنيفون، وهناك خطر من أن ينفذوا اعتداءات داخل البلاد.
يشكل اليمينيون المتطرفون شبكات سرية، ويتواصلون عادة عبر الإنترنت، ويتبادلون الأحاديث داخل غرف الـ«تشات» الموجودة داخل الألعاب الإلكترونية، تفادياً للمراقبة.
وفي السنوات الماضية، ازداد عنف اليمين المتطرف في ألمانيا، وازداد معه عدد الجرائم التي يتهم أفراد متطرفون بارتكابها. وبحسب الاستخبارات الألمانية الداخلية، فإن اعتداءات اليمين المتطرف زادت خمسة أضعاف منذ عام 2012.
وفي دراسة لمعهد «البحث حول التطرف» في جامعة أوسلو، فإن ألمانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية التي تشهد جرائم من اليمين المتطرف، وتتقدم على الدول الأخرى بفارق كبير جداً. فقد سجل المعهد حوالي 70 جريمة في هذا الإطار بين عامي 2016 و2018، بينما كانت اليونان الدولة الثانية بعدد جرائم يزيد بقليل عن العشرين في الفترة نفسها.
في الصيف الماضي، شكل اغتيال سياسي ألماني يدعى فالتر لوبكه، في حديقة منزله برصاصة أطلقت على رأسه من الخلف، صدمة في ألمانيا. كانت الصدمة مضاعفة عندما تبين أن القاتل هو يميني متطرف استهدف لوبكه بسبب سياسته المؤيدة للاجئين. وتحدث كثيرون حينها عن «صرخة يقظة» لأخذ خطر اليمين المتطرف بجدية. ودفن لوبكه ولم يحدث الكثير بعد ذلك.
فيما بعد اغتياله بأشهر، اعتقل رجل يميني متطرف في ولاية هسن، الولاية نفسها التي اغتيل فيها السياسي، بعد أن قتل شخصين وهو يحاول الدخول إلى معبد لليهود، أثناء وجود المصلين في الداخل بهدف ارتكاب مجزرة. أحدثت تلك المحاولة صرخة كبيرة من الجالية اليهودية، وعادت أصوات السياسيين لتعلو: «لن نسمح بحدوثها مطلقاً مرة أخرى»، في إشارة إلى ما تعرض له اليهود في ألمانيا أيام النازية. ولكن لم يحدث الكثير بعد ذلك.
وقبل بضعة أيام، وقعت مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة في مدينة هاناو في الولاية نفسها، استهدفا من قبل يميني متطرف لأن من يرتادهما من المسلمين. أراد الرجل أن يقتل مسلمين بحسب رسالة وشريط فيديو خلَّفه وراءه بعد أن قتل 9 أشخاص، ثم توجه إلى منزله ليقتل والدته، ثم نفسه. أسوأ من ذلك، تبين أن الرجل كان يحمل سلاحاً مرخصاً، وينتمي لنادي الرماية المحلي.
بات واضحاً بعد استهداف هاناو، أن السلطات الألمانية لم تولِ اليمين المتطرف اهتماماً كافياً، وأنها لا تقدر حقيقة خطره على المجتمع، رغم أنها كشفت قبل أيام من جريمة هاناو عن شبكة يمينية متطرفة، كانت تعد لاعتداءات على مساجد في أنحاء البلاد، أسوة بما حصل في كرايستشيرش في نيوزيلندا.
وجاء الرد على اعتداء هاناو بتشديد منح رخص السلاح، وبات ضرورياً البحث في خلفية من يطلب ترخيصاً، على أن يرفض طلبه في حال ثبت أنه ينتمي لأي مجموعة متطرفة، ويمكن سحب الترخيص لاحقاً في حال ظهرت معلومات جديدة لم تكن متوفرة عند منحه. كما يبحث وزراء داخلية الولايات الألمانية تأمين حماية للمساجد وللتجمعات الدينية للمسلمين واليهود.
ولكن كل هذه الإجراءات يعتقد البعض أنها لا تعالج المشكلة الأساسية التي تدفع باليمين المتطرف لارتكاب أعمال عنف. وفي كل مرة تشهد ألمانيا اعتداءات، يوجه سياسيون من اليسار الاتهامات لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، بالمسؤولية عنها بشكل غير مباشر. ويواجه الحزب الذي دخل البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى عام 2018، وبات أكبر كتلة معارضة، اتهامات بأنه «يطبِّع سياسة الكراهية»، وبأنه يحرض على العنف ضد اللاجئين والمهاجرين، من خلال ترويجه لخطاب الكراهية. وحتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى حظر الحزب للتصدي للعنف المتزايد لليمين المتطرف.
والواقع أن مشكلة اليمين المتطرف تزداد منذ أن دخل «البديل لألمانيا» إلى «البوندستاغ». فهو - كما حملته الانتخابية - يركز خطابه على مواجهة سياسة اللاجئين التي اعتمدتها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل. وكثير من الأسئلة التي يتقدم بها نوابه في البرلمان تهدف لإثبات خطأ هذه السياسة، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج. ورغم أن نوابه في البرلمان يحرصون على عدم تخطي القانون في خطاباتهم، فإن كثيراً من السياسيين المنتمين لهذا الحزب؛ خصوصاً في الولايات الشرقية، لا يترددون في الحديث بلغة لا يمكن تمييزها عن لغة النازيين. أبرز هؤلاء السياسيين بيورغ هوكيه الذي لم يستطع أعضاء في حزبه تمييز ما إذا كانت جمل قرأها صحافي لهم، هي مقتطفات من كتاب «كفاحي» لهتلر، أم أنها أقوال لهوكيه.
كل هذا خلق أجواء سلبية ضد المسلمين في ألمانيا، وحوَّل كثيرين من الذين ولدوا لأبوين مهاجرين إلى غرباء في بلدهم. في هاناو، يقول كثيرون من الذين فقدوا أصدقاءهم في المجزرة، بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، ولا بأنهم جزء مقبول من المجتمع. وبعضهم يرى أنه ما دام حزب «البديل لألمانيا» مقبولاً بين الأحزاب الأخرى، فإن خطاب الكراهية سيستمر، والجرائم كالتي حصلت في هاناو ستتكرر.
ما يزيد من هذه المخاوف ومن الشبهات، أن السلطات الألمانية لم تأخذ خطر اليمين المتطرف على محمل الجد طوال السنوات الماضية. وهناك فضائح متتالية داخل المؤسسات الأمنية تظهر أنها مليئة بمؤيدين أو متعاطفين مع اليمين المتطرف؛ خصوصاً داخل الشرطة والجيش. ويواجه رئيس المخابرات الداخلية السابق هانس يورغ ماسن اتهامات بأنه متعاطف مع اليمين المتطرف، وهو ما دفع جهازه لغض النظر عن تحركاتهم طوال السنوات الماضية، والتركيز عوضاً عن ذلك على خطر الإسلام المتطرف. ومنذ مغادرته المنصب، أصدرت المخابرات الداخلية تقييماً تقول فيه بأن خطر اليمين المتطرف بات أكبر من خطر الإسلام المتطرف في ألمانيا.
وطُرد ماسن الذي ينتمي للجناح المتطرف في حزب ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) من منصبه، بعد اعتداءات كيمنتس في صيف عام 2018، بسبب رد فعله على التطورات هناك. وعارض ماسن ميركل في قولها بأن شريط فيديو من هناك أظهر ملاحقة نازيين جدد للاجئين، شتماً وضرباً. وخرج ماسن ليقول بأنه لم يتم التثبت من الشريط بعد، ويشكك في وجود نازيين جدد هناك. وكانت تظاهرات كبيرة قد خرجت ضد لاجئين في كيمنتس، بعد جريمة قتل ارتكبها لاجئان (عراقي وسوري) بحق أحد سكان البلدة.
وتعرض كذلك لانتقادات بعد جريمة هاناو لقوله بأن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية، وهو الخط نفسه الذي اتخذه حزب «البديل لألمانيا» عندما رفض طبع المجرم بأنه يميني متطرف؛ خصوصاً أن الأخير تحدث في شريط الفيديو عن «التخلص» من جنسيات معينة من دول عربية ومسلمة.
ويعيد ماسن صعود عنف اليمين المتطرف لموجة اللجوء منذ عام 2015، إلا أن ألمانيا شهدت عمليات قتل وملاحقات عنصرية قبل موجة اللجوء تلك. ففي عام 2011 كشف عن شبكة من النازيين الجدد عملت بالسر طوال أكثر من 12 عاماً، من دون أن يكشف أمرها، ما سبب صدمة كبيرة في البلاد. ونجح أفراد هذه الشبكة في قتل تسعة مهاجرين لأسباب عنصرية بين عامي 2000 و2007، إضافة إلى تنفيذهم 43 محاولة قتل، و3 عمليات تفجير، و15 عملية سرقة.
وقبل اكتشاف الخلية، كانت الشرطة تستبعد أن تكون عمليات القتل ومحاولات القتل تلك تتم بدوافع عنصرية، رغم أن جميع المستهدفين هم من أصول مهاجرة. وعوضاً عن ذلك، كانت التخمينات بأن الاستهدافات تلك لها علاقة بالجريمة المنظمة والمافيات التركية.
ورغم أن الكشف عن ارتباط هذه الجرائم باليمين المتطرف زاد الوعي الألماني لخطر هذه الجماعات، وأطلق نقاشات في الصحافة والمجتمع والطبقة السياسية، فإن التعاطي مع الجرائم التي لحقت، والتي اشتبه بأن اليمين المتطرف وراءها، لم يكن تعاطياً يحمل كثيراً من الجدية.