الجماعة الحجّتية في إيران.. و«ولاية الفقيه»

هاجس المشروعية دفع الأنظمة المتعاقبة منذ الصفوية للتبشير بقيام حكومة «المهدي»

الخميني في إحدى خطبه.. ويظهر في الإطار مؤسس الجماعة الحجتية
الخميني في إحدى خطبه.. ويظهر في الإطار مؤسس الجماعة الحجتية
TT

الجماعة الحجّتية في إيران.. و«ولاية الفقيه»

الخميني في إحدى خطبه.. ويظهر في الإطار مؤسس الجماعة الحجتية
الخميني في إحدى خطبه.. ويظهر في الإطار مؤسس الجماعة الحجتية

في أعقاب الانقلاب العسكري 1953 الذي أطاح بحكومة رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، أرسى محمود تولائي، المعروف بالشيخ حلبي، قواعد الجماعة الحجتية. ومنذ لحظة التأسيس لم يتوقف الجدل حول هوية الجماعة التي يلف نشاطها الكثير من السرّية والغموض. وللعلم يُعد محمود حلبي من اتباع ميرزا مهدي إصفهاني، مؤسس مذهب التفكيك (خراسان) في الحوزة العلمية التي كانت أعادت شيوخ خراسان للتنافس مع حوزات قُم والنجف. واليوم نسلّط الضوء على هذه الجماعة التي خرج من تحت عباءتها عدد من الشخصيات التي تقلدت مناصب مسؤولية في نظام «الجمهورية الإسلامية» الخميني في إيران.

لم تكن الأحداث في إيران، منتصف القرن الماضي مقتصرة على الشارع السياسي وتحولاته، إذ كان قد سبق ذلك على الصعيد الديني يقظة حوزة قم العلمية بعد 200 عام من السبات وسيطرة حوزة نجف على زمام الأمور في البيت الشيعي. وكانت عودة المرجع الشيعي عبد الكريم الحائري اليزدي في 1921 من النجف إلى قم بداية الاتجاه الجديد في الحوزات العلمية لتشهد العقود الأربعة اللاحقة، أي حتى وفاة آية الله بروجردي في 1961، صراعًا شرسًا بين المرجعية في النجف وقُم لزعامة البيت الشيعي. ومنذ عودة الحوزة العلمية إلى بلاد فارس بدأت المرجعية هناك وعلى رأسهم حسين علي منتظري تدشين فكرة «الولي الفقيه» بدلاً من «شورى الفقهاء» في النجف.
لكن الصراع في البيت الشيعي لم ينحصر تلك السنوات على المدينتين التقليديتين في المذهب بعد صعود موجة ثالثة تمثلت بخروج مذهب التفكيك من عباءة قم في خراسان، الذي أعطى الأفضلية للفقه والشرع ودعم الفلسفة والعقل إلى جانب العرفان والأخلاق. وكان السيد جواد خامنئي، والد المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وسيد هاشم نجف آبادي، جد خامنئي لجهة والدته، وكذلك محمد تقي شريعتي والد المفكر الدكتور علی شریعتي، وآية الله السيد محمود طالقاني من بين أبرز رجال الدين في مذهب التفكيك.
وفق البيان التأسيسي للجماعة فإنها تدافع عن مذهب التشيّع ضد التبشيرية البهائية. والحقيقة، أنه كان للحجتية دور كبير في استقطاب أبناء الطبقة المتوسطة في بداية نشاطها ولعبت الجماعة دور كبير وإن «غير مباشر وغير مقصود» على تدريب مئات الكوادر والنخب الذين تقلّدوا مناصب مهمة في إيران بعد قيام الثورة الخمينية عام 1979. ويقول حلبي في مقابلة عام 1994 إن الغاية الواضحة وراء تأسيس الجماعة هي «الدفاع العلمي عن مذهب التشيّع والعقيدة المهدوية» في مواجهة تحديات مثل البهائية، ومذاك نجحت الجماعة في تجنيد جيش من المتطوّعين «المؤدلجين» من أبناء الطبقة المتوسطة لمواجهة وقمع الجماعات الدينية والسياسية المنافسة لها في إيران مثل البهائية وحزب تودة الشيوعي. غير أنه لم يكتب للحجتية النجاح في حربها على حزب تودة مثلما نجحت الجماعة على مدى أكثر من ستة عقود على تأسيسها بإلحاق الضرر والأذى بالبهائيين. وفي المقابل، تشير المعلومات إلى أن السنوات الأولى من الثورة اتجهت الجماعة إلى ضرب اليساريين مرة أخرى قبل إعلان الخميني وقف نشاط الجماعة.
ولقد تبادلت كل من الحجتية والبهائية الاتهامات بالعمالة لـ«السافاك» (جهاز الأمن) في زمن النظام البهلوي ووفق المصادر المتوفرة حول الحجتية أن الشيخ محمود حلبي تعهد لدى مركز السافاك (جهاز المخابرات في النظام البهلوي) في مشهد، بألا تتدخل جماعته في السياسة، ويتهم البهائيون الجماعة الحجتية بالوقوف وراء مطاردة أفرادها والحد من نشاطهم بالتنسيق مع السافاك كما توجه أصابع الاتهام بعد الثورة إلى أفراد الحجتية في إتلاف جميع الوثائق لدى السافاك التي تثبت تورطهم.
تتبع الحجتية وفق ميثاقها هدف واضح هو الدفاع والجدل العلمي من مذهب التشيّع والمهدوية والتمهيد لظهور «المهدي المنتظر» في مواجهة تحديات جماعات مثل البهائية، وكذلك الدفاع عن المذهب الجعفري وفق مقتضيات الزمان و«مصلحة الوطن»، رغم بداية نشاط الحجتية في مشهد، مسقط رأس الشيخ حلبي، حيث دفعته معارضة بعض المراجع الشيعة للهجرة إلى طهران. وبعد خطوة الانتقال «الاستراتيجية» إلى العاصمة، جمع حلبي هناك من حوله الحلقة الأولى لجماعة الحجتية من بين طلبة المدارس الدينية وصغار التجار. ومذ ذاك نجحت الجماعة الحجتية في تجنيد جيش من المتطوعين بعد تغلغلها بين الأسر المحافظة لمواجهة البهائية وحزب تودة وقمعهما - وكما سبقت الإشارة - لم تكن موفقة في حربها على حزب تودة بسبب تاريخه وقوته في الساحة السياسية الإيرانية حينذاك.
هذا، وتذكر الفقرة الأولى من البيان التأسيسي للجماعة أن الحجتية تركز على العمل الثقافي ولا تتدخل في الأمور الدينية وأن أهدافها تبقى راسخة حتى ظهور «المهدي المنتظر». وتؤكد الفقرة الثانية على أن الحجتية لا تتدخل في القضايا السياسية، ولا تتحمل مسؤولية المواقف السياسية من قبل منتسبيها. ويقول المفكر الإيراني عبد الكريم سروش، الذي خاض تجربة الحجتية لفترة قصيرة، إنها من أبرز الجماعات الدينية التي كانت تروج للعقائد المهدوية قبل الثورة، كما أن أعضاءها يتبنون العقيدة المهدوية في النشاط اليومي والسلوك الشخصي.
من ناحية أخرى، تشوب علاقة الحجتية بـ«ولاية الفقيه» حالة من الغموض إذ يذكر العضو السابق في الحجتية عماد الدين الباقي في كتابه الشهير «حزب قاعدين الزمان» أن الحجتية في ملحق ميثاقها بعد الثورة الإيرانية تعترف بـ«الولي الفقيه» رغم أن الخميني اعتبرهم خطرًا على وجوده، ووجه أوامر بوقف نشاط الجماعة. ويُعد «حزب قاعدين الزمان» النافذ من الأسواق منذ سنوات، أحد أهم المصادر المكتبة الإيرانية حول «الحجتية» ونشاطها الفكري والآيديولوجي، كما يعد بين الكتب عنه الأكثر مبيعًا في تاريخ إيران بعدما تجاوزت مبيعاته في طبعاته المتعددة 85 ألف نسخة.
الحقبة الصفوية
منذ الحقبة الصفوية وجد حكام إيران ضالتهم بحثًا عن المشروعية في التمهيد لحكومة المهدي المنتظر. وبدأت الحكاية بإسماعيل الصفوي الذين جمع حوله أكبر عدد من الفقهاء الشيعة وأدعى الانتساب إلى آل الرسول - صلى الله عليه وسلّم - وبلغ الأمر ذروته مع صعود ابنه طهماسب الذي اعتبر فقهاء بلاطه نوابًا لـ«المهدي المنتظر» في محاولة لإضفاء المشروعية على الملك الصفوي. وفي المقابل اعتبر طهماسب قائدًا لـ«جيش المهدي». ولم يتوقف الأمر هنا، بل ذهب مقربون منه إلى تسميته «المهدي المنتظر». ولاحقًا، مع انهيار الحكم الصفوي ودخول البلاد في مرحلة فراغ بعد القوة، أدرك الإيرانيون أن الصفوية لم تكن مقدمة لحكومة «المهدي المنتظر»، واتسع نطاق المدارس الشيعية المتطرفة التي تتبع نهج المهدوية تصفها الكتب التاريخية الإيرانية ومن هنا وجد وصف «الحركات الانحرافية» طريقه إلى الأدبيات السياسية والدينية في إيران.
ويظهر أرشيف «مركز الوثائق الثورة الإسلامية» أن «ولاية الفقيه» لدى الجماعة الحجتية ولاية تشمل كل المراجع الشيعة برئاسة «الفقيه الأعلم». وهي بذلك لا تختلف في الجوهر مع فكرة «الولي الفقيه» التي أصبحت من أركان النظام الجديد بعد إعلان «الجمهورية الإسلامية» في إيران وتبنّي «مجلس خبراء القيادة» الفكرة. ومن جهة أخرى ترفض الحجتية الاتهامات الموجهة لها بمعارضة «الولي الفقيه»، بل تدّعي الجماعة أن مقترحها التي تقدمت به كان وراء دخول منصب «الولي الفقيه» إلى نص القانون الأساسي.
هذا، وسرعان ما أدى موقف الجماعة من «ولاية الفقيه» إلى صدام مع المرشد الأعلى الأول آية الله الخميني. وكان إشارة واحدة ضد الجماعة كافية لإعلانها تجميد النشاط. الجماعة اتهمت من قبل حاشية الخميني بعرقلة الأمور والدعاية المضادة للثورة، كما أدى النزاع بين الحجتية والجماعات المعارضة لها إلى اشتباكات في شوارع عدد من المدن، حتى إن الخميني هاجم الجماعة في عيد الفطر 1984 قائلا: «جماعة مشروعها إشاعة الفساد حتى يظهر المهدي، لكن لماذا يأتي المهدي؟ هو يأتي حتى تزول المعاصي ونحن نرتكبها حتى يأتي؟ احذفوا هذه الانحرافات.. إذا كنتم وطنيين احذفوا الفئوية من أجل بلدكم.. واكبوا التيار ولا تسيروا خلافه فإنه يكسر أعضاءكم».
بعد هذا الخطاب تحديدًا، بأيام، أوقفت الحجتية نشاطها إلا أن نشاطها لم يتوقّف عند هذا الحد. بل دخلت الجماعة بعد ذلك في سراديب السرّية والأساليب الغامضة أكثر من أي وقت مضى. وقالت الحجتية في بيان وقف النشاط أنها رغم أنها وإن كانت لا ترى خطاب الخميني موجهًا إليها، فإنها قررت وقف النشاط بأوامر من الشيخ محمود حلبي «حفاظًا على الوحدة والانسجام الوطني وحفظ المصالح القومية وقطع الطريق على أجهزة الدعاية الأجنبية».
مع هذا، لم يوقف اختفاء الجماعة من القاموس السياسي اليومي ودخولها في مراحل السرّية الحديث عن نشاطها. إذ يتهم «مركز الوثائق الثورة الإسلامية» في إيران الجماعة بتأجيج الصراع الطائفي واختيار المذهب السنّي هدفًا ثالثًا بدلا من أعدائها التقليديين، وتحديدًا، البهائية وحزب تودة الشيوعي.
وبحسب المصادر الإيرانية فإن الجماعة الحجتية نشطت في عام 2004 وسط المناطق السنّية في إيران للضغط على أتباع مذهب أهل السنة والجماعة، وذلك عبر توزيع مؤسسات، مقرها قُم، مئات الكتب والمنشورات المسيئة للصحابة والخلفاء بجانب وإساءات لأتباع المذهب السنّي ما أدى إلى غضب واستياء شعبي بين الأوساط الشعبية في تلك المناطق، خاصة بلوشستان.
وتشير المصادر الإيرانية بما فيها «مركز وثائق الثورة» إلى أن فئة متنفذة من الجماعة رتّبت تصفية علماء وشخصيات بذريعة أنهم سبب التأخير في ظهور «المهدي المنتظر»، وهي الفئات نفسها التي تدّعي التواصل مع «المهدي المنتظر».
جدير بالذكر، أن العقيدة المهدوية وعلاقتها بمدارس الدينية الإيرانية على مدى مئات السنين ظلتا مثار جدل ونقاش وخلاف عميق بين المراجع وأتباع تلك المدارس. ولقد كان هاجس البحث عن المشروعية لدى الأنظمة والعقوبات المتعاقبة دفع هذه الأنظمة للجوء إلى شعار «لكل أمة دولة ودولتنا في آخر الزمان». وهو أبرز شعار رفعته التيارات المهدوية منذ الحقبة الصفوية. ومن ثم، استمر الوضع على ما هو عليه مع تناوب الأنظمة وتغيير الخريطة السياسية والفكرية والإنسانية في إيران، وكان تأثير تلك القضايا على عامة الناس على علاقة وثيقة بقرب أو ابتعاد تلك المدارس من السلطان ودوائر صنع القرار.
ومع الحجتية بلغ تطرّف الحركات المهدوية في إيران ذروته، ووصل الأمر إلى أن أصبحت المهدوية تحظى بأهمية أكبر من أصول الدين الإسلامي والقرآن والسيرة النبوية، بل وحتى أهل البيت لدى أنصار تلك الجماعات. وفي سنوات ما بعد الثورة الخمينية أطلق معارضو الجماعة الحجتية تسمية «الفرقة الحجتية» عليها، بينما كشف أعضاء في الجماعة النقاب عن مفاوضات بينها وبين علي أكبر هاشمي رفسنجاني وقادة من الحرس الثوري لانخراط الجماعة في الأجهزة الحكومية والحرب.
توتر العلاقة بين الجماعة والخميني، كما سلف، دفعها إلى العمل في الهامش واللعب في الباحة الخلفية لـ«الولي الفقيه». لكن الجماعة منذ ذلك الحين وطّدت علاقاتها بالسياسيين وتقلدت شخصيات تخرجت في مدارس الحجتية، مناصب رفيعة في النظام كان أبرزهم آنذاك قائد الجيش السابق اللواء محمد سليمي الذي عُزل بأوامر آية الله الخميني من قيادة الجيش. ولكن علي خامنئي عاد فعينه مستشارًا عسكريًا، واحتفظ سليمي في منصبه حتى وفاته في يناير (كانون الثاني) 2016، ويعدّ سليمي أحد أبرز دعاة الحجتية في الجيش الإيراني، ولا سيما، لإدخاله عددا من كبار من الضباط وأسرهم إلى الجماعة.
وإلى جانب سليمي، تجدر الإشارة إلى الجنرال یوسف کلاهدوز، من قیادات الجیش ومؤسس الحرس الثوري (قتل في سقوط طائرة)، وقائد القوات البريّة في الجیش الإيراني الفریق صياد شيرازي، الذي قتل على يد مسلحين 1999، ووزيرا الخارجية الدكتور علي أكبر ولايتي (المستشار الخاص لخامنئي للشؤون الدولي حاليًا) والدكتور كمال خرازي، ووزير التعليم والتربية الأسبق في حكومة خامنئي علي أكبر برورش، وغلامعلي حداد عادل مستشار خامنئي الثقافي حاليًا والمرشح الرئاسي سابقًا، واسفنديار رحيم مشائي رئيس مكتب محمود أحمدي نجاد، والبرلماني الحالي مهدي كوجك زاده، والسياسي مهدي خزعلي نجل آية الله خزعلي الذي كان ممثل «الولي الفقيه» لدى الجماعة الحجتية، والدكتور مصطفي شمران القائد الإيراني الذي قتل خلال الحرب الخلیج الأولی ویعد الشریك الأساسي لموسى الصدر في تأسيس حركة «أمل» في لبنان.
وللعلم، تحيط شكوك كثيرة بعلاقة خامنئي بالجماعة الحجتية بسبب كثرة الأشخاص من حوله ممن انتموا وتخرجوا سابقًا من المدارس الحجتية، وبسبب الاشتراكات الفكرية بين والده وبين مؤسس الجماعة الحجتية الشيخ محمود حلبي كونهم من أتباع مدرسة التفكيك السالفة الذكر.
صعود أحمدي نجاد وتياره في المشهد السياسي الإيراني، وحديثه عن الارتباط بـ«المهدي المنتظر» في إدارة البلاد، وكشفه عن مخطط لإدارة العالم بالتنسيق مع «المهدي المنتظر» عوامل أعادت فتح ملف الحجتية في الأوساط السياسية في إيران. وحاول منتقدوه، الذين يعتبرون من أشد أنصار الخميني، الربط بين تيار أحمدي نجاد والجماعة الحجتية. وانطلاقًا من هنا كثر النقاش حول دور الحجتية وتجديد نفسها في الحياة الفكرية والسياسية في البلاد. وحقًا، طبق تيار أحمدي نجاد شعار العمل الثقافي وحراسة آيديولوجية الثورة، الذي ترفعه الحجتية، بأساليب جديدة جاءت في إطار الحديث عن «المهدي» وحكومته. وكانت الجماعة تستخدم هذا الشعار في بداية الثورة بتبريرها ابتعادها عن العمل السياسي بأنه شعار يشمل القضايا العقائدية والآيديولوجية.
ولقد جدّد أحمدي نجاد وتياره خلال السنوات الأربع الأولى من رئاسته خطاب المهدوية عبر تنظيم مؤتمرات دولية. كذلك شهدت دورته نشاطا واسعا للجماعات التي تتحدث عن ظهور «المهدي». وبعد وصوله إلى دوره رئاسية ثانية كشفت صحيفة «ابتكار» في 2009 عن تقديم الجماعة الحجتية طلبا رسميا لإعادة نشاطها بشكل علني وربط الصحيفة عودة الحجتية بدعم بعض مراجع الشيعة لخطاب المهدوية وخاصة الأب الروحي لأحمدي نجاد، عضو رابطة حوزة قم العلمية، محمد تقي مصباح يزدي الذي يعتبره النقطة المقابلة لهاشمي رفسنجاني. وفي الوقت نفسه كثر الحديث عن تيار «منحرف» في إشارة إلى دور رحيم مشائي في إعادة تنظيم الحجتية في جماعة جديدة أطلقت على نفسها «طريق الحقيقة»، وأسست مراكز لها في عدد من المدن الكبيرة.
وبدورها تساءلت مجلة «مهرنامه» الفكرية والثقافية المرموقة في إيران ضمن ملف خاص عن حقيقة عودة الحجتية، واستندت المجلة إلى تصريحات مؤسس جماعة «أنصار حزب الله» الإيرانية، حسين الله كرم الذي كشف فيها أن جماعة مشائي تعتقد بقرب ظهور «المهدي المنتظر»، كما كشف عن مخططات تلك الجماعات التي تؤمن بقرب ظهور المهدي في أربع دول عربية هي مصر والمملكة العربية السعودية والأردن واليمن.
في هذه الأثناء، كان وزير الداخلية الإيراني الأسبق علي أكبر محتشمي بور قد اتهم في حوار مع صحيفة «اعتماد» في 2009، الجماعة الحجتية بالوقوف وراء قمع «الحركة الخضراء» التي اندلعت في عدد من المدن الإيرانية، وتحدث محتشمي بور عن تمدّد الجماعة في مفاصل النظام الإيراني، وادعى أنها جمعت عددًا كبيرًا من المثقفين وأساتذة الجامعات والطلاب الواعدين، وزعم لجوء الجماعة إلى إرهاب الشخصية أو الحذف المباشر في تعاملها ضد المعارضين. ومما قاله محتشمي بور في ذلك الحوار أن الحجتية «تجاوزت كل الخطوط الحمر، ويصعب التصدي لها. الله وحده يمكن أن يساعد وهو ما حذر منه الأمام الخميني، اليوم هي نار تحت الهشيم».
ختامًا، يتسّع الصراع في إيران على السلطة بين المذاهب والمدارس الفكرية في الفترة الأخيرة، ولعب هاشمي رفسنجاني، الذي يعتبر من أنصار خط الخميني، في ملعب الجماعة الحجتية عبر طرحه مشروع «شورى الفقهاء» كبديل محتمل للنظام الإيراني إذا ما غيب الموت خامنئي. إضافة إلى ذلك يستدعي الدور الإيراني في سوريا والعراق واليمن وتدخلاتها الواسعة في الدول العربية، الوقوف والاطلاع على خلفية الآيديولوجية المسيطرة على هيكل النظام الإيراني. ثم إن حديث قادة الحرس الثوري وكبار المسؤولين الإيرانيين عن التمهيد لظهور «المهدي المنتظر» عبر التدخل العسكري في أكثر من منطقة من الشرق الأوسط وحشد جماعات متطرفة من أجل أهداف آيديولوجية - فضلا عن الصراع الواسع بين المراجع والمدارس الدينية - أمور تثير الكثير من علامات الاستفهام حول دور الجماعة الحجتية وعشرات الجماعات المؤدلجة في الفوضى التي تشهدها دول المنطقة.



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».


ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)

عندما وصف رجل ألماني في شريط على «يوتيوب» سوسن شبلي، السياسية الألمانية الشابة من أصل فلسطيني، والتي تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنها: «دمية متحدثة باسم الإسلاميين»، ظنت أن محكمة ألمانية سترد لها حقها بعد «الإهانة» التي تعرضت لها، ولكنها فوجئت عندما حكمت المحكمة بأن هذه الصفة وغيرها من التي ألصقها بها الرجل، هي «ضمن حرية التعبير التي يصونها القانون الألماني»، وليست إهانة ولا تحريضاً على الكراهية.

في الواقع، لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض لها شبلي لتوصيفات عنصرية كهذه. فهي وغيرها من السياسيين المسلمين القلائل في ألمانيا، والسياسي الأسود الوحيد كرامبا ديابي، معتادون على سماع كثير من الإهانات، بسبب ديانتهم ولونهم فقط؛ حتى أنهم يتلقون تهديدات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات، تصل أحياناً لحد التهديد بالقتل.
ورغم أن هذه التهديدات التي يتعرض لها السياسيون المسلمون في ألمانيا تجلب لهم التضامن من بقية السياسيين الألمان، فإن أكثر من ذلك لا يُحدث الكثير.
في ألمانيا، تصنف السلطات ما يزيد على 12 ألف شخص على أنهم من اليمين المتطرف، ألف منهم عنيفون، وهناك خطر من أن ينفذوا اعتداءات داخل البلاد.
يشكل اليمينيون المتطرفون شبكات سرية، ويتواصلون عادة عبر الإنترنت، ويتبادلون الأحاديث داخل غرف الـ«تشات» الموجودة داخل الألعاب الإلكترونية، تفادياً للمراقبة.
وفي السنوات الماضية، ازداد عنف اليمين المتطرف في ألمانيا، وازداد معه عدد الجرائم التي يتهم أفراد متطرفون بارتكابها. وبحسب الاستخبارات الألمانية الداخلية، فإن اعتداءات اليمين المتطرف زادت خمسة أضعاف منذ عام 2012.
وفي دراسة لمعهد «البحث حول التطرف» في جامعة أوسلو، فإن ألمانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية التي تشهد جرائم من اليمين المتطرف، وتتقدم على الدول الأخرى بفارق كبير جداً. فقد سجل المعهد حوالي 70 جريمة في هذا الإطار بين عامي 2016 و2018، بينما كانت اليونان الدولة الثانية بعدد جرائم يزيد بقليل عن العشرين في الفترة نفسها.
في الصيف الماضي، شكل اغتيال سياسي ألماني يدعى فالتر لوبكه، في حديقة منزله برصاصة أطلقت على رأسه من الخلف، صدمة في ألمانيا. كانت الصدمة مضاعفة عندما تبين أن القاتل هو يميني متطرف استهدف لوبكه بسبب سياسته المؤيدة للاجئين. وتحدث كثيرون حينها عن «صرخة يقظة» لأخذ خطر اليمين المتطرف بجدية. ودفن لوبكه ولم يحدث الكثير بعد ذلك.
فيما بعد اغتياله بأشهر، اعتقل رجل يميني متطرف في ولاية هسن، الولاية نفسها التي اغتيل فيها السياسي، بعد أن قتل شخصين وهو يحاول الدخول إلى معبد لليهود، أثناء وجود المصلين في الداخل بهدف ارتكاب مجزرة. أحدثت تلك المحاولة صرخة كبيرة من الجالية اليهودية، وعادت أصوات السياسيين لتعلو: «لن نسمح بحدوثها مطلقاً مرة أخرى»، في إشارة إلى ما تعرض له اليهود في ألمانيا أيام النازية. ولكن لم يحدث الكثير بعد ذلك.
وقبل بضعة أيام، وقعت مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة في مدينة هاناو في الولاية نفسها، استهدفا من قبل يميني متطرف لأن من يرتادهما من المسلمين. أراد الرجل أن يقتل مسلمين بحسب رسالة وشريط فيديو خلَّفه وراءه بعد أن قتل 9 أشخاص، ثم توجه إلى منزله ليقتل والدته، ثم نفسه. أسوأ من ذلك، تبين أن الرجل كان يحمل سلاحاً مرخصاً، وينتمي لنادي الرماية المحلي.
بات واضحاً بعد استهداف هاناو، أن السلطات الألمانية لم تولِ اليمين المتطرف اهتماماً كافياً، وأنها لا تقدر حقيقة خطره على المجتمع، رغم أنها كشفت قبل أيام من جريمة هاناو عن شبكة يمينية متطرفة، كانت تعد لاعتداءات على مساجد في أنحاء البلاد، أسوة بما حصل في كرايستشيرش في نيوزيلندا.
وجاء الرد على اعتداء هاناو بتشديد منح رخص السلاح، وبات ضرورياً البحث في خلفية من يطلب ترخيصاً، على أن يرفض طلبه في حال ثبت أنه ينتمي لأي مجموعة متطرفة، ويمكن سحب الترخيص لاحقاً في حال ظهرت معلومات جديدة لم تكن متوفرة عند منحه. كما يبحث وزراء داخلية الولايات الألمانية تأمين حماية للمساجد وللتجمعات الدينية للمسلمين واليهود.
ولكن كل هذه الإجراءات يعتقد البعض أنها لا تعالج المشكلة الأساسية التي تدفع باليمين المتطرف لارتكاب أعمال عنف. وفي كل مرة تشهد ألمانيا اعتداءات، يوجه سياسيون من اليسار الاتهامات لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، بالمسؤولية عنها بشكل غير مباشر. ويواجه الحزب الذي دخل البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى عام 2018، وبات أكبر كتلة معارضة، اتهامات بأنه «يطبِّع سياسة الكراهية»، وبأنه يحرض على العنف ضد اللاجئين والمهاجرين، من خلال ترويجه لخطاب الكراهية. وحتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى حظر الحزب للتصدي للعنف المتزايد لليمين المتطرف.
والواقع أن مشكلة اليمين المتطرف تزداد منذ أن دخل «البديل لألمانيا» إلى «البوندستاغ». فهو - كما حملته الانتخابية - يركز خطابه على مواجهة سياسة اللاجئين التي اعتمدتها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل. وكثير من الأسئلة التي يتقدم بها نوابه في البرلمان تهدف لإثبات خطأ هذه السياسة، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج. ورغم أن نوابه في البرلمان يحرصون على عدم تخطي القانون في خطاباتهم، فإن كثيراً من السياسيين المنتمين لهذا الحزب؛ خصوصاً في الولايات الشرقية، لا يترددون في الحديث بلغة لا يمكن تمييزها عن لغة النازيين. أبرز هؤلاء السياسيين بيورغ هوكيه الذي لم يستطع أعضاء في حزبه تمييز ما إذا كانت جمل قرأها صحافي لهم، هي مقتطفات من كتاب «كفاحي» لهتلر، أم أنها أقوال لهوكيه.
كل هذا خلق أجواء سلبية ضد المسلمين في ألمانيا، وحوَّل كثيرين من الذين ولدوا لأبوين مهاجرين إلى غرباء في بلدهم. في هاناو، يقول كثيرون من الذين فقدوا أصدقاءهم في المجزرة، بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، ولا بأنهم جزء مقبول من المجتمع. وبعضهم يرى أنه ما دام حزب «البديل لألمانيا» مقبولاً بين الأحزاب الأخرى، فإن خطاب الكراهية سيستمر، والجرائم كالتي حصلت في هاناو ستتكرر.
ما يزيد من هذه المخاوف ومن الشبهات، أن السلطات الألمانية لم تأخذ خطر اليمين المتطرف على محمل الجد طوال السنوات الماضية. وهناك فضائح متتالية داخل المؤسسات الأمنية تظهر أنها مليئة بمؤيدين أو متعاطفين مع اليمين المتطرف؛ خصوصاً داخل الشرطة والجيش. ويواجه رئيس المخابرات الداخلية السابق هانس يورغ ماسن اتهامات بأنه متعاطف مع اليمين المتطرف، وهو ما دفع جهازه لغض النظر عن تحركاتهم طوال السنوات الماضية، والتركيز عوضاً عن ذلك على خطر الإسلام المتطرف. ومنذ مغادرته المنصب، أصدرت المخابرات الداخلية تقييماً تقول فيه بأن خطر اليمين المتطرف بات أكبر من خطر الإسلام المتطرف في ألمانيا.
وطُرد ماسن الذي ينتمي للجناح المتطرف في حزب ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) من منصبه، بعد اعتداءات كيمنتس في صيف عام 2018، بسبب رد فعله على التطورات هناك. وعارض ماسن ميركل في قولها بأن شريط فيديو من هناك أظهر ملاحقة نازيين جدد للاجئين، شتماً وضرباً. وخرج ماسن ليقول بأنه لم يتم التثبت من الشريط بعد، ويشكك في وجود نازيين جدد هناك. وكانت تظاهرات كبيرة قد خرجت ضد لاجئين في كيمنتس، بعد جريمة قتل ارتكبها لاجئان (عراقي وسوري) بحق أحد سكان البلدة.
وتعرض كذلك لانتقادات بعد جريمة هاناو لقوله بأن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية، وهو الخط نفسه الذي اتخذه حزب «البديل لألمانيا» عندما رفض طبع المجرم بأنه يميني متطرف؛ خصوصاً أن الأخير تحدث في شريط الفيديو عن «التخلص» من جنسيات معينة من دول عربية ومسلمة.
ويعيد ماسن صعود عنف اليمين المتطرف لموجة اللجوء منذ عام 2015، إلا أن ألمانيا شهدت عمليات قتل وملاحقات عنصرية قبل موجة اللجوء تلك. ففي عام 2011 كشف عن شبكة من النازيين الجدد عملت بالسر طوال أكثر من 12 عاماً، من دون أن يكشف أمرها، ما سبب صدمة كبيرة في البلاد. ونجح أفراد هذه الشبكة في قتل تسعة مهاجرين لأسباب عنصرية بين عامي 2000 و2007، إضافة إلى تنفيذهم 43 محاولة قتل، و3 عمليات تفجير، و15 عملية سرقة.
وقبل اكتشاف الخلية، كانت الشرطة تستبعد أن تكون عمليات القتل ومحاولات القتل تلك تتم بدوافع عنصرية، رغم أن جميع المستهدفين هم من أصول مهاجرة. وعوضاً عن ذلك، كانت التخمينات بأن الاستهدافات تلك لها علاقة بالجريمة المنظمة والمافيات التركية.
ورغم أن الكشف عن ارتباط هذه الجرائم باليمين المتطرف زاد الوعي الألماني لخطر هذه الجماعات، وأطلق نقاشات في الصحافة والمجتمع والطبقة السياسية، فإن التعاطي مع الجرائم التي لحقت، والتي اشتبه بأن اليمين المتطرف وراءها، لم يكن تعاطياً يحمل كثيراً من الجدية.