العسل.. حلاوة الغذاء

استخدمه المصريون القدماء في التحنيط.. وفوائد جمة عبر العصور

العسل.. حلاوة الغذاء
TT

العسل.. حلاوة الغذاء

العسل.. حلاوة الغذاء

في كهف تاريخي يقع شمال مدينة فالنسيا الإسبانية توجد رسوم تشير إلى جمع عسل النحل من أعشاش النحل البري يعود تاريخها إلى ثمانية آلاف عام هي بداية العصر المعروف لاكتشاف الإنسان لعسل النحل واستخدامه كغذاء.
كما يعود أقدم اكتشاف للعسل إلى جورجيا، حيث تم العثور على آثار لعسل النحل داخل أوانٍ تاريخية تعود إلى 5500 سنة قبل الميلاد. وقد تكون هذه الأواني قد صاحبت مقابر النبلاء الذين كان العسل من بعض أنواع الأطعمة التي صاحبتهم إلى العالم الآخر، وفق معتقدات تلك الحقبة.
وكان عسل النحل يستخدم في مصر القديمة لإضافة الطعم السكري إلى الحلوى، كما كان يستخدم في التحنيط. وكان يقدم أيضًا كنذور لبعض الآلهة القديمة.
وصدر في اليونان القديمة أول قانون ينظم عملية جمع العسل عن طريق وضع خلايا النحل في الحقول، وذلك بعد انتشار نشاط جمع العسل على نطاق واسع. ونص القانون على أن تترك مسافة مائة متر على الأقل بين خلايا النحل.
وقبل اكتشاف السكر كان العسل هو مصدر السكر الوحيد لمنح المذاق السكري للحلوى في مطابخ منطقة الشرق الأوسط. ولكن استخدامه لأغراض الطعام والدواء انتشر من المنطقة إلى الهند والصين قبل أربعة آلاف عام. كما عرفته أيضًا حضارة المايا في أميركا الوسطى. وفي بعض الحضارات كان العسل يستخدم كدواء مطهر للجروح وعلاج لآلام الحلق والزور.
ويستخدم عسل النحل الآن على نطاق عالمي واسع كغذاء ووسيلة تحلية للأطعمة والحلويات والمشروبات وهو متعدد الأنواع والمذاقات. ويستخرج العسل من رحيق الأزهار ويجمعه النحل ويخزنه في خلاياه في أقراص شمعية. وهو يحتوي على الغلوكوز وبه نفس مذاق ونسبة السكر الموجودة في قصب السكر. وهو يصلح تمامًا للاستخدام في أنواع الطعام المختلفة وفي الطهي على النار أو في الفرن. ويفضل بعض الناس مذاق العسل على السكر ويستخدمونه في الكثير من أغراض الطبخ.
ولا يختلف كثيرون على مزايا عسل النحل ويعتبرونه مطهرًا. ولكن العسل له أيضًا بعض المضار المستترة، حيث يحتوي أحيانا على بعض أنواع البكتريا الميكروسكوبية التي يمكن أن تمثل خطرًا على الأطفال الذين لم تنضج بعد أجهزتهم الهضمية، كما لا ينصح بتناوله لمن يعانون من نقص في أجهزة المناعة لتجنب خطر الإصابة بالبكتريا أو الفطريات.
وتحتوي كل ملعقة من عسل النحل على 64 سعرًا حراريًا وغير ذلك يحتوي العسل على عدة فيتامينات ومعادن، بالإضافة إلى الطعم السكري والطاقة الحرارية. وفي الماضي كان جمع عسل النحل يجري من خلايا النحل البري، ولكن نشاط جمع العسل تحول بعد ذلك إلى الخلايا المستأنسة التي يتم جمع العسل منها في نهاية كل موسم مع ترك بعض العسل فيها كغذاء للنحل خلال فصل الشتاء.
وينتشر نشاط جمع عسل النحل حاليًا حول العالم وتعتبر الصين هي الدولة الأولى في العالم إنتاجا لعسل النحل بنحو نصف مليون طن سنويًا، تليها تركيا بنحو 90 ألف طن، ثم الأرجنتين بنحو 80 ألف طن، وأوكرانيا وروسيا بسبعين ألف طن لكل منهما. ويبلغ الإنتاج العالمي الإجمالي من عسل النحل نحو 2.3 مليون طن.
ويختلف طعم العسل من منطقة لأخرى ويعتمد على الكثير من العوامل منها نوع الأزهار المنتشرة في المنطقة خلال الموسم ودرجة الحرارة السائدة ونسبة السكر والماء. ويمكن للعسل أن يتحول إلى مادة كريستالية شبه صلبة في درجات الحرارة المنخفضة كما يعود إلى السيولة مع ارتفاع درجات الحرارة.
ويتم تصنيف أنواع عسل النحل عبر 114 درجة من الأبيض إلى الداكن. ويمكن بتحليل العسل معرفة مصدره الجغرافي وفقًا لحبوب اللقاح والزهور المتاحة في هذه المناطق. والكثير من أنواع العسل المتاحة تجاريًا تكون خليطًا من عدة أنواع من مصادر مختلفة. ويكتسب بعض أنواع العسل نكهة الزهور المستخلص منها الرحيق مثل زهور البرتقال أو الليمون أو التوت.
ويباع العسل تجاريًا في أنماط كثيرة منها العسل الكريستالي والمبستر والطبيعي والصافي. ومنه ما يباع بالأقراص الشمعية داخله، أو المعالج بالأمواج فوق الصوتية لقتل خلايا الخميرة فيه.
من ناحية أخرى، يجري تصنيف العسل على درجات تبدأ بدرجة «أ»، وهو ذو طعم ورائحة جيدين وخالٍ من أي عيوب وصافي اللون. وتنطبق هذه الشروط أيضًا، إلى حد ما مع وجود بعض الشوائب، على العسل المصنف بدرجة «ب». أما درجة «ج» فهو يحتوي على نسبة أكبر من المياه ويحتوي على نسبة من حبوب اللقاح أو الفقاعات. أما الأنواع الأخرى التي لا تصل إلى درجة «ج» فهي تصنف على أنها متدنية النوعية.
ويتم الحكم على أفضل أنواع العسل عن طريق النكهة والطعم ودرجة اللزوجة. وأفضل أنواع العسل تنساب من على طرف ملعقة في خيط مستمر غير متقطع. ولا يصلح العسل الذي يحتوي على نسبة كبيرة من الماء للحفظ على فترات طويلة.
وفي حالات العسل الطبيعي يمكن الحفظ لفترات طويلة تصل إلى قرون أحيانًا. وأهم عوامل الحفظ هو إبعاد العسل عن مصادر الرطوبة. وتساهم نسبة السكر العالية في حفظ العسل من التخمر. ولكن العسل يمكن مع الوقت أن يتحول إلى كتل كريستالية، ويمكن بعدها أن يعود إلى حالته الأولى مع رفع درجة الحرارة.
وتحتوي كمية 100 غرام من العسل على 304 سعرًا حراريًا و82 غرامًا من النشويات (على هيئة سكر) ونسبة 0.3 من البروتين مع نسب صغيرة من فيتامينات «ب» و«ج»، وعلى الكالسيوم والحديد والفوسفور والبوتاسيوم والماغنيسوم والصوديوم والزنك. وينقسم سكر العسل إلى غلوكوز وفراكتوز ومالتوز وسوكروز وماء.
بالإضافة إلى هذه الفوائد الغذائية من المعروف أن للعسل خواص في علاج الجروح والحروق الجلدية بوضعه على الجلد. ولكنه لا يصلح في علاج القروح المزمنة كما لا توجد قرائن طبية في مساهمة العسل في علاج الكحة. ومع ذلك يدخل العسل والليمون في تركيب الكثير من أدوية علاج البرد والإنفلونرا والرشح. وليس هناك أي دليل على أن العسل يساهم في علاج السرطان ولكنه قد يساهم في تخفيف الآثار الجانبية للعلاج الكيماوي. ولا يوجد دليل طبي على أن عسل النحل يساهم في علاج حالات الحساسية. وتشير بعض الدراسات إلى قدرة العسل على قتل بعض أنواع الميكروبات والبكتريا.
ولكن استهلاك عسل النحل بكميات كبيرة له أيضًا سلبيات منها القلق والنشاط الزائد وعدم القدرة على النوم وفق عدد من الدراسات، ولو أن هناك دراسات أخرى لم تثبت أي أعراض جانبية.
ويمكن اختيار نوع العسل وفقا للزهور التي أتى منها مثل زهور البرتقال أو الليمون أو اللافندر أو الكافور. وإذا تحول لون العسل الصافي إلى لون غير شفاف نتيجة لعملية تحول كريستالي طبيعية، يمكن استعادة اللون الطبيعي بوضع برطمان العسل في مياه ساخنة لمدة 15 دقيقة أو بعدة دقائق في المايكروويف بعد خلع غطاء البرطمان. وأفضل أماكن تخزين العسل هي أماكن باردة نسبيا ومظلمة داخل برطمانات محكمة الإغلاق. ويفضل استهلاك العسل في غضون 12 شهرا من شرائه.
وهناك الكثير من الاستخدامات الغذائية للعسل مثل الرش على الزبادي أو سلطة الفواكه. وهو يستخدم أحيانًا لتحلية المشروبات أو كبديل للسكر في صناعة الكعك والبسكويت. ويمكن أن يؤكل العسل بمفرده مع قليل من الخبز.

* بعض الحقائق عن عسل النحل:
- ظهرت أول رسوم على كهوف تحاكي عملية استخراج العسل من أعشاش النحل البري في إسبانيا تعود في تاريخها إلى سبعة آلاف عام قبل الميلاد.
- اكتشفت حفريات للنحل تعود إلى ما قبل 150 مليون سنة.
- أول خلية نحل من صنع الإنسان كانت في مصر القديمة ويعود تاريخها إلى 2400 سنة قبل الميلاد. واستخدم المصريون القدماء النحل كبديل للسكر ولتقديم القرابين الدينية وفي علاج الجروح، وأيضًا في عمليات التحنيط. وكانت النحلة هي شعار ملك الوجه البحري في مصر خلال الأسرة الأولى، أي في حدود 3200 سنة قبل الميلاد.
- تم اكتشاف عسل نحل في أوانٍ محكمة الإغلاق داخل مقابر مصرية قديمة يعود تاريخها إلى 2000 عام. وكان العسل داخلها ما زال صالحا للأكل!
- استعار الإغريق أسلوب تربية النحل من قدماء المصريين. وصنعوا من العسل الكعك والحلوى.
- استعار الرومان أسلوب تربية النحل من الإغريق وانتشر هذا النشاط في أرجاء الإمبراطورية الرومانية، واستخدم العسل في الكثير من الأغذية الرومانية.
- يستغرق صنع برطمان واحد من العسل طيران مسافة 40 ألف ميل من النحل.



أطباق مائدة الربيع تتلون بنبض الطبيعة

طبق سلطة الفراولة مع الجرجير وجبن الفيتا (إنستغرام)
طبق سلطة الفراولة مع الجرجير وجبن الفيتا (إنستغرام)
TT

أطباق مائدة الربيع تتلون بنبض الطبيعة

طبق سلطة الفراولة مع الجرجير وجبن الفيتا (إنستغرام)
طبق سلطة الفراولة مع الجرجير وجبن الفيتا (إنستغرام)

بعيد انتهاء فصل الشتاء وتناول الأطعمة الساخنة من حساء ويخنة، تتفرغ ربات المنزل لاستقبال فصل الربيع، فمعه تأخذ الأطباق منحى مغايراً، بحيث تتلوّن بفواكه وخضار الربيع اللذيذة. الفول والبازلاء يتصدران اللائحة، بينما الأفوكادو والفراولة والجنارك تجتمع في أطباق واحدة لتؤلِّف سلطات بطعم الربيع المنعش والشهي.

الجنارك مكون محبوب في السلطة الربيعية (إنستغرام)

ولا يقتصر حضور هذه المكونات على نكهتها المميزة فحسب، بل يتعداه إلى قيمتها الغذائية العالية. فهي غنية بالفيتامينات والمعادن ومضادات الأكسدة التي يحتاج إليها الجسم لاستعادة نشاطه بعد فصل الشتاء. كما تتميز أطباق الربيع بخفتها وسهولة هضمها، ما يجعلها خياراً مثالياً لمَن يسعون إلى نظام غذائي متوازن وصحي. وتسهم هذه المائدة المتنوعة في تعزيز المناعة وإمداد الجسم بالطاقة، إلى جانب إضفاء لمسة جمالية على السُّفرة بألوانها الزاهية التي تعكس روح الطبيعة في هذا الفصل.

هكذا يتحوَّل الربيع إلى فرصة لإعادة ترتيب العادات الغذائية، والعودة إلى المكونات الطازجة والبسيطة التي تجمع بين الفائدة والطعم، فتغدو المائدة مساحةً للاحتفاء بالحياة وتجدّدها.

الفول الأخضر من خضار الربيع الشهية (إنستغرام)

سلطات الربيع نكهة وفائدة

تُعدُّ أطباق السلطة من أكثر الأكلات التي تُقبل ربّة المنزل على تحضيرها لمائدة شهية. وفي فصل الربيع تكثر الخضراوات والفواكه التي تتزيّن بها هذه الأطباق. فتدخل في مكوّناتها بانسجام، كما يؤلّف شكلها الخارجي مشهداً يجذب النظر قبل التذوّق.

5 وصفات لسلطات ربيعية بامتياز

- سلطة اللوز الأخضر مع الجرجير

يُعدُّ اللوز الأخضر من المكوّنات التي يمكن استخدامها فاكهةً وخضاراً في آن واحد، مع إضافة أنواع خضار أخرى إليه بحيث يكتمل المذاق المرغوب في أطباق السلطة.

لتحضير هذه السلطة، تحتاجين إلى باقة من الجرجير (روكا)، و3 حبّات من الخيار، ونصف خسّة، وكوب من النعناع الأخضر، و30 غراماً من حبّات الرمان، و50 غراماً من بذور اليقطين المقشّرة، إضافة إلى ربع كوب من عصير الليمون الحامض، وحبّتَي جزر مبروشتين، ورشّة سمّاق، وملعقة من زيت الزيتون.

سلطة اللوز الأخضر مع الجرجير (إنستغرام)

يُقطَّع اللوز الأخضر إلى شرائح صغيرة ويُنقَع في الماء. في هذه الأثناء، يُفرم الجرجير والخيار والخس إلى قطع متوسطة، ثم يُضاف إليها اللوز المنقوع والجزر المبشور وبذور اليقطين. يُمزَج الخليط جيداً، ويُزيَّن بأوراق النعناع وحبَّات الرمان ورشّة من السمّاق. أخيراً، تُضاف الصلصة المؤلّفة من زيت الزيتون وعصير الليمون وملعقة من دبس الرمان مع رشّة ملح.

- سلطة الجنارك مع خس «آيسبيرغ»

يُعدُّ الجنارك من الفواكه المحبّبة لدى اللبنانيين، إذ يشكِّل تناوله مع الملح طقساً ربيعياً يجمع الكبار والصغار.

لتحضير هذه السلطة، تحتاجين إلى 300 غرام من الجنارك، ونصف خسّة «آيسبيرغ»، ونصف كوب من البندورة الكرزية، ونصف كوب من الأرضي شوكي المقطّع.

أما الصلصة فتتألّف من ملعقتين من خلّ البلسميك، وملعقة من زيت الزيتون، ونصف كوب من البقدونس المفروم، مع رشّة ملح.

يُقطّع الجنارك والخس والبندورة الكرزية، ثم تُضاف إليها قطع الأرضي شوكي الطازجة. تُسكَب الصلصة فوق المكوّنات وتُقدَّم السلطة باردة بعد وضعها في الثلاجة لنحو ساعة.

سلطة المانغو مع البازيلا الخضراء (إنستغرام)

- سلطة الفول الأخضر والأفوكادو

تُعدُّ هذه السلطة من الأطباق السريعة التحضير، وهي صحية ومنعشة في آن.

لتحضيرها، يُخلط 500 غرام من حبوب الفول الأخضر مع حبّتين من الأفوكادو المقطّع إلى مكعّبات، و3 أعواد من البصل الأخضر المفروم، ونصف كوب من البندورة الكرزية، مع رشّة من الزعتر الأخضر.

تُخلط المكوّنات جيداً، ثم تُضاف إليها الصلصة المؤلّفة من ثوم مهروس وعصير ليمون وزيت زيتون مع رشّة ملح. ويمكن إضافة ملعقة صغيرة من الكمّون حسب الرغبة.

- سلطة الفراولة مع الجرجير والجوز

لتحضير هذه السلطة، تحتاجين إلى ضمّتين من الجرجير المقطّع، وكوب ونصف الكوب من الفراولة المقطّعة، وبصلة مفرومة شرائح، و150 غراماً من جبن الفيتا، و50 غراماً من الجوز.

يُوضع الجرجير في وعاء التقديم، ثم تُضاف إليه الفراولة والبصل، ثم جبن الفيتا والجوز. أما الصلصة فتتألّف من عصير الليمون، وملعقة صغيرة من العسل، وأخرى من الخردل، وملعقة كبيرة من زيت الزيتون، مع رشّة ملح وبهار أبيض. تُسكب الصلصة فوق المكوّنات وتُقدّم فوراً.

- سلطة المانجو مع البازلاء الخضراء

تجمع هذه السلطة بين الطعم الحلو والمنعش للمانجو، ونكهة البازلاء الطازجة، مع غنى الحمص، لتقدَّم طبقاً ربيعياً صحياً ومتكاملاً. وتتألّف من حبّة مانجو ناضجة مقطّعة إلى مكعّبات. وكوب من البازلاء الخضراء (طازجة أو مسلوقة قليلاً) وكوب من الحمص المسلوق، ونصف كوب من البندورة الكرزية المقطّعة. وربع كوب من البصل الأحمر المفروم ناعماً. وحفنة من الكزبرة أو النعناع (حسب الرغبة)

ولتحضير الصلصة يلزمنا عصير ليمونة واحدة، وملعقة كبيرة زيت زيتون، وملعقة صغيرة دبس رمان.

في وعاء كبير تُخلط مكعّبات المانجو مع البازلاء والحمص والبندورة والبصل. تُضاف الأعشاب الطازجة وتُقلّب المكوّنات بلطف.

وفي وعاء صغير، تُحضّر الصلصة بمزج عصير الليمون مع زيت الزيتون ودبس الرمان والملح والبهار. تُسكب فوق السلطة وتُحرّك بخفّة كي تتوزّع النكهات دون أن تفقد المانجو قوامها. تُقدّم السلطة باردة، ويمكن تبريدها لمدة قصيرة قبل التقديم لتعزيز النكهة.


«المذاق العراقي»... رحلة بين أطباق «الرافدين»

«المذاق العراقي»... رحلة بين أطباق «الرافدين»
TT

«المذاق العراقي»... رحلة بين أطباق «الرافدين»

«المذاق العراقي»... رحلة بين أطباق «الرافدين»

من قلب مدينة نصر، يختزل مطعم «المذاق العراقي» المسافة بين بغداد والقاهرة مقدِّماً تجربة طهي أصيلة تعتمد على دسامة المكونات وروح البيوت، ليتحول من مجرد وجهة للطعام إلى ناقل لإرث بلاد الرافدين إلى مصر.

ومع محدودية المطاعم العراقية في القاهرة، فإن مطعم «المذاق العراقي»، الكائن بحي مدينة نصر بالقاهرة (شرق القاهرة) يبدو محافظاً على الطابع الأصيل.

تضم قائمته الأطباق الشائعة التي تجتمع عليها العائلات، وتُقدّم بروح ربات البيوت؛ لكون أفراد الأسرة العراقية المؤسسة للمطعم كانوا يشرفون بأنفسهم على الطهي في بداياته، مما منح المطعم سمعة مميزة بين الجالية العراقية في مصر.

قطع "التكة" (اللحم أو الدجاج) تُشوى بعناية فائقة داخل مطعم "المذاق العراقي"

يوضح المسؤول عن إدارة المطعم، علي أبو شادي، لـ«الشرق الأوسط»، أن «المطبخ العراقي هو مطبخ دسم بامتياز، وهذه ليست مجرد صفة، بل هي منهج في أطباقه المحضّرة بإتقان؛ فهو يعتمد على لحم الخراف الطبيعي».

وأشار إلى أنه عندما قرر المطعم تقديم الطعام الشعبي: «كان علينا الاحتفاظ بهذه السمة في الطهي، مع التمسُّك بأعلى جودة للمكونات، ونقل روح البيت العراقي بكل تفاصيله؛ لذا المذاق الذي نقدمه هنا في مصر هو ذاته الذي تجده في بغداد. زوارنا يشعرون وكأنهم في دعوة منزلية بالعراق».

السمك المسكوف أحد الأطباق الأساسية في المطبخ العراقي

من بين الأصناف التي تمتلئ بها قائمة الطعام، يرشح أبو شادي تجربة طبق «القوزي»؛ كونه وجبة متكاملة، قائلاً: «إذا أراد الزائر تذوق الروح العراقية في طبق، فنحن نرشح له القوزي بلا منازع؛ فهو يعتمد في أساسه على قطعة من لحم خروف (الموزة) التي تُطهى بعناية، وهذا اللحم يُقدم أعلى طبقة من الأرز المُعَدّ على الطريقة العراقية، سواء كان أبيض أو أصفر، والمزيّن بالشعيرية واللوز والزبيب».

أما «الدليمية»، فتعتمد على قطعة اللحم الناضجة جداً، ولكن سرّها يكمن في «خبز التنور»، المقطع والمغمس في صلصة حمراء (المرق)، وتوضع أعلاه طبقات الأرز واللحم، مما يخلق مزيجاً من القوام والطعم اللذيذ.

يقدّم المطعم كذلك طبق البرياني باللحم والدجاج بطريقة خاصة تختلف عن البرياني الهندي؛ إذ لا يُقدم حاراً، بل يُحضَّر بأسلوب صحي مريح للمعدة، يعتمد الطبق على القرفة والتوابل ليمنحه مذاقاً بارداً، ويُقدَّم مع البسلة والجزر والبطاطس إلى جانب المرق والأرز.

بالوصول إلى «الدولمة»، فأنت أمام سيدة المائدة العراقية، وهي ليست مجرد أصناف محشية، بل هي مجموعة خضراوات (الباذنجان، الفلفل، البصل، وورق العنب) تُطهى جميعاً في إناء واحد، لكي تتحد في نكهة واحدة، وتكتمل هذه الوجبة حين توضع في قاعها ريش لحم الخروف (الضلوع)، لتتحول عند التقديم إلى لوحة فنية تُطلب بالاسم في العزائم الكبرى.

«المشاوي»، ركيزة أساسية لا تكتمل التجربة العراقية من دونها، وتعتمد على لحم «الضأن» الدسم، ومن بينها يبرز الكباب (الكفتة)، الذي يحضّر بمزيج من اللحم مع الأعشاب والتوابل والبهارات التي تضيف نكهة مميزة تذوب في الفم، ويُشوى على السيخ العريض، ويُقدم مع الطماطم والبصل والفلفل المشوي. وتمتد قائمة المشاوي لـ«التكة» (قطع اللحم أو الدجاج) التي تُشوى بعناية فائقة.

أما «الكص العراقي» (الذي يماثل الشاورما المصرية أو السورية)، فهو يُحضّر من اللحم أو الدجاج، ولها نظام خاص في التتبيل والتقطيع، فلا تُقدَّم كقطع ناعمة، بل تكون القطع كبيرة وواضحة، ومعتمدة بشكل أساسي على اللحم الضأن، الذي يتميز بدسامته العالية.

لم يغفل المطعم عن تقديم «الباجة»، تلك الوجبة المحببة لدى الكثير من العراقيين وتقدم في المطاعم الشعبية، يقول «أبو شادي»: «الباجة عندنا ليست مجرد أكلة، بل هي طقس عراقي بامتياز، تتكون من نصف رأس خروف مع الأرجل، وتُطبخ معها الأحشاء (الكرشة) التي تُحشى باللحم واللوز والبهارات، وتُقدم مع الخبز المنقوع بماء اللحم؛ فهي طبق لا يعترف بأنصاف الحلول، نظراً للمكونات الدسمة والمغذية».

"الدولمة" تُطلب بالإسم في العزائم الكبرى

لا يمكن الحديث عن المطبخ العراقي دون ذكر السمك المسكوف؛ حيث تُستخدم أنواع مخصصة، مثل سمك الكارب أو البني، المرتبطين بنهري دجلة والفرات، ويشترط ألا يقل وزن السمكة عن كيلوغرامين لتتحمل الشواء؛ حيث يُشوى السمك على الفحم لمدة تصل إلى ساعة كاملة لتذوب دهون السمكة، مما يمنحها مذاقاً مميزاً.

طبق البرياني باللحم أو الدجاج يُحضَّر بأسلوب صحي

وحتى تكتمل التجربة العراقية داخل المطعم، يُقدم للزبائن كوب اللبن الرائب ليوازن ثقل الأطباق الدسمة، هذا الشراب المعروف باسم «لبن أربيل» يتميز بطعمه الحامض، ويُعد جزءاً أصيلاً من المائدة العراقية، ولا يقتصر دوره على النكهة، بل يحمل فوائد صحية، أبرزها تعزيز عملية الهضم وتخفيف أثر الأطعمة الثقيلة على المعدة.

يقدم المطعم أطباقه وسط ديكورات بسيطة، سواء في الموائد أو الحوائط، وتلفت الانتباه بعض اللقطات القديمة لشوارع بغداد، فيما تستقبل الزوار عبارة «تفضل أغاتي»، الشائعة في اللهجة العراقية، التي تستخدم للترحيب والتقدير لضيوف المكان.


مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
TT

مبانٍ تاريخية تتحوّل إلى مطاعم وفنادق فاخرة في لندن

غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)
غرفة الطعام الخاصة للمزيد من الخصوصية (الشرق الأوسط)

شهدت لندن في السنوات الأخيرة موجة لافتة من إعادة توظيف المباني التاريخية، حيث تحوّلت مساحات كانت مخصّصة لأغراض مالية أو دينية أو سكنية إلى مطاعم راقية وتجارب طعام فاخرة، تجمع بين عبق الماضي وأناقة الحاضر.

من أبرز الأمثلة على ذلك تحويل مبانٍ تاريخية قديمة إلى فنادق ومطاعم فخمة، مبنى في منطقة «كوفنت غاردن» كان يستخدم قسم منه مركزاً للشرطة، والقسم الآخر كان محكمة للجنايات، واليوم تحول إلى فندق «نوماد»، ونفس الشيء حصل مع «ذا نيد» الذي احتفظ بالعناصر المعمارية الأصلية لمبناه مثل الأعمدة الضخمة والجدران العالية، بينما أُعيد توظيف المساحات لتضم مطاعم متعددة وراقية. هذا النوع من التحويل يعكس توجهاً واسعاً في المدينة للحفاظ على التراث المعماري بدل هدمه، ومنح الزائر تجربة تجمع بين التاريخ والثقافة والمذاق في آنٍ واحد.

من صالة مصرفية الى مطعم ياباني في قلب لندن (الشرق الأوسط)

كما شملت هذه الظاهرة المباني الدينية أيضاً، إذ تم تحويل بعض الكنائس أو أجزاء منها إلى مطاعم، ومن أبرزها مقهى يقع داخل كنيسة «سانت مارتن إن ذا فيلدز» بالقرب من ميدان ترافالغار حيث يجلس الزوار لتناول الطعام وسط أجواء معمارية تعود لقرون مضت، و«ميركاتو مايفير» المبنى الذي يضم عدة مطاعم، وكان في الماضي كنيسة شهيرة في المنطقة ولا تزال تحتفظ بديكوراتها الداخلية الأصلية بما فيها المذبح الذي بقي على ما كان عليه.

وأجدد مثال على هذه الطفرة التحويلية في استخدام المباني التاريخية، افتتاح مطعم «أكي» (Aki London) في منطقة مارليبون، وتحديداً في ساحة كافنديش، فخلف أبواب ضخمة أنيقة تختبئ قصة مبنى عريق كان في السابق فرعاً لمصرف «ناتويست»، أحد البنوك البريطانية التقليدية التي شكلت جزءاً من الحياة المالية للمدينة لعقود طويلة.

مجموعة من الاطباق المعروفة في "أكي" (الشرق الأوسط)

اليوم، وبعد عملية ترميم وتحويل دقيقة، تحوّل هذا المبنى إلى مساحة فاخرة تحمل طابعاً يابانياً معاصراً، حيث تمتزج التفاصيل المعمارية الأصلية، مثل الأسقف العالية والزخارف التاريخية، مع تصميم داخلي حديث يوازن بين الفخامة والهدوء. وهكذا، لم يعد المكان مجرد مبنى مصرفي قديم، بل أصبح وجهة طعام تعكس كيف يمكن للتراث المعماري أن يُعاد إحياؤه بروح جديدة تماماً. أول ما تشاهده عند دخولك إلى المطعم الخزنة المصرفية التي تستخدم اليوم كحاوية للمشروب، وتحولت القاعة المصرفية إلى واحة من الأرائك المخملية الخضراء التي تتناغم مع لون الجدران الداكن.

افتتح «أكي» في سبتمبر (أيلول) 2025، ويقدم أطباقاً يابانية مع لمسة من الدفء المتوسطي، ويعتمد في مطبخه على مفهوم «من المزرعة إلى المائدة»، تصميمه يمزج ما بين الأسلوبين الأوروبي والياباني، وهو يحمل توقيع المصمم العالمي فرانسيس سولتانا.

أطباق أكي يابانية ممزوجة بقالب من العصرية (الشرق الأوسط)

الطابق العلوي من المطعم كان في الماضي الصرح الرئيس للمصرف، وتمت عملية التحويل بطريقة حافظت على عظمة المبنى التاريخية، وكلفت 15 مليون إسترليني، وتمت إضافة لمسات فنية مستوحاة من اليابان. واستلهم سولتانا تصميمه من معرض الشاشات اليابانية في متحف المتروبوليتان في نيويورك ليخلق مساحة تلتقي فيها الأناقة الأوروبية بالحرفية اليابانية.

ميزة المطعم أسقفه العالية والإنارة الموزعة عليها مع لوحات فنية عملاقة وجميلة مع استخدام أقمشة الكيمونو التراثية التي تضيف عمقاً بصرياً. يمكن الاختيار بين تناول الطعام في قاعة الطعام في الطابق العلوي أو في الطابق السفلي الذي يضم غرفة طعام خاصة للذين يفضلون الأكل في خصوصية تامة.

طريقة تقديم عصرية وأنيقة (الشرق الأوسط)

وتضم قائمة الطعام الساشيمي، والنيغيري، ولفائف السوشي، والتيمبورا، وأطباق الروباتا، والواجيو، والأرز، والحلويات.

بدأنا بطبق إديمامي مع ملح الكمأة، ومن ثم تناولنا تارتار تونة التشو تورو مع كافيار الياسمين والأرز البني الذي يضيف إليه النادل أمامك صلصة صويا خاصة بالساشيمي معتّقة لمدة 50 عاماً فوق الطبق، بالإضافة إلى جيوزا لحم الواجيو مع ميسو البصل والكمأة. كما كانت قطع لحم الضأن «لومينا» من الأطباق اللذيذة جداً، بفضل طراوتها وتتبيلتها بالكيمتشي التي منحتها نكهة مالحة وحارة. في حين كان طبق سي باس التشيلي غنياً بالنكهة.

أما بالنسية للحلويات فجرّبنا «ميلك تشوكلايت ناميلاكا» الذي يستغرق تحضيره 8 ساعات، وتستخدم فيه الشوكولاتة الداكنة المستوحاة من حضارة المايا.