سليمان فرنجية.. في مواجهة «التيار»

زعيم مناطقي يطمح إلى رئاسة لبنان

سليمان فرنجية.. في مواجهة «التيار»
TT

سليمان فرنجية.. في مواجهة «التيار»

سليمان فرنجية.. في مواجهة «التيار»

لم يعتبر سليمان فرنجية يوما أنه «الماروني الأول» في لبنان. الزعيم الزغرتاوي، نسبة إلى قضاء زغرتا في شمال البلاد، هو من الذين يمتلكون «التواضع التمثيلي»، والقدرة على التأقلم مع متطلبات المراحل المختلفة وتوازنات القوى القائمة إقليميا ومحليا. لكن الرجل المعروف بولائه الشديد لـ«الخط» (كما يفضل أن يسمي التحالف الذي يضمه إلى النظام السوري و«حزب الله» وإيران)، معروف أيضا بصراحته الجارحة التي تزعج البعض - وتطمئنهم في الوقت نفسه.
سليمان الصغير، أصبح اليوم في الـ51 من عمره، وهو يتحضّر لتسليم نجله طوني قيادة العمل النيابي والتيار السياسي، متفرغا لطموح كل ماروني في لبنان تقريبا.. رئاسة الجمهورية، خصوصا أنه حفيد لرئيس جمهورية سابق ويحمل نفس اسمه، وكان الرئيس الوحيد الذي انتخب في لبنان نتيجة حسابات محلية، وانتخب بفارق صوت واحد فقط، معطيا الاستحقاق الرئاسي طابعه اللبناني الوحيد حتى اليوم.
في خضم أزمة شغور رئاسة الجمهورية في لبنان، والاصطفاف الحاصل منذ عام 2005 بين فريقي 14 آذار و8 آذار، اهتز هذا الاصطفاف مرتين. الأولى عند تبني رئيس الوزراء الأسبق سعد الحريري زعيم تيار «المستقبل» وأحد أبرز قيادات 14 آذار، قبل بضعة أسابيع، ترشيح النائب الحالي والوزير السابق سليمان فرنجية الذي هو من أركان 8 آذار للمنصب. والثانية، رد الدكتور سمير جعجع، زعيم حزب «القوات اللبنانية» وحليف الحريري في 14 آذار بتبنيه ترشيح النائب ميشال عون زعيم «التيار الوطني الحر» وحليف فرنجية وحزب الله في 8 آذار.
اليوم، وقد أتت فرنجية رئاسة الجمهورية على طبق «مستقبلي» نسبة إلى تيار «المستقبل» لا يبدو الزعيم «الشمالي» مستعدًا للتنازل عنها، منطلقا من أنه لو كان لعون حظوظًا لكان في مقدمة منتخبيه، «لكن إذا ذهبت حظوظ عون فحقي أن أكون رئيسًا». ولهذا بدا فرنجية متمسكا جدا بترشحه إلى حد تحدي حلفائه في «الخط» الذي طالما نادى بأهميته، أي خط «المقاومة» ويعني به الحلف الإيراني مع النظام السوري و«حزب الله».وكان لافتا جدا قيامه في جلسة الحوار الأخيرة بالانتقال من مقعده على طاولة الحوار الرسمية في رئاسة مجلس النواب، من كرسي يضعه عادة بين رئيس كتلة نواب «حزب الله» محمد رعد ورئيس «التيار الوطني الحر» وزير الخارجية جبران باسيل (صهر عون)، إلى مقعد بجانب رئيس الحكومة السابق فؤاد السنيورة في دلالة سياسية واضحة، وخرج بعدها ليتحدى عون بأنه يمتلك 70 صوتا (في البرلمان) ولا يمكن أن يتنازل لمن يمتلك 40 صوتا، في إشارة إلى حليفه المفترض رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون.
النشأة
ولد سليمان طوني فرنجية في مدينة طرابلس حيث كان يسكن أهله شتاءً على غرار كثير من العائلات الزغرتاوية التي كانت تمضي الشتاء في المدينة الساحلية، والصيف في زغرتا وتوأمها بلدة إهدن الجبلية. وبالتالي، تلقى علومه في المدينة ذات الأكثرية الإسلامية. لكن اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية أجبر العائلة على ترك طرابلس، فأكمل المرحلتين التعليميتين التاليتين في «مدرسة فرير زغرتا» التي أنشئ لها فرع طارئ في زغرتا ليكمل أبناء القضاء دراستهم بعد مغادرتهم طرابلس. ولاحقا انتقل إلى بيروت حيث تعلّم في «مدرسة الأتينيه جونيه». وكان انتقاله إلى بيروت عاملا أساسيا في وجوده في الحياة السياسية اليوم، فوجوده في المدرسة الداخلية آنذاك نجّاه من موت شبه محتم فيما اصطلح على تسميته «مجزرة إهدن» التي اغتيل فيها والده النائب والوزير طوني فرنجيّة ووالدته فيرا وأخته ابنة الثلاث سنوات جيهان في قصر العائلة بمصيف إهدن على يد مجموعة من حزب الكتائب اللبنانية في عام 1978، يومذاك كانت المجموعة تضم سمير جعجع، الذي يقال إنه كان قد أصيب فعاد بسبب الإصابة إلى مقره ولم يشارك مع زملائه في العملية التي كانت تهدف إلى إطاحة البيت السياسي لآل فرنجية، على غرار عمليات أخرى أدت إلى تحجيم عائلات مسيحية أخرى لصالح شعار «وحدة البندقية المسيحية»، الذي رفعه الرئيس الراحل بشير الجميل آنذاك.
احتضن سليمان فرنجية الجد (رئيس الجمهورية السابق) حفيده «سليمان الصغير» ورباه تحت جناحه، مفضلا إياه على ابنه روبير الذي كان يقود العمل العسكري لـ«المردة». ومن ثم فرض عليه الجد ما يشبه «الإقامة الجبرية» فعاش تحت «الحماية المشددة» في زغرتا مدة 13 سنة خوفا عليه، فطارت أحلامه بالتخصص الجامعي في الميكانيكا أو الهندسة.
أما المراهق الشقي الذي عاش في كنف جده، فكان يهرب من المدرسة، مفضلا عليها نقاط مراكز شباب تيار «المردة»الذي كان أسسه والده عام 1969، ولاحقًا أسس «سليمان الصغير» عام 1987 - وهو في عمر 22 سنة - كتيبة من 3400 شخص، واتخذ له من قرية بنشعي مقرًا كما كانت مقرًا لوالده طوني فرنجيّة، وتسلّم فعليًا القيادة يوم 20 أغسطس (آب) 1990 من عمه روبير فيما يشبه الانقلاب العسكري، بمباركة تامة من الجد.
وبعد تسلمه للقيادة بدأ سليمان طوني فرنجية يعمل على تمتين العلاقة مع سوريا مكملاً علاقة الرئيسين سليمان فرنجيّة (الجد) وحافظ الأسد، وتربطه حاليًا علاقة شخصية قوية مع الرئيس السوري بشار الأسد. وهو قال في مقابلة صحافية: «إذا سألوني إذا كنت أحب أن أعيش في فرنسا أم في سوريا، طبعا سأقول فرنسا. ولكن بالنتيجة أنا أنتمي إلى الشرق، وإقناع المجتمع المسيحي بذلك أمر صعب، لأن هذا المجتمع يرى الشكل في كثير من الأماكن وينسى المضمون السياسي، والوجود العسكري للجيش السوري لم يساعدنا في إقناع الناس، لأنهم كانوا يرون الأخطاء فقط، والأخطاء دائما تطغى على الحسنات، وأتصوّر أن الوضع أصبح أفضل اليوم لأننا أصبحنا قادرين على إظهار الحسنات، والأخطاء لم تعد قادرة على أن تطغى على الحسنات».
آخر لقاءات فرنجية بالأسد، كان في النصف الأول من يناير (كانون الثاني) الماضي، كما ذكرت صحيفة «السفير» اللبنانية. وقالت «السفير» إن الأسد وفرنجية اللذين يتواصلان هاتفيًا بصورة مستمرة، قد ناقشا المبادرة الرئاسية والهواجس التي تحيط بها، والتفويض المطلق المعطى لحلفاء سوريا في لبنان باتخاذ القرار الذي ينسجم ومصلحتهم الوطنية. ولاحظت الصحيفة أن فرنجية عاد من زيارته السورية «مرتاحًا جدًا» لنتائج المباحثات والأجواء التي تخللت الزيارة، وهو لمس مجددًا مدى تقدير وثقة القيادة السورية بشخصه وخياراته السياسية، خصوصًا أنه أحد قلة قليلة من السياسيين اللبنانيين الذين وقفوا إلى جانب سوريا والمقاومة في أصعب الظروف.
لكن فرنجية عاد ليأخذ موقفا آخر، بعد أن ووجه برفض «حزب الله» لترشيحه، فقال في مقابلة تلفزيونية بعدها بأيام إن «الأسد صديق ونتبادل الآراء لكني لا أقبل بأن يؤثر النظام في سوريا على الوضع في لبنان»، ثم ما لبث أن نقل عنه قوله إنه لن يتراجع عن ترشيحه «حتى لو اتصل به الأسد ونصر الله»
بداية طريقه السياسي
عين فرنجية في عام 1991 نائبا في إطار اتفاق بين القوى السياسية لترميم البرلمان بعد اتفاق الطائف، وكان حينها أصغر نائب بالبرلمان. ومن ثم عين وزيرا للإسكان عام 1992، في الحكومة الأولى بعد الطائف، ليبقى ثابتا في كل الوزارات المتعاقبة حتى عام 2005، وكان وزيرا للداخلية في حكومة الرئيس عمر كرامي عندما خرج الجيش السوري من لبنان عام 2005 بعد اغتيال الرئيس الراحل رفيق الحريري. بعدها خرج من النيابة والوزارة بعد سقوطه في الانتخابات النيابية لدورتين، في أعقاب اعتماد المحافظة دائرة انتخابية، لكنه عاد ليفوز بعد العودة إلى اعتماد القضاء (الدائرة الأصغر) في عام 2009 ليتمظهر أكثر فأكثر دوره كزعيم مناطقي.
يعرف فرنجية، من أين تؤكل الكتف في السياسة. ولأنه يعرف حجمه بالسياسة، اختار أن ينحني للعواصف، بدلا من أن يواجهها، ويقدم حين يكون للإقدام فائدة. ففي عام 1989، وبعد إقرار الطائف، وافق على دعم ترشيح الرئيس رينيه معوض، الذي يعتبر من منافسيه السياسيين المحليين الكبار، ما شكل علامة فارقة في تاريخ العلاقات بين أهل السياسة في المنطقة الواحدة.
وبعد خروج سوريا عام 2005 انكفأ لبعض الوقت، ثم عاد ليلتحق بكتلة النائب ميشال عون النيابية عندما اقترب الأخير من النظام السوري وحلفائه في لبنان. ليؤكد أنه «حليف عون وفي تكتل واحد إلى جانبه، لأنه الأقوى على الساحة المسيحية ولأنه الأكبر سنا قبلنا بقيادته، ونحن بحاجة إلى تقويته على الصعيد الوطني، لذا أقول إنني لا أتقدم يوما عليه، وهو يتقدمنا جميعا».
ثم ما لبث أن اقترب من رئيس الحكومة سعد الحريري، عندما اقترب الأخير من سوريا في عام 2009، ويقال إنه لعب دورا في «التمهيد» لزيارة الحريري إلى دمشق. إلا أن فرنجية يرفض أن يصنف «وسيطا»، لأنه لا يعرف ولا يرغب في هذا الدور. وهو قال في أكثر من تصريح، إنه لا يدّعي أي علاقة مباشرة بلقاء الحريري والأسد، لكنه لم ينفِ قدرته على نقل الأجواء الطيبة والمساعدة مع جو التقارب السوري - السعودي، ليذكر أن الزيارة جاءت ثمرة تقاربات إقليمية، وهو يوافق على أن تنازله عن حقيبة وزارية سهّل إنجاز التشكيلة الحكومية، لكن ذلك لا يعني أنه كان «عرابا» ليصر على أنه لاعب أساسي.
التباين مع عون
في تلك اللحظة ظهر واضحًا التباين الأول بين فرنجية وعون، وتحديدا عندما انتقد عون علنا تنازله عن الحقيبة، اكتفى فرنجية بالصمت ومتابعة جهوده، وبعد فترة قال في مقابلة تلفزيونية إنه اختار التنازل لقدرته على ذلك، «وحتى لا يدفع الثمن حلفاء لنا داخل تكتل الإصلاح والتغيير»، ويشير إلى أنه «فاوض الحريري ليحصل عون على حقائبه الوزارية».
وإذ لم ينكر الخلاف مع عون شدد على أن ذلك لم يؤدِ لإلى القطيعة، ويوضح: «نحن الاثنين طباعنا حادة والجنرال كان يعتبر التنازل غير محق، أما أنا كنت أراه تسهيلا ومرّت غيمة ولكن هناك خط سياسي يجمعنا، وخطّي عمره 30 سنة قبل كل الناس»، ويضيف: «العلاقة عادت سليمة، تحدثنا وتصارحنا وكل الأمور عادت طبيعية، حدث فتور وانتهى».
إلا أن ذلك لا ينفي أنه بدأ يتوسع ليخرج من المنطقة والعشيرة إلى رحاب أوسع، لذا افتتح مكاتب لتيار المردة في جبيل وكسروان والمتن، مظهرا أنه يريد الخروج من الشمال باتجاه لبنان كله، لا سيما أن البعض يصف تياره بأنه تجمع صغير لآل فرنجية وليس حزبا له فكره وبنيته، وهو ما رأى فيه بعض خصومه محاولة من فرنجية لوراثة عون سياسيا في اللحظة المناسبة.
عائلته وحياته الخاصة
تزوج سليمان صغيرا، ففي عام 1983 تزوج من ماريان سركيس وكان وقتها بعمر 18 سنة، وكانت هي في السادسة عشرة من عمرها. وأنجبا: طوني (مواليد 1987) وباسل (مواليد 1992) تيمنا بباسل الأسد، نجل الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. لكن أموره تغيّرت فزواج الصغر لم يكتب له طول العمر، لينتهي على الورق بعد جفاف اعتراه. ثم تزوّج فرنجية الإعلامية ريما قرقفي عام 2003 بعد قصة حب شغلت الأوساط الاجتماعية والسياسية. فللعلم، لم يستطع فرنجية أن يحصل على الطلاق لعدم وجود ما يسمى طلاقا في الزواج الماروني الذي يعقد لمدى الحياة. ولم يستطع أيضا أن يحصل على إبطال للزواج من الكنيسة المارونية اللبنانية التي كان يتربّع على رأسها البطريرك نصر الله صفير الذي كان فرنجية على خصومة شديدة معه، فما كان منه إلا أن ذهب إلى الفاتيكان، وحصل من هناك على قرار بإبطال زواجه الأول باعتبار أن زوجته كانت قاصرا عند الزواج، فتزوج فرنجية مجددا، ورزق بفتاة سماها «فيرا».
العلاقة مع البطريركية
وخلافا للكثير من رجال السياسة في لبنان، لم يجد فرنجية نفسه يوما ملزما برضا البطريرك الماروني، فجماعته التي تؤيده إلى حد الشغف كانت مستعدة لمعاداة زعيمها الديني الأكبر من أجل زعيمها المناطقي. وفي لحظة خلاف مع البطريرك صفير، نال البطريرك من فرنجية نقدا جارحا ولاذعا أثار استنكار المسيحيين وآخرها وصفه بعض رجال الكهنوت بـ«المنغلقين على أنفسهم الذين يأكلهم الغبار والصدأ»، فتجمع الزغرتاويين حوله هاتفين له بلهجتهم المميزة «إنت البترك (البطريرك) يا سليمان». إلا أن هذا الأمر لم يقطع شعرة معاوية بين فرنجية وصفير، ولم يحُل دون محطات «وفاقية» ترجمت بزيارات متقطعة قام بها فرنجية إلى البطريركية المارونية.
يقول عنه المقربون منه إنه شخص عفوي لا يجيد التصنع والتكلف، ولا يحب السهرات الصاخبة، ويفضل سماع الموسيقى الكلاسيكية والطرب العربي. أصدقاؤه المقربون يختارهم بدقة، ويعيش بينهم، مكرسا الوقت الأكبر لعائلته، التي يكنّ لها عاطفة كبيرة، وغالبا ما يجهل كيف يعبر عنها، لا سيما عندما يتعلق الأمر بصغيرته فيرا، التي أعطاها اسم والدته.
قال في إحدى المقابلات التلفزيونية: «إن شعوره تجاهها (أي فيرا) يختلف عن شعوره تجاه طوني وباسل، لأن العاطفة بين الأب وابنته تكون دائما أقوى»، كما عرف عنه الجمهور ممارسته هوايات مترفة، كالصيد وقيادة الطائرات والتصوير والغطس والاهتمام بالبيئة وتكريسه وقتا لمحمية بنشعي التي يجلب إليها حيوانات من رحلات الصيد.



أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

أصداء آسيوية متفاوتة لعملية فنزويلا الأميركية

صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)
صولرة ارشيفية للقاء بين مادورو والرئيس الصيني شي جينبينغ (رويترز)

تعد العملية الدراماتيكية التي نفّذتها الولايات المتحدة لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وزوجته سيليا فلوريس، وإزاحتهما من السلطة على يد قوات عسكرية أميركية خاصة، واحدة من أهم الأحداث الجيوسياسية في حقبة ما بعد «الحرب الباردة». ومع أن «مسرح» العملية كان في أميركا اللاتينية، فإن تداعياتها تمتد إلى ما هو أبعد من المنطقة. أيضاً يشير الواقع إلى أن الهدف من العملية لم يكن مجرد إسقاط نظام مادورو، بل أيضاً العرض المتعمد للقوة الأميركية، من أجل تعطيل الشبكات الاستراتيجية لأبرز منافسي واشنطن على الساحة العالمية.

يرى مراقبون استراتيجيون أن الولايات المتحدة، عبر عملية اختطاف نيكولاس مادورو واعتقاله، لم تكتفِ بتحييد نظام معادٍ، بل أظهرت كذلك قدرتها على اختراق قيادة حاكمة، وإسقاطها من السلطة، داخل دولة لطالما حظيت بحماية دبلوماسية واقتصادية وعسكرية من منافسي واشنطن الكبار. وبذا، لم تتحدَّ واشنطن حكومة مادورو فحسب، بل تحدّت أيضاً الفرضيات التي يقوم عليها التخطيط الاستراتيجي الصيني والروسي والكوري الشمالي.

في هذا السياق، يعرب المحلل الجيوسياسي الهندي مانيش تشيبر عن اعتقاده بأن العملية الأميركية «ما كانت تهدف إلى تغيير النظام في كاراكاس، بقدر ما كانت تهدف إلى إعادة تأكيد الهيمنة الأميركية... وعموماً سعت العملية إلى تعطيل قدرة الدول المنافسة على بسط نفوذها وتعزيز التسلسل الهرمي في النظام الدولي. وجاءت الرسالة واضحة لا لبس فيها: التحالف مع خصوم الولايات المتحدة لا يضمن الحماية». ويضيف تشيبر: «من وجهة نظر واشنطن، مثّلت فنزويلا نقطة ضغط مثالية؛ إذ كانت متجذّرة بعمق في البنية الاستراتيجية لكل من الصين وروسيا، وتعتمد بشدة على دعمهما الاقتصادي والعسكري، ناهيك من أنها تقع جغرافياً في منطقة تُعتبر تاريخياً حيوية للأمن الوطني الأميركي. وبالتالي، فالضربة في فنزويلا مكّنت واشنطن في آن معاً من تعطيل شبكات منافسة متعددة». وحقاً، كان كل من الصين وروسيا قد استثمرتا بكثافة في فنزويلا ضمن مساعيهما لتحدي النفوذ الأميركي في ما تعتبره واشنطن منذ فترة طويلة «فناءها الخلفي» الاستراتيجي.

انتكاسة استراتيجية لبكين

بالنسبة للصين، يأتي إسقاط مادورو بمثابة ضربة قاسية. إذ إن فنزويلا لم تكُن مجرد شريك آخر في جهود بكين المتنامية للانخراط داخل دول «الجنوب»، بل كانت محوراً استراتيجياً لها في أميركا اللاتينية، واختباراً حاسماً لقدرتها على حماية مصالحها وتحدّي هيمنة واشنطن خارج شرق آسيا.

وحقاً، طيلة عقدين، رسّخت بكين مكانتها كشريك لا غنى عنه لفنزويلا - بلداً وسلطةً - بفضل القروض المدعومة بالنفط، والتعاون في مجال الطاقة، وتمويل البنية التحتية، والدعم الدبلوماسي. وكثيراً ما وصف المحلّلون الصينيون هذه الشراكة بأنها تقوم على «المنفعة المتبادلة»، إذ تلقت كاراكاس دعماً مالياً ودعماً سياسياً. وفي المقابل، أمّنت بكين إمدادات الطاقة ونفوذاً إقليمياً.

أيضاً، برزت الصين كأكبر مستورد للنفط الخام الفنزويلي، وتكشف الأرقام أنها استوردت ما يقارب 400 ألف برميل يومياً عام 2025، أي أكثر من نصف إجمالي صادرات فنزويلا. وكانت هذه التدفّقات النفطية «شريان حياة» لحكومة مادورو، إذ حافظت على إيرادات الدولة تحت وطأة عقوبات وانهيار اقتصادي واضطرابات داخلية مستمرة.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن فنزويلا تهدّدت بأزمات مالية هائلة. ومنذ مطلع العقد الأول من الألفية الثانية، قدّمت لها بكين قروضاً تجاوزت قيمتها 100 مليار دولار، أي ما يقارب 39 في المائة من إجمالي القروض الصينية المقدمة لمجمل دول أميركا اللاتينية. ومع أنها سددت جزءاً من هذه الديون، لا تزال فنزويلا مدينة للصين بما يُقدّر بما بين 10 و12 مليار دولار، معظمها مُرتبط بترتيبات تتعلق بالسلع الأساسية. وبجانب النفط، استثمرت الشركات الصينية بكثافة في التعدين، (بالذات) الذهب والاتصالات والبنية التحتية.

نقاط الضعف الصينية

بالتوازي، وبينما ركّزت التحركات الأميركية الأخيرة في فنزويلا علناً على النفط والنفوذ السياسي، يرى محللون أن «تقييد» المصالح الصينية شكّل هدفاً رئيسياً. إذ لطالما كانت الصين مشترياً أساسياً للنفط الخام الفنزويلي، واستثمرت بكثافة عبر صفقات «قروض مقابل النفط»، التي ربطت التمويل بضمانات إمدادات النفط. ويُبرز تعطيل هذا الترتيب هشاشة أصول الطاقة الصينية في الخارج، ولا سيما المناطق الهشّة سياسياً، وتلك التي تقع خارج نطاق سيطرتها العسكرية. وربما يدفع هذا الانكشاف بكين إلى إعادة تقييم استثماراتها في أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا الوسطى.

الواقع أن فنزويلا تمثّل معضلة في الاستراتيجية الصينية تجاه الموارد الخارجية. فغالباً ما يؤدي تأمين أصول الطاقة والمعادن البعيدة من دون التزامات أمنية مقابلة إلى انكشافها، بدلاً من تعزيز قدرتها على الصمود. وقد تتحوّل الأصول التي كانت تُعدّ في السابق حواجز استراتيجية إلى أعباء في المناطق المتنازع عليها، خاصةً في ظل اشتداد المنافسة الجيوسياسية وقدرة الخصوم على إعادة رسم النتائج بالقوة أو الدبلوماسية.

الثروات الأرضية النادرة

وهنا يتناقض ضعف الصين بشكل حادّ مع موقعها في مجال الثروات الأرضية النادرة والمعادن الحيوية. ولقد وصف مسؤولون ومحللون أميركيون المتطلبات الصينية المتعلقة بتراخيص التصدير التي أقرّت أواخر عام 2025 بأنها محاولات «لاستغلال» قدرتها التصنيعية شبه المهيمنة، خاصة في مجال المعادن النادرة المتوسطة والثقيلة التي تتسم بأهمية بالغة لأنظمة الدفاع والإلكترونيات المتقدمة والمركبات الكهربائية وتقنيات الطاقة المتجددة. وجاءت هذه الإجراءات عقب فرض واشنطن قيوداً على أشباه الموصلات وغيرها من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج للشركات الصينية. ومع أن بكين حافظت لاحقاً على الصادرات بموجب ترتيبات محدودة ومؤقتة، عزّزت هذه العملية المخاوف من جاهزيتها لتحويل هيمنتها التصنيعية إلى نفوذ جيوسياسي.

في هذا الإطار، يرى المحلل الهندي راجا موهان أن الضغط الأميركي على فنزويلا «قد يُستخدم كورقة ضغط مضادة غير مباشرة في مواجهة السيطرة الصينية على المعادن النادرة وغيرها من المواد الاستراتيجية». وعبر تهديد مصدر طاقة رئيس واحتياطيات معدنية محتملة، «تضغط واشنطن على بكين في مجالات استراتيجية متعدّدة»... وبالتالي، يمكن اعتبار تشديد بكين اللاحق على «ضوابط» تصدير المعادن النادرة خطوة دفاعية أو انتقامية في خضم صراع جيوسياسي متصاعد، لا مجرّد إجراء اقتصادي معزول.

من جهة ثانية، لا تقتصر الأهمية الاستراتيجية لفنزويلا على النفط وحده، إذ تختزن أرضها أيضاً احتياطيات غير مستغلة من المعادن النادرة البالغة الأهمية للتخطيط الصناعي والتكنولوجي والدفاعي الطويل الأجل. وفي هذا الإطار، رأى المحلل الهندي سوشانت سارين أن قضية المعادن النادرة «تُسلط الضوء على حدود جهود الإكراه الاقتصادي من دون وجود نفوذ أمني مُكمّل. فالهيمنة على سلاسل التوريد قد تُوفر قوة تفاوضية قصيرة الأجل، لكنها لا تستطيع منع الخصوم من إعادة تشكيل المشهد الاستراتيجي بالوسائل السياسية أو العسكرية». وهكذا، تحمل فنزويلا درساً مهماً لبكين: فالسيطرة على نقاط الاختناق في عمليات المعالجة لا تعني بالضرورة السيطرة على نتائجها داخل المساحات الجيوسياسية، التي تحركها الأزمات.

انكشاف فجوة الصدقية

وللعلم، في أعقاب العملية مباشرة، أصدرت بكين إدانة دبلوماسية شديدة اللهجة، متهمة واشنطن بانتهاك القانون الدولي وتهديد الاستقرار الإقليمي. واستنكر المسؤولون الصينيون ما وصفوه بـ«السلوك الساعي لفرض الهيمنة»، وحذّروا من الإجراءات أحادية الجانب. لكن، بخلاف الخطابات والتصريحات، لم تُقدّم القيادة الصينية أي ردّ ملموس. إذ لم تكن هناك أي إشارة عسكرية، ولا أي نشر وقائي، ولا أي إجراء مضاد لحماية مصالحها أو أفرادها على الأرض. وأكثر من هذا، تشير تقارير إلى أن الاستخبارات الصينية بوغتت بالعملية الأميركية، في حين أثبتت أنظمة الدفاع الجوي الصينية في فنزويلا انعدام فاعليتها خلال العملية.

بخلاف التداعيات الدبلوماسية المباشرة، قد تجبر الأزمة الفنزويلية بكين على مواجهة تناقضات هيكلية أعمق في استراتيجيتها العالمية؛ فقد بنت الصين نفوذها الخارجي أصلاً على المهارة الاقتصادية للدولة كالقروض، والبنية التحتية، وشراكات الطاقة، والإحجام عن فرض شروط سياسية. لكن أزمة فنزويلا الأخيرة كشفت أن العمق الاقتصادي لا يُترجم تلقائياً إلى قدرة على الصمود في وجه الأزمات. وهنا يحلّل راجا موهان المسألة على النحو الآتي: «تكشف هذه الحادثة عن فجوة في مصداقية الاستراتيجية الصينية العالمية. إذ بمقدور بكين تقديم الاستثمار والتجارة والدعم السياسي، لكنها عاجزة حتى الآن عن تقديم ضمانات أمنية قاطعة بمواجهة قوة أحادية حاسمة».

ويتابع المحلل الهندي: «بما يخص حكومات أميركا اللاتينية، تثير التداعيات القلق، فالتقارب مع الصين يُحقق فوائد اقتصادية، لكنه لا يُترجم بالضرورة إلى حماية عند مواجهة ضغوط واشنطن. بل قد يتبع ذلك إعادة تقييم هادئة للتوجّه نحو واشنطن للحصول على ضمانات أمنية... ما يُبطئ وتيرة التوسع الصيني إقليمياً».

أما المحلل الاستراتيجي الهندي أماليندو ميسرا، فيوضح: «إن أمام صانعي السياسة الصينيين الآن مراجعة صعبة. فحماية الاستثمارات الخارجية بالوسائل العسكرية تتطلب تمركزاً متقدماً، واختراقاً استخباراتياً، وتأهباً للتصعيد... وهذه خطوات تتناقض في مجملها مع تركيز بكين المُستمر على تجنّب التدخل. ومع ذلك، فإن استمرار ضبط النفس يُهدد بمزيد من تآكل المصداقية بين الدول الشريكة».

هذه الفجوة في الصدقية لا تنطبق على فنزويلا وحدها، بل يتردد صداها في جميع أنحاء منطقة «مبادرة الحزام والطريق» الصينية الأوسع، حيث يجري عدد من الدول المستفيدة من «المبادرة» تقييماً هادئاً لمدى ضمان الشراكات الاقتصادية مع الصين، أي حماية أمنية فعّالة خلال فترات الأزمات الحادة. وعليه، فمثال انعدام الحماية الصينية في فنزويلا قد يؤثر على المفاوضات المستقبلية، وتقييمات المخاطر، والتوقعات السياسية في مناطق بعيدة عن أميركا اللاتينية.

هل تُشكّل فنزويلا نموذجاً لتايوان؟

على صعيد آخر، بين القراءات الأكثر جدية لعواقب العملية الأميركية القراءة الخاصة بمصير تايوان. فهل تعتبر بكين العملية نموذجاً لمعاملة تايوان؟

ظاهرياً، استغلّ المسؤولون الصينيون العملية للتشكيك في صدقية الولايات المتحدة حيال الالتزام بمبادئ السيادة والقانون الدولي. لكن ثمة محللين عقدوا مقارنات مباشرة بين فنزويلا وتايوان. وكمثال، وصف ستيف تسانغ، مدير معهد الدراسات الصينية في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية (سواس) بجامعة لندن، هذا بأنه «فخّ نفاق» يسمح لبكين بالزعم أن المعايير الدولية تُطبّق بشكل انتقائي، وبالتالي فهي قابلة للتفاوض.

وفي المقابل، يرفض آخرون فكرة أن فنزويلا تُقدّم نموذجاً تكتيكياً لتايوان. ووفق واي كيه سينها، السفير الهندي السابق لدى فنزويلا: «ثمة فوارق واضحة... فنزويلا تفتقر إلى حلفاء موثوقين مستعدين للقتال، ولم تكن لديها ضمانات أمنية مُلزمة، كما كانت قدراتها الردعية ضئيلة. أما تايوان فتشكل النقيض تماماً، إذ تتميّز بدعم أميركي عميق، وتكامل عسكري كثيف، ومخاطر تصعيد عالية للغاية، الأمر الذي تدركه بكين بوضوح».

ولكن رغم استبعاد أن تُشكّل فنزويلا نموذجاً عسكرياً لتايوان، فإنها تُزوّد بكين بذخيرة خطابية في بحر الصين الجنوبي. وعبر تسليط الضوء على الأحادية الأميركية، تستطيع بكين أن تُجادل بأن الأعراف السائدة تتبع القوة، بدلاً من أن تُقيّدها. ويدعم هذا التأطير ادعاء بكين القديم بأن أفعالها في المياه المتنازع عليها لا تختلف عن التدخلات الأميركية في أماكن أخرى.

كوريا الشمالية...وتعزيز خطاب الردع

في اتجاه آخر، إلى جانب الصين، وجّهت عملية فنزويلا رسالة ردع إلى كوريا الشمالية. وجاء ردّ فعل قيادتها أقوى وأكثر حدة من كثير من الردود الدولية الأخرى. وبعكس بعض حلفاء واشنطن، الذين أعربوا عن قلقهم، لكنهم لم يصلوا إلى حد الإدانة الصريحة، كان ردّ بيونغ يانغ قاسياً وذا طابع آيديولوجي، متسقاً مع معارضتها التاريخية للعمليات العسكرية الأميركية.

إذ أدانت وزارة خارجية بيونغ يانغ، عبر وكالة الأنباء المركزية الكورية الرسمية، العملية، ووصفتها بأنها «أخطر شكل من أشكال التعدي على السيادة»، واصفةً الولايات المتحدة بأنها «مارقة ووحشية». وأعقب هذه الإدانة إطلاق صواريخ باليستية - الأولى منذ عدة أسابيع – ما فُسِّر على نطاق واسع بأنه إشارة متعمدة.

ومن ثم، يرى محللون أن العملية الفنزويلية تعزز الاعتقاد الاستراتيجي الأساسي لدى كوريا الشمالية بأن الأسلحة النووية لا تزال الضمانة النهائية لبقاء النظام. ووفق المحلل الهندي سوشانت سارين: «فيما يخص يونغ يانغ، تُعزز فنزويلا قناعة راسخة مفادها أن الأنظمة التي تفتقر إلى رادع موثوق، تظل عرضة للخطر بغضّ النظر عن التحالفات الدبلوماسية. وتُعزز هذه الحادثة مبررات كوريا الشمالية للاحتفاظ بترسانتها النووية وتوسيعها، وتُصعّد مقاومتها لنزع السلاح النووي، وتُرسّخ فكرة أن القوة العسكرية الضمانة الوحيدة ضد التدخل الخارجي».

نمط استراتيجي أوسع

في نهاية المطاف، تُبرز عملية فنزويلا سمة أساسية للجغرافيا السياسية المعاصرة: أن القوة تُمارس بشكل متزايد من خلال السرعة والدقة والتأثير النفسي، بدلاً من المواجهة المطولة. وفي ما يخص الصين وكوريا الشمالية، بل روسيا أيضاً، تُذكّر هذه الحادثة بأن النفوذ دون حماية قابلة للتنفيذ يبقى مشروطاً. وفي نظام تكون فيه مصداقية الردع أهم من التحالفات القائمة على التصريحات والبيانات، من المرجح أن يشكل التوازن بين النطاق الاقتصادي والقدرة الأمنية النتائج الاستراتيجية في السنوات المقبلة.


مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
TT

مامادي دومبويا... «عسكري استثنائي» و«قيادي أمني» يتولَّى الرئاسة في غينيا

سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع
سبق لدومبويا أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع

في قلب غرب أفريقيا، تبرز قصة الرئيس الغيني مامادي دومبويا، كواحدة من أكثر التحولات السياسية دراماتيكية، المشحونة بالتناقضات خلال العقد الأخير. إذ نجح العسكري الذي أمضى معظم حياته برتبة عريف أوَّل في الجيش الفرنسي، خلال 4 سنوات فقط في التدرّج من قائد انقلاب عسكري إلى رئيس منتخب أخيراً، في مشهد يعكس تعقيدات السلطة والسياسة في «القارة السمراء». ما يجعل رحلة دومبويا أكثر إثارة للجدل هو التناقض العميق في شخصيته وسياساته، فهو يحكم بلداً غنياً بالثروات المعدنية، لكن البلاد تعاني تحت وطأة الفقر. ثم إن دومبويا، الذي تلقى إعداداً عسكرياً مبكّراً في إسرائيل، يقف في قلب مفارقة تاريخية وسياسية، فقيادته جاءت في بلد عرف بدعمه لحركات التحرّر الوطني الأفريقي وبتوتراته مع إسرائيل، لكنه اليوم يسعى لإعادة تشكيل الدولة وفق رؤيته الخاصة.

مامادي دومبويا، البالغ من العمر 42 سنة، لم يتردّد في استخدام سرعته العسكرية لتحقيق السلطة، لكنه لم يكتفِ بذلك، بل مضى نحو كسب شرعية انتخابية لإعادة إنتاج قيادته وإضفاء طابع قانوني على حكمه، في قارة شهدت عشر انقلابات خلال 5 سنوات.

تحيط أستار السرّية بنشأة دومبويا، المولود يوم 5 ديسمبر (كانون الأول) 1984 في مدينة كانكان بشرق غينيا، لكن المعروف أنه ينتمي إلى شعب «المالينكي»، وهو مجتمع تاريخياً محافظ، وقيادي، ومتماسك اجتماعياً، له تأثير سياسي واضح، ما يفسّر حضور شخصيات مثل دومبويا في المشهد العسكري والسياسي لغينيا وأفريقيا الغربية.

زوجة فرنسية

هذا الانتماء العرقي الأصيل لم يمنع دومبويا من الزواج من سيدة فرنسية بيضاء، اسمها لوريان داربو، وسط شحِ في المعلومات عن «سيدة غينيا الأولى» المرتقبة. ومن ناحية ثانية، يُنظر إلى الرئيس الغيني كقائد عسكري استثنائي، تميَّز عن نظرائه من قادة الانقلابات في القارة الأفريقية، إذ جمع بين التدريب التكتيكي التقليدي والخبرة في الأمن السيبراني والإدارة الاستراتيجية. ولقد صُقلت هذه المهارات عبر مسار مهني طويل، تميّز بالتدريب الدولي والعمل الميداني في عدة دول، أبرزها فرنسا حيث أمضى 15 سنة ضمن صفوف الجيش و«الفيلق الأجنبي» الفرنسي، مكتسباً خبرة لا تقتصر على التكتيكات العسكرية التقليدية فحسب، بل شملت أيضاً مهارات القيادة في بيئات معقّدة ومتعدِّدة الأبعاد.

خلال مسيرته، شارك دومبويا في عدة مهام عملياتية في مناطق النزاعات حول العالم، من أفغانستان وكوت ديفوار إلى جيبوتي وجمهورية أفريقيا الوسطى، كما تولّى حماية شخصيات دولية في إسرائيل وقبرص وبريطانيا وغينيا، وفق تقارير «إنتليجنس أونلاين». كلّ هذه التجارب أكسبته رؤية شاملة لمفاهيم الأمن وإدارة الأزمات، جعلته قادراً على التحرّك بسرعة وكفاءة في مواجهة التحدّيات السياسية والعسكرية على حد سواء.

وبدت مفارقة الأقدار متجسّدة بوضوح في المسار الذي أوصل دومبويا إلى قمة السلطة، بتناغم لافت مع مقولة الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه «مَن يرفعكَ إلى القمة قد يكون أول مَن يدفعك منها». إذ في عام 2018، لم يكُن الرئيس السابق ألفا كوندي يتوقّع أن قراره بتكليف دومبويا بقيادة مجموعة «القوات الخاصة» النخبوية (GFS) سيؤسس، بعد ثلاث سنوات فقط، لانقلاب عسكري أطاح به في سبتمبر (أيلول) 2021 على يد «الوحدة» ذاتها التي أوكل إليها حمايته وترسيخ نفوذه.

نموذج معقّد للقادة الانتقاليين

بعد هذا الانقلاب، الذي لحق بموجة انقلابات اجتاحت «القارة السمراء» منذ مطلع هذا العقد، جسَّد مامادي دومبويا نموذجاً معقداً لقائد انتقالي يجمع بين خطاب الاستقرار والتنمية وطموح تثبيت السلطة، في ظل مسار سياسي يثير جدلاً واسعاً حول الالتزام بالديمقراطية والحرّيات.

ذلك أنه بينما قدّم نفسه منقذاً للدولة من «حكم الفرد» التسلّطي في أول ظهور تليفزيوني له عقب الانقلاب، تلازمت سلطته مع تضييق غير مسبوق على المعارضة، شمل حلّ عشرات الأحزاب وإقصاء المنافسين المحتملين، ما أفرغ الانتخابات الرئاسية من مضمون التعدّدية.

وفي الاتجاه نفسه، حمل تحوّل الرجل من «قائد انقلاب» إلى «رئيس منتخب» تناقضات صارخة، أبرزها تراجعه عن تعهدات سابقة بالامتناع عن الترشح، عقب تعديل دستوري أزال القيود المفروضة على أعضاء المجلس العسكري. وفي مقابل خطابه الذي بشّر بإنهاء الحكم الفردي، تتهمه تقارير دولية ومحلية اليوم بتقييد الحرّيات وقمع الاحتجاجات وتهميش الخصوم السياسيين.

وحقاً، بين تثبيت الشرعية والتضييق على المعارضين داخلياً، يخضع مسار مامادي دومبويا لاختبار دقيق بين السلطة والحقوق. ففوزه الرئاسي بنسبة 86.72 في المائة بيَّن دعماً شعبياً شكلياً، خاصة بين الشباب والعمال، وهو ما كشفته شهادات بثتها وكالات أنباء عالمية. وفي المقابل، حاول ترسيخ صورة انتقاله من قائد عسكري إلى صاحب شرعية انتخابية مدنية وسياسية جديدة كاملة، بكلامه عن «غينيا للجميع».

من جهة أخرى، ركَّز دومبويا اقتصادياً، على قطاع التعدين ومشروع «سيماندو» للحديد، الذي تملك الصين 75 في المائة منه، مع استثمارات البوكسيت والبنية التحتية. وهنا نشير إلى أنه، على الرغم من برامج تدريب الشباب الرقمية، يواجه نصف سكان غينيا فقراً، وأمناً غذائياً هشّاً، وسط انتقادات ترى الإصلاحات تكريساً للسلطة واستمرار التحديات الاجتماعية الكبرى.

اختبار السياسة... إقليمياً ودولياً

على الصعيد السياسي، يأتي الاختبار التقليدي لمسار دومبويا على المستوى القاري الأفريقي، ضمن موجة الانقلابات التي وقعت منذ عام 2020 في غرب أفريقيا والساحل. وهذه الانقلابات تجسّد توتر علاقة الجيوش بالسلطة المدنية، مع سعي قادتها «إنتاج» شرعيتهم انتخابياً. وكما هو معروف، تشهد أفريقيا جنوبي الصحراء عدة حالات لقادة عسكريين شرعنوا بقاءهم حتى 2029 تقريباً، مع إمكانية إجراء انتخابات فقط إذا تحسّنت الظروف الأمنية.

أما لجهة السياسة الدولية العليا، فلم توضع علاقات دومبويا مع واشنطن على محك التجربة بعد بشكل مباشر ومعلن. إلا أن فوزه حظي بلهجة معتدلة من جانب واشنطن، عبر سفارتها، التي أعربت عن دعمها الرسمي للرئيس المنتخب، مع التركيز على العلاقات الاقتصادية والاستقرار. واللافت أن الصين، الشريك الاقتصادي الرئيسي لدومبويا، لم تكن بمنأى عن المشهد، إذ سارع رئيسها شي جينبينغ برسالة تهنئة، مشدّداً على تطوير الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين.

دور إسرائيل الموعود... والمتعاظم مستقبلاً

ولكن بجانب هذه المفارقة، ثمة مفارقة مهمة أخرى لا تبدو اليوم لافتة بقدر ما هي دالة تاريخياً. ففي بلدٍ، كغينيا ارتبط اسمه طويلاً بموقف عدائي صريح من إسرائيل إبان عهد زعيمه الاستقلالي التاريخي أحمد سيكوتوري، تبدو الأمور إلى تغيّر جذري.

سيكوتوري كان قد قطع العلاقات مع الدولة العبرية تضامناً مع الدول العربية عقب نكسة الخامس من يونيو (حزيران) 1967، إلا أن المشهد السياسي الراهن يسير في مسار مغاير تماماً، ولعل الترحيب الأميركي بانتخاب دومبويا ينمّ عن التغيّر المرجح. ذلك أنه سبق لدومبويا، أن تلقّى في إسرائيل دورات تدريبية متخصّصة في مجالي الأمن السيبراني وإدارة الدفاع، بعدما أوفدته فرنسا ضمن برامج ذات طابع أمني، فيما يوحي بوجود تحوّل عميق في بوصلة العلاقات الخارجية لكوناكري.

أيضاً، إبان عهد دومبويا، أبدت إسرائيل اهتماماً خاصاً بتعزيز حضورها في قطاع الأمن السيبراني الغيني، وفق ما أورده موقع «إنتليجنس أونلاين» الاستخباراتي، وهذه خطوة تعكس استمرارية العلاقات الدبلوماسية التي أُعيد إحياؤها عام 2016 بعد قطيعة دامت قرابة خمسة عقود. وكذلك يشير هذا التطور إلى فتح صفحة جديدة من التعاون تتجاوز الطابع الدبلوماسي التقليدي إلى شراكات أمنية وتقنية أكثر عمقاً. ويرى خبراء أن هذا المسار مرشّح لمزيد من التوسّع.

تطبيع واستخبارات

وفي تقدير للدكتور يسري العزباوي، الباحث السياسي في «مركز تريندز للبحوث والاستشارات» في أبوظبي، فإن دومبويا، سواءً استمر في السلطة أو خلفه غيره، «سيمضي بخطوات أوسع على طريق التطبيع مع إسرائيل، لا سيما في مجالي التعاون العسكري والتسليح». ويضيف العزباوي أن مجموعة كبيرة من الدول الأفريقية التي تشهد انقلابات عسكرية تبقى عملياً رهينة للرضى الأميركي، مذكّراً بأن «المدخل إلى هذا الرضى يمر غالباً عبر إسرائيل».

ويستند العزباوي في تحليله، إلى ما يصفه بـ«التوغّل الإسرائيلي المتنامي في أفريقيا طيلة السنوات الأخيرة، في مقابل غياب تنسيق عربي فاعل». ويلفت في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن السلاح الإسرائيلي لم يعُد حاضراً في دول أفريقيا جنوبي الصحراء ووسطها فحسب، بل امتد أيضاً إلى شمال القارة.

ووفق العزباوي، يكتسب هذا التوجّه زخماً إضافياً، من «التأييد الكامل الذي وفّرته إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب لإسرائيل»، ما يمنحها هامش حركة أوسع في الساحة الأفريقية.وإجمالاً، فإن نجاح دومبويا في الانتقال من قائد انقلاب إلى رئيس منتخب يمثل اختباراً نادراً في أفريقيا، حيث لا تتيح الانقلابات العسكرية عادةً فرصة للتحوّل إلى قيادة مدنية شرعية، بما يفتح باب التساؤل... هل تكون تناقضات دومبويا هي «كلمة السرّ» التي ستجعله استثناءً في «القارة السمراء»؟


في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
TT

في غينيا ثروات هائلة يلاحقها شبح الانقلابات

 FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo
FILE PHOTO: Mining vehicles operate at the blocks three and four of the Simandou mine, one of the largest high-grade iron ore deposits, run by Rio Tinto and partners' joint venture, SimFer, in the Nzerekore Region, Guinea November 4, 2025. REUTERS/Luc Gnago//File Photo

تقف غينيا، الواقعة في قلب غرب أفريقيا، عند مفترق طرق اقتصادي وسياسي حاسم وبالغ الحساسية. فالبلد الذي يزخر بواحدة من أغنى الثروات الطبيعية في القارة، يجد نفسه أمام تحدٍ مزدوج يتمثل في تحويل هذه الموارد الهائلة إلى نمو اقتصادي شامل ومستدام، بالتوازي مع مساعٍ لتحقيق استقرار سياسي بعد عقود من الاضطرابات والانقلابات العسكرية التي ألقت بظلالها الثقيلة على مسار التنمية.

منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1958، شهدت غينيا ثلاثة انقلابات عسكرية بارزة أعوام 1984 و2008 و2021، أطاحت برؤساء مدنيين أو عسكريين، ورسّخت صورة بلد يعاني من هشاشة سياسية مزمنة.

هذا الإرث الانقلابي أسهم في إضعاف ثقة المستثمرين، وعرقل في فترات كثيرة الاستفادة الكاملة من الثروات الطبيعية، وبالتالي الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي تمتلكها غينيا.

وأيضاً رغم هذا السياق السياسي المعقَّد، شهد الاقتصاد الغيني خلال السنوات الأخيرة نمواً ملحوظاً، مدفوعاً أساساً بقطاع التعدين. إذ أعادت الطفرة في صادرات المعادن غينيا إلى واجهة الاهتمام الدولي، لا سيما مع امتلاكها أكثر من 25 في المائة من احتياطيات البوكسيت العالمية، ما يجعل منها واحدة من أكبر مصدّري هذه المادة الخام الأساسية لصناعة الألمنيوم. وبالإضافة إلى البوكسيت، تزخر البلاد باحتياطيات معتبرة من الذهب والألماس ومعادن أخرى، ما يمنحها موقعاً استراتيجياً في خريطة الموارد الطبيعية الأفريقية.

في نهاية عام 2025، خطت الحكومة الغينية خطوة وُصفت بالتاريخية عبر تدشينها استغلال منجم سيماندو العملاق للحديد في جنوب البلاد، وهو أحد أكبر مكامن الحديد غير المستغلة في العالم. ولقد رُوّج للمشروع رسمياً بأنه «حلم أجيال»، نظراً لما يُنتظر أن يوفره من عائدات مالية وفرص عمل، إضافة إلى دوره في تعزيز البنية التحتية عبر إنشاء خطوط سكك حديدية وموانئ مرتبطة به. بيد أن المشروع، على ضخامته، يضع غينيا قبالة تحديات كبيرة تتعلق بالحوكمة والشفافية، بالذات في قطاع التعدين الذي لطالما كان بؤرة نزاعات سياسية وقانونية.

بيانات البنك الدولي تفيد بأن الناتج المحلي الإجمالي لغينيا سجل نمواً ثابتاً في السنوات الأخيرة، مستفيداً من توسع أنشطة التعدين وارتفاع الإنتاج الزراعي. ومع هذا، لا يزال الاقتصاد الغيني يعاني من اختلالات هيكلية، في مقدمتها الاعتماد المُفرط على الموارد الطبيعية وضعف تنويع القطاعات الاقتصادية، إلى جانب محدودية الإيرادات الضريبية، ما يقيّد قدرة الدولة على تمويل الخدمات الاجتماعية الأساسية.

من ناحية أخرى، تظل الزراعة، التي تشغّل أكثر من نصف القوى العاملة، قطاعاً حيوياً، لكنه يعاني من ضعف الإنتاجية واعتماد أساليب تقليدية، الأمر الذي يقلص مساهمته في الصادرات والنمو الاقتصادي. ويرى خبراء أن تحديث هذا القطاع يمكن أن يشكل رافعة حقيقية للتنمية، خصوصاً في المناطق الريفية الأكثر فقراً.

إلى جانب التعدين والزراعة، تمتلك غينيا إمكانات هيدروليكية كبيرة تؤهلها لأن تغدو مصدراً رئيساً للطاقة في غرب أفريقيا. وراهناً تسعى السلطات إلى استثمار هذه الموارد عبر مشاريع لتوسيع إنتاج الكهرباء، وتحديث الموانئ، وتطوير شبكات السكك الحديدية، من بينها خط سيماندو – موريبايا الذي يمتد لأكثر من 650 كيلومتراً، بما يعزّز ربط البلاد بالأسواق العالمية ويسهل حركة التجارة.

ولكن، رغم هذه الآفاق الواعدة، تبقى التحديات الاجتماعية والاقتصادية حاضرة بقوة. فالفقر ما زال واسع الانتشار، وإمكانات الدولة المالية محدودة، في حين يواصل ضعف الشفافية في قطاع التعدين إثارة مخاوف المستثمرين الدوليين. وبالطبع يبقى الاستقرار السياسي عاملاً حاسماً وضرورياً في مستقبل البلاد، في ظل تاريخ طويل من الانقلابات والحكم المدني المتعثر.

وبالتالي، يرجّح مراقبون أن نجاح غينيا في تحويل ثرواتها الطبيعية إلى تنمية حقيقية يتوقف على تنفيذ تغييرات بنيوية عميقة، تشمل تعزيز الإدارة المالية والاستثمار في رأس المال البشري وتنويع الاقتصاد بدلاً من الاعتماد الأحادي على التعدين، وقبل كل ذلك بيئة سياسية دون انقلابات عسكرية أو توترات سياسية.