لا جديد في جنيف.. والمعارضة مصرّة على إنجاز تقدم في الملف الإنساني

دي ميستورا «يعول» على تدخل أطراف دولية لدفع المعارضة إلى قاعة المفاوضات

المتحدث باسم الهيئة العليا للتفاوض سالم المسلط أمس في مؤتمر صحافي بجنيف حيث من المقرر أن تنطلق مفاوضات بين نظام الأسد والمعارضة السورية (أ.ف.ب)
المتحدث باسم الهيئة العليا للتفاوض سالم المسلط أمس في مؤتمر صحافي بجنيف حيث من المقرر أن تنطلق مفاوضات بين نظام الأسد والمعارضة السورية (أ.ف.ب)
TT

لا جديد في جنيف.. والمعارضة مصرّة على إنجاز تقدم في الملف الإنساني

المتحدث باسم الهيئة العليا للتفاوض سالم المسلط أمس في مؤتمر صحافي بجنيف حيث من المقرر أن تنطلق مفاوضات بين نظام الأسد والمعارضة السورية (أ.ف.ب)
المتحدث باسم الهيئة العليا للتفاوض سالم المسلط أمس في مؤتمر صحافي بجنيف حيث من المقرر أن تنطلق مفاوضات بين نظام الأسد والمعارضة السورية (أ.ف.ب)

لم يأت الأمس في جنيف بجديد في ما يخص الأزمة السورية رغم كثافة الاتصالات على أكثر من صعيد. خلاصة اليوم الأول الذي أعقب وصول وفد هيئة المفاوضات العليا إلى المدينة السويسرية، تظهير فداحة الشرخ الذي يفصل بين مواقف المعارضة والنظام وتمسك كل طرف بمطالبه ورؤيته، مما لا ينبئ بوجود كوة في جدار الأزمة السورية. وفيما وفد المعارضة ووفد النظام أصبحا موجودين في جنيف، فإن ما حصل أمس هو تبادل الاتهامات والشروط والشروط المضادة. وفي هذه الأجواء المكفهرة، يبدو المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا بصورة «المتفائل الأبدي» كما يسميه أحد السفراء الغربيين المولجين الملف السوري.
ومجددا استحق دي ميستورا أمس التوصيف، إذ إنه كان المسؤول الوحيد من بين الموجودين في جنيف (بمن فيهم ممثلو «مجموعة الدعم الـ17 الداعمة لسوريا وعلى رأسهم مندوبو الولايات المتحدة الأميركية وروسيا وفرنسا وبريطانيا والمندوبون العرب)، الذي يميل إلى التفاؤل ويعول على نتائج إيجابية. وحتى الآن، اكتفى المبعوث الدولي بلقاءات «استكشافية» أو «تمهيدية» كما يسميها فيما يخطط لجلستين رسميتين منفصلتين اليوم الاثنين، واحدة مع وفد الهيئة العليا للمفاوضات والثانية مع وفد النظام.
وأمس، بكر دي ميستورا في لقاء وفد المعارضة الذي وصل مساء السبت واستقر في أحد الفنادق وسط المدينة السويسرية، وذلك في أول اتصال بين الطرفين. وعقب اجتماع لم يدم طويلا، قال دي ميستورا للصحافة المتمترسة على أحد مداخل الفندق، إنه «متفائل ومصمم على انتهاز الفرصة التاريخية التي لا يجب تفويتها». لكن دي ميستورا أردف أنه ليس من الواضح بعد (بالنسبة إليه) ما إذا كانت «الهيئة»، (التي لم يصل منسقها العام رياض حجاب إلى جنيف بعكس الأنباء التي راجت عصر السبت)، ستعقد اجتماعا رسميا في مقر الأمم المتحدة في جنيف، حيث يريد أن يستقر وفدا المعارضة والنظام في جناحين منفصلين على أن يقوم بالتنقل المكوكي بينهما. والسبب في ذلك، أن وفد المعارضة متمسك بتلبية المطالب التي يتمسك بها والتي يريد أن تتحقق حتى يقبل الدخول في المفاوضات. وبسبب وقوعه ما بين الشك واليقين، فإن المبعوث الدولي كان ينتظر قرار الهيئة ليرى ما إذا كان الاجتماع الرسمي المذكور سيحصل أم لا في المقر الأممي.
وأفادت مصادر دي ميستورا أنه «يعول» على تدخل أطراف دولية وإقليمية لدفع المعارضة من أجل القبول بالدخول إلى القاعة بعدما نجحت هذه الأطرف في إقناعها بالتوجه إلى جنيف. وفي هذا السياق، يعقد ممثلون عن مجموعة الـ17 اجتماعات متلاحقة ومتنقلة في المدينة السويسرية، إذ إنهم يريدون أن يلعبوا دور «الإطفائي» وفق تعبير غربي معني بهذه الاجتماعات.
والواقع أن انتقال وفد المعارضة إلى سويسرا لم يغير من الأمور شيئا، إذ إنها ما زالت متمسكة بتلبية المطالب «الإنسانية» التي تتمسك بها وتعتبرها غير خاضعة للنقاش حتى تقبل المشاركة في المفاوضات. وقال المتحدث باسم الوفد سالم المسلط، في مؤتمر صحافي عقده في جنيف أمس، إن الغرض من هذه المطالب وضع حد لمعاناة السوريين ولا بد منها للانطلاق في «مفاوضات جادة». أما أبرز الخطوات المطلوبة من النظام فهي: «دخول الطعام إلى الأطفال وخروج النساء من معتقلات النظام ووقف الإجرام الروسي بحق المدنيين». وإذ وصف المسلط الوجود الروسي في سوريا بأنه «احتلال»، وأن عمليات القصف التي يقوم بها طيرانه «بربرية» ويجب أن تتوقف، طالب بتحقيق «شيء ما على الأرض». لكن المسلط ووفق رؤية المعارضة لم يتحدث عن «شروط مسبقة» للمعارضة لقبو العملية التفاوضية، لأن المعارضة تضعها في إطار بنود القرار الدولي رقم 2254 واجبة التنفيذ والذي صوت عليه أعضاء مجلس الأمن بالإجماع. وكان دي ميستورا وصفها قبل أيام بأنها «غير قابلة للنقاش»، فيما قال مصدر دبلوماسي غربي أن هذه المطالب وعلى الأقل بعضها «يمكن أن تتحقق في ساعة» لو أراد النظام ذلك.
وتعتبر المعارضة أن الورقة «الرابحة» والضاغطة على الأمم المتحدة ومبعوثها وأطراف مجموعة الـ17، هي بقاؤها أو رحيلها عن جنيف. وفي حال قررت البقاء، فإنها قادرة على استمرار ممارسة الضغط عن طريق رفض الدخول إلى قاعة الاجتماعات الرسمية بانتظار الاستجابة لمطالبها. غير أن إشكالية إضافية رأت النور وتتناول ما حصلت عليه المعارضة حتى قبلت الرضوخ للضغوط والمجيء إلى جنيف: هل حصلت على ضمانات خطية أو شفهية ومن أية جهة أم ما حصلت عليه لا يتجاوز كونه تأكيدا على دعمها والوقوف إلى جانبها في حال ذهبت إلى جنيف؟
في مؤتمر صحافي للمعارضة أمس في جنيف، قالت بسمة قضماني وهي عضو في وفد التفاوض إن الوفد جاء إلى جنيف بعد أن تلقى ضمانات والتزامات محددة بأن يتحقق تقدم جدي بشأن الوضع الإنساني، مضيفة أنه لا يمكن للمعارضة بدء المفاوضات السياسية قبل أن تتحقق هذه الأمور. وبحسب قضماني، فإن المعارضة حصلت على تطمينات من دي ميستورا الأمين العام للأمم المتحدة وبان كي مون ومن وزير الخارجية الأميركي جون كيري. بيد أن أطرافا أخرى من الوفد تنفي وجود ضمانات وتتحدث عن دعم سياسي ودبلوماسي وتأييد لمطالبها. وكان بيان رسمي صدر عن الهيئة لدى وصولها إلى جنيف واضح وفيه أن وفدها سيبلغ المبعوث الدولي الانسحاب في ظل عجز الأمم المتحدة والقوى الدولية عن «وقف الانتهاكات». وأكثر من ذلك، أكد رياض نعسان الآغا أن الوفد «لن يبدأ المفاوضات ما لن تصدر قرارات تؤكد إنهاء الحصار ووقف قصف المدنيين». ولخص المسلط نظرة المعارضة لما يسعى إليه النظام الذي «لم يأت إلى جنيف من أجل التوصل إلى حلول سياسية بل لكسب الوقت».
رد النظام جاء سريعا وعلى لسان السفير بشار الجعفري الذي يقود وفده المفاوض. فقد كال الأخير الاتهامات للمعارضة التي وصفها بأنها «غير جدية» والدليل على ذلك، وفق ما قاله، أن وفد المعارضة تأخر في الوصول إلى جنيف وأنه يعتم على تشكيلة أسماء أعضائه التي «لا نعرفها كذلك لا يعرفها المبعوث الدولي». وأكد الجعفري أن وفد الحكومة السورية «ذاهب لحوار سوري سوري وأن لا مفاوضات وفق شروط مسبقة وتحت ضغط الخارج»، مضيفا أن التوصل إلى حل في سوريا «لا يمكن أن يتم من غير التزام جدي بالتفاوض والعمل». واستند الجعفري إلى القرار الدولي رقم 2254 ليركز على أن «السوريين هم الذين يقررون ماذا يفعلون» دون تدخل من أي طرف خارجي. وإذ ندد الجعفري بـ«التدخلات الخارجية» في الأزمة السورية، إلا أنه تناسى الأدوار التي تلعبها إيران وروسيا والتنظيمات المسلحة في الحرب في سوريا.
وككل مرة، ركز الجعفري على موضوع الإرهاب وهو ما كان قد أثاره خلال الاجتماع مع دي ميستورا. وحرص مندوب النظام السوري على لصق صفة الإرهاب، كما يفهمها النظام بالمعارضة أيا تكن مكوناتها، إذ أشار إلى أن الشعب السوري «يواجه الإرهابيين من الأستراليين والأوزبك والشيشانيين وهم يأتون بالآلاف ويتسللون عبر الحدود»، مضيفا بلهجة متهكمة أنهم «يتحولون إلى معارضة معتدلة». لذا، فإن الحكومة السورية «عازمة على محاربة الإرهابيين وتطبيق القانون». وخلاصة الجعفري التي سبق أن رددها النظام أكثر من مرة، أن الوفد «لن يتحدث إلى إرهابيين». وبحسب مصادر غربية، فإن هذه النقطة بالذات هي التي دفعت بالمبعوث الدولي إلى اقتراح مفاوضات غير مباشرة يلعب فيها دي ميستورا وأعوانه دور الوسطاء.
وفيما تريد المعارضة الدخول فورا في موضوع مناقشة العملية السياسية والانتقال السياسي كما تفهمها، أي تشكيل هيئة انتقالية ذات صلاحيات تنفيذية كاملة وترفض أي دور للرئيس السوري عند بدء العملية الانتقالية، نفى الجعفري أن يكون القرار الدولي الأخير قد تحدث عن «هيئة حاكمة انتقالية»، وأنه تحدث فقط عن حكومة «ذات صدقية». ويري دبلوماسيون موجودون في جنيف أن هذه المسألة بالذات، عندما تتم معالجة الملف الإنساني في حال النجاح في معالجته «ستنفجر في وجه المتفاوضين» ما يعني العودة بالأزمة السورية إلى المربع الأول.



الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended


تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
TT

تحذيرات يمنية من تعاظم خطر المراكز الصيفية الحوثية

الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)
الحوثيون يستهدفون نصف مليون طفل بتعبئة طائفية متطرفة (إعلام محلي)

دقّت نقابة المعلمين اليمنيين ناقوس الخطر إزاء ما وصفته بتصاعد الاستهداف المنهجي لقطاع التعليم في البلاد من قبل الجماعة الحوثية، عبر توظيف المراكز الصيفية أداةً لإعادة تشكيل وعي الأجيال الناشئة، بالتوازي مع استمرار قطع مرتبات المعلمين منذ سنوات.

وعدّت النقابة أن هذا النهج يمثل «هجوماً مزدوجاً» يهدد مستقبل التعليم والهوية الوطنية في آن معاً، في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية متدهورة تعانيها الكوادر التربوية.

وفي بيان لها، أوضحت النقابة أن اليمن يواجه مسارين متوازيين من الاستهداف؛ الأول يتمثل في «تجريف الوعي والهوية الوطنية عبر أدوات فكرية وطائفية ممنهجة»، والثاني في «استهداف الكرامة المعيشية للمعلم من خلال قطع المرتبات منذ عام 2016».

وأكدت أن تزامن هذين المسارين يفاقم من هشاشة العملية التعليمية، ويفتح المجال أمام مزيد من التدهور في بنية التعليم ومخرجاته.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

وأشارت النقابة إلى أن المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة لم تعد أنشطة موسمية تعليمية، بل تحولت إلى منصات للتعبئة الفكرية والعقائدية تستهدف الأطفال والشباب، وتسعى - وفق البيان - إلى «طمس الهوية الوطنية، وتعزيز مفاهيم تتعارض مع القيم المجتمعية اليمنية». ولفتت إلى أن أعداد الملتحقين بهذه المراكز تجاوزت نصف مليون طالب وطالبة خلال العام الماضي، في مؤشر على التوسع المتسارع لهذه الأنشطة.

أدوات التأثير الفكري

ترى نقابة المعلمين اليمنيين أن هذه المراكز تمثل إحدى أبرز أدوات التأثير الفكري التي تعتمدها الجماعة، حيث تُعاد من خلالها صياغة وعي الطلاب، عبر برامج مكثفة تتضمن خطابات تعبئة دينية وسياسية، وتفسيرات انتقائية للنصوص الدينية، بما يخدم أهدافاً محددة. وتؤكد أن «هذه الأنشطة لا تقتصر على التعليم النظري، بل تمتد إلى أنشطة عملية تعزز مفاهيم الولاء والانتماء الضيق.

ووفق تقارير محلية، فإن وسائل ضغط مختلفة تُستخدم لدفع الأسر إلى إلحاق أبنائهم بهذه المراكز، من بينها ربط الحصول على بعض المساعدات الإنسانية بالمشاركة، أو التأثير على نتائج الطلاب الدراسية؛ مما يثير مخاوف واسعة لدى أولياء الأمور من تعرض أبنائهم للاستغلال الفكري.

وفي هذا السياق، شددت النقابة على أن استمرار هذا النهج يسهم في خلق فجوة معرفية وقيمية بين الأجيال، ويؤسس لبيئة تعليمية غير متوازنة؛ مما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الاجتماعي مستقبلاً.

بالتوازي مع ذلك، جددت النقابة مطالبتها بصرف مرتبات المعلمين المتوقفة منذ سبتمبر (أيلول) 2016 في مناطق سيطرة الحوثيين، مؤكدة أن هذا الانقطاع تسبب في معاناة إنسانية واسعة، وأجبر آلاف المعلمين على البحث عن مصادر دخل بديلة أو النزوح مع أسرهم.

استنساخ حوثي لتجربة «الحرس الثوري» الإيراني في تجنيد الأطفال (إعلام محلي)

وأوضحت أن «غياب الاستقرار المالي للمعلم أدى إلى إضعاف دوره داخل العملية التعليمية، وفتح المجال أمام إدخال عناصر غير مؤهلة تحت اسم (متطوعين)، أوكلت إليهم مهام التدريس». وأشارت إلى أن هذه الخطوة أسهمت في تراجع جودة التعليم، خصوصاً مع اتهامات بتوظيف هؤلاء لنشر أفكار مؤدلجة داخل المدارس، في ظل تغييرات طالت المناهج الدراسية.

وأكدت النقابة أن حرمان المعلمين من حقوقهم لا يمثل مجرد أزمة معيشية، بل يعدّ «عاملاً رئيسياً في تقويض أسس التعليم، وبيئة خصبة لانتشار الجهل والتطرف الفكري»، داعية إلى «إعادة الاعتبار للمعلم بوصفه حجر الزاوية في بناء المجتمع».

دعوة للتحرك المحلي والدولي

ودعت النقابة المجتمع الدولي والأمم المتحدة والمنظمات المعنية بالتعليم والطفولة إلى التدخل العاجل لوقف ما وصفته بـ«تسييس التعليم»، و«منع استغلال الأطفال في أنشطة ذات طابع آيديولوجي، والضغط من أجل صرف المرتبات وفق القوانين والأعراف الدولية».

كما شددت على أهمية اتخاذ إجراءات داخلية في المحافظات المحررة، تشمل انتظام صرف المرتبات ورفعها بما يتناسب مع غلاء المعيشة، وصرف العلاوات المتأخرة، وتسوية أوضاع المعلمين، خصوصاً النازحين منهم، بما يسهم في تعزيز استقرار العملية التعليمية.

من جهته، حذر الخبير التربوي ناجي الزياد بأن المراكز الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين تجاوزت دورها التقليدي، وأضحت «معسكرات مغلقة» تستهدف «تشكيل وعي يخدم أجندات سياسية ضيقة». وأشار إلى أن «هذه المراكز تعتمد على إعادة تفسير النصوص الدينية وتوظيفها في سياق التحريض على العنف والكراهية، بما يعزز الانقسام داخل المجتمع».

تحويل المساجد إلى مواقع حوثية لتدريب الأطفال على العنف (إعلام محلي)

وأكد أن الجماعة تستهدف الفئات العمرية الأعلى قابلية للتأثر، مستغلة الظروف الاقتصادية الصعبة للأسر، حيث تمارس - وفق قوله - ضغوطاً متعددة «تشمل الحرمان من المساعدات أو التهديد بذلك؛ لدفع الأطفال إلى الالتحاق بهذه البرامج».

ودعا الزياد المؤسسات التعليمية في مناطق الشرعية إلى «تبني بدائل فعالة»، من بينها «توفير منح دراسية داخلية وخارجية لأبناء الأسر الموجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، وإطلاق منصات تعليم إلكتروني تستهدف الأطفال، إلى جانب تصميم برامج توعوية حديثة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تسهم في رفع الوعي والكشف عن مخاطر هذه الأنشطة».

وأكدت نقابة المعلمين اليمنيين في ختام بيانها أنها ستواصل جهودها للدفاع عن حقوق المعلمين وحماية الهوية الوطنية، محذّرة بأن ما يواجهه التعليم في اليمن «ليس أزمة عابرة، بل صراع على الوعي والكرامة»، في إشارة إلى الأبعاد العميقة للأزمة التعليمية في البلاد.

Your Premium trial has ended


الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».