أميركا.. من يدفع ثمن «معركة العناد»؟

خلافات الجمهوريين والديمقراطيين بشأن قوانين تمويل الحكومة تنذر بكارثة

أميركا.. من يدفع ثمن «معركة العناد»؟
TT

أميركا.. من يدفع ثمن «معركة العناد»؟

أميركا.. من يدفع ثمن «معركة العناد»؟

دخلت قضية إغلاق الحكومة الفيدرالية الأميركية مرحلة جديدة، وباتت «معركة كسر عظم.. وعناد»، بين طرفين يتمسك كل منهما برؤيته، مما أدى إلى خسائر بمليارات الدولارات يسددها دافع الضرائب الأميركي، إضافة إلى إغلاق جزئي للحكومة الفيدرالية، ألقى بظلاله على المتنزهات والمتاحف الوطنية والمكاتب الفيدرالية التي أصبحت بلا رواد، وأجبرت ما يقرب من مليون موظف على أخذ إجازة إجبارية من دون راتب لأول مرة منذ 17 عاما.

فشل الجمهوريون والديمقراطيون بشأن تمرير قوانين تمويل الحكومة في الكونغرس، منذ أن وقف اليمين المحافظ للجمهوريين ضد خطط الرئيس باراك أوباما وإدارته، بشأن قانون الرعاية الصحية المعروف باسم «أوباما كير». ولا يزال المحافظون الجمهوريون يصرون على مطلبهم هذا مقابل الموافقة على ميزانية السنة المالية الجديدة التي بدأت مطلع الشهر، لكن الرئيس يرفض أي مساس بقانون الإصلاح الصحي الذي عمل جاهدا لإقراره. ويتبادل الطرفان الاتهامات برفض التفاوض، في حين لم تلح أي بارقة أمل تؤشر إلى قرب التوصل إلى حل ينهي الانقسام الحاد في واشنطن.
وأصبح الآن نحو 800 ألف موظف أميركي في الإدارات العامة، اعتبروا غير أساسيين من أصل أكثر من مليونين، في عطلة غير مدفوعة، بينما خفضت كل الإدارات عدد موظفيها إلى الحد الأدنى الضروري، وهي سابقة نادرة في الولايات المتحدة منذ عام 1996. وحتى البيت الأبيض بات يعمل بـ25 في المائة من موظفيه، بينما جرى استثناء الأمن القومي والخدمات الأساسية مثل العمليات العسكرية والمراقبة الجوية والسجون من الإغلاق.
وتأتي هذه الأزمة بعد 33 شهرا من التجاذبات والمواجهات بشأن الميزانية بين الديمقراطيين والجمهوريين الذين استعادوا السيطرة على مجلس النواب في يناير (كانون الثاني) 2011 بعد انتخاب عشرات الأعضاء من التيار الشعبوي المتشدد المعروف بحزب الشاي (تي بارتي). وعبر كثيرون عن الخشية من أن إغلاق الحكومة قد يستمر لأسابيع، وحذر وزير الخزانة جاك ليو من عجز في دفع فواتير البلاد ما لم يسع الكونغرس إلى التوصل لحل قبل السابع عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي موعد مناقشة رفع سقف الاقتراض للولايات المتحدة. لكن الاختلافات بين الحزبين حول رفع سقف الدين لها مخاطر أكبر بكثير، حيث ستضع الأسواق العالمية على حافة مخاطر كبيرة، بدأت انعكاساتها مع توقف الأنشطة الحكومية الأميركية، في أسواق الأسهم وتراجع البورصات الآسيوية والأوروبية.
وتقول الإحصاءات إن تكلفة إغلاق الحكومة الفيدرالية نحو 300 مليون دولار يوميا، مما يضع أحمالا على عاتق الاقتصاد الأميركي. ويقدر الاقتصاديون تراجعا في الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 0.2 في المائة أسبوعيا، لذا فإن استمرار الأزمة إضافة إلى عدم الاتفاق حول رفع سقف الدين سيضعان الاقتصاد الأميركي والدولي أمام مخاطر حقيقية.
وحذرت وزارة المالية الأميركية من تداعيات كارثية، مشيرة إلى انخفاض قيمة الدولار وارتفاعات صاروخية في معدلات الفائدة وركود اقتصادي يمتد تأثيره لعدة سنوات. ويتوقع المحللون معركة عملاقة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي حول السياسات المالية الأميركية بسبب العجز غير المسبوق في الموازنة الفيدرالية التي يتجاوز 1.4 تريليون دولار.
وإذا رفض الكونغرس رفع سقف الدين الأميركي فإن ذلك سيعني تخلف الولايات المتحدة عن سداد ديونها (التي تصل إلى 16.7 تريليون دولار) مع احتمالات قوية لتخفيض تصنيفها الائتماني، وانهيار في سوق السندات، وفي مؤشرات البورصات العالمية، وانهيار أسواق السلع والخدمات لأن معظم عملات العالم مرتبطة بالدولار الأميركي. وإذا عجزت الولايات المتحدة عن سداد مديونياتها فإن ذلك سيرفع بشدة سعر الفائدة على عمليات إقراض أميركا، وسيؤدي ارتفاع سعر الفائدة إلى تراجع النشاط الاقتصادي وانخفاض النمو.
وهناك مخاوف حقيقية من مخاطر دخول الأسواق العالمية في مرحلة كساد عميق تتجاوز الكساد الاقتصادي الذي حدث في ثلاثينات القرن الماضي وخسارة كبيرة في سوق السندات، لأن الجانب الأكبر من دين الولايات المتحدة هو عبارة عن سندات خزينة (من بين أكثر من 10 تريليونات دولار صكوك ضمان دين أميركية مملوكة لغير الأميركيين، تملك الصين 906 مليارات دولار، تليها اليابان بقيمة 877 مليار دولار، وتملك الدول المصدرة للنفط ما قيمته 513 مليار، وتملك الهند ما قيمته 225 مليار دولار).
ويتبادل الحزبان حالة من العناد وإلقاء اللوم وتبادل الاتهامات، من دون أن يتزحزح أي حزب عن موقفه أو يقدم حلولا للمأزق الذي تعانيه الولايات المتحدة ما بين الإدارة والكونغرس. وتقول إدارة أوباما إنها لن تتفاوض حول القضايا الضريبية ومسألة الإنفاق إذا تم ربطها كشرط لرفع سقف الدين. وتعهد الرئيس أوباما بأنه لن يتراجع أو يقدم تنازلات حول برنامج الرعاية الصحية. وكرر أوباما تأكيده أنه لن يخضع لابتزاز، وقال «لن ندفع فدية مقابل إعادة تسيير العمل في الإدارة».
على الجانب الآخر، يقول رئيس مجلس النواب جون بوينر وزعماء الحزب الجمهوري إنهم لن يرفعوا سقف الدين ما لم يوافق الديمقراطيون على خطط لخفض الإنفاق بشكل كبير. ويطالب العديد من الجمهوريين في مجلس النواب بوضع قيود على قانون الرعاية الصحية كشرط لإعادة فتح الحكومة. وقد تزايدت الانتقادات الصادرة من الرئيس أوباما وزعماء الحزب الديمقراطي ضد رئيس مجلس النواب جون بوينر، وزعماء الحزب الجمهوري. وفي رسالته الإذاعية الأسبوعية هاجم الرئيس أوباما الجمهوريين ودعاهم إلى وقف إعاقتهم إقرار الميزانية وإنهاء الشلل الجزئي للإدارة قائلا «إنهم تسببوا في إغلاق حكومة لا يحبونها بسبب قانون رعاية صحية يكرهونه». وطالب الرئيس أوباما الأميركيين بالتصويت ضد إغلاق الحكومة الفيدرالية التي وصفها بالمهزلة، وقال «اذهبوا وصوتوا. أوقفوا هذه المهزلة. أنهوا فورا الشلل في الميزانية».
واتهم جاك ليو، وزير الخزانة الأميركية، أعضاء الكونغرس باللعب بالنار إذا لم يتم رفع سقف الدين في 17 أكتوبر، محذرا من أن الحكومة الأميركية قد تفقد قدرتها على الاقتراض في هذا التاريخ إذا لم تدفع فواتيرها في الوقت المحدد. وانتقد موقف الجمهوريين من إغلاق الحكومة، وقال «الكونغرس غير مسؤول ومتهور لإيقافه عمل الحكومة، وعلى أعضاء الكونغرس أن يفهموا أنهم عندما يوقفون عمل الحكومة فإن لذلك عواقب، لأننا نفقد القدرة القانونية على إعادة الجميع إلى أعمالهم».
بينما وصف وزير الخارجية الأميركي جون كيري الأزمة السياسية التي تسببت فيها المواجهة بين الحكومة والكونغرس بأنها «لحظة من السخافة» ستنتهي قريبا. وتعهد أمام قمة «أبيك» في إندونيسيا بألا تؤثر الأزمة على التزامات الولايات المتحدة تجاه آسيا.
في المقابل، انتقد الجمهوريون ميل الإدارة الأميركية لفتح باب للتوصل مع إيران بينما لا تريد التفاوض مع الجمهوريين. ونفى رئيس مجلس النواب جون بوينر، في تصريحات للصحافيين يوم السبت الماضي، وجود بادرة أمل في كسر حالة الجمود داخل الكونغرس، والتوصل إلى حل للأزمة. وتعهد بوينر في لقاء مع شبكة «إيه بي سي» الأميركية بعدم رفع سقف الديون إلا بعد إجراء حوار جاد حول أسباب الدين، واتهم الإدارة الأميركية برفض التفاوض في وقت يتعرض فيه الموقف الائتماني للولايات المتحدة للخطر.
وتعهد بوينر بالعمل على تفادي التخلف عن السداد. ويطالب الجمهوريون بمناقش ثلاث قضايا قبل رفع سقف الدين، الأولي هي خطة هيكلية كبيرة للحد من الإنفاق الحكومي، والثانية هي عدم فرض ضرائب جديدة، والقضية الثالثة هي اتخاذ إجراءات للتخفيف من أضرار مشروع «أوباما كير» للرعاية الصحية.
ويقول أحد المساعدين العاملين في الكونغرس (رفض نشر اسمه) إن هناك محادثات ومحاولات لحل الأزمة لكنها تواجه عقبات سياسية كبيرة. ويوضح أن رئيس مجلس النواب جون بوينر يمكنه أن يمرر قانونا لإعادة فتح الحكومة، ورفع سقف الدين، لكنه بذلك سيغضب المحافظين في الحزب الجمهوري، وقد يكلفه ذلك منصبه كرئيس لمجلس النواب. وفي المقابل يمكن أن يقدم الديمقراطيون بعض التنازلات لمساعدة بوينر على كسب بعض الجهوريين في مجلس النواب، مثل الموافقة على رفع الضريبة على الأجهزة الطبية للمساعدة في تمويل قانون الرعاية الصحية أو الموافقة على خط أنابيب كيستون لنقل النفط من كندا، لكن أي تنازلات من الحزب الديمقراطي ستعد انتهاكا لتعهدات أوباما بعدم التفاوض على سقف الديون أو إغلاق الحكومة، كما أنها من المحتمل ألا تجد صدى أو ترحيبا قويا من الجمهوريين في مجلس النواب.
والحل الوحيد - كما يقول مساعد الكونغرس - هو التوصل لاتفاق يضطر فيه الجمهوريون إلى زيادة الضرائب، التي يعارضونها بشدة، ويضطر الديمقراطيون للرضوخ لمطالب تخفيض الإنفاق في الرعاية الصحية، التي يتمسكون بها بشدة، لكن كلا من أوباما وبوينر فشل في التوصل لهذا الحل في عام 2011، وفي ديسمبر 2012، ومن غير المحتمل أن يتوصلا إلى اتفاق خلال هذه الأيام المتبقية.
ويراهن الجمهوريون في مجلس النواب على أن يتراجع أوباما ويضطر إلى تقديم تنازلات لتجنب إفلاس الحكومة الأميركية وتجنب العجز عن تسديد الديون، ويشيرون إلى تنازلات قدمها أوباما في الماضي، مثل موافقته على رفع الضرائب على الأسر التي يبلغ دخلها 450 ألف دولار سنويا بعد إصراره على رفع الضرائب على الأسر التي يصل دخلها السنوي إلى 250 ألف دولار.
وفي تصريحات لوكالة «أسوشييتد برس»، قال أوباما إنه مستعد للتفاوض مع الجمهوريين حول مشروع الرعاية الصحية والحد من العجز والإنفاق فقط إذا قام مجلس النواب بالتصويت لإعادة فتح الحكومة ورفع سقف الدين. وهو ما اعتبره الجمهوريون نوعا من المناورة السياسية. وقال النائب الجمهوري ميك مولفاني ساخرا إن «الديمقراطيون لن يتفاوضوا حول الميزانية بعد أن يتم رفع سقف الدين دون قيد أو شرط».
ويقول النائب الجمهوري توم كول «إن الجمهوريين يطالبون بخفض الإنفاق بشكل كبير، ويطالبون بتنازلات كبيرة من الديمقراطيين قبل أن يوافقوا على رفع سقف الدين». وأضاف «لا يمكن أن تطلب من الجمهوريين أن يخاطروا بحياتهم السياسية مقابل لا شيء».
وقال النائب الديمقراطي فان هولن «إن بوينر سيكون عليه اتخاذ قرار للوقوف في وجه فئة متهورة من حزبه من أجل خير البلاد». وقال السيناتور الديمقراطي تشارلز شومر إنه لا يعتقد أن بوينر سيسمح بأن تتعرض الولايات المتحدة لوضع التخلف عن السداد بما يتبعه من فوضى في الأسواق العالمية وتجميد خطوط الائتمان وارتفاع أسعار الفائدة، وقال «حينما يحين وقت الحسم أعتقد أن بوينر سيضطر للوقوف إلى جانب الحق الثابت وسيضطر الجمهوريون إلى التراجع».
لكن المحللين تفاءلوا وسط هذا العناد الحزبي ببارقة أمل بسيطة، بعد موافقة مجلس النواب بالإجماع يوم السبت الماضي على قانون لدفع أجور الموظفين المدنيين بمجرد انتهاء إغلاق الحكومة. ومن المتوقع أن يوافق عليه مجلس الشيوخ عند عرض القانون عليه. وأوضح الجمهوريون في مجلس النواب أنهم يريدون تخفيف الألم من إغلاق الحكومة الذي تسبب في إجازة إجبارية لأكثر من 800 موظف حكومي منذ الأول من أكتوبر الحالي. وقال السيناتور الديمقراطي تيم كين عبر حسابه على «تويتر»: «أخبار جيدة، مجلس النواب وافق على قانون لضمان دفع الرواتب المتأخرة للموظفين الفيدراليين، ومجلس الشيوخ على استعداد لتمريره»
من جانبه، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس أوباما سيوقع بموافقته على القانون لدفع رواتب الموظفين عن الفترة التي اضطروا فيها للتوقف عن العمل. وكشف بعض النواب الديمقراطيين عن استراتيجية يمكن أن تضع حدا للمأزق بين الحكومة والكونغرس بحلول 14 أكتوبر، حيث يحاول الديمقراطيون توزيع وتعميم عريضة وجمع توقيعات أغلبية أعضاء مجلس النواب - بغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية - وفي حال نجاحهم في جمع التوقيعات فإنها تجبر المجلس على إجراء تصويت على إعادة فتح الحكومة من دون إجراء أي تعديلات في قانون الرعاية الصحية.
وتهدف الاستراتيجية لاستغلال الانقسامات بين الجمهوريين، حيث يتزايد عدد الجمهوريين المعارضين لاستمرار غلق الحكومة خاصة في ظل استياء الأميركيين لموقف الكونغرس من إغلاق الحكومة وإلقاء اللوم على الحزب الجمهوري. بينما تسربت أنباء عن محادثات بين زعماء الحزب الجمهوري ورئيس مجلس النواب ورئيس لجنة الميزانية بول ريان لوضع خطة لصفقة بين الحزبين تتطلب من الديمقراطيين إجراء إصلاحات في النظام الضريبي وضوابط لقانون «أوباما كير» مقابل الموافقة على إعادة فتح الحكومة ورفع سقف الدين. ويشير عدد من المحللين إلى أن الحزبين سيتوصلان إلى حل وسط قبل حلول السابع عشر من أكتوبر بتقديم بعض التنازلات من كل جانب، ويستبعد عدد آخر التوصل إلى اتفاق وسط هذا العناد الحزبي المتزمت. ويقلل عدد آخر من تأثيرات عدم رفع سقف الدين، ويؤكدون على قدرة وزارة الخزانة والإدارة الأميركية على الإمساك بزمام الأسواق المالية والحد من تأثيرات رفض الكونغرس لرفع سقف الإنفاق (في حال الرفض).
ويقول كيفن هاسيت، مدير دراسات السياسة الاقتصادية بمعهد «أميركان إنتربرايز» بواشنطن، إن الكونغرس اضطر إلى رفع سقف الدين عدة مرات في السابق، مؤكدا أن الحد من الدين كان أداة قوية للتفاوض في العقود الماضية وإقرار تشريعات إضافية مهمة. وأوضح هاسيت أن المشكلة هي صراع سياسي داخل الحزب الديمقراطي بين مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وأن إدارة أوباما تترقب بعصبية وقلق ما سيحدث مع اقتراب يوم 17 أكتوبر. ويقول هاسيت «صوت الكونغرس 53 مرة منذ 1978 إلى 2013 لرفع سقف الدين، وزاد سقف الدين من 752 مليار دولار إلى 16 تريليون دولار. وفي 29 مرة وافق الكونغرس بأغلبية من الديمقراطيين و17 مرة بكونغرس منقسم وسبع مرات في كونغرس يسيطر عيه الجمهوريون. ويلقي الباحث بالمسؤولية على الديمقراطيين في 60 في المائة من الزيادات في سقف الدين، بينما كان الجمهوريون مسؤولين عن 15 في المائة من الزيادات في سقف الدين، وتمت 25 في المائة من الزيادات خلال كونغرس منقسم. ويؤكد أن أوباما يحاول جاهدا أن يوضح أن مشروع الرعاية الصحية «أوباما كير» ليست له علاقة بعجز الميزانية، ويعتبر هاسيت ذلك محاولة لتحريف التاريخ.
من جانبه، يؤكد ويليام غاليستون، رئيس برنامج دراسات الحوكمة بمعهد «بروكينغز»، أن الوقت حان لكلا الحزبين لتقديم تنازلات، مشيرا إلى تناقص شعبية الحزبين لدى الأميركيين وتراجع تواصل مجلس النواب مع الشعب الأميركي. ويقول غاليستون إن 78 في المائة من الأميركيين يطالبون الجمهوريين في الكونغرس بالتفاوض والتوصل لتسوية بدلا من التمسك بموقفهم، و76 في المائة من الأميركيين يقولون الشيء نفسه عن الحزب الديمقراطي، والجميع يريد من صناع السياسة الأميركية التوصل لحل وسط. ويضيف «المثير للدهشة أن 61 في المائة من الديمقراطيين الأميركيين يعتقدون أنه على الرئيس أوباما والحزب الديمقراطي التنازل للتوصل لحل وسط، و59 في المائة من الجمهوريين يقولون الشيء نفسه عن الحزب الجمهوري في الكونغرس، وفقا لاستطلاعات الرأي». ويؤكد «هناك سوء تقدير في حسابات رد فعل الأميركيين، وسيظهر تأثير جمود المحادثات وإغلاق الحكومة في اتجاهات الناخبين في الانتخابات المقبلة، وسيدفع كلا الحزبين ثمن ذلك».



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.