ميشال تورنييه.. المزج بين الأسطورة والتاريخ وبين الشعري والنثري

أخطأته جائزة نوبل فذهبت إلى غيره

ميشال تورنييه
ميشال تورنييه
TT

ميشال تورنييه.. المزج بين الأسطورة والتاريخ وبين الشعري والنثري

ميشال تورنييه
ميشال تورنييه

هل يمكن القول بأن ميشال تورنييه ظل طيلة حياته يحلم بجائزة نوبل حتى بلغ التسعين بل وتجاوزها دون أن ينالها؟ كلام مبالغ فيه، وربما غير لائق بحقه. الأصح أن نقول إنه كان من أكبر المرشحين لها منذ سنوات وسنوات، لكنها ذهبت إلى غيره وأخطأته. وربما ذهبت إلى من هو أقل منه أهمية. وهذه هي حال الجوائز فلا تمنح دائما لمن يستحقها. ثلث من أعطيت لهم «نوبل» لا يستحقونها وحتما هو أهم منهم.
على أي حال فليس هذا موضوعنا. فالرجل لم تنقصه الجوائز التشجيعية. ذلك أنه نال جائزة الأكاديمية الفرنسية عام 1967 على أول رواية يصدرها بعنوان: «جمعة أو تخوم الباسفيكي». وكانت ضربة معلم كما يقال. ثم أتبعها عام 1970 برائعته الكبرى «الغول أو ملك الرياح»، وعليها حاز جائزة غونكور الشهيرة. وهي ذات الجائزة التي نالها الطاهر بن جلون وأمين معلوف ومشاهير آخرون كثيرون. وميزتها أنها لا تشهرك فقط وإنما تغنيك ماديا بالفلوس. وهذا أهم شيء! وبالفعل فقد أصبح ميشال تورنييه ثريا بعدها وما عاد بحاجة إلى العمل لكي يعيش.
نقول ذلك وبخاصة أنه فشل مرتين في امتحان شهادة التبريز التي نالها سارتر وريمون آرون وجورج بومبيدو وميشال فوكو ومعظم عظماء فرنسا. والبعض يقول بأنه لم يقم من ذلك الفشل طيلة حياته كلها. لقد أثر عليه نفسيا إلى درجة أنه أقلع نهائيا عن مهنة التعليم وكفر بهذه الشهادات التي لا تذهب دائما أيضا إلى من يستحق.. وربما لم يصبح كاتبا كبيرا إلا لكي ينتقم من ذلك الفشل الذريع. وقد انتقم بالفعل شر انتقام. هكذا تلاحظون أن الفشل في الحياة قد يؤدي إلى النجاح في الأدب.. فلا تقنطوا أيها الكتاب ولا تيأسوا مهما عركتكم الحياة ومهما لقيتم من مصاعب وآلام وخيبات. ألم يقل دوستيوفسكي لكاتب شاب جاء يطلب نصيحته: ينبغي أن تتعذب يا صديقي. ينبغي أن تتعذب حتى لا يعود إلى العذاب من معنى. ينبغي أن تتعذب يا أخي وتذوق طعم المرارات قبل أن تسطر حرفا واحدا. تعذب، تعذب، تعذب. كررها ثلاث مرات. وبالتالي فمن يعتقد أن الأدب هو عبارة عن مزحة أو نزهة في وادٍ من الزهور عليه أن يقلع فورا عن عملية الكتابة. فلم تخلق له. على أي حال بعد ذلك الفشل راح يشتغل في الصحافة الأدبية والترجمة من الألمانية إلى الفرنسية ثم أصبح قارئا ومستشارا أدبيا لدى أشهر دار نشر فرنسية: «غاليمار». ولكن كما قلنا فبعد نيله جائزة «غونكور» لم يعد بحاجة حتى إلى عمل.. فمبيعات كتبه تكفيه وتزيد. هل نعلم بأن روايته الأولى حظيت بخمسة ملايين نسخة؟ شيء مخيف. نقول ذلك وبخاصة بعد أن بسطت وعممت على طلبة المدارس تحت عنوان مختلف قليلا: «جمعة، أو حياة الفطرة البدائية البسيطة». ومعلوم أن الكاتب في فرنسا يغتني من كتبه إذا ما نجح على عكس الكاتب العربي. وهي عموما مستوحاة من رواية روبنسون كروزو الشهيرة. إنها تعني اعتزال العالم الظالم المزعج وإلقاء نفسك في أحضان الطبيعة بعيدا عن ضجيج البشر. وهو ما طبقه ميشال تورنييه عمليا عندما انعزل في وادي الشيفروز المحيط بباريس، ولم يكتف بالتحدث عنه نظريا. أما روايته الثانية «ملك الرياح» فبيعت بأربعة ملايين نسخة! وبالتالي فالرجل أصبح قادرا على أن يعتزل العالم ويعيش ملكا متوجا على عرشه! وباريس تحت قدميه كلما شاء قحص نحوها قحصة.
لقد اشتهر ميشال تورنييه ببراعة المزج بين الأسطورة - والتاريخ، بين الخيال - والواقع، بين السماوي - والأرضي، بين النثري - والشعري. وهو ما اشتهر به غونتر غراس أيضا وكذلك غابرييل غارسيا ماركيز وآخرون. نضرب على ذلك مثلا رائعته الكبرى: ملك الرياح. ففيها يتحدث عن سعلاء أو غول شره يأكل لحوم البشر. وهي قصة مأخوذة عن غوته في الواقع، لكنه حورها وطورها وأسبغ عليها مسحة شخصية له. فهذا الغول الذي ظهر في منطقة بروسيا الشرقية استطاع إقناع الشبيبة الألمانية بالانخراط في الحرب التي بلعتهم وأكلتهم تماما كما فعل هتلر. بهذا المعنى فإن هتلر هو غول ألمانيا الذي دمرها بعد أن أغواها وأغراها وسحرها ومشى بها إلى حافة الهاوية.
هل نعلم بأن ميشال تورنييه درس الفلسفة في جامعة توبنغين؟ وهي ذات الجامعة التي درس فيها الثلاثي الشهير: هيغل وشيلنغ وهولدرلين. ثلاثة عباقرة في غرفة واحدة! وكانوا يغطون تحت اللحاف كتب كانط عن الدين عندما يمر عليهم الرقيب في ساعة متأخرة من الليل. وكذلك كانوا يفعلون مع كتب جان جاك روسو وفولتير وبقية فلاسفة الأنوار. كان اللاهوت المسيحي الظلامي لا يزال سائدا آنذاك وويل لمن تسول له نفسه قراءة الكتب المحرمة المهرطقة المزندقة المنحرفة عن «النهج القويم والصراط المستقيم». كل التفسير العقلاني التنويري للدين كان ممنوعا آنذاك. وحده التفسير المتزمت الطائفي كان شرعيا وطاغيا ومسموحا به بل ومفروضا بالقوة. وما كانوا يعتقدون بإمكانية وجود تفسير آخر غيره. ماذا يحصل في العالم العربي حاليا؟ وعلى ذكر كانط فقد ظل ميشال تورنييه طيلة حياته معجبا به. بل وكان يمتلك نسخة عن أعماله الكاملة بالألمانية، ويفتخر بأنه الفرنسي الوحيد الذي يمتلكها. وقد اشتراها قبيل الحرب العالمية الثانية. كان معجبا بألمانيا، لأنه ولد في عائلة مفعمة بالتأثيرات الألمانية. فوالداه كانا يتقنان لغة غوته ويعلمانها في المدارس الفرنسية. ولكن والده بعد أن جرح في الحرب العالمية الأولى ضد الألمان كره ألمانيا كرها شديدا وحقد عليها، إلى درجة أنه أصبح يكره لغتها. أما ميشال تورنييه فرفض أن يحقد على الثقافة الألمانية لمجرد أن ألمانيا غزت فرنسا وهزمتها مرتين أو ثلاث مرات. لقد عرف كيف يفرق بين الحرب من جهة، والفكر والثقافة من جهة أخرى. وهذا فضل يذكر له. ليت أن المثقفين العرب يفرقون بين العداء للاستعمار الغربي من جهة، والفتوحات الفكرية الرائعة لذات الغرب من جهة أخرى. ولكن على من تقرأ مزاميرك يا داود؟ إنهم يعتقدون أن كل مآسينا آتية من جهة الغرب، بل وحتى «داعش» يقولون بأنها صنيعة الغرب! وهكذا يرفضون الاعتراف بأي مسؤولية داخلية عن المرض العضال الذي ينهش في أحشائنا منذ قرون. والله ما دمنا بهذه العقلية لن نتقدم إلى الأمام خطوة واحدة. أكبر مأساة في حياتنا الثقافية هي أننا لم نستطع القيام بمثل هذا التمييز فسقطنا في بحر من الأدلجة العمياء والشعارات الغوغائية التي لم نقم منها حتى اللحظة. لماذا لا نعتد بنيتشه؟ هل تعلمون أنه بعد انتصار ألمانيا الساحق على فرنسا عام 1870 راح يشتم بلاده ألمانيا ويثني على الثقافة الفرنسية ويعدها مثلا يحتذى؟ نقول ذلك على الرغم من أنه ساهم في تلك الحرب من الجهة الألمانية بطبيعة الحال.. فهو ألماني أيضا.. لكنه وجد في الثقافة الفرنسية أشياء أعجبته فلم يتردد عن الإشادة بها على الرغم من أن فرنسا هي العدو اللدود لبلده ألمانيا.. ولكن الثقافة شيء والعداوات العابرة شيء آخر.. والدليل على ذلك أن ألمانيا وفرنسا أصبحتا الآن دولة واحدة تقريبا من خلال الاتحاد الأوروبي. فهما النواة الصلبة لهذا الاتحاد، وأحيانا يعقدان مجلس وزراء مشترك لكلتا الحكومتين، إما في باريس وإما في برلين. من يصدق ذلك؟ هذا زمن المعجزات والأعاجيب.. لو قلت لشخص ألماني أو فرنسي هذا الكلام عام 1870 أو حتى عام 1940 لشك في قواك العقلية والنقلية ولطالب بإدخالك إلى العصفورية أو مستشفى المجانين.
على الرغم من أن ميشال تورنييه ولد وترعرع في باريس، بل وفي أجمل حاراتها المطلة على نهر السين (جزيرة القديس لويس) فإنه هجرها وفضل عليها قرية صغيرة لا تضم أكثر من 500 شخص.
وهي لا تبعد عن العاصمة أكثر من 27 كيلومترا وربما أقل. وأتذكر أنني كنت أسكن على نفس خط المترو المؤدي إليها وفي كل مرة كنت أقول سأكمل الطريق، لكي أراها ليس من أجل الكاتب (فما كنت أعرفه آنذاك)، وإنما من أجل الطبيعة الساحرة والرغبة العارمة في اكتشاف المجهول. ومرت السنوات دون أحقق هذا الحلم السهل الذي كان في متناول اليد. يذكرني ميشال تورنييه بالشاعر الكبير رينيه شار الذي هجر باريس أيضا وذهب إلى قريته الصغيرة الوادعة في الجنوب. هناك كتاب ينشدون الوحدة والعزلة والعيش في أحضان الطبيعة. ليس من الضروري أن تكون في قلب باريس لكي تصبح عبقريا.. ميشال تورنييه كان يقول: الذين يصرون على العيش في باريس مجانين! يكفي أن تخرج منها بمسافة قصيرة - نصف ساعة - لكي تجد نفسك في الجنة، في أحضان الطبيعة الغناء.
وهذا ما فعله جان جاك روسو في وقته فاتهموه بالجنون! هل يعقل أن تترك باريس عاصمة الدنيا وتذهب لكي تعيش مع الفلاحين البدائيين والوحوش؟ ولكن لو لم يفعل ذلك هل كان الإلهام سينزل عليه ويكتب مؤلفاته الخالدة؟ اهجروا العواصم والضجيج والعجيج وألقوا بأنفسكم في أحضان البساتين وما أكثرها في ضواحي باريس. شاتوبريان هجر باريس أيضا أو قل طرده نابليون فراح يسكن في «وادي الذئاب»، حيث سكنت أنا أيضا تقريبا.. ما أجملك يا وادي الذئاب! مرة ضعت هناك مع إحدى «الغزالات»، ولم يأكلنا أي ذئب، بل ربما كنت أنا الذئب الوحيد آنذاك.



رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

الراحل فيليب سادجروف
الراحل فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها. كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

توثيق دقيق للمسرح العربي

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر.

يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.


المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية
TT

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

المشاركة الكويتية في الثقافة العربية

ما زلت أتذكر ذلك اليوم القائظ من سنة 1973م حين تواصل معي محمد طنطاوي، محرر الاستطلاعات الصحافية عن المدن العربية والإسلامية، لمساعدته في فتح أبواب مدينتي (القطيف) أمام قراء مجلة «العربي» المستمتعين بدخول عوالم تلك المدن، عبر كاميرا عبد الناصر شقرة، مصور المجلة.

كنت وقتها طالباً في المرحلة الثانوية، وقد بدأت خطواتي على درب الصحافة المثير، متابعاً ما كان يدور في صحافة لبنان ومصر والكويت، حيث أتسابق أنا وزملائي على اقتناء ما تصدر من صحف ومجلات، وكان في مقدمتها مجلة «العربي» تشدنا بمحتواها الموسوعي الجذاب، خاصة حديث رئيس تحريرها الشهري دكتور أحمد زكي. هذا المعلم الكيميائي الذي تحصّل على أطروحة الدكتوراه في جامعة لندن، ليصبح المشرف على مركز البحوث العلمية. لقد أهّلته ثقافته الموسوعية الجامعة بين العلم والأدب ليرأس تحرير مجلة «الهلال»، وبعدها رئاسة جامعة الملك فؤاد الأول (جامعة القاهرة فيما بعد).

لعل انحسار دور المجلات الأدبية في مصر فيما بين الحربين العالميتين؛ «الكاتب المصري» برئاسة طه حسين، و«الثقافة» لأحمد أمين، و«الرسالة» لأحمد حسن الزيات، كأنه حفز النخبة الكويتية من مثقفين وأدباء ورجال مال وأعمال أن تكون لبلدهم المنتظر استقلاله مجلة تأخذ بالكويت الصغيرة إلى اهتمام العرب، متأثرين بما كان يجري حينذاك من أحداث قومية في مشارق العالم العربي ومغاربه، وقد استضافت الكويت قبل استقلالها رموزاً من مناضليهم، فارّين من اضطهاد الاستعمار الأوروبي.

ويدهش المطلع على تاريخ الكويت الثقافي كيف قام علماؤها وأدباؤها وأثرياؤها وشخصياتها العامة، منذ نشأة الكويت، بنسخ مخطوطات التراث العربي والإسلامي، وتبني فتح مكتبات عامة، وإنشاء مدارس، وإصدار صحف ومجلات، رغم ضعف الإمكانات الطباعية، تأثراً بما كان يصل إليهم عبر سفن الغوص على اللؤلؤ من مجلات وصحف تصدر من أقصى القارة الهندية إلى أقرب جارٍ للكويت، فإذا بعبد العزيز الرشيد يصدر سنة 1928 مجلة «الكويت»، وهاشم الرفاعي بعده يصدر صحيفة من البصرة.

حين قابلت أحمد السقاف الأديب والشاعر سنة 1994 في برنامجي «هذا هو» عبر قناة «MBC»، فتح أمامي صفحات ما جرى تحضيراً لإصدار مجلة «العربي»؛ إذ تحمس الشيخ صباح الأحمد الصباح، مدير إدارة النشر والمطبوعات قبل الاستقلال - أي وزير الإعلام بعده - واستقر الرأي على إصدار مجلة باسم «العربي»، وقد كُلّف السقاف بالسفر إلى أهم عواصم الثقافة العربية للاجتماع بأبرز مفكريها وأدبائها.

فبدأ سنة 1957م السفر جواً إلى بغداد، مجتمعاً بالمفكر القومي عبد العزيز الدوري، والمحقق محمد بهجة الأثري، ودكاترة من جامعة بغداد. غادر بعدها إلى لبنان متواصلاً مع نائب رئيس الجامعة الأميركية ببيروت فؤاد أفرام البستاني، الذي أصدر هو وأخوه يعقوب مجلة «المقتطف» في القاهرة، أسوة بما أصدره قبلهما جورجي زيدان وأخوه إميل؛ مجلة «الهلال»، وآل تقلا الذين أصدروا جريدة «الأهرام»، أثناء هجرة الشوام إلى مصر فراراً من الطغيان العثماني.

ولم ينسَ السقاف في رحلته التاريخية هذه الإفادة من خبرة محققي التراث العربي، الذين أفادت وزارة الإعلام الكويتية مبكراً من علمهم في طباعة عددٍ مختار من نفائس المخطوطات العربية، وفي طليعتها ما أنجزه - مؤخراً - المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب من طباعة معجم «تاج العروس» للغوي مرتضى الزبيدي في أربعين جزءاً.

أما الأمر المثير حقاً في رحلة السقاف التحضيرية هذه لإصدار مجلة «العربي»، فهو إقناعه السريع أحمد زكي - الوزير السابق والمشرف على مركز البحوث ورئيس الجامعة في بلده المتمدن عمرانياً واجتماعياً وثقافياً حينها - بالانتقال إلى دولة صغيرة ناشئة لم تتوفر بعد على بنية تحتية تهيئ لحياة عصرية.

ونظراً لتوفر إرادة سياسية طموحة، فقد سافر السقاف - وقتذاك - إلى ألمانيا لحضور معرض عالمي لآلات الطباعة، لكي تختص المجلة الوليدة بمطبعة خاصة بها؛ إذ كان ضعف مستوى الطباعة في الكويت منذ بداية القرن العشرين سبباً في تعثر استمرار ما حاوله بعض عناصر المجتمع الأهلي والثقافي من إصدار صحف ومجلات.

هكذا صدر العدد الأول من مجلة «العربي» في ديسمبر (كانون الأول) 1958، ليكون من حسن طالعها التفاعلي انعقاد مؤتمر الأدباء العرب في الكويت متزامناً مع صدورها.

في الوقت الذي تفتق وعيي على مجلة «العربي»، وهي في ذروة ازدهارها وتألقها، كانت إذاعة الكويت هي الأخرى تشكل مصدراً معرفياً لجيلي، بما كان يصل إليها من مشاركات بعض الأكاديميين العرب الوافدين إلى الكويت للتدريس في جامعتها الوليدة سنة 1966، وكان في طليعتهم الدكاترة عبد الرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وشاكر مصطفى، ومحمود علي مكي، وأحمد أبو زيد، وفؤاد زكريا، الذين وفرت لهم الكويت جواً من الاستقرار النفسي والحرية الفكرية.

أحمد السقاف

فإذا بوكالة المطبوعات الكويتية تطبع معظم ما ألفه عبد الرحمن بدوي من كتب تتعلق بتراث الفلسفة اليونانية والعربية، وقد أصبح أستاذاً للفلسفة في جامعة الكويت جنباً إلى جنب مع زكي نجيب محمود؛ هذا الذي طالما استمتعت - وقتذاك - بحوارات رمضان لاوند، المذيع اللبناني اللامع بفكره الوقاد، مع فيلسوف الوضعية المنطقية عبر أثير إذاعة الكويت.

فقد وجد هذا المفكر المصري في جو الجامعة العلمي، ومكتبتها الزاخرة بأمهات الكتب التراثية، فرصة ذهبية للاستغراق في قراءتها، بعدما انكب على قراءة الفكر الأوروبي بمدارسه الفلسفية والأدبية المختلفة، أثناء دراسته منذ الأربعينيات الميلادية في جامعة لندن. ورغم أنه حاول استدراك ما فاته عربياً وإسلامياً بكتابة بحثه الدسم عن الفيلسوف والعالم الكيميائي جابر بن حيان، المنشور سنة 1960 في سلسلة «أعلام العرب» المصرية، فإن ذلك لم يشفِ غليله، وقد بدأ يشتغل على أطروحته حول «الأصالة والمعاصرة» الجامعة بين روحانية الشرق وعقلانية الغرب، كما تطارحتها معه في برنامجي التلفازي «الكلمة تدق ساعة» وأنا أزوره في شقته القاهرية صيف 1978م؛ أي بعد عودته من الكويت بخمس سنوات، بعدما استقر بين أروقة جامعتها منذ 1968 إلى 1973.

وفيها أكد تدينه المستنير كما يذهب تلميذه دكتور إمام عبد الفتاح إمام في كتابه «رحلة في فكر زكي نجيب محمود»، بل إن هذا سجل إضافته الفكرية في تجربته الحائرة، حين أسفرت قراءاته النهمة لأمهات كتب التراث العربي الإسلامي عن تأليف كتابه «تجديد الفكر العربي» الصادر سنة 1971م، وكتابه الآخر المكمل «المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري».

انظر إلى ما كتبه في مقدمة كتابه الأول: «استيقظ صاحبنا بعد أن فات أوانه، فإذا هو يحس الحيرة تؤرقه، فطفق في الأعوام الأخيرة التي لا تزيد على السبعة أو الثمانية - أي في الفترة التي قضاها في جامعة الكويت - يزدرد تراث آبائه ازدراد العجلان... والسؤال ملء سمعه وبصره: أين السبيل إلى ثقافة موحدة متسقة يعيشها مثقف حي في عصرنا هذا، بحيث يندمج فيها المنقول والأصيل في نظرة واحدة؟»، ويختم محمود مقدمته بجملة: «جامعة الكويت في يونيو (حزيران) 1971».

بعد سنة من مغادرته إلى مصر عاد إلى الكويت ثانيةً مشاركاً ببحثه «الحضارة وقضية التقدم والتخلف» في ندوة كبرى عُقدت بين 7 و12 أبريل (نيسان) سنة 1974م، مع نخبة من أبرز مفكري العرب على اختلاف توجهاتهم الآيديولوجية، بدعوة من جامعة الكويت وجمعية الخريجين الكويتية، لمناقشة «أزمة التطور الحضاري في الوطن العربي»، إيماناً من مفكري العرب بمسؤوليتهم القومية أمام التاريخ وأمام الأجيال العربية المقبلة، وشعوراً منهم - كما جاء في بيان الندوة الختامي - بخطورة المرحلة الحضارية التي تمر بها الأمة العربية في الظروف الراهنة - وقتذاك - لمواكبة شعوبها مسيرة الحضارة العالمية في تطورها المتسارع، فقد ناقشوا قضايا التخلف الفكري والاجتماعي والاقتصادي، والتراث العربي الإسلامي، وتبعات الاستعمار الغربي في المجتمع.

قبل انعقاد الندوة اللاحقة التي عُقدت في الكويت سنة 2014 حول نفس الموضوع، بمشاركين آخرين ورؤى مختلفة متجددة، وجدنا عدداً من المفكرين العرب منذ منتصف السبعينيات الميلادية يشتغلون على ما أثارته الندوة الأولى من قضايا وإشكالات؛ فقام المفكر المغربي محمد عابد الجابري في الثمانينيات الميلادية بمحاولة تفكيك سلطة النص المحافظ، منتقداً هيمنة التراث الفكري على العقل العربي طوال قرون، وذلك في مشروعه التأليفي المعروف بـ«نقد العقل العربي».

وهو ما عالجه قبله دكتور طيب تيزيني، أستاذ الفلسفة بجامعة دمشق، في كتابه «مشروع رؤية للفكر العربي في العصر الوسيط» بأجزاء عدة، ثم عمّق أطروحته حسين مروة بكتابه «النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية» سنة 1978، برؤية تحليلية لا تكاد تغادر الخطاب الماركسي، بتحليل التراث وفق مقولة الصراع الطبقي، وإقحام التصور الماركسي في تحليل واقع المجتمع العربي وتاريخيته.

وهذا ما فعله محمود أمين العالم في تعليقه على بحث رفيق دربه المفكر المصري أنور عبد الملك، المعروف بأطروحته الشهيرة عن «مصر مجتمع عسكري»، منتقداً موقف المثقف العربي من قضية «الخصوصية والأصالة»، وكان هذا عنوان ورقته في ندوة الكويت الأولى، عازياً ذلك إلى تبعيته للفكر الغربي في مفاهيمه ومناهجه. فما كان من العالم سوى استدعاء التصور الماركسي الدوغماتي حول «الخصوصية التاريخية»، ليكون حسب رأيه أساساً آيديولوجياً في دراسة المجتمع المصري لمعرفة طبيعة تركيبه الاجتماعي والاقتصادي والموضوعي.

على أي حال، أحسب كأنه في أعقاب هذه الندوة التاريخية أن تشجع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتي، بأمانة الشاعر المثقف أحمد مشاري العدواني، ومساعدة الشاعر الأكاديمي خليفة الوقيان، على إصدار كتاب «عالم المعرفة»، بالإفادة من خبرات بعض من شارك في الندوة الأولى - كما لمست ذلك من مقاله المنشور في مجلة «العربي» بعنوان «ميلاد عالم المعرفة».

وفي طليعة أولئك دكتور فؤاد زكريا، أستاذ الفلسفة بجامعة الكويت، الذي أصبح مستشاراً دؤوباً صبوراً وفعالاً لهذا الإصدار المعرفي الشهري - تأليفاً وترجمةً. ويبدو أن المجلس الوطني عمل على التحضير لإصداره هذا بعد تأسيسه سنة 1973، متوخياً طباعة خمسين ألف نسخة من كل كتاب، وتوزيعها في جميع أنحاء العالم العربي.

هذا ما وجدته شخصياً وأنا أتمشى في «شارع الحبيب بورقيبة» بتونس صيف 1978، مقتنياً إصداره الأول؛ كتاب «الحضارة»، تأليف دكتور حسين مؤنس. لقد اكتسبت سلسلة كتاب «عالم المعرفة» على توالي السنين شهرة عربية واسعة، شاكرةً جهود الكويت في نشر الثقافة الجادة منذ استقلالها سنة 1961 إلى يومنا هذا؛ إذ شكلت إصداراتها بمجلة «العربي»، ومجلة «عالم الفكر» سنة 1970 ذات الدراسات الأكاديمية برئاسة أحمد مشاري العدواني، واستشارة أستاذ الأنثروبولوجيا المصري دكتور أحمد أبو زيد، ومجلة «الثقافة العالمية» ذات الموضوعات المعاصرة المترجمة، وكتاب «عالم المعرفة»، منظومةً ثقافية راقية.

يضاف إليها تجربة الكويت المسرحية اللافتة، التي شكلت أساساً راسخاً لقوة العرب الناعمة، انطلاقاً من الكويت التي عملت منذ 1979 على تبني وتمويل «الخطة الشاملة للتنمية الثقافية»، بمشاركة أبرز الخبراء العرب بتخصصاتهم الثرية المتخصصة، لتصدر باسم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية سنة 1968، بحماس الوزير المثقف عبد العزيز حسين في اجتماع المنظمة التحضيري بالطائف، متعهداً رعاية الكويت تلك الخطة، بوصفه رئيساً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب.

هذا الرائد الكويتي بدأ اهتمامه بإشاعة الثقافة منذ كان مشرفاً على «بيت الطالب الكويتي» في القاهرة سنة 1946، بإصدار مجلة «البعثة»، مستكتباً مثقفين وأدباء كويتيين وعرباً فوق صفحاتها.

يا ترى، هل إصدار مجلة «البعثة» لمدة ثماني سنوات حتى سنة 1954 كان مقدمة حبلى آذنت بعد أربع سنوات بولادة تلك البنت الجميلة في محتواها وشكلها؛ مجلة «العربي»؟


حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان
TT

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

حين تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان

في كتابه الجديد «الوعد الزائف: لا تطلب من الذكاء الاصطناعي ما لا تستحق»، الصادر عن دار خريّف للنشر في تونس مطلع عام 2026، يقدّم الكاتب والصحافي العراقي كرم نعمة عملاً فكرياً يندرج في منطقة نادرة بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، حيث تتحول التقنية إلى استعارة للوعي الإنساني نفسه. الكتاب لا يكتفي بمساءلة الذكاء الاصطناعي كظاهرة تكنولوجية، بل يعيد صياغته كقصة رمزية عن الإنسان في مواجهة وهم الكمال، في زمن تتراجع فيه الحدود بين الخيال والبرمجة، وبين الرغبة والمعرفة.

منذ صفحاته الأولى، يضع نعمة القارئ أمام مفارقة مركزية: أن الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ كأداة مساعدة للإنسان، صار يهدد جوهره، أي قدرته على التفكير والتعبير. وفي مقدمة الكتاب، يستعيد تجربة صحيفة «الغارديان» البريطانية عام 2020 حين أوكلت إلى برنامج آلي كتابة افتتاحية، ليعتبرها لحظة ميلاد «الوعد الزائف» الذي يعدنا بالسهولة والاكتمال، لكنه يسلبنا المعنى. هذا التوتر بين الإغراء والخطر يشكِّل محور الكتاب كله، حيث تتحوَّل التقنية إلى مرآة تكشف هشاشة الإنسان أمام وعوده الخاصة.

الذكاء الاصطناعي، في هذا التصور، ليس مجرد برنامج، بل هو إعادة أسطرة للعالم، حيث تُستبدل بالمتاهة الخوارزمية، وبالمغامرة النتيجة الجاهزة. يقول نعمة إن «الآلة تقدم لنا النهاية بلا بداية، النتيجة بلا صراع»، وهي جملة تختصر الموقف الأخلاقي للكتاب كله.

في عنوان «استحواذ على ملكيتنا الفكرية»، ينتقل الكاتب إلى الواقع الثقافي، مستعرضاً كيف أصبحت النماذج اللغوية تقتات على النصوص البشرية لتنتج محتوى بلا مؤلف. ويستشهد هنا بتجارب روائيين وصحافيين غربيين، مثل كيت موس وأندرو هيل، ليحذر من أن «الوفرة الرقمية» قد تتحوَّل إلى شكل جديد من النهب الأدبي. ثم، يطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل يمكن أن يستمر الإبداع في عالم تُختزل فيه التجربة الإنسانية إلى بيانات تدريب؟

أما في «بديهية ديكارت عند الذكاء الاصطناعي»، فيعيد الكاتب طرح السؤال القديم «هل يفكر الذكاء الاصطناعي؟» من منظور إنساني لا تقني، مستعرضاً آراء علماء مثل يوشوا بنجيو حول إمكانية سد الفجوة بين التفكير البشري والصناعي، لكنه يخلص إلى أن الآلة، مهما بلغت من التطور، تظل عاجزة عن إدراك المعنى لأنها لا تعرف الشك ولا التجربة، وهما جوهر التفكير الإنساني منذ ديكارت حتى اليوم.

بهذا المعنى، يصبح الكتاب دفاعاً عن «الوعي» لا عن «الذكاء»، وعن «الروح» لا عن «الوظيفة». فالمؤلف يرى أن الخطر الحقيقي ليس في أن تفكر الآلة، بل في أن نتوقف نحن عن التفكير.

ويربط نعمة بين «ألف ليلة وليلة» والخوارزميات، بين شهريار و«شات جي بي تي»، ليقول إن الخرافة القديمة كانت تحافظ على المعنى عبر المقاومة، بينما الخوارزمية الحديثة تقتل المعنى عبر السرعة. هذه المقارنة تمنح الكتاب بعداً أدبياً عميقاً، إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شخصية رمزية في سردية الإنسان المعاصر، لا إلى موضوع علمي فحسب.

من منظور نقدي، يمكن القول إن «الوعد الزائف» يقدِّم قراءة فكرية متماسكة بلغة شاعرية، لكنه لا يخلو من نزعة تحذيرية قد تبدو متشائمة في نظر أنصار التقنية. ومع ذلك، فإن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل الخوف إلى سؤال فلسفي، لا إلى موقف أخلاقي. فهو لا يدين الذكاء الاصطناعي، بل يستخدمه كمرآة لفحص الإنسان نفسه، ليكشف أن الخطر ليس في الآلة، بل في رغبتنا بأن تكون الآلة مرآتنا الكاملة.

في النهاية، يقدّم كرم نعمة عملاً يمكن قراءته على أكثر من مستوى: كتحليل ثقافي لتأثير التقنية على الإبداع، وكتأمل فلسفي في معنى الرغبة والمعرفة، وكبيان أدبي عن هشاشة الإنسان أمام وعوده. إنه كتاب يذكّر القارئ بأن الذكاء الاصطناعي ليس وعداً بالخلاص، بل اختباراً جديداً للوعي، وأن الإنسان، مهما بلغ من تقدم، لا يزال مطالباً بأن يدافع عن حقه في أن يظل ناقصاً، لأن النقص، كما يقول نعمة ضمناً، هو الشرط الأول للمعنى.