هدوء حذر في اليوم الأول للهدنة في سوريا.. وخروق محدودة في بعض المناطق

المعارضة تصفه بـ«المقبول» وتؤكد التزامها بوقف إطلاق النار

سوريون يتجولون في أحد شوارع دمشق خلال اليوم الأول للهدنة (أ.ف.ب)
سوريون يتجولون في أحد شوارع دمشق خلال اليوم الأول للهدنة (أ.ف.ب)
TT

هدوء حذر في اليوم الأول للهدنة في سوريا.. وخروق محدودة في بعض المناطق

سوريون يتجولون في أحد شوارع دمشق خلال اليوم الأول للهدنة (أ.ف.ب)
سوريون يتجولون في أحد شوارع دمشق خلال اليوم الأول للهدنة (أ.ف.ب)

ساد الهدوء الحذر طوال يوم أمس في معظم المناطق السورية المشمولة باتفاق وقف إطلاق النار الذي انطلق رسميا منتصف الليل، وذلك في هدنة واسعة هي الأولى من نوعها منذ بدء الأزمة قبل خمس سنوات. وخلال الساعات الأولى لانطلاقها سجّلت خروق في بعض المناطق، تبادل كل من المعارضة والنظام اللذين أعلنا الالتزام بها الاتهامات بشأنها. وقد أعلن «الائتلاف الوطني» السوري عن خرق النظام لوقف إطلاق النار بقصف قواته 15 منطقة بالرشاشات الثقيلة والمدفعية والبراميل المتفجرة، فيما أشارت وكالة «سانا» التابعة للنظام إلى سقوط قذائف من مواقع المعارضة على مدينة دمشق.
عضو «الهيئة العليا للمفاوضات» فؤاد عليكو وصف اليوم الأول للهدنة بـ«المقبول»، مشيرا إلى وقف القصف والعمليات العسكرية في معظم المناطق باستثناء بعض الخروق التي قام بها النظام. وأشار عليكو في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن المعارضة «تلمس هذه المرة جدية في حلّ الأزمة السورية»، إلا أنه أبدى تخوفه في الوقت عينه من أن يعمد النظام إلى استغلال وجود «داعش» و«النصرة» في بعض المناطق التابعة للمعارضة لافتعال اشتباكات. وأضاف «هناك ضغوط أوروبية تمارس على أميركا وروسيا لحل الأزمة بعدما وصل الخطر إلى بلدان أوروبية من خلال التفجيرات، إضافة إلى زيادة عدد اللاجئين الذين بلغ عددهم في عام 2015 نحو مليون لاجئ، وهو ما قد يؤدي إلى نجاح الحل السياسي».
من جهته، أكد أمين سر الهيئة السياسية في «الائتلاف الوطني» أنس العبدة أن «الجيش السوري الحر» وفصائل الثورة لا تزال ملتزمة بالهدنة، مشيرا إلى أن «نشاط الجيش الحر بالأصل لم يكن إلا للدفاع عن المدنيين وحماية مناطق الثوار». واعتبر العبدة أن الخروق الموثقة خلال الساعات الأولى تتعمد إجهاض الهدنة، وإحباط أي مدخل للحل السياسي، مضيفا: «لا يمكن ترك نظام الأسد ليقوّض المساعي الدولية وقرار مجلس الأمن 2254 بعد كل الجهود، ومن واجب رعاة الاتفاق أن يتدخلوا لفرض الهدنة، وإجبار النظام على تنفيذ القرارات الدولية بكل تفاصيلها».
في هذه الأثناء، أعلن الجيش الروسي وقف حركة طيرانه بشكل تام ليوم واحد السبت فوق الأراضي السورية دعما لاتفاق الهدنة، بينما واصل التحالف الدولي بقيادة واشنطن شنّ غارات ضد مواقع «داعش» في محافظة الرقة (شمال وسط سوريا). وسجلت اشتباكات في مناطق عدة غير مشمولة بالاتفاق لوجود التنظيم المتطرف و«جبهة النصرة» فيها.
وتقضي الخطة الأميركية - الروسية التي قبلتها حكومة الرئيس السوري بشار الأسد والمعارضة السياسية والعسكرية بأن يتوقف القتال حتى يتسنى وصول المساعدات للمدنيين وبدء المحادثات لإنهاء الحرب. والهدنة تتويج لمساع دبلوماسية جديدة سلطت الضوء على ساحة القتال التي تغيرت بشدة بعد أن انضمت روسيا للحرب في سبتمبر (أيلول) بضربات جوية تهدف إلى مساعدة رئيس النظام بشار الأسد.
لكن ثمة الكثير من الثغرات في الاتفاق الذي لم توقعه الأطراف السورية المتحاربة بشكل مباشر، كما أنه أقل إلزاما من اتفاق رسمي لوقف إطلاق النار. وهو أيضا لا يشمل «داعش» و«جبهة النصرة». وفي هذا الاتجاه، قال ستيفان دي ميستورا، مبعوث الأمم المتحدة لسوريا «فلنبتهل لنجاحها لأن هذه بصراحة أفضل فرصة يمكن أن نتخيل حصول الشعب السوري عليها خلال السنوات الخمس الأخيرة كي يرى شيئا أفضل، ونأمل أن يكون شيئا له صلة بالسلام». وتوقع دي ميستورا انتهاكات للاتفاق من حين لآخر، لكنه دعا الأطراف لضبط النفس وتفادي التصعيد. ويوم أمس اجتمع في جنيف فريق العمل الخاص بوقف إطلاق النار الذي شكلته الدول الـ17 في المجموعة الدولية لدعم سوريا لتقويم مدى الالتزام الاتفاق، بحسب ما ذكر دي ميستورا.
على صعيد آخر، مع دخول الاتفاق حيز التنفيذ عند منتصف الليل بالتوقيت المحلي «عمّ الهدوء غالبية الأراضي السورية» التي تنتشر فيها قوات النظام وفصائل المعارضة، بحسب «مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان» رامي عبد الرحمن. وأشارت «وكالة الصحافة الفرنسية» (أ.ف.ب) إلى هدوء لم تشهده مناطق قريبة من أطراف العاصمة، منذ وقت طويل، وإلى غياب سحب الدخان التي كانت تتصاعد عادة من جوبر والغوطة الشرقية في ريف دمشق. وحقا، في دمشق، قال عمار الراعي (22 سنة) وهو طالب جامعي في كلية الطب «تفاجأت بالهدوء الذي حصل منذ ليل أمس وحتى الآن»، مضيفا «أحد أصدقائي في ألمانيا أرسل لي رسالة في الصباح يسألني فيها مازحا: هل انتهت الحرب، ومتى تنصحني بالعودة؟». وتابع «ربما هي المرة الأولى التي نستيقظ فيها من دون أصوات قصف أو مدفعية، دمشق أجمل من دون حرب».
كذلك في مدينة حلب التي شهدت معارك شبه يومية بين النظام والفصائل المعارضة منذ صيف 2012، ساد المدينة الهدوء الكامل. وقال أبو نديم (40 سنة)، وهو عامل مطبعة يسكن في حي بستان القصر، بشرق حلب الواقع تحت سيطرة الفصائل المعارضة: «أتمنى أن تنجح الهدنة وأن يستمر وقف إطلاق النار وأن يلتزم النظام بعدم القصف بسلاح الجو والمدفعية (...) لعلنا نستعيد جزءا بسيطا من حياتنا قبل الحرب».
وبحكم استثناء تنظيم داعش وجبهة النصرة من اتفاق الهدنة، فإن المناطق المعنية بالاتفاق، بحسب مصدر سوري رسمي و«المرصد السوري لحقوق الإنسان»، تقتصر على الجزء الأكبر من محافظة ريف دمشق، ومحافظة درعا جنوبا، وريف محافظة حمص الشمالي (وسط البلاد) وريف محافظة حماه الشمالي (الشمال الغربي)، ومدينة حلب وبعض مناطق ريفها الغربي (الشمال). وحسب الخبير في الجغرافيا السورية فابريس بالانش فإنه توقع أن ينجح تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية على الأرجح في عشرة في المائة فقط من الأراضي السورية.
وبعدما صرح مسؤول كبير في القيادة العامة للقوات المسلحة الروسية هو الجنرال سيرغي رودسكوي بأن «الطيران الروسي لن يقوم بطلعات فوق سوريا يوم 27 فبراير (شباط)»، وذلك لتفادي «أي أخطاء ممكنة» في الأهداف ودعما لاتفاق الهدنة، قال رودسكوي إن سلاح الجو الروسي أوقف بعد بدء سريان الهدنة «بالكامل عمليات القصف في المنطقة الخضراء، أي في القطاعات التي توجد فيها مجموعات مسلحة تقدمت بطلبات لوقف إطلاق النار». وكان «المرصد» قد أشار في وقت سابق إلى أن الطيران الروسي لم يقم منذ منتصف الليل بأي طلعة في الأجواء السورية.
ومن جانبه، ذكر فارس البيوش قائد جماعة «فرسان الحق» التي تقاتل تحت لواء الجيش السوري الحر، أن قصف النظام توقف في بعض المناطق لكنه مستمر في مناطق أخرى. ووصف الأمر بأنه انتهاك لاتفاق وقف إطلاق النار. وتابع في حديث لـ«رويترز» بقوله: «هناك مناطق توقف القصف فيها لكن هناك مناطق أخرى حصلت فيها خروق من قبل النظام كمنطقة كفرزيتا في حماه عن طريق استهدافها بالمدفعية، وكذلك مورك في الريف الشمالي لحماه. نحن نترقب الوضع وملتزمون بالهدنة من قبل تشكيلات الجيش الحر». ولفت إلى أن استمرار الخروق قد يؤدي إلى انهيار الاتفاقية». في هذه الأثناء، قالت جماعة «جيش الإسلام» إن قوات النظام أسقطت برميلين متفجرين وفتحت النار على مواقعها اليوم ضمن انتهاكات عديدة لاتفاق وقف الأعمال القتالية في منطقة الغوطة الشرقية القريبة من دمشق.
وفي تقرير أعدّه المكتب الإعلامي في «الائتلاف الوطني»، حدّد خروقا في الساعات الأولى لوقف إطلاق النار في بعض المناطق من قبل النظام. وأشار إلى أنّه وبعد أقل من ساعة من دخول الهدنة حيز التنفيذ قصفت قوات النظام مدينة تلبيسة بمحافظة حمص والتفاحية بمحافظة اللاذقية ومدينة داريا بضواحي دمشق واللطامنة بمحافظة حماه واليادودة بمحافظة درعا وحي بني زيد بمدينة حلب.
في حي التضامن بجنوب العاصمة دمشق، قصفت أبنية سكنية في شارع دعبول بالحي برشاشات الـ14.5. وفي ريف دمشق قُصفت بلدتا نولة وحرستا القنطرة براجمات الصواريخ من مواقعها في القرية الشامية. وعلى أوتوستراد دمشق - حمص، قرب مدينة دوما، مشّطت قوات النظام الأوتوستراد بالأسلحة المتوسطة، وأيضا في دوما مشطت وقصفت القوات بالقنابل برج الشيشان. وقصفت بلدة اليادودة بدرعا بالرشاشات الثقيلة من عيار 23. وفي أقصى الشمال السوري، قصفت أيضا مدينة أعزاز بريف محافظة حلب الشمالي من قبل قوات النظام و«جيش الثوار» المنضوي تحت لواء ميليشيا «مجلس سوريا الديمقراطي» بالرشاشات الثقيلة، وكذلك تعرضت مواقع الثوار بجبل عندان لقصف مماثل. وبالنسبة لحي بني زيد بمدينة حلب فإنه تم قصفه بقذيفتي هاون. بينما قصفت مدينة تلبيسة بريف حمص بمدفعية مصدرها قرية النجمة الشيعية واستهدفت الأحياء السكنية في المدينة. وطال قصف قوات نظام مدينتي اللطامنة وكفرزيتا في ريف حماه الشمالي، الخاضعتين لكتائب الثوار.
وفي جبل التفاحية في ريف اللاذقية، ورغم سريان الهدنة، بقي القصف ليلا من قبل قوات النظام وحلفائه على الجبل، والمناطق المحررة بريف اللاذقية.
في المقابل، نقلت وكالة الأنباء السورية (سانا) عن مصدر عسكري زعمه أن المعارضة أطلقت عدة قذائف صاروخية على أحياء سكنية في مدينة دمشق مصدرها جوبر ودوما. وذكر مصدر أمني سوري لوكالة الصحافة الفرنسية أن «نحو عشر قذائف سقطت في منطقة العباسيين الممتدة من ملعب العباسيين الواقع على ساحة العباسيين إلى حي الزبلطاني».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.