القوات الشرعية تتقدم في معاركها بتعز.. ومظاهرات تطالب بمحاكمة إيران

اليمنيون يطالبون المجتمع الدولي بإلزام الميليشيات بتنفيذ القرار 2216

أطفال تجمعوا في شارع جمال عبد الناصر وسط المدينة احتفالاً بذكرى الثورة اليمنية في تعز (غيتي)
أطفال تجمعوا في شارع جمال عبد الناصر وسط المدينة احتفالاً بذكرى الثورة اليمنية في تعز (غيتي)
TT

القوات الشرعية تتقدم في معاركها بتعز.. ومظاهرات تطالب بمحاكمة إيران

أطفال تجمعوا في شارع جمال عبد الناصر وسط المدينة احتفالاً بذكرى الثورة اليمنية في تعز (غيتي)
أطفال تجمعوا في شارع جمال عبد الناصر وسط المدينة احتفالاً بذكرى الثورة اليمنية في تعز (غيتي)

انطلقت، أمس (الأربعاء)، الحملة الشعبية الموسعة في اليمن لمطالبة المجتمع الدولي بإلزام ميليشيات الحوثي وقوات المخلوع علي عبد الله صالح الانقلابية بتنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي 2216، وبمشاركة كبيرة من كافة وسائل الإعلام الرسمية اليمنية والدولية ومختلف الصحف والمواقع الإخبارية الإلكترونية والقنوات الإخبارية ومواقع التواصل الاجتماعية الأكثر تداولا في العالم («تويتر»، و«فيسبوك»، ومدونات، وغيرها).
وتهدف الحملة التي تحمل عنوان هاشتاغها «ندعم 2216 ليمن بلا ميليشيا»، إلى حشد الدعم الشعبي لمطالبة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي بالاضطلاع بدور أكثر فاعلية في إجبار ميليشيات الحوثي والمخلوع صالح، والانصياع غير المشروط وتنفيذ بنود القرار الدولي رقم 2216 الصادر تحت البند السابع.
ودعت اللجنة التحضيرية للحملة كل الفعاليات الشعبية المحلية داخل اليمن وخارجه إلى التفاعل مع الحملة الشعبية الموسعة الهادفة إلى حث المجتمع الدولي على الاضطلاع بواجباته في إلزام الميليشيا الانقلابية في اليمن بتنفيذ القرار 2216 ووقف الانتهاكات غير المسبوقة التي ترتكبها ضد المدنيين والانسحاب الفوري وغير المشروط من المدن اليمنية وتسليم مؤسسات الدولة والأسلحة المنهوبة.
وقال بليغ المخلافي، إعلامي وناشط سياسي، في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «القرار 2216 أصبح واحدة من أهم المرجعيات في الشأن اليمني، ولم يسبق أن حدث إجماع في مجلس الأمن على قضية ما كما حدث في القضية اليمنية والقرار 2216». وأضاف أن «هذا القرار صادر تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وهذا الفصل يجيز لمجلس الأمن تنفيذ القرارات الصادرة تحته بمختلف الطرق بما في ذلك استخدام القوة لأي دولة من الدول الأعضاء، لكن للأسف الشديد حدث نوع من التراخي أو التباطؤ في تنفيذ القرار من قبل مجلس الأمن وتم تفويض التحالف العربي ضمنيًا باستخدام القوة لتنفيذ القرار، إلا أن بعض الدول الكبرى تحاول استخدام القرار لتحقيق توازنات معينة وتلجأ أحيانا لممارسة ضغوط دبلوماسية غير مقبولة على قيادة التحالف العربي».
وتابع القول: «ومن هنا يأتي دور الحملة الشعبية الداعمة لتنفيذ القرار 2216 باعتباره مطلبًا سياسيًا وشعبيًا يمنيًا والسبيل الوحيد للوصول إلى تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن الذي عانى من جنون الميليشيات المسلحة والتدخلات الإيرانية في شؤونه الداخلية».
وذكر المخلافي أن «الوضع الإنساني الذي يعيشه اليمن بشكل عام وتعز بشكل خاص واحدًا من أهم الأسباب التي تحملنا جميعًا مسؤولية المطالبة بتنفيذ القرار الأممي، حيث هناك أكثر من ثلاثة ملايين نسمة في تعز يعيشون حصارًا منذ أكثر من 6 أشهر منع خلالها الماء والغذاء والدواء وهذا ليس غريبًا على ميليشيات الحوثي فخلال سنواتها الأولى التي قضتها متحكمة بمحافظة صعدة قامت بفرض حصارًا مشابهًا على قرية دماج، لكن الأمر هنا أصبح مختلفًا فالحصار الآن يطال أكبر المحافظات اليمنية سكانًا».
وأكد الناشط السياسي لـ«الشرق الأوسط» أنهم سيطالبون «بتنفيذ القرار من أجل اليمن ومن أجل تعز التي تحاصرها الميليشيا وتقتل أبناءها وتدمر كل شيء فيها بصورة لا تنم سوى عن مستوى البشاعة والحقد اللذان يسكنان نفوس قادتها المريضة».
ويأتي ذلك، في الوقت الذي خرجت الجاليات اليمنية في أوروبا وأميركا بمظاهرات ووقفات احتجاجية ضد التدخلات الإيرانية في اليمن وضرورة تطبيق القرار الأممي 2216. وقال منظمو مظاهرة الـ17 من فبراير (شباط) أمام مقر الأمم المتحدة في نيويورك أنهم «يستعدون للخروج بمظاهرة كبرى أمام مقر الأمم المتحدة في نفس يوم انعقاد مجلس الأمن لمناقشة الأوضاع في اليمن». وأكدوا أن «الجالية اليمنية سوف تطالب مجلس الأمن بمحاكمة إيران التي تسببت بقتل الأبرياء في اليمن بسبب دعمها للانقلابيين، وأنهم سيطالون بمحاكمة».
وكشف منظمو هذه المظاهرة أنهم عند الخروج بمظاهرة أخرى، في عدد من الدول الأوروبية، عند انعقاد مجلس الأمن لمناقشة أوضاع اليمن، سيطالبون بمحاكمة إيران وتطبيق القرار الأممي 2216، منددين في الوقت ذاته «بمواقف إيران الإرهابية ضد أبناء اليمن وتحميلهم مسؤولية ما لحق باليمن من دمار وتخريب وقتل وتشريد مئات الآلاف من اليمنيين».
وفي المقابل، نظم شباب وشابات محافظة تعز، وقفة شبابية، أمس، أمام مكتب التربية، وذلك تزامنا لعقد مجلس الأمن الدولي جلسته حول اليمن، وستكون الحملة تحت شعار «نطالب بتطبيق قرار مجلس الأمن 2216».. أنقذوا اليمن من الميليشيات الانقلابية وحصارها للمدن اليمنية، وخصوصا محافظة تعز.
وشهدت جبهات القتال في محافظة تعز، الواقعة إلى الجنوب من العاصمة صنعاء، مواجهات عنيفة بين قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية المسنودة من قوات التحالف التي تقودها السعودية، من جهة، وميليشيات الحوثي وقوات المخلوع علي عبد الله صالح، من جهة أخرى، تكبدت فيها هذه الأخيرة الخسائر الفادحة في الأرواح والعتاد.
واشتدت المواجهات في الجبهة الشمالية، مقوات عصيفرة، والجبهة الشرقية في حي كلابة والزهراء، استخدم الطرفان فيها مختلف أنواع الأسلحة، وذلك بعد محاولة القوات المشتركة التقدمة إلى مواقع الميليشيات الانقلابية واستعادتها منهم. وقال مصدر في المقاومة الشعبية في محافظة تعز لـ«الشرق الأوسط» إنه «بعدما تمكن عناصر الجيش الوطني والمقاومة الشعبية من تطهير واستعادة جبال الجزب وكلبين والريامي في جبهة حيفان، جنوب تعز، وأجبروا عناصر الميليشيات الانقلابية عن التراجع والفرار بعدما تكبدت الخسائر الفادحة، قصفت الميليشيات بشكل وحشي قرى مديرية حيفان والأحياء السكنية بمدينة تعز بمختلف أنواع الأسلحة، وسقط قتلى وجرحى من المدنيين بينهم نساء وأطفال».
وأضاف أنه «بمساندة طيران التحالف التي شنت غاراتها المركزة والمباشرة على مواقع ميليشيات الحوثي والمخلوع صالح، تمكنت القوات المشتركة من تحقيق النصر والتقدم وتطهير عدد كبير من المواقع؛ الأمر الذي جعل الميليشيات تقوم بتحركات غير طبيعية في مناطق أخرى في محاولة منها الالتفاف على عناصر المقاومة والجيش الوطني المرابطين في جبهة الشقب، شرق جبل صبر، خاصة بعدما تم استعادة الكثير من المواقع والتباب الهامة والاستراتيجية في مديرية المسراخ، جنوب المدينة».
وذكر المصدر ذاته أنه الميليشيات الانقلابية قامت بحملة اعتقالات كبيرة في أوساط المواطنين في منطقة الجند، شرق المدينة، تحت حجة انتمائهم للمقاومة الشعبية وخوفا من بدء عمليات عسكرية من قبل سكان المنطقة التي يعتبر الحوثيون أن سكانها من الموالين لهم.
وتواصل قوات الجيش الوطني والمقاومة الشعبية في مديرية المسراخ، جنوب مدينة تعز، عمليات تطهير المناطق التي تمت استعادتها من الميليشيات الانقلابية ونزع الألغام التي زرعتها في بعض المناطق والطرق الرئيسية، حيث غنمت القوات الموالية للشرعية عددا من الأسلحة والعتاد العسكرية بما فيها رشاشات وآليات عسكرية وكمية كبيرة من الذخائر التي تركتها الميليشيات أثناء فرارها من المناطق التي تقدمت إليها القوات خاصة المحيطة بمركز مديرية المسراخ التي لا تزال الميليشيات تسيطر عليه. واستهدفت الميليشيات الانقلابية بقصفها مواقع تمركزها بما فيها القصر الجمهوري وتبة سوفياتيل وحي بازرعة والعرسوم وجبل الوعش ووادي عرش والدفاع الجوي وتبة الزنقل والحصب واللواء 35 بالمطار القديم، أحياء ثعبات والأربعين وعصيفرة والموشكي والدمغة والمحافظة والدحي والبعرارة وقرى صبر والمسراخ. وعلى الجانب الإنساني، دشنت المبادرة الشبابية لكسر الحصار عن تعز، قافلة (الضمير)، عملية توزيع المواد الطبية وأسطوانات الأكسجين لعدد من مستشفيات تعز، وذلك بالتعاون مع ائتلاف الإغاثة الإنسانية بمدينة تعز، التي وصلت إلى المدينة من خلال قافلة الضمية بعدما أطلقتها خلال الأيام الماضية بدعم وتمويل من أبناء منطقة الحجرية، أكبر قضاء في محافظة تعز، ومؤسسة «معا للتنمية».
وتسلم كل من مستشفى الروضة وهيئة مستشفى الثورة بمدينة تعز، الكميات المخصصة لهما من المساعدات الطبية والتي تم إقرار نسبتها من قبل اللجنة الطبية العليا، مقارنة باحتياجات كل مستشفى.
ووصلت قافلة الضمير إلى مناطق الحصار في المدينة، أمس (الأربعاء)، بعد خمسة أيام من انطلاقها من مدينة التربة جنوب تعز، والتي كانت تحمل مساعدات إغاثية من الغذاء والدواء وأسطوانات الأكسجين، بدعم ذاتي من أبناء قطاع الحجرية.
وتعاني مدينة تعز أوضاعا إنسانية بالغة السوء، جراء الحرب والحصار الخانق المفروض عليها منذ أشهر من قبل الميليشيات الانقلابية التي تمنع دخول المواد الطبية والغذائية وكل المستلزمات من منافذ المدينة التي تسيطر عليها.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.