سليمان فرنجية.. في مواجهة «التيار»

سليمان فرنجية.. في مواجهة «التيار»

زعيم مناطقي يطمح إلى رئاسة لبنان
السبت - 20 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 30 يناير 2016 مـ

لم يعتبر سليمان فرنجية يوما أنه «الماروني الأول» في لبنان. الزعيم الزغرتاوي، نسبة إلى قضاء زغرتا في شمال البلاد، هو من الذين يمتلكون «التواضع التمثيلي»، والقدرة على التأقلم مع متطلبات المراحل المختلفة وتوازنات القوى القائمة إقليميا ومحليا. لكن الرجل المعروف بولائه الشديد لـ«الخط» (كما يفضل أن يسمي التحالف الذي يضمه إلى النظام السوري و«حزب الله» وإيران)، معروف أيضا بصراحته الجارحة التي تزعج البعض - وتطمئنهم في الوقت نفسه.
سليمان الصغير، أصبح اليوم في الـ51 من عمره، وهو يتحضّر لتسليم نجله طوني قيادة العمل النيابي والتيار السياسي، متفرغا لطموح كل ماروني في لبنان تقريبا.. رئاسة الجمهورية، خصوصا أنه حفيد لرئيس جمهورية سابق ويحمل نفس اسمه، وكان الرئيس الوحيد الذي انتخب في لبنان نتيجة حسابات محلية، وانتخب بفارق صوت واحد فقط، معطيا الاستحقاق الرئاسي طابعه اللبناني الوحيد حتى اليوم.
في خضم أزمة شغور رئاسة الجمهورية في لبنان، والاصطفاف الحاصل منذ عام 2005 بين فريقي 14 آذار و8 آذار، اهتز هذا الاصطفاف مرتين. الأولى عند تبني رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري زعيم تيار «المستقبل» وأحد أبرز قيادات 14 آذار، قبل بضعة أسابيع، ترشيح النائب الحالي والوزير السابق سليمان فرنجية الذي هو من أركان 8 آذار للمنصب. والثانية، رد الدكتور سمير جعجع، زعيم حزب «القوات اللبنانية» وحليف الحريري في 14 آذار بتبنيه ترشيح النائب ميشال عون زعيم «التيار الوطني الحر» وحليف فرنجية وحزب الله في 8 آذار.
اليوم، وقد أتت فرنجية رئاسة الجمهورية على طبق «مستقبلي» نسبة إلى تيار «المستقبل» لا يبدو الزعيم «الشمالي» مستعدًا للتنازل عنها، منطلقا من أنه لو كان لعون حظوظًا لكان في مقدمة منتخبيه، «لكن إذا ذهبت حظوظ عون فحقي أن أكون رئيسًا». ولهذا بدا فرنجية متمسكا جدا بترشحه إلى حد تحدي حلفائه في «الخط» الذي طالما نادى بأهميته، أي خط «المقاومة» ويعني به الحلف الإيراني مع النظام السوري و«حزب الله».وكان لافتا جدا قيامه في جلسة الحوار الأخيرة بالانتقال من مقعده على طاولة الحوار الرسمية في رئاسة مجلس النواب، من كرسي يضعه عادة بين رئيس كتلة نواب «حزب الله» محمد رعد ورئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل (صهر عون)، إلى مقعد بجانب رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة في دلالة سياسية واضحة، وخرج بعدها ليتحدى عون بأنه يمتلك 70 صوتا (في البرلمان) ولا يمكن أن يتنازل لمن يمتلك 40 صوتا، في إشارة إلى حليفه المفترض رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون.
النشأة
ولد سليمان طوني فرنجية في مدينة طرابلس حيث كان يسكن أهله شتاءً على غرار كثير من العائلات الزغرتاوية التي كانت تمضي الشتاء في المدينة الساحلية، والصيف في زغرتا وتوأمها بلدة إهدن الجبلية. وبالتالي، تلقى علومه في المدينة ذات الأكثرية الإسلامية. لكن اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية أجبر العائلة على ترك طرابلس، فأكمل المرحلتين التعليميتين التاليتين في «مدرسة فرير زغرتا» التي أنشئ لها فرع طارئ في زغرتا ليكمل أبناء القضاء دراستهم بعد مغادرتهم طرابلس. ولاحقا انتقل إلى بيروت حيث تعلّم في «مدرسة الأتينيه جونيه». وكان انتقاله إلى بيروت عاملا أساسيا في وجوده في الحياة السياسية اليوم، فوجوده في المدرسة الداخلية آنذاك نجّاه من موت شبه محتم فيما اصطلح على تسميته «مجزرة إهدن» التي اغتيل فيها والده النائب والوزير طوني فرنجيّة ووالدته فيرا وأخته ابنة الثلاث سنوات جيهان في قصر العائلة بمصيف إهدن على يد مجموعة من حزب الكتائب اللبنانية في عام 1978، يومذاك كانت المجموعة تضم سمير جعجع، الذي يقال إنه كان قد أصيب فعاد بسبب الإصابة إلى مقره ولم يشارك مع زملائه في العملية التي كانت تهدف إلى إطاحة البيت السياسي لآل فرنجية، على غرار عمليات أخرى أدت إلى تحجيم عائلات مسيحية أخرى لصالح شعار «وحدة البندقية المسيحية»، الذي رفعه الرئيس الراحل بشير الجميل آنذاك.
احتضن سليمان فرنجية الجد (رئيس الجمهورية السابق) حفيده «سليمان الصغير» ورباه تحت جناحه، مفضلا إياه على ابنه روبير الذي كان يقود العمل العسكري لـ«المردة». ومن ثم فرض عليه الجد ما يشبه «الإقامة الجبرية» فعاش تحت «الحماية المشددة» في زغرتا مدة 13 سنة خوفا عليه، فطارت أحلامه بالتخصص الجامعي في الميكانيكا أو الهندسة.
أما المراهق الشقي الذي عاش في كنف جده، فكان يهرب من المدرسة، مفضلا عليها نقاط مراكز شباب تيار «المردة»الذي كان أسسه والده عام 1969، ولاحقًا أسس «سليمان الصغير» عام 1987 - وهو في عمر 22 سنة - كتيبة من 3400 شخص، واتخذ له من قرية بنشعي مقرًا كما كانت مقرًا لوالده طوني فرنجيّة، وتسلّم فعليًا القيادة يوم 20 أغسطس (آب) 1990 من عمه روبير فيما يشبه الانقلاب العسكري، بمباركة تامة من الجد.
وبعد تسلمه للقيادة بدأ سليمان طوني فرنجية يعمل على تمتين العلاقة مع سوريا مكملاً علاقة الرئيسين سليمان فرنجيّة (الجد) وحافظ الأسد، وتربطه حاليًا علاقة شخصية قوية مع الرئيس السوري بشار الأسد. وهو قال في مقابلة صحافية: «إذا سألوني إذا كنت أحب أن أعيش في فرنسا أم في سوريا، طبعا سأقول فرنسا. ولكن بالنتيجة أنا أنتمي إلى الشرق، وإقناع المجتمع المسيحي بذلك أمر صعب، لأن هذا المجتمع يرى الشكل في كثير من الأماكن وينسى المضمون السياسي، والوجود العسكري للجيش السوري لم يساعدنا في إقناع الناس، لأنهم كانوا يرون الأخطاء فقط، والأخطاء دائما تطغى على الحسنات، وأتصوّر أن الوضع أصبح أفضل اليوم لأننا أصبحنا قادرين على إظهار الحسنات، والأخطاء لم تعد قادرة على أن تطغى على الحسنات».
آخر لقاءات فرنجية بالأسد، كان في النصف الأول من يناير (كانون الثاني) الماضي، كما ذكرت صحيفة «السفير» اللبنانية. وقالت «السفير» إن الأسد وفرنجية اللذين يتواصلان هاتفيًا بصورة مستمرة، قد ناقشا المبادرة الرئاسية والهواجس التي تحيط بها، والتفويض المطلق المعطى لحلفاء سوريا في لبنان باتخاذ القرار الذي ينسجم ومصلحتهم الوطنية. ولاحظت الصحيفة أن فرنجية عاد من زيارته السورية «مرتاحًا جدًا» لنتائج المباحثات والأجواء التي تخللت الزيارة، وهو لمس مجددًا مدى تقدير وثقة القيادة السورية بشخصه وخياراته السياسية، خصوصًا أنه أحد قلة قليلة من السياسيين اللبنانيين الذين وقفوا إلى جانب سوريا والمقاومة في أصعب الظروف.
لكن فرنجية عاد ليأخذ موقفا آخر، بعد أن ووجه برفض «حزب الله» لترشيحه، فقال في مقابلة تلفزيونية بعدها بأيام إن «الأسد صديق ونتبادل الآراء لكني لا أقبل بأن يؤثر النظام في سوريا على الوضع في لبنان»، ثم ما لبث أن نقل عنه قوله إنه لن يتراجع عن ترشيحه «حتى لو اتصل به الأسد ونصر الله»
بداية طريقه السياسي
عين فرنجية في عام 1991 نائبا في إطار اتفاق بين القوى السياسية لترميم البرلمان بعد اتفاق الطائف، وكان حينها أصغر نائب بالبرلمان. ومن ثم عين وزيرا للإسكان عام 1992، في الحكومة الأولى بعد الطائف، ليبقى ثابتا في كل الوزارات المتعاقبة حتى عام 2005، وكان وزيرا للداخلية في حكومة الرئيس عمر كرامي عندما خرج الجيش السوري من لبنان عام 2005 بعد اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري. بعدها خرج من النيابة والوزارة بعد سقوطه في الانتخابات النيابية لدورتين، في أعقاب اعتماد المحافظة دائرة انتخابية، لكنه عاد ليفوز بعد العودة إلى اعتماد القضاء (الدائرة الأصغر) في عام 2009 ليتمظهر أكثر فأكثر دوره كزعيم مناطقي.
يعرف فرنجية، من أين تؤكل الكتف في السياسة. ولأنه يعرف حجمه بالسياسة، اختار أن ينحني للعواصف، بدلا من أن يواجهها، ويقدم حين يكون للإقدام فائدة. ففي عام 1989، وبعد إقرار الطائف، وافق على دعم ترشيح الرئيس رينيه معوض، الذي يعتبر من منافسيه السياسيين المحليين الكبار، ما شكل علامة فارقة في تاريخ العلاقات بين أهل السياسة في المنطقة الواحدة.
وبعد خروج سوريا عام 2005 انكفأ لبعض الوقت، ثم عاد ليلتحق بكتلة النائب ميشال عون النيابية عندما اقترب الأخير من النظام السوري وحلفائه في لبنان. ليؤكد أنه «حليف عون وفي تكتل واحد إلى جانبه، لأنه الأقوى على الساحة المسيحية ولأنه الأكبر سنا قبلنا بقيادته، ونحن بحاجة إلى تقويته على الصعيد الوطني، لذا أقول إنني لا أتقدم يوما عليه، وهو يتقدمنا جميعا».
ثم ما لبث أن اقترب من رئيس الحكومة سعد الحريري، عندما اقترب الأخير من سوريا في عام 2009، ويقال إنه لعب دورا في «التمهيد» لزيارة الحريري إلى دمشق. إلا أن فرنجية يرفض أن يصنف «وسيطا»، لأنه لا يعرف ولا يرغب في هذا الدور. وهو قال في أكثر من تصريح، إنه لا يدّعي أي علاقة مباشرة بلقاء الحريري والأسد، لكنه لم ينفِ قدرته على نقل الأجواء الطيبة والمساعدة مع جو التقارب السوري - السعودي، ليذكر أن الزيارة جاءت ثمرة تقاربات إقليمية، وهو يوافق على أن تنازله عن حقيبة وزارية سهّل إنجاز التشكيلة الحكومية، لكن ذلك لا يعني أنه كان «عرابا» ليصر على أنه لاعب أساسي.
التباين مع عون
في تلك اللحظة ظهر واضحًا التباين الأول بين فرنجية وعون، وتحديدا عندما انتقد عون علنا تنازله عن الحقيبة، اكتفى فرنجية بالصمت ومتابعة جهوده، وبعد فترة قال في مقابلة تلفزيونية إنه اختار التنازل لقدرته على ذلك، «وحتى لا يدفع الثمن حلفاء لنا داخل تكتل الإصلاح والتغيير»، ويشير إلى أنه «فاوض الحريري ليحصل عون على حقائبه الوزارية».
وإذ لم ينكر الخلاف مع عون شدد على أن ذلك لم يؤدِ لإلى القطيعة، ويوضح: «نحن الاثنين طباعنا حادة والجنرال كان يعتبر التنازل غير محق، أما أنا كنت أراه تسهيلا ومرّت غيمة ولكن هناك خط سياسي يجمعنا، وخطّي عمره 30 سنة قبل كل الناس»، ويضيف: «العلاقة عادت سليمة، تحدثنا وتصارحنا وكل الأمور عادت طبيعية، حدث فتور وانتهى».
إلا أن ذلك لا ينفي أنه بدأ يتوسع ليخرج من المنطقة والعشيرة إلى رحاب أوسع، لذا افتتح مكاتب لتيار المردة في جبيل وكسروان والمتن، مظهرا أنه يريد الخروج من الشمال باتجاه لبنان كله، لا سيما أن البعض يصف تياره بأنه تجمع صغير لآل فرنجية وليس حزبا له فكره وبنيته، وهو ما رأى فيه بعض خصومه محاولة من فرنجية لوراثة عون سياسيا في اللحظة المناسبة.
عائلته وحياته الخاصة
تزوج سليمان صغيرا، ففي عام 1983 تزوج من ماريان سركيس وكان وقتها بعمر 18 سنة، وكانت هي في السادسة عشرة من عمرها. وأنجبا: طوني (مواليد 1987) وباسل (مواليد 1992) تيمنا بباسل الأسد، نجل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. لكن أموره تغيّرت فزواج الصغر لم يكتب له طول العمر، لينتهي على الورق بعد جفاف اعتراه. ثم تزوّج فرنجية الإعلامية ريما قرقفي عام 2003 بعد قصة حب شغلت الأوساط الاجتماعية والسياسية. فللعلم، لم يستطع فرنجية أن يحصل على الطلاق لعدم وجود ما يسمى طلاقا في الزواج الماروني الذي يعقد لمدى الحياة. ولم يستطع أيضا أن يحصل على إبطال للزواج من الكنيسة المارونية اللبنانية التي كان يتربّع على رأسها البطريرك نصر الله صفير الذي كان فرنجية على خصومة شديدة معه، فما كان منه إلا أن ذهب إلى الفاتيكان، وحصل من هناك على قرار بإبطال زواجه الأول باعتبار أن زوجته كانت قاصرا عند الزواج، فتزوج فرنجية مجددا، ورزق بفتاة سماها «فيرا».
العلاقة مع البطريركية
وخلافا للكثير من رجال السياسة في لبنان، لم يجد فرنجية نفسه يوما ملزما برضا البطريرك الماروني، فجماعته التي تؤيده إلى حد الشغف كانت مستعدة لمعاداة زعيمها الديني الأكبر من أجل زعيمها المناطقي. وفي لحظة خلاف مع البطريرك صفير، نال البطريرك من فرنجية نقدا جارحا ولاذعا أثار استنكار المسيحيين وآخرها وصفه بعض رجال الكهنوت بـ«المنغلقين على أنفسهم الذين يأكلهم الغبار والصدأ»، فتجمع الزغرتاويين حوله هاتفين له بلهجتهم المميزة «إنت البترك (البطريرك) يا سليمان». إلا أن هذا الأمر لم يقطع شعرة معاوية بين فرنجية وصفير، ولم يحُل دون محطات «وفاقية» ترجمت بزيارات متقطعة قام بها فرنجية إلى البطريركية المارونية.
يقول عنه المقربون منه إنه شخص عفوي لا يجيد التصنع والتكلف، ولا يحب السهرات الصاخبة، ويفضل سماع الموسيقى الكلاسيكية والطرب العربي. أصدقاؤه المقربون يختارهم بدقة، ويعيش بينهم، مكرسا الوقت الأكبر لعائلته، التي يكنّ لها عاطفة كبيرة، وغالبا ما يجهل كيف يعبر عنها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بصغيرته فيرا، التي أعطاها اسم والدته.
قال في إحدى المقابلات التلفزيونية: «إن شعوره تجاهها (أي فيرا) يختلف عن شعوره تجاه طوني وباسل، لأن العاطفة بين الأب وابنته تكون دائما أقوى»، كما عرف عنه الجمهور ممارسته هوايات مترفة، كالصيد وقيادة الطائرات والتصوير والغطس والاهتمام بالبيئة وتكريسه وقتا لمحمية بنشعي التي يجلب إليها حيوانات من رحلات الصيد.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة