«الرواية» ديوان العرب لأنها الأصدق في تمثيل أحوالهم

د. عبد الله إبراهيم: في الخليج تجارب إبداعية مرموقة.. أما خُدّج الرواية فلا حصر لهم

د. عبد الله إبراهيم
د. عبد الله إبراهيم
TT

«الرواية» ديوان العرب لأنها الأصدق في تمثيل أحوالهم

د. عبد الله إبراهيم
د. عبد الله إبراهيم

من موقعه باعتباره ناقدًا وأكاديميًا وباحثًا متخصّصًا في الدراسات السردية والثقافية، يطلّ الدكتور عبد الله إبراهيم على التجارب السردية في العالم العربي وفي الخليج على نحو الخصوص. فقد كرس نفسه للدراسات السردية، وأصدر فيها عشرات الدراسات والأبحاث، وهو يرى أن «السرد ديوان العرب»، لأن الرواية قامت بتمثيل معمّق لأحوال المجتمعات العربية.
الدكتور عبد الله إبراهيم ناقد وأستاذ جامعي عراقي مقيم في قطر، نال درجة الدكتوراه في عام 1991 من كلية الآداب في جامعة بغداد. عمل أستاذا للدراسات الأدبية والنقدية في الجامعات العراقية، والليبية، والقطرية لغاية عام 2003. ثم منسقا لجائزة قطر العالمية للرواية من 2003 - 2010. ويعمل حاليا خبيرا ثقافيا في قطر، وهو باحث مشارك في الموسوعة العالمية، وحاصل على جائزة «الملك فيصل العالمية في الآداب» لعام 2014، وجائزة «الشيخ زايد للدراسات النقدية» في عام 2013، وجائزة «شومان للعلماء العرب» لعام 1997. «الشرق الأوسط» التقت الناقد الدكتور عبد الله إبراهيم، في العاصمة القطرية الدوحة، وأجرت معه الحوار التالي:
* بلغني أنك تعدّ الرواية «ديوان العرب» الجديد.. ما القاعدة النقدية التي تنطلق منها إلى هذا القول؟
- نعم، أنا من القائلين بأن «السرد ديوان العرب» في العصور الحديثة بعد أن كان الشعر ديوانهم في الماضي. فقد قام الخطاب السردي، ممثلا بالرواية، بتمثيل معمّق لأحوال المجتمعات العربية، بما في ذلك الحريات، والهويات، ومصائر المنفيّين، والمهجّرين، والنساء، وأصحاب الرأي، وضحايا الحروب الأهلية، فضلا عن ضحايا الاستبداد السياسي والاجتماعي والديني، وهم كثر، فإن لم تكن الرواية هي السجل الشامل لذلك، فأين هو ذلك السجل الذي نجد فيه كل ذلك؟
* ماذا تمتلك الرواية لتصبح ديوان العرب؟
- يلزمنا تعديل النظرة إلى الرواية بترحيلها من كونها نصا مغلقا إلى خطاب تعدّدي منشبك بالخلفيّات الحاضنة له. إنها فعلا «ديوان» نتلمّس فيه ما يثير الهلع في النفوس عن الجماعات القبلية والمذهبية والعرقية، وهي «ديوان» كاشف للاحتقانات الفردية في مجتمعات تتوهّم بأنها طاهرة لا يأتيها الإثم على الإطلاق. وإلى كل ذلك، خاضت الرواية العربية مغامرة جريئة في تطوير بنياتها السردية والأسلوبية، واقترحت لغة جديدة غير اللغة المعيارية التي أصبحت موضوعا للبلاغة التقليدية في القرون الوسطى. وصار الاعتراف بها أمرا لازما بوصفها الممثل الرئيسي للأدب القومي في الثقافة العربية الحديثة. وهذه القاعدة تمنح الشرعية لظهور حقبة جديدة في تاريخ الرواية العربية، آن لها أن تعلن عن نفسها. إنها بحق وحقيق ديوان العرب.
* لكنك قلت مرارا إنها تعاني عيوبا كبيرة مثل: الركاكة الأسلوبية وفقر المعجم اللغوي وجهل بعض الروائيين كيفية بناء الشخصيات والأحداث.. ماذا بقي إذن منها لتكون ديوانا للعرب؟
- ذكرت من قبل الأسباب التي جعلتني أؤيد القول بأنها ديوان العرب، أي السجل المعبّر عن أحوالهم، ولكن لكلّ ديوان عثراته، وللرواية عثراتها، ففيها جملة من الأمراض تحتاج إلى علاج جذري، منها: التكديس الإنشائي بما أعتبره وَرَمًا ينبغي استئصاله، لأنه يحول دون سلاسة الأحداث، ورشاقة الشخصيات، إنما يعوق حركتها، ويطمرها تحت وابل من الهوس اللفظي الذي لا ينفع، إنما يضرّ بكل عناصر البناء الفني للرواية، ومنها العاطفية الساذجة التي تكتنف مشاعر الشخصيات، وذلك يذكّر بالحقبة الرعوية في تاريخ السرد، فالأحاسيس الجوانية يجب ألا تكون مجانية ترمى في سياق السرد دون تدبّر وهدف، إنما تنبثق بغزارة من المواقف الناظمة للشخصيات. هذه وغيرها من العيوب الأسلوبية والتركيبية لا تتوافق مع شروط الصنعة السردية الحديثة.

* التاريخ السردي
* اخترت السرد ميدانا للممارسة النقدية منذ البداية ولم تحد عنه.. ما أبرز ما لفت انتباهك في الخطاب السردي العربي الذي اشتغلت على تحليله في «موسوعة السرد» وغيرها من كتبك؟
- لفتني أن الرواية أمست أداة للحفر في المنطقة المسكوت عنها في الحياة الاجتماعية، فانخرطت في معمعتها بأفضل ما يكون الانخراط، ولفتني انهيار القيم الداعمة لوظيفة السرد القديم وتبعه انهيار الأساليب المتصنّعة في الكتابة، ثم انهيار مقومات الحكاية الوعظية. ولفتني السرد الجريء الكاشف لأحوال العالم الذي نعيش فيه، فالرواية العربية، في كثير من نماذجها، تولّت كتابة «تاريخ سردي» للمجتمعات الحاضنة لها، وقد ذهبت إلى المكان الذي ينبغي أن تكون فيه، إذ تزحزحت وظيفتها من كونها حكاية متخيّلة إلى خطاب رمزي باحث في الشأن العام. وهذه قضايا شائكة أنجزت الرواية معظمها، وهي جادة في إنجاز ما تبقى منها.
* ما دام الأمر كذلك.. فما الذي ينقص الرواية العربية عموما والرواية في منطقة شبه الجزيرة والخليج خصوصا من مزايا لكي تبرأ من العيوب؟
- تعاني الرواية العربية عيوب الكتابة الرديئة، مثل الإنشاء، والإسهاب، والعواطف المترهلة، والجهل بمزايا اللغة العربية، وعدم الاهتمام بقواعد الكتابة السردية. هذه العيوب متوفرة في الرواية العربية بكثرة، والخليجية منها على وجه خاص، ولو جرى التخلص منها لأصبح البديل مزايا ثمينة ينبغي التمسّك بها، لكن ما أسجله من عيوب يفوق ذلك، منها افتقار الرواية إلى النواة السردية الصلبة التي تنتهي إليها، أو تصدر عنها العناصر السردية كلها. لا أقصد بالنواة حدثا جامدا يبنيه السرد بتدرّج، إنما أقصد أن يقوم السرد بتشكيل كتلة سردية من الأحداث المتلازمة التي تصبّ في مجرى كبير يضم الوقائع والشخصيات، فلا مكان للوهن في المفاصل الرابطة فيما بينها، ولا مكان للاستطراد الإنشائي الذي يخرّب قيمة المشهد السردي، أو يعوق حركة الشخصية، إنما يتيح حركة حرة ورشيقة لها ولسواها من الشخصيات أن تعبّر عن مواقفها، وأفعالها، ورؤاها، بأفضل طريقة ممكنة، فالتركيز ينبغي أن ينصبّ على الأحداث، والأفعال، والمواقف، والأفكار، وليس على الوصف، والاسترسال، والتغنّي بالمشاعر الساذجة، والتأملات المبهمة التي تعوق حركة الحدث، ولا تثري أعماق الشخصية، فحذار من الانبهار بلفظ، والاشتياق الشخصي لجملة، والتغنّي بعبارة، وينبغي تجنّب الإطناب الإنشائي الذي يفضح عجز الروائي عن حبك الأحداث، وابتكارها، ولا يفيد في إثراء النواة الأساسية في روايته، التي هي مدار السرد. كثير ما جرى ذكره شائع في رواية الخليج وشبه الجزيرة العربية.

* المرأة وسؤال الحرية
* لاحظت أن الكتابة السردية النسوية تدور حول فكرة إثبات الذات أمام ذكورية الرجل.. أليس للمرأة قضية أخرى؟
- هذا اختزال مخلّ للسرد النسوي في تقديري. من الصحيح أننا نجد هذه الضدية فيه، وهو أمر مفهوم في ظل التنازع حول الأدوار الاجتماعية بين المرأة والرجل، لكن هناك أشياء أهم، فالسرود النسوية بحثت في حرية المرأة، وزعزعت معتقدات المتلقّي، وإلى ذلك قامت تلك السرود بتمثيل تجارب نسوية لا تعرف الولاء والطاعة، وفيها من الخروج على الأعراف أكثر ما فيها من الامتثال لها، فتحرّكت في مناطق شبه محرّمة، وأحدثت قلقا في الانسجام المجتمعي، لأنها دعت إلى حريات فردية تكون بديلا لحرية القطيع، وهي حرية بهائم. السرد النسوي يختلف عن الكتابة الباعثة على الارتياح التي تستجيب لتوقّعات المتلقّي، وتشبع رغباته، وتتوافق مع الأعراف السائدة في المجتمع الذي يعيش فيه. براعة السرود النسوية فيما تترك من أسئلة لا ما تخلّف من استرخاء. وأول تلك الأسئلة سؤال الحرية.
* هل هناك سرد نسوي فعلا؟
- للجواب على هذا السؤال الاستنكاري أقول بوجود نوع من السرد يصح الاصطلاح عليه بـ«السرد النسوي»، وقد صيغت هُويّته استنادًا إلى ما يأتي: نقد الثقافة الذكوريّة الكابحة لحرية النساء وحقوقهنّ، واقتراح رؤية أنثويّة للعالم تكون بديلا عن الرؤية الذكورية، ثمّ الاحتفاء بالجسد الأنثوي على أنه علامة للإغراء والشغف والتجدّد. وينبغي التفريق بين كتابة النساء، والكتابة النسويّة، فالأولى تتمّ بمنأى عن الرؤية الأنثويّة للعالم وللذات إلاّ بما يتسرّب منها دون قصد، وقد تماثل كتابة الرجال في الموضوعات العامّة، أمّا الثانية فتتقصّد التعبير عن حال المرأة وهويتها الأنثوية استنادا إلى رؤية خاصة في معاينة الذات والعالم، ثمّ نقد جذري للثقافة الأبويّة المستندة إلى مفهوم الطاعة والتبعية، وأخيرا اعتبار جسد المرأة مكوّنا جوهريّا في الكتابة ومركزا لها، وتُصهر هذه العناصر في إطار الفكر النسويّ، وفرضيّاته وتصوّراته ومقولاته، سعيا إلى بلورة مفاهيم أنثويّة من خلال السرد، وتفكيك النظام الأبوي بفضح عجزه عن قبول الشراكة.
* أطلقت مصطلح «الفصاحة السردية الجديدة».. ما حدود هذا المفهوم الجديد في عالم السرد؟
- لا أقصد بـ«الفصاحة السردية الجديدة» فصاحة اللغة بذاتها، كما طرحها القدماء، وإن كانت اللغة أحد شروط الفصاحة السردية. ليس لهذا المصطلح وظيفة لغوية مباشرة إنما وظيفة تمثيلية، وينهض المصطلح على الأركان الآتية: الأخذ بالطرائق الجديدة في تنظيم أبنية الأحداث والشخصيات، ورسم الخلفيات الزمانية والمكانية، وتعميق وظيفة التمثيل بما يشفّ عن المرجع بحيث يتداخل الأمران، الخيالي والواقعي، فلا سبيل لفك الصلة بينهما إلا على سبيل التأويل، واعتماد لغة سردية محكمة لكنها معبّرة، وإطلاق الخيال الخلاق للارتقاء بالأحداث إلى مستوى عالٍ من الإيحاء الدلالي، ثم بناء عالم افتراضي موازٍ للعالم الواقعي يلتهم أهمية ذلك العالم، ويجعل من نفسه العالم الأهم عند القارئ، مع الحرص على مدّ الصلة بين العالمين بتمثيل سردي شامل. لا يأخذ المصطلح الجديد في اعتباره المفهوم الموروث للفصاحة القائم على الألفاظ وحدها، إنما يهتم باللغة باعتبارها نظاما تمثيليا لابتكار المعاني الجديدة، وتلك هي «الصنعة السردية» التي أراها جديرة بالتقدير النقدي.
* كنت عضوًا في تحكيم جائزة «البوكر» وجوائز عربية أخرى.. كيف ترى الأصوات الجديدة في الرواية العربية؟ ولماذا يخفق كبار الروائيين في التأهل لجوائز الرواية؟
- أراهن نقديا على الأصوات الجديدة، لأنها دفعت بالرواية العربية إلى مرحلة جديدة لم تخطر للجيل الذي سبقها، ولدي تفسيري لمضمون سؤالك في جانبيه، فبعد جيل الرواد الذي منح شرعية للكتابة الروائية في نحو منتصف القرن العشرين، ظهر الجيل الثاني في الثمانينات تقريبا، وهو الجيل المكرّس الآن في معظمه، فحذا حذو الأول في رؤيته للعالم، والأخذ بطرائق السرد، إلا ما ندر، ويلاحظ على رواياته الرتابة في الأحداث السردية، والإغراق في الإنشاء، وعدم الاهتمام ببناء الشخصيات، وبالإجمال، كتب الجيل الثاني نصوصا مسترسلة، فيها تكرار ممل، لا تكاد تعثر فيها على حبكة متماسكة أو قضية خلافية. تموت الكتابة حينما تتوهم أنها استقرّت على حال، ويموت كاتبها أيضا، وظنّي أن كثيرا من كتاب الجيل الثاني ركنوا إلى ذلك، فانحسر تأثيرهم الإبداعي، وبقي تأثيرهم الشخصي، لكن العقدين الماضيين بلورا جيلا ثالثا نهل من المكاسب الكبرى في الرواية العالمية، وتفاعل معها، وتوسّع فيها توسعا محمودا، وعرف وظيفتها الجديدة، وظيفة البحث في أحوال المجتمعات، والانفتاح على نمط جديد من التفكير والتعبير، نمط الدقة والحركة والبحث، وهو ما لم ينتبه إليه الجيل السابق كما ينبغي، ولم تنقص الجيل الجديد الشجاعة في الإفصاح عن وجهات نظر كاشفة، ولهذا استحقّ بعضهم التقدير النقدي وسواه، بما فيه نيل الجوائز الكبرى. وعلى الرغم من ذلك فقد رافق ظهور الجيل الأخير عدد كبير من الهواة عاثوا فسادا في الكتابة، وتوارى الآن كثير منهم، ومع ذلك فالجيل الجديد دفع بالرواية إلى منطقة حساسة، فيستأهل الثناء، على أنه لا ينبغي أن تُمنح الجوائز لترضية هذا الكاتب أو ذاك، مهما كان أمره، إنما تُمنح للروايات المتوفّرة على معايير الكتابة الحقيقية. لا تكبُر الجائزة بالروائي إنما بالرواية.
* أنت متخصّص في الدراسات السردية ولك فيها عدد كبير من المؤلّفات وأفترض أنك متابع للإنتاج السردي في شبه الجزيرة والخليج.. كيف تقرأ ذلك النتاج؟ هل ثمة رواية جديرة بالاعتبار في هذه المنطقة؟
- جعلتني إقامتي في الخليج شاهدا على حال الكتابة السردية في هذه المنطقة. معلوم أن هذه حديثة عهد بالرواية مقارنة بغيرها، لكن هذا بذاته ليس مثلبة أبدا، فثمة ظروف تاريخية واجتماعية تقف وراء نشأة الأنواع الأدبية، إنما يأتي الخطر من تعجّل الكتاب، وإغراق معظمهم في التقليد، وولعهم بالمحاكاة، وشعورهم بالأفضلية على سواهم بناء على ذرائع واهية في عالم الإبداع، هذا من جهة، ومن أخرى فإن مجتمعات شبه الجزيرة والخليج محافظة لا تقبل المسّ بالقيم التقليدية والقبلية إلا إذا كان تبجيلا وثناء، والسرد ليس مثل الشعر، فوظيفته تمثيل الأحوال العامة، وموضوعه تشريح المشكلات الاجتماعية، وعليه فالكتابة الحقيقية متعثرة، وينظر إليها بعين الارتياب، وتلاقي إهمالا مقصودا، أما الدخيلة المتعجّلة فتلاقي احتفاء باعتبارها ممثلة للآداب الوطنية في بعض الأقطار. إنني غير ميال للذم، ولا أنتقص من شأن الكتابة على أسس جغرافية، فمعياري الجودة، ويتعذّر علي تزوير الحقائق لأي سبب، ولكن هذه هي الحال، وعلى الرغم من ذلك فهنالك عدد من الكتاب المرموقين يستثنون من هذا الحكم، منهم على سبيل المثال: إسماعيل فهد إسماعيل، ورجاء عالم، وطالب الرفاعي، وجوخة الحارثي، ويحيى أمقاسم، وعلي المقري، وعلي أبو الريش، ومحمد عبد الملك، ودلال خليفة، ومن هم في طبقتهم في الإجادة والفطنة والدراية، أما خُدّج الرواية فلا حصر لهم، ولا عدّ، وهم يمرحون بجراءة في كل محفل أو مناسبة، ثم ينطفئون بسرعة مثل الخلّب. إذا جرى حماية الكتابة الرفيعة من خطر الخُدّج، وهو استهجان الكتابة بجميع مقتضياتها، فإنّ التراكم الكمي سيفضي إلى تطور نوعي في رواية شبه الجزيرة والخليج.



لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
TT

لطفية الدليمي الشاهدة على تحوُّلات زمن عراقي عاصف

لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها
لطفية الدليمي مع أغلفة بعض كتبها

هذا يوم حزين لبغداد، المدينة التي تعذَّبت كثيراً، وعذَّبت أهلها ونساءها بطموحها وفرادتها، لكنها اليوم أشدُّ حزناً من سواه؛ فقد فقدت مؤرختها المتفردة الكاتبة لطفية الدليمي «1939 - 2026»، ومما يزيد من فجيعة المدينة المنكوبة أن رحيل الكاتبة قد حصل في يوم «المؤنث العالمي» للمرأة، والمدن، والبلدان كلها، فكل ما هو «مؤنث» هو أم، وأصل ثابت للحياة والحكايات كلها. وهذه مصادفة تليق بالكاتبة الراحلة؛ فلطفية الدليمي ترحل «خالدة» في يوم يحتفل فيه العالم كله بالمرأة وكفاحها وحكاياتها المختلفة حقاً.

للكاتبة ميسلون هادي صديقتها، ورفيقة عمرها، كل الحق في أن تصف هذا اليوم بالحزين في الثقافة العراقية؛ فقد أسهمت الكاتبة الراحلة في رسم مسارات هذه الثقافة؛ إذ «أسست كل طيَّة من فضاءاتها بمادة معرفية عميقة، وخبرات حياتية متراكمة». وقد كان لها هذا المجال بما عاشت من حياة طويلة منحتها «معلومات تاريخية موثوقة»، ولغة «ثرية حسية متحركة أقل ما يقال عنها إنها ساحرة نابضة بالحياة والعاطفة، فوَّاحة بالعطور، منغَّمة بموسيقى مشهدية رفيعة المستوى». ولا عجب أن نجد شاعراً أو كاتباً من جيل آخر، ممن ولد بعد عقود من ترسُّخ اسم لطفية الدليمي بصفتها الكاتبة المؤسِّسة، يكرر معنى كلام الكاتبة ميسلون هادي، فصاحبة «عشاق وفونوغراف وأزمنة» تمثِّل لدى الشاعر عمر السراي اللسان الناطق «باسم هموم المجتمع من ستينيات القرن العشرين بأدبها الرصين وتجربتها العميقة التي حاكت ما مر به أبناء شعبها».

غلاف "عشاق وفوتوغراف وأزمنة"

«المرأة الكاتبة» في سياق ثقافة ذكورية

وبرغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار، كما تقول الناقدة إشراق سامي، وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية للمنتجين في حقول الإبداع والأدب». وهذه مفارقة تستحق التأمل كما يرى الشاعر عارف الساعدي، مدير دار الشؤون الثقافية العامة، حيث عملت هناك صحافية ومحررة، ثم مديرة تحرير لمجلة «الثقافة الأجنبية»؛ فالثقافة التي كانت تطردها للهامش كانت هي ذاتها من أعلت من شأنها، بعد أن أثبتت حضورها المتفرد على مستويات إبداعية مختلفة؛ فهي كاتبة قصة، ورواية، وهي مترجمة، وناقدة أدبية، وكاتبة مقالة صحافية من طراز متفرد. كانت حقاً، والكلام للساعدي «رقماً صعباً في مضمار الأدب، وأحسب أنها استطاعت أن تخط لها مساراً عجز عن خطه مبدعون كبار».

ومما له صلة عميقة بأصول رفضها لإدراج نصوصها في خانة «الأدب النسوي»، تعلُّق نصوصها الأساسية بما يسميه الناقد عقيل عبد الحسين في شهادته بـ«الإليغوريا الوطنية في الرواية العربية» المعبرة عن «تطلع الكتّاب إلى دولة وطنية تحكمها قيم الحرية والعدل»، فلما انتهت تلك الإليغوريا الوطنية إلى سياقات «متعالية وإقصائية ومدمرة للإنسان والبيئة»، نجد أن الكاتبة لطفية الدليمي، تحديداً في روايتها الأخيرة «مشروع أوما»، تسعى، كما يضيف عبد الحسين، إلى «استبدال بالإليغوريا العالمية الإليغوريا الوطنية، تلك التي توحِّد العالم ومشكلاته السياسية والثقافية في نمط كتابي لا ينشغل بالتمايزات في الهوية وفي الانتماءات الآيديولوجية والدينية وغيرها، ويخلص للإنسان، ولما ترى فيه مبدأه ومنتهاه، وهو الأرض، الأم، أو البيئة الحاضنة لوجوده ولإمكاناته في العيش والإحساس، ويحرره من نير التصنيفات التقليدية: مذكر/ مؤنث، أنا/ آخر، عراقي/ عربي، عربي/ أجنبي». ولا بد أن التحوُّلات الكبرى لبلادها، العراق، كانت وراء هذا النزوع الإنساني الشامل في منطقها وأدبها.

ذاكرة أخرى للأدب والحياة

وللكاتبة الراحلة فضل كبير على الأدب في العراق؛ فقد تمكَّن سردها، كما يرى الناقد علي سعدون، رئيس تحرير مجلة الأقلام، من التحوُّل إلى «ذاكرة» حكائية شاملة، أو تكاد؛ فقصصها القصيرة ورواياتها صارت بمثابة «ذاكرة حية للحياة العراقية والعربية حيث سجَّلت من خلال قصصها القصيرة ورواياتها ومخيلتها الخصبة أهم العتبات التاريخية والسياسية والثقافية وتحولاتها الحادة عراقياً وعربياً. إنها نموذج للمبدعة العصامية التي واكبت الأحداث فكتبت عنها بحراجة الراهن وأهميته». وقد يكون علينا، في سياق الكتابة عن الذاكرة الإبداعية كما تقدِّمها روايات وقصص، وحتى مقالات وترجمات الكاتبة الراحلة، أن نلاحقها على المستوى الشخصي للكاتبة، لا سيّما أن ذلك التاريخ الشخصي، كما يجادل الناقد علي حسين الفواز، شاهد «على تحولات زمن عراقي عاصف، اختلطت فيه الرومانسية بالآيديولوجيا، الرواية بالذاكرة، والسياسة بالحلم، إذ كانت فيه لطفية الدليمي الساردة والمترجمة وصاحبة المشروع النقدي، وصانعة الشخصيات الاستثنائية، في تمردها وفي وعيها، وفي بحثها عن الحرية والمعنى».

غلاف «إذا كنت تحب»

وقد لا يبتعد كثيراً الحديث عن الذاكرة الخصبة للكاتبة الراحلة على صعيدي النصوص الأدبية أو الحياة الشخصية، ما يمكن أن نلمسه من تأثير كبير مارسته الكاتبة على أجيال أدبية مختلفة. مثل هذا التأثير المختلف، المؤسِّس غالباً، لمنطق الفرادة في سياق تيار الستينيات العراقي ذي العوالم العجائبية نجده، ابتداءً، في نصوص الكاتبة الأولى؛ فهي الكاتبة الستينية التي «تغامر» و«تصدر» مجموعتها القصصية الثانية «إذا كنت تحب»، وهو عنوان «رومانسي»، كما يقول الكاتب عبد الستار البيضاني، وقد حملت القصص غلافاً مفارقاً لما كان سائداً في كتب تلك الحقبة، فقد اختارت الكاتبة «لمجموعتها صورة فوتوغرافية لحقل تداعب الريح زرعه بغنج. وكان هذا خير معبر عن مضامين مجموعتها، حيث دفء اللغة وعذوبة القص». سوى أن الإحساس بالألفة لم يكن حصة البيضاني نفسه، إنما هو ما شاركه فيه زملاؤه من الجيل الثمانيني؛ فقد تحوَّل مكتبها في مجلة «الطليعة الأدبية» إلى ملتقى لأبناء ذلك الجيل، فـ«وجدتهم يتحلقون حول مكتبها في المجلة، وصارت غرفتها هي مكان موعد لقاءاتنا». فهي الأم الرؤوم كما تظهر لدى الكاتب الروائي لؤي حمزة عباس، وهو من جيل أدبي لاحق، أو هي الأم الكونية مثلما يحلو لها أن تسمِّي نفسها. فهي المبدعة و«راعية أحلامنا، السيدة التي رسمت روحها بين سطور كتاباتها، افتح أيَّ كتاب من كتبها: في الرواية، والقصة القصيرة، والمسرح، والرحلة، والبحث، وأعمالها العديدة في الترجمة، ومؤلفها الجميل عن النبات، تجدها حاضرة، حيَّة بابتسامة الأم الرؤوم ونظرتها الحانية».

وفيما كتبته الناقدة والأكاديمية الأردنية الدكتورة مريم جبر فرحات تعليقاً على رحيل الكاتبة المحزن مصداق للتأثير الكبير الذي مارسته الكاتبة الراحلة ليس على أبناء وطنها، ولا على مدينتها بغداد فحسب، إنما تلمسه الناقدة الأردنية على مدينة عمان التي اتخذتها الكاتبة وطناً بديلاً بعد أن ضاقت بها السبل؛ فصارت بلادها ومدينتها بعيدة عنها؛ فـ«عمان حزينة بفقد قامة إبداعية عظيمة ومؤثرة».

وعندي، أنا المولود بعد عقود من القصة الأولى، والكتاب الأول للكاتبة لطفية الدليمي، فإن الأثر الباقي للكاتبة يظل ذا سياق متَّصل وآخذ بالاتساع والدوام، وهو شأن النصوص الأصيلة المعبِّرة عن عصرها وثقافتها وبلادها وحياتها. وإذ أكتب اليوم عن الكاتبة لطفية الدليمي فإني أستعيد عشرات، وربما مئات المحادثات مما جمعني مع الكاتبة الراحلة على «الماسنجر» وغيره. وكان لي أن أكتب مقالة أولى، كما أفترض، عن روايتها الأخيرة «مشروع أومَّا»، وقد نشرته «الشرق الأوسط» الغراء. لكني أستعيد، هنا، رغبتي الجامحة في ثمانينيات القرن الماضي بنشر نصوصي في المجلة الأدبية التي كانت تحرِّر فيها لطفية الدليمي القصص وما يتصل بها. نعم، أستعيد تلك الرغبة، ذلك الشغف الجارف بأن تظهر نصوصي من تحت يدي الكاتبة الكريمتين، ولكن... هيهات؛ فقد ظل حلماً جميلاً.

 برغم أن الكاتبة الراحلة كانت ترفض باستمرار وصف أعمالها الأساسية بصفة النسوية فإنها تظل المرأة الكاتبة في ثقافة تزخر بـ«سيادة ذكورية»


أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه
TT

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

أنتونيس في مكتبه
أنتونيس في مكتبه

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات، التي شرّحت تصدعات المجتمع البرتغالي، عملاقاً أدبياً في مسقط رأسه وخارجه.

على مدار أكثر من 30 رواية ومجموعة من الكتابات الأخرى، رصد أنتونيس ببراعة خروج البرتغال المتعثر من حقبة الديكتاتورية الخانقة للدكتاتور أنطونيو دي أوليفيرا سالازار، التي امتدت من عام 1932 إلى 1968، وما تلاها من حروب استعمارية فاشلة في أفريقيا.

غلاف «ذاكرة الفيل»

وسمح له نهجه التجريبي الجريء في صياغة الشكل الروائي بتجاوز هويته ككاتب «صعب المراس» قادم من دولة أوروبية ثانوية غالباً ما يتم التغافل عنها. وكان اسمه حاضراً بقوة في القوائم القصيرة للعديد من النقاد المرشحين لنيل جائزة «نوبل للآداب»، بل رأى البعض أنه كان يستحقها أكثر من مواطنه البرتغالي خوسيه ساراماغو، الذي فاز بها عام 1998، فيما ذكر أصدقاؤه أنه كان يشعر بشيء من المرارة لعدم نيله الجائزة.

وقد حققت روايته «ذاكرة الفيل» الصادرة عام 1979 شهرة واسعة بين عشية وضحاها، وهي رواية تمحورت حول تجاربه كطبيب عسكري في حرب بلاده في أنغولا. أما روايته الصادرة عام 1983 بعنوان «فادو ألكساندرينو»، فقد سردت الاعترافات المؤلمة لأربعة من المحاربين القدامى في حروب البرتغال الاستعمارية، وهي ذات نسيج سردي متماسك بفضل الحيوية المتوقدة لصورها البلاغية الآسرة.

غلاف «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء»

واستخدم أنتونيس تقنيات مماثلة في روايات كبرى أخرى، مثل «دليل المحققين» الصادرة عام 1996، التي ركزت على سيرة وزير وحشي سابق في عهد ديكتاتورية سالازار؛ أما روايته الصادرة عام 2001 بعنوان «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟»، فقد صورت الرحلات الذهنية المضطربة لابن إحدى الشخصيات الاستعراضية في لشبونة.

بيد أن بعض النقاد لم يقتنعوا تماماً بأساليب أنتونيس، فقد كتب دوايت غارنر في صحيفة «نيويورك تايمز» أنه على الرغم من أن أسلوب «تيار الوعي» لدى المؤلف قد يكون «رائعاً» في بعض الأحيان، فإن رواية «ماذا عساي أن أفعل عندما يحترق كل شيء؟» كانت تجربة مضنية للغاية، وأضاف: «أفضل خلع أظفر إصبع قدمي بكماشة صدئة على أن أسير عبر صفحاتها الـ585 المرهقة مرة أخرى». كما كتب ناقد آخر في الصحيفة، وهو ريتشارد إيدر، أن لجنة «نوبل» اتخذت القرار الصحيح باختيار السيد ساراماغو وتفضيله على أنتونيس.

غلاف «دليل المحققين»

ومن وجهة نظر أنتونيس، فإن غياب الحبكة الواضحة هو الأقرب للطريقة التي «يعيش» بها الناس حياتهم فعلياً في الواقع. إذ قال لماريا لويزا بلانكو، التي نشرت كتاباً من الحوارات معه عام 2001: «لا أريد من الناس أن (يقرأوا) رواياتي قراءة عابرة فحسب، وإنما أريدهم أن يعايشوها ويتفاعلوا معها، وأن (يُصابوا بها) كما يُصاب المرء بالمرض».

ينتمي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي ولد في لشبونة في الأول من سبتمبر (أيلول) لعام 1942، إلى الفئة البرجوازية العليا في لشبونة، لكن يصف طفولته بأنها كانت «محمية للغاية، وشبه قبلية». والده هو جواو ألفريدو دي فيغيريدو لوبو أنتونيس، طبيب أعصاب وأستاذ جامعي، ووالدته هي ماريا مارغاريدا ماتشادو دي ألميدا ليما. كان أنطونيو الأكبر بين ستة أشقاء، برز عدد منهم كأطباء مرموقين، بينما شغل شقيقه الأصغر «مانويل» منصب سفير البرتغال لدى المملكة المتحدة.

كانت تنشئة أنتونيس تتسم بشيء من المحافظة والتكلف في أوساط النخبة البرجوازية العليا، وكانت مدينته لشبونة، المتلاشية والكئيبة المطلة على البحر، التي قضى فيها حياته كلها، تظهر غالباً كخلفية مهيمنة في أعماله. فقد كتب في رواية «فادو ألكساندرينو»: «في الخارج، في الشارع، كانت أمطار مارس (آذار) المنسابة من الليلة السابقة تترنح منسالة على الواجهات المتهالكة مثل مكياج امرأة عجوز باكية».

وعلى الرغم من ثقافة والديه الواسعة، فإنهما حافظا على مسافة عاطفية من أبنائهما الستة، فقد وصف علاقته بوالدته في مقابلة مع صحيفة «لوموند» عام 2005 بأنها كانت «علاقة رسمية للغاية». كما كان أنطونيو الشاب يخضع لاختبارات أسبوعية حول القراءات المفضلة لوالده. وفي تلك الأثناء، كانت الديكتاتورية السلطوية تخنق المجتمع البرتغالي، علماً بأن والد أنتونيس كان أحد أطباء سالازار الشخصيين، وتقمع أي معارضة تجاه الحروب الاستعمارية البرتغالية.

يقول أنتونيس لمجلة «باريس ريفيو» في عام 2011 (كانون الثاني): «في نشأتي، كان من الطبيعي ألا تملك جواز سفر، وألا تتحدث في السياسة، وألا تستخدم حتى كلمة ديمقراطية. وأتذكر أنني سألت والدي ذات مرة وأنا صبي: ما هي الديمقراطية؟ فأجابني: اصمت وكُل».

ومع تقدمه في العمر، توترت علاقته بوالده، فعندما نشر أنتونيس روايته الأولى، قال له والده: «يمكن للمرء أن يدرك أن هذا عمل مبتدئ». وذكر المؤلف لصحيفة «لوموند»: «بعد ذلك، لم نتحدث عن أعمالي الأدبية مرة أخرى، رغم أنه أخبر أحد إخوتي بعد سنوات طويلة بأنه معجب بي».

وصف أنتونيس الحرب في أنغولا بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يصفّون بلامبالاة المتمردين الأسرى ويغتصبون الأفارقة

بدأ أنتونيس دراسته للطب في جامعة لشبونة عام 1959، وتخرج طبيباً قبل أن يبدأ خدمته العسكرية عام 1970. وفي العام نفسه، تزوج من ماريا خوسيه زافيير دا فونسيكا إي كوستا، وأنجب منها ابنتين: «ماريا» و«جوانا». ثم تزوج لاحقاً من ماريا جواو إسبيريتو سانتو بوستورف سيلفا، وأنجب منها ابنته الثالثة «ماريا إيزابيل». وبعد طلاقه الثاني، تزوج للمرة الثالثة في عام 2010 من كريستينا فيريرا دي ألميدا.

وفي عام 1973، عاد من أنغولا ليمارس الطب النفسي في مستشفى «ميغيل بومباردا» في لشبونة، وكان يكتب رواياته ليلاً. ومنذ البداية، كانت تجربة الحرب في أنغولا، والندوب التي خلفتها في نفسه، هي الدافع المحوري لأغلب أعماله.

كان يصف الحرب في رواياته بأنها «بوتقة من القسوة المقيتة»، حيث كان الضباط البرتغاليون يشهرون مسدساتهم بلا مبالاة لتصفية المتمردين الأسرى، ويغتصبون الأفارقة تحت تهديد السلاح، في مأساة لم تترك وراءها سوى اليأس. أما أطفال الحرب في قصصه، فقد كانوا مشوهين بالقصور العقلي، وعاجزين عن التأقلم مع ما يُفترض أنه حياة عادية بعد عودتهم إلى البرتغال.

يستذكر في حواره مع مجلة «باريس ريفيو» تجربته في أنغولا قائلاً: «كل ما أردته هو العودة حياً. أتذكر أننا كنا نحتفظ بتقاويم ونشطب على كل يوم نبقى فيه على قيد الحياة! لقد تحدثتُ مع أشخاص شاركوا في حرب فيتنام وحرب الجزائر، وفهمتهم تماماً».

وتناولت كتبه الثلاثة الأولى معاناة قدامى المحاربين الذين تطاردهم الأشباح، وظلت الحرب وسمة بادية للغاية ولازمة في كل رواياته اللاحقة. وكان من بين آخر أعماله المنشورة رواية «حتى تصبح الحجارة أخف من الماء» (2016)، التي استكشفت بأسلوب نثري تجريبي الهزات الارتدادية الناجمة عن حرب أنغولا.

وبوصفه كاتباً مارس الطب النفسي، أراد أن تعكس كتاباته تقلبات العقل البشري، إذ أوضح للناقدة رافائيل ريرول في صحيفة «لوموند» عام 2005، أن ما كان يحاول فعله هو «وضع نفسي في حالة قريبة من الحلم، حتى تخُفف من قسوة الرقابة الداخلية المعتملة في ذهني».

وأوضح أن تلك «الرقابة» هي التي «تحول بيننا وبين التفكير بطريقة غير ديكارتية»، مُبيّنا إيمانه بعدم خطية الإدراك البشري. وكتب الكاتب الفرنسي هادي قدور في صحيفة «لوموند» أن التخلص من هذه القيود سمح لأنتونيس بـ«إدراك العالم على حاله، قبل أن ننسقه وفق فئاتنا الاجتماعية كي ندركه»، مقارناً إياه بمارسيل بروست وفيرجينيا وولف.

وفي معرض تلخيصه لمفهومه عن الرواية، قال أنتونيس بأنها: «هذيان مُنظم».

* خدمة «نيويورك تايمز»


يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان
TT

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن، وهي نص لفت الأنظار مؤخراً بسبب موضوعه المختلف الذي يختلط فيه جمال الإبداع بقسوة المحتوى؛ إذ تتناول المؤلفة تجربتها الشخصية مع مرض سرطان المخ الذي داهمها العام الماضي على نحو مفاجئ، حين كشفت الفحوصات عن ورم بحجم كبير وفي مرحلة متأخرة.

خضعت الكاتبة التي تقيم بالعاصمة الألمانية برلين إلى أكثر من جراحة عاجلة لإزالة الورم، لكنها سرعان ما أمسكت بجهاز «اللابتوب» وهي على الفراش لتبدأ في طرح تأملات وانفعالات في الموت والحياة عبر نص ينتمي إلى أدب السيرة الذاتية وكتابة اليوميات، على نحو يفيض عذوبة وشجناً بكلمات شديدة الصدق والواقعية.

ما زاد من عمق التجربة أن سوسن هي بالأصل طبيبة، وسبق أن عملت لسنوات طويلة ضمن منظومة وزارة الصحة السورية، تخصص أمراض الباطنة، قبل أن تغادر البلاد إلى ألمانيا بعد حماسها لأحداث ثورة 2011 وتعاطفها مع المتظاهرين عبر مقالات صحافية دأبت على نشرها بانتظام. وتستهل المؤلفة عملها بإهداء لافت إلى أفراد من عائلتها تقول فيه: «إلى ميسون، محمد، لمى، سليم، ريم، لين، لارا، لولا فيض محبتكم التي غمرت روحي ما استطعت الصمود، أحبّكم».

تقول المؤلفة في السطور الأولى من الرواية: «ها أنا في اليوم السادس والسبعين بعد لحظة الحقيقة. كانت تلك اللحظة في السابع والعشرين من آذار/ مارس 2025، يوم رأيت الموت للمرة الأولى في حياتي».

وتضيف: «لم أكن أشعر فيما مضى أن الموت قريب إلى هذا الحد، لكن الواقع قدّم لي الدليل الدامغ: الموت جزء من الحياة، هكذا كان عقلي يرسمه، وأدّعي فلسفة أُقنِع نفسي بها، لكنه عندما حضر وواجهني هازئاً بي، لم تنجدني الفلسفة، ولا ادعاءاتي السابقة كلها».

تكشف الرواية مشاعر البطلة وهي تكتشف إصابتها بسرطان الرئة مع انتقالات إلى الدماغ، وكيف أن تصنيفها من حيث مرحلة المرض هو المرحلة الرابعة، وعندما سألت طبيب الأورام عن العمر المقدر أن تعيشه، قال بكل وضوح إن ربع المرضى مثلها فقط يعيشون لخمس سنوات، فتتساءل: «خمس سنوات؟ وأحلامي؟ ومشاريعي؟ والروايات التي عزمت على تأليفها؟». وتروي المؤلفة كيف كانت مضطربة وتشعر برهبة من دخولها هذا النفق، المسمى بجهاز الرنين المغناطيسي؛ فهي التجربة الأولى لها على الرغم من معرفتها المسبقة به، والتطورات التي وقعت عليه منذ استخدامه لأول مرة في تصوير كامل الجسم عام 1977، لكنها بقيت مضطربة وخائفة. ومن دون محاكمات عقلية حينها وإنما بخيارات عاطفية، قرّرت أن تلجم خوفها، وأن تظهر بصورة المرأة ليست القوية فحسب، بل الجبارة.

كان هذا القناع الذي لبسته منذ أكثر من ثلاثة عقود، عندما تُوفِّي زوجها ووالد ابنتها وابنها، مخلفاً وراءه تركة ثقيلة من الديون والقضايا، حين كانت صبية لم تكمِل 34 سنة، وكان التحدي كبيراً، ولا بد من إظهار القوة عند امرأة «أرملة» في مجتمع ذكوري يعُدّ المرأة «غير المحروسة بذَكَر» جسراً يمكن المرور فوقه من دون إذن، وفق تعبير النص.

وُلدت سوسن جميل حسن في مدينة اللاذقية عام 1957، ودرست الطب البشري في جامعة «تشرين»، وعملت في المشافي التابعة لوزارة الصحة، وتولت مناصب إدارية طبية. صدرت روايتها الأولى «حرير الظلام» في 2009، ثم توالت أعمالها تباعاً: «ألف ليلة في ليلة»، و«النباشون»، و«قميص الليل»، و«خانات الريح»، و«وارثة المفاتيح»، فضلاً عن «اسمي زيزفون» التي وصلت إلى القائمة الطويلة في الجائزة العالمية للرواية العربية «البوكر».