تونس: الدوران في حلقة مفرغة

مع استفحال الأزمات السياسية والاقتصادية

شباب تونسيون يقطعون شارعا رئيسيا بحرق إطارات سيارات في مدينة القصرين احتجاجا على العطالة وقلة فرص العمل (أ.ف.ب)
شباب تونسيون يقطعون شارعا رئيسيا بحرق إطارات سيارات في مدينة القصرين احتجاجا على العطالة وقلة فرص العمل (أ.ف.ب)
TT

تونس: الدوران في حلقة مفرغة

شباب تونسيون يقطعون شارعا رئيسيا بحرق إطارات سيارات في مدينة القصرين احتجاجا على العطالة وقلة فرص العمل (أ.ف.ب)
شباب تونسيون يقطعون شارعا رئيسيا بحرق إطارات سيارات في مدينة القصرين احتجاجا على العطالة وقلة فرص العمل (أ.ف.ب)

بعد نحو أسبوع من توقف أعمال العنف والاحتجاجات الاجتماعية والشبابية غير المسبوقة في تونس، لم تنجح «خريطة الطريق» الجديدة التي عرضها رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، خلال نقاش مفتوح بالبرلمان في تطمين الـ300 ألف رجل أعمال تونسي ولا غالبية النقابات والأطراف السياسية. لقد تابعت وسائل الإعلام المعارضة والمستقلة والقريبة من الأحزاب المشاركة في الحكومة إبراز النقائص والسلبيات، وارتفعت من جديد الأصوات المطالبة بإحداث تغيير جوهري في المشهد السياسي.. بدءًا من الاستعاضة عن الحكومة الحالية بـ«حكومة إنقاذ وطني» قد تُعين على رأسها شخصية من رموز المعارضة العلمانية في عهد زين العابدين بن علي مثل أحمد نجيب الشابي ومصطفى بن جعفر.
وتتزامن هذه التطورات مع الذكرى الخامسة لانتفاضة 2011، وإسقاط حكم بن علي، وتعمق الانشقاق والأزمة الداخلية في حزب نداء تونس، الحزب الذي أوصل الرئيس الباجي قائد السبسي إلى قصر قرطاج ورفاقه إلى الحكم.
فإلى أين تسير تونس بعد بدئها العام السادس من ثورتها الشبابية بـ«تمرّد شبابي» جديد؟
على الرغم من تأكيد غالبية زعامات الأحزاب التونسية الأربعة المشاركة في حكومة رئيس الوزراء الحبيب الصيد، وقوفها إلى جانبه بعد مواجهات قوات الأمن مع عشرات الآلاف من الشباب العاطل عن العمل الذي نزل إلى الشوارع، فإن مؤشرات استفحال الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية كثيرة جدًا.
ويعد ثلة من الخبراء السياسيين والاقتصاديين، مثل وزير المالية السابق حكيم حمودة، أن «الوقت قد حان ليفهم الساسة والاقتصاديون أن الأسباب العميقة لأزمات تونس السياسية والاجتماعية منذ سنوات هي انعكاسات الأزمة الاقتصادية العالمية 2008 - 2009 عليها».
وفي الوقت الذي تحتاج فيه تونس إلى نسبة نمو اقتصادي عامة سنويًا لا تقل عن 7 في المائة حتى توفر مائة ألف موطن شغل جديد للعاطلين عن العمل، تراجعت تلك النسبة إلى أقل من 5 في المائة منذ اندلاع الأزمة الاقتصادية العالمية في عام 2008، ثم إلى أقل من 3 في المائة بعد الإطاحة بحكم بن علي.
نسبة النمو في العام الماضي كانت قريبة من الصفر، وتوشك الأوضاع أن تستفحل هذا العام والعام المقبل ما لم ينتعش قطاع السياحة والخدمات مجددًا، على اعتبار أن مساهمته المباشرة وغير المباشرة مهمة في توفير موارد رزق مئات الآلاف من العائلات وآلاف المؤسسات الصناعية والزراعية والسياحية والخدماتية.
صعوبات أم ركود؟
وفي حين تعاقبت تصريحات التطمين الموجهة إلى الشعب الصادرة عن الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي ورئيس الوزراء الحبيب الصيد، وكذلك زعامات حزب حركة النهضة، فإن الخبراء والساسة المستقلين والمعارضين لا يخفون تخوّفاتهم من اندلاع انفجارات اجتماعية شبابية جديدة، احتجاجًا على عجز الحكومات الثماني التي تعاقبت على السلطة منذ «ثورة 2011» عن معالجة معضلتي البطالة والفقر.
وفي هذا السياق، يعد الخبير الاقتصادي والاجتماعي رضا الشكندالي أن «حصيلة السياسات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية المتعاقبة منذ 5 سنوات أن تونس انتقلت من مرحلة (الصعوبات) الاقتصادية قبل عام 2011 إلى مرحلة (الركود) الشامل اليوم». وحمّلت الخبيرة الاقتصادية والإعلامية جنات بن عبد الله مسؤولية هذا التطور السلبي إلى «حكومات ما بعد الثورة»، خصوصا الفريق الحكومي الحالي، وإلى «تقديم الولاء على الكفاءة والخبرة في التعيينات السياسية والإدارية».
«القنبلة الموقوتة»
في الوقت نفسه، حذّرت دراسات وتقارير أعدّها اتحاد نقابات العمال من انفجار «القنبلة الموقوتة» الشبابية والاجتماعية مجدّدًا، مهدّدة «المكاسب السياسية التي تحققت خلال السنوات الماضية، وعلى رأسها توسيع هامش الحريات وتنظيم انتخابات تعدّدية نزيهة والمصادقة على الدستور الجديد». ولقد حذّر عبيد البريكي، الأمين العام المساعد السابق لاتحاد نقابات العمال، من «تضخم نسب العاطلين عن العمل وتدهور أوضاع الطبقة الوسطى وتراكم مؤشرات الفقر».
في هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي شيحة قحة أن عدد العاطلين عن العمل ارتفع من 300 ألف قبل «ثورة يناير (كانون الثاني) 2011» إلى نحو 700 ألف حاليًا. ومن جانبه، قدّر وزير المالية السابق حكيم حمودة نسبة الفقراء اليوم في تونس - أي الذين يعيشون بأقل من دولار واحد يوميًا - بخُمس السكان في العاصمة والمناطق الساحلية وثُلث السكان في الجهات المهمّشة والحدودية مع الجزائر وليبيا، مثل القصرين والكاف وجندوبة ومدنين وتطاوين وقبلي.
خلل بين الجهات
وحسب تقرير أممي فإن الخلل في التوازن بين الجهات (أو الأقاليم) لا يزال خطيرًا في تونس بعد خمس سنوات من الثورة التي فجّرها شبابها. إذ بلغت نسب البطالة بين شباب المحافظات الداخلية نحو 50 في المائة مقابل نحو 6 في المائة فقط في محافظات الساحل السياحية مثل المنستير وسوسة اللتين هما موطن الرئيسين الأسبقين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي وغالبية وزرائهما ومستشاريهما.
وكشف التقرير نفسه فوارق جهوية مماثلة في مجالات التعليم والخدمات الطبية والصحية. فلقد بلغ الانخراط في التعليم بالنسبة للأطفال بين سن 6 و11 سنة نسبة 99.5 في المائة لمدينة تونس العاصمة وضواحيها، مقابل 92 في المائة في ولاية القصرين عام 2011.
وعلى الرغم من إقرار الحكومة الحالية والحكومات السابقة بهذه الحقائق، التي تفسّر عودة الاضطرابات والمواجهات التي تسببت في مقتل رجل أمن وإصابة مئات بجراح، فإن المعارضة لم ترحّب بـ«الوثيقة التوجيهية» الجديدة للتنمية التي قدّمها رئيس الوزراء الصيد أمام البرلمان.
كذلك تابع زعماء المعارضة اليسارية، مثل حمّة الهمامي زعيم «الجبهة الشعبية»، انتقاداتهم للفريق الحاكم وللائتلاف الحزبي الذي يدعمه بزعامة حزبي نداء تونس وحركة النهضة.
السير بين الألغام
لكن السؤال الذي يفرض نفسه في ظل هذه المزايدات: هل تعني ردود فعل قيادات اليسار ونواب المعارضة على الحكومة عودة للدوران في «الحلقة المفرغة»؟ أم ستكون مجرد مزايدات «سياسيوية» وتعبيرًا عن تحفّظات «شكلية» وليس على جوهر «خريطة الطريق» المقترحة؟
لعل من أبرز ما ينبغي التوقف عنده أن مضاعفات «الانتفاضة الشبابية الاجتماعية الجديدة» ليست اجتماعية فقط، بل تطوّرت إلى انتقادات سياسية بالجملة للحكومة. وشملت هذه الانتقادات أوضاع الحريات وحقوق الإنسان في البلاد و«ظاهرة عودة التعذيب»، ومن ثم وجد رئيس الحكومة نفسه مجددا، مطالبًا بـ«السير بين الألغام»، ومحاولة تقديم خطاب لا يستفزّ الشباب والعاطلين عن العمل ولا يغضب رجال الأعمال، مع محاولة التوفيق بين شركائه في الحكم وخصومه ومعارضيه.. عبر منهج «توافقي» و«براغماتي».
حتى متى؟
إلا أن من بين الأسئلة التي تفرض نفسها رغم ذلك: حتى متى ستستمر الأزمات الاجتماعية والقطيعة مع الشباب في بلد يفاخر بكون شبابه نظم قبل خمس سنوات «ثورة الشباب والكرامة»، وأنجز «تغييرًا سياسيًا سلميًا»؟ حتى متى سيقنع الشباب وأبناء الطبقات الاجتماعية الشعبية والفقيرة بـ«خطاب التطمين»، والوعود والإقرار بالنقائص وبشرعية مطالب المتظاهرين سلميًا مقابل اتهام بعض «الأطراف» (؟) بالتورّط في «الاندساس» و«التسلل» إلى التحركات السلمية ودفع جانب من المشاركين فيها نحو العنف والسرقة والاعتداء على رجال الأمن؟
لعل من بين التحديات هنا أن كثيرين من الجامعيين، على غرار عالم الاجتماع محمد الجويلي، يتحدثون عن «أزمة ثقة شاملة» تمرّ بها قطاعات واسعة من النخب والطبقة السياسية بمختلف ألوانها. و«أزمة الثقة» هذه ما عادت تقتصر على «الأقلية» و«بعض النخب»، بل توسّعت لتشمل غالبية السياسيين العلمانيين والليبراليين واليساريين والإسلاميين والقوميين.. إلخ. وهنا يعرب علماء النفس الاجتماعي وعلم الاجتماع مثل عبد الوهاب محجوب وعبد الوهاب حفيظ عن تخوّفهم من العودة بالبلاد إلى «المربع السابق»، أي مربع تمييع مطالب الشباب العاطل والمهمّش والطبقات الشعبية والوسطى واختزال الأزمة في مزايدات من يوصفون بـ«المخربين» و«المنحرفين» و«المتآمرين» على أمن الدولة الداخلي أو الخارجي. وقد بات المسكوت عنه أكثر من المصرح به.. بما في ذلك بالنسبة إلى كبار المسؤولين في حزب الرئيس السبسي وشركائه أحزاب الائتلاف الرباعي وللحكومة.
فوائد الدين
في الأثناء يلفت سياسيون وخبراء بارزون، مثل الناطق الرسمي باسم حزب العمال و«الجبهة الشعبية» المعارضة حمّة الهمامي، إلى أن «من بين أخطر التحديات التي تواجه البلاد اليوم وستواجهها خلال عامي 2016 و2017 حلول موعد تسديد فوائد الدين، التي تحوم حول سبع مليارات دولار، فضلا عن الخسائر التي ستلحق بالميزانية العامة للدولة وبمصالح الضرائب والجمرك، نتيجة الضربة الموجعة جدًا التي وجهت إلى قطاع السياحة في أواخر يونيو (حزيران) الماضي ثم إلى أعلى رموز الدولة (أي الحرس الرئاسي) من خلال هجوم 24 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي».
ومن جهته، يقول الخبير الاقتصادي، شيحة قحة، إن «مثل هذه المعضلات تزيد من تعقيد أوضاع الطبقات الشعبية والوسطى في مرحلة تراجعت معها إنتاجية الموظف والعامل إلى أدنى مستوياتها، وهذا مع تورّط الحكومات المتعاقبة منذ خمس سنوات في إعطاء أولوية للأجندات السياسية والحزبية و(الترضيات) والتعيينات وفق قاعدة (الأقربون أولى بالمعروف) وليس لمكافحة البطالة».
كذلك «أعطت الحكومات أولوية لتحسين أجور العمال، ترضية للنقابات وليس إلى التشغيل ومقاومة الفقر ضمن استراتيجية جديدة تبدأ بتحسن مناخ الأعمال والاستثمار بعيدًا عن الشعارات الفارغة»، كما أوضح الخبير الاقتصادي التونسي والدولي صالح جبنون.
فرص لا تعوّض
في المقابل، سجل إلياس فخفاخ، وزير السياحة والمالية السابق والقيادي في حزب التكتل، أن «الحكومة الحالية أمام فرص لا تعوض يفترض أن تساعدها على تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية». وفي هذا السياق لفت فخفاخ النظر إلى كون تونس كسبت نحو أربعة مليارات من الدنانير (مليارا دولار) بفضل تراجع أسعار النفط في وقت وجيز من نحو 120 دولارا إلى أقل من 30 دولارا.. بما خفّف أعباء الدولة في مجال دعم المحروقات. كذلك أشار إلى كون من بين «الفرص التي قد لا تعوّض» انخفاض سعر اليورو عالميًا مقارنة بالدولار، وهو ما يعني تخفيف أعباء حكومة تونس في مجال إرجاع الديون وتسديد فوائدها وخدماتها.
يضاف إلى كل ذلك أن العام المنقضي كان، مثلما أورد سعد الصديق وزير الفلاحة (الزراعة)، استثنائيًا من حيث مساهمته في ميزانية الدولة بفضل صادرات الزيوت والتمور والسمك التي ناهزت الملياري دولار. ما يبعث على التساؤل هل يعقل بعد كل هذا التمادي في تبرير «الإخفاقات في سياسات الحكومات المتعاقبة بالعوامل الأمنية فقط»؟ أوليس الإخفاق الأمني بدوره جزءا من فشل بعض المسؤولين الذين عينوا في مناصبهم على أساس قاعدة «الولاء قبل الكفاءة»؟
حكومة إنقاذ وطني
في مثل هذه الظروف قد يستسيغ كثيرون فكرة تشكيل «حكومة إنقاذ وطني» جديدة يتسابق أقطاب السياسة والمال في تونس على إعلان مرشحيهم لها مثل المهدي جمعة رئيس الحكومة السابق، والمنذر الزنايدي وزير التجارة والسياحة والنقل في عهد بن علي والمرشح السابق للانتخابات الرئاسية. لكن ثمة من يشكك فيما إذا كان الحل يكمن في إسقاط حكومة الصيد الثانية التي تشكلت قبل أسبوعين لا أكثر. ويتخوّف من أن يتسبب إسقاطها بشل مؤسسات الدولة التي تعاني أصلاً من عواقب غياب الاستقرار منذ مطلع 2011.
قد تتباين الآراء بين من يعطون أولوية للملفات السياسية ودعاة التفرغ للأولويات الاجتماعية والاقتصادية، بعيدًا عن أطماع «الزعماء» الذين يسيل لعابهم بعد كل أزمة عابرة من أجل الوصول إلى قصور السلطة.
«انتهازية» الساسة
الدكتور محسن الكوني، وهو أستاذ الفلسفة في ولاية القصرين، علق على انفجار الاحتجاجات الجديدة مجدّدًا في الوسط والمناطق المهمّشة بـ«الانتهازية» التي سادت النخب المثقفة والسياسية عندما لم تقدم معضلات البطالة والفوارق بين الجهات على أجنداتها السياسية وكل «الأولويات في البلاد». ولقد سبقه كثيرون، بينهم الجامعي قيس سعيد، الخبير في القانون الدستوري، فأكد مبكرا كون «الإصلاحات القانونية والدستورية ما كان لها أن تستنزف طاقات البلاد طوال الأعوام الماضية، ولا أن تشغلها عن أولوية الأولويات التي هي معالجة ملفات الفقر والبطالة واختلال التوازن بين المناطق المهمشة والجهات المحظوظة والمشكلات الهيكلية التي تنخر الاقتصاد والبلاد».
الثورة والثورة المضادة
في الأثناء تعمقت التناقضات داخل النخب السياسية والنقابية والثقافية بين من يدافعون عن «مكاسب الثورة» والمتهمين بخدمة «الثورة المضادة»، وأنصار إسقاط الائتلاف بين حزبي «النداء» و«النهضة» ومن يدعو إلى تعزيزه.. بين الذين يقدّرون حيادية رئيس الحكومة الحالي الحبيب الصيد واستقلاليته ونظافة يديه، ومن يتهمه بالفشل والإخفاق. وجاء «التطبيع» مع عدد من رموز النظام السابق وأصهاره ووزرائه ومستشاريه من دون مسار واضح للإنصاف والمصالحة الوطنية، ومن دون استرجاع ممتلكات الدولة وأموال الديوانة والضرائب، ليدعم مواقف «الشباب الثائر بطبعه ضد القديم والسلطة» كما يقول عالم الاجتماع عبد الوهاب محجوب.
وفي هذا السياق تطرح نقاط استفهام حول الأسباب الحقيقية التي أدت إلى توقيف مئات من السياسيين ورجال الأعمال دون غيرهم وحول ملابسات الإفراج عنهم وغلق ملفاتهم. ولئن اعتبر قسم من المتظاهرين في القصرين وسيدي بوزيد وتونس العاصمة «الإفراج في ذكرى الثورة عن صهر بن علي والتعهد بتسوية ملف صهر ثان قريبًا»، تكريسا لانتصار «الثورة المضادة»، فإن من بين الملاحظات التي يقدمها خصومهم أن «التطبيع مع غالبية أصهار بن علي ومع رجال الأعمال والوزراء المتهمين السابقين بالفساد المالي إنما تحقق في عهد (الترويكا)، ثم في عهد حكومة التكنوقراط برئاسة المهدي جمعة وفي ظل حكم حزب النداء».
وبالتالي، هل لا يزال مشروعًا الحديث عن قوى «الثورة» و«الثورة المضادة» بالنسبة إلى النخب السياسية والحزبية التي تتحكم في قوانين اللعبة منذ خمس سنوات، أم أن من حق الشباب أن يثور عليها جميعا باعتبارها متهمة بدرجات متفاوتة في الإخفاقات المتعاقبة بسبب عدم اعتمادها سياسة شفافة للإنصاف والمصالحة، وتورطها في «تسويات تحت الطاولة» و«عدالة انتقائية وانتقامية» وخيارات الابتزاز خدمة لمصالح شخصية وحزبية وجهوية وفئوية؟
الولاء قبل الكفاءة

على هذا الصعيد أيضًا تتباين التقييمات للخبرات التونسية في الإدارة ومؤسسات الدولة. ولا شك أن كثيرا من بين المسؤولين في الوزارات والإدارة المركزية والإدارات الجهوية والمحلية كانوا قبل الثورة يفتقرون إلى النزاهة أو الخبرة والكفاءة أو إلى الاثنين معًا. ثمة من يقول إنه آن الأوان الآن لكي تصبح الأولوية في معايير إسناد المسؤوليات إلى الكفاءة والخبرة من الولاء.

* إعلامي وكاتب تونسي



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.