أذرع إيران في باكستان

إيران تغذي التطرف بإنشاء مئات المعاهد الدينية والمراكز الثقافية.. مسنودة بشبكة إعلامية

أذرع إيران في باكستان
TT

أذرع إيران في باكستان

أذرع إيران في باكستان

لم يكن الوضع في باكستان قبل ثورة الخميني عام 1979 يفرق فيه الناس كثيرا بين الشيعة والسنة. وكانت زيجات كثيرة تقع بين الجانبين دون اعتراض على المذهب، لكن منذ جاءت ثورة الخميني بدأ الملالي الشيعة في الحديث كثيرا عن المظلومية وعن وجوب أخذ الحكم بالقوة في باكستان.
وعلى مدى 35 عاما سعت إيران لتأسيس مراكز ثقافية لها في كل المدن الرئيسية الباكستانية وأرسلت مندوبين من إيران لإدارة هذه المراكز التي تعنى بتجنيد الأفراد خدمة لإيران ومصالحها. وتمكنت إيران والشيعة في باكستان من إقامة ثلاثمائة معهد ديني شيعي في مختلف المدن الباكستانية. وفي الفترة بين 2002 و2013 أنشأت إيران 54 جامعة طائفية مذهبية في باكستان تعمل على استقطاب الطلبة الشيعة في كل الدراسات وإعطائهم منحا دراسية في إيران، حيث وصل عدد الطلبة الباكستانيين الدارسين في الجامعات الإيرانية أكثر من خمسة وثلاثين ألف طالب في مختلف العلوم.
«الشرق الأوسط» ومن خلال هذا التحقيق تسلط الأضواء على الدور الإيراني في باكستان منذ ثورة الخميني وحتى الآن.

كما عمدت الحكومة الإيرانية إلى منح الآلاف من الشيعة الباكستانيين الجنسية الإيرانية سنويا لاستخدامهم في مشاريعها التوسعية في مختلف المناطق. وشجعت إيران الشيعة الذين يهيمنون على الأجهزة الإعلامية في باكستان ودعمتهم ماليا. وتوجد الآن أكثر من 5 قنوات تلفزيونية تدين بالولاء لإيران. كما نسجت الحكومة الإيرانية وأدواتها خيوط علاقات مع الأحزاب والجماعات الدينية السنية الباكستانية لإبعاد هذه الجماعات عن أهل السنة في إيران وتشويه سمعتها في الساحة الإسلامية.
وبدوره أرسل حزب الله اللبناني بعد حرب عام 2006 في لبنان مجموعة من عناصره لتدريب العناصر الشيعية في باكستان، واختيرت منطقة باراتشنار القبلية المحاذية لأفغانستان كمركز تدريب لهذه العناصر. وبعد ثورة الشعب السوري ضد حكم بشار الأسد تمكن الحرس الثوري من تجنيد آلاف الشبان الباكستانيين الشيعة فيما يعرف باسم لواء زينبيون الذي يحكم سيطرته على منطقة سوق الحميدية في العاصمة دمشق ومنطقة السيدة زينب. وحسب مواطنين سوريين هاجروا من دمشق وسوريا، فإن أسوأ المعاملات التي يتلقاها المواطن السوري في بلده على حواجز الشيعة الباكستانيين الذين لم يتركوا أحدا إلا وآذوه، فنهبوا البيوت واعتدوا على الأعراض وقتلوا الأبرياء..
تصل مساحة باكستان إلى قرابة مليون كيلومتر مربع ويقطنها ما يقرب من مائتي مليون إنسان، وتتعدد فيها العرقيات والطوائف والأديان ويضمن الدستور الباكستاني المساواة بين الجميع أمام القانون، وضمن الدستور الباكستاني تمثيل كل الأقليات الدينية في البلاد في البرلمان، حيث هناك مقاعد للهندوس والسيخ والنصارى والنحلة القاديانية التي تعتبر أقلية غير مسلمة في باكستان. لكن القانون الباكستاني لم يفرق بين المسلمين وإن اختلفت مدارسهم ومذاهبهم.

* موقف إيران من باكستان
كانت إيران في عهد الشاه تحاول البروز كقوة إقليمية وشرطي المنطقة، حسب قول شاهد الرحمن الصحافي الباكستاني المخضرم، والذي خدم في وكالة الأنباء الرسمية الباكستانية في عهد ذو الفقار علي بوتو، مضيفا أن الشاه الذي ربطت بلاده مع باكستان أحلاف عسكرية مثل السيتو والسنتو حاول فرض هيمنته على باكستان أيام ذو الفقار علي بوتو (رئيس الوزراء الباكستاني الأسبق - وهو شيعي وزوجته نصرت بوتو كانت شيعية إيرانية عملت نادلة في أحد الملاهي قبل زواجها من بوتو) لكن التأثير المذهبي الشيعي للحكومة الإيرانية أيام الشاه كان هامشيا، وأكد شاهد الرحمن أن الضغوط الاقتصادية الإيرانية على باكستان كانت أكثر من الضغط المذهبي، فمنع الشاه الحكومة الباكستانية من استغلال مكتشفات الغاز والنفط في إقليم بلوشستان الباكستاني القريب من الحدود الإيرانية بحجة أنها تؤثر على المخزون الإيراني من النفط والغاز. غير أن الحكومة الإيرانية كانت منذ أيام الشاه تحاول أن تكون هي الدولة الأقوى والأهم في المنطقة، لذلك حاولت تهميش دور باكستان السياسي وتأثيرها، خاصة في منطقة الخليج العربي. ومع هذه السياسة فإن شاهد الرحمن يقول إن إيران في ذلك الوقت لم تكن تتآمر على باكستان وتحاول زعزعتها كما هو حاصل الآن، فقد ساعدت حكومة الشاه باكستان إبان حروب باكستان مع الهند وشكلت القواعد الجوية الإيرانية في منطقة بلوشستان سيستان الإيرانية قاعدة خلفية لسلاح الجو الباكستاني في حرب عام 1971 التي انفصلت فيها بنغلاديش عن باكستان.

* إيران الخميني وباكستان
منذ بدايات ثورة الخميني كال إعلامه الاتهامات لباكستان بأنها عميلة أميركية - خاصة إبان حكم الجنرال ضياء الحق - وحث الخميني على تغيير شعبي في باكستان يطيح بالحكومة القائمة. إلا أن دعواته ذهبت أدراج الرياح، رغم ما أنفقه عليها من أموال. ويروي مدير مكافحة التجسس الباكستاني الأسبق العميد سيد ترمذي - وهو شيعي المذهب - في كتاب مذكراته كيف حاول أنصار الخميني الذين شكلوا ما يعرف باسم حركة تطبيق الفقه الجعفري محاصرة مجمع الوزارات في إسلام آباد أواخر السبعينات والانقلاب على الدولة، بدعم وتمويل من الخميني والقذافي، لكن الاستخبارات الباكستانية أجهضت محاولتهم وفرقتهم دون إراقة دماء.
* تنظيمات وتمويل
لم يكن الوضع في باكستان قبل ثورة الخميني يفرق فيه الناس كثيرا بين الشيعة والسنة، وكانت زيجات كثيرة تقع بين الجانبين دون اعتراض على المذهب، لكن منذ جاءت ثورة الخميني بدأ الملالي الشيعة في الحديث كثيرا عن المظلومية وعن وجوب أخذ الحكم بالقوة في باكستان، وحسب مقابلة مع الشيخ فضل الرحمن أمين عام جمعية علماء الإسلام الباكستانية التي تعتبر التيار الرئيسي في الجماعات الدينية الباكستانية فقد أنشأ الشيعة الباكستانيون بدعم إيراني تنظيما باسم حركة تطبيق الفقه الجعفري التي ترأسها حسين الحسيني وهو من بلدة باراتشنار الباكستانية المحاذية لجبال تورا بورا في أفغانستان، وكان من أشد الناس تعصبا للخميني ودرس في قم، لكن تزعمه للحركة واكب الحرب العراقية الإيرانية فلم تفلح الحركة في التمدد كثيرا سوى في تسليح القبائل الشيعية في باراتشنار وغيرها وتدريبهم على السلاح، وبدء عمليات الاغتيال ضد رموز أهل السنة، حسب ما قاله لـ«الشرق الأوسط» الشيخ فضل الرحمن خليل زعيم حركة أنصار الأمة، الذي واكب المجاهدين الأفغان فترة الاحتلال السوفياتي لبلادهم، مضيفا أن الشيعة أسسوا ما سموه عسكر محمد أو (سباه محمدية) واغتالوا من علماء السنة المشهورين إحسان إلهي ظهير الذي ألف كتبا كثيرة عن أصول الشيعة وعقائدهم ومخالفتهم للإسلام، فاغتالوه أثناء مهرجان خطابي عام 1987م في مدينة لاهور الباكستانية. ثم اغتالوا ضياء الحق قاسمي مؤسس تنظيم عسكر الصحابة (سباه صحابة) الذي جاء ردا على تشكيل سباه محمدية، مضيفا أن الشيعة وتياراتهم المسلحة بدأوا أعمال العنف الطائفية ضد رموز أهل السنة في باكستان نهاية الثمانينات وعقد التسعينات، في عمليات عنف طائفية أغرقت شوارع المدن الباكستانية بالدماء.
في بداية أغسطس (آب) 1988م تمكن مسلحون مجهولون (يعتقد أنهم من تنظيم عسكر الصحابة) اغتيال حسين الحسيني في مقر إقامته في إحدى ضواحي بيشاور، وخلفه في قيادة حركة تطبيق الفقه الجعفري ساجد نقوي، وهو من علماء الشيعة في إقليم البنجاب. ساجد نقوي حسب معارفه كان يميل إلى العمل السياسي الهادئ بعيدا عن المواجهات، وقد امتدحه لياقت بلوش نائب أمير الجماعة الإسلامية الباكستانية بالقول إن ساجد نقوي أقام صلات وعلاقات مع الجماعات الدينية الباكستانية السنية ودخل فيما بعد في تحالف للجماعات الدينية الباكستانية باسم «مجلس العمل المتحد»، غير أن أسلوبه في العمل وسياسته الهادئة وعلاقاته مع المؤسسات الحاكمة في باكستان أثارت التخوفات لدى القيادة الإيرانية منه، خصوصا أنه من البنجاب التي تعتبر أكثر بعدا عن المواجهات الدامية. فعملت القيادة الإيرانية على استبداله بشخصية من علماء الشيعة من منطقة تشترال الشمالية ليكون أكثر طواعية في يدها. وحسب مسؤول سابق في جهاز الاستخبارات الباكستانية في مقابلة خاصة، فإن المخابرات الإيرانية عملت على إسكات ساجد نقوي وعدم الحديث عن إيران ومخططاتها في باكستان من خلال قيام عميل للحرس الثوري الإيراني - ابن أحد رجال الدين المشرفين على توجيه فيلق القدس - على تصوير ساجد نقوي مع زوجات متعة كان عميل الاستخبارات الإيرانية يوردها له، وتم اكتشاف الأمر فيما بعد من قبل الاستخبارات الباكستانية التي أبعدت عميل الاستخبارات الإيرانية بعد فترة من سجنه.. وقد اطلعت «الشرق الأوسط» على عدد من هذه الوثائق التي تدين ساجد نقوي من خلال الإيحاء بسوء سلوكه، لجعله ألعوبة بيد إيران دائما.
وقد أنشأت إيران والحركات الشيعية الباكستانية عددا من التنظيمات المسلحة المحظورة في باكستان وعملت إيران وملاليها على دعم هذه التنظيمات بالمال والسلاح والتدريب، وأهم هذه التنظيمات سباه محمدية وحزب الله الباكستاني وقوة المختار (مختار فورس) وعدد من الميليشيات الطائفية في المناطق القبلية الباكستانية، حسبما جاء في نشرة لمعهد مكافحة الإرهاب في إسلام آباد.
وحسب مصادر أمنية ودبلوماسيين أجانب في إسلام آباد، فقد أرسل حزب الله اللبناني بعد حرب عام 2006م في لبنان مجموعة من عناصره لتدريب العناصر الشيعية في باكستان، واختيرت منطقة باراتشنار القبلية المحاذية لأفغانستان كمركز تدريب لهذه العناصر، حيث كانوا يتلقون التدريب الأولي في معسكرات خاصة بهم، ثم يتم نقلهم إلى إيران والعراق، بحجة زيارة الأماكن المقدسة لدى الشيعة، لكن الهدف الأساسي كان مشاركة هؤلاء المقاتلين الشيعة إلى جانب التنظيمات الشيعية العراقية في القتال ضد أهل السنة في العراق، وكان تنظيم عصائب أهل الحق ولواء أبو الفضل العباس العباءة التي انضوى تحتها المقاتلون الباكستانيون. وقد تفشى أمر تنقلهم من باكستان إلى إيران، واستشرى نشاطهم في المناطق الشمالية الباكستانية مثل تشترال وجيلجيت ومناطق كورام القبلية، حسبما بثته قناة «وصال» بلغة الأوردو، وهي محطة تلفزيونية باكستانية تعمل في مجال الدعوة للإسلام في باكستان، وقد تمكنت تنظيمات مناوئة للميليشيات الشيعية من رصد حركة الكثيرين من عناصر هذه الميليشيات واستهدافها من قبل تنظيم لشكر جنكوي المتخصص في استهداف الشيعة في باكستان، فأغار مسلحون من لشكر جنكوي عدة مرات على حافلات قادمة من إيران في إقليم بلوشستان الباكستاني في منطقة موستانغ جنوب غربي كويتا، وكذلك في كوهستان في الطريق إلى تشترال الشمالية وقتلوا العشرات من عناصر التنظيمات الشيعية الباكستانية حسب بيانات الشرطة والمستشفيات.
وقد جن جنون المنظمات الشيعية بعد استهداف مواكبهم في عاشوراء في مدينة كويتا أكثر من مرة، مما قاد بعضهم إلى استهداف مدرسة دينية في مدينة راولبندي يوم عاشوراء عام 2013م وقاموا بمجزرة ضد طلاب المدرسة مستخدمين المطاوي والسيوف والسكاكين، فقتلوا العشرات من الأطفال في المدرسة دون تدخل من الشرطة الباكستانية، وهي مجزرة كادت توقع باكستان في حرب طائفية لولا الضغوط التي مارستها الحكومة والمؤسسة العسكرية في باكستان والحكومة الإيرانية على الأحزاب الدينية السنية من أجل تهدئة الأمور، وعدم القيام بعمليات ثأرية من الشيعة في راولبندي أو غيرها من المدن الباكستانية.
وبعد ثورة الشعب السوري ضد حكم بشار الأسد والمطالبة بالإطاحة به، تمكن الحرس الثوري من تجنيد آلاف الشبان الباكستانيين الشيعة فيما يعرف باسم «لواء زينبيون» الذي يحكم سيطرته على منطقة سوق الحميدية في العاصمة دمشق ومنطقة السيدة زينب، وحسب قول مواطنين سوريين هاجروا من دمشق وسوريا فإن أسوأ المعاملات يتلقاها المواطن السوري هي على حواجز الشيعة الباكستانيين الذين لم يتركوا أحدا إلا وآذوه، فنهبوا البيوت واعتدوا على الأعراض وقتلوا الأبرياء.
وحسب رواية حاجي صالح وهو أحد قادة قبائل السنة القاطنة قرب باراتشنار فإن من يحاول الرجوع من لواء زينبيون إلى قريته وبيته تعمد ميليشيات شيعية محلية موالية لإيران إلى اغتيالهم أو اختطافهم وإلصاق التهمة بتنظيمات إسلامية سنية لتحقيق عدة أهداف: أولها تحريض الشبان الشيعة على الثأر لهم من السنة في باكستان، وثانيها منع غيرهم من الانسحاب من المعركة في العراق وسوريا والعودة إلى الديار في باكستان، وثالثها تحريض السلطات المحلية على السنة في باكستان والمطالبة بالقصاص من القتلة - والمتهم هنا أهل السنة - في باكستان، ورابعها زعزعة استقرار وأمن باكستان من خلال الميليشيات الطائفية التي تأتمر بأمر الحرس الثوري الإيراني في طهران.

* المدارس الشيعية في باكستان
على مدى أكثر من خمسة وعشرين عاما من الزمن تمكنت إيران والشيعة في باكستان من إقامة ثلاثمائة معهد ديني شيعي في مختلف المدن الباكستانية، بحسب ما وثقته قناة «وصال» الناطقة باللغة الأردية، ويتسع كل معهد منها إلى ما يزيد على سبعمائة طالب، يتم تدريسهم فيه بدايات المذهب الشيعي والعداء ضد السنة، ومن ثم ينتقلون إلى جامعات دينية في قم ومشهد وأصفهان وغيرها من المدن الإيرانية ليتم تدريسهم هناك وإعادة صياغة عقولهم بما يتلاءم مع المشروع الإيراني، وقد ضيق الملالي الشيعة - بأمر من إيران - على كل من تخرج من المدارس الدينية الشيعية العراقية في السابق، الذين كان لهم الدور الأكبر في قيادة التجمعات والأقليات الشيعية في مختلف البلدان وتسموا باسم النجفي والكربلائي والناصري وغيرها، نسبة إلى المدن العراقية التي درسوا فيها، وأصبح مكانهم الآن المشهدي والقمي والتبريزي والشيرازي نسبة إلى المدن الإيرانية وجامعاتها الشيعية. وقد أسست إيران مراكز ثقافية لها في كل المدن الرئيسية الباكستانية وأرسلت مندوبين من إيران لإدارة هذه المراكز التي تعنى بتجنيد الأفراد خدمة لإيران ومصالحها، حسبما قاله الصحافي الباكستاني سهيل خان الذي قدم عدة بحوث عن النشاط الإيراني في باكستان وزار إيران أكثر من مرة، وكان أول عمل أنيط بهذه المراكز الحصول على كل المخطوطات باللغة الفارسية من كل المكتبات والمدن الباكستانية، حيث كانت اللغة الفارسية هي السائدة في التعليم والكتابة أيام حكم المغول لشبه القارة الهندية. مضيفا أن هذه المراكز تمكنت من الحصول على آلاف المخطوطات التي حرفت وزورت بحيث يحذف منها كل ما يمس الصفويين والشيعة بشكل عام وأبقت على ما يروج لإيران ولغتها وتاريخها، حتى لو أراد طلبة تحقيق المخطوطات عمل دراسات عنها لم يجدوا إلا ما يمجد إيران ويعظم من شأنها. وفي الفترة ما بين 2002م إلى 2013م أنشأت إيران 54 جامعة طائفية مذهبية في باكستان تعمل على استقطاب الطلبة الشيعة في كل الدراسات وإعطائهم منحا دراسية في إيران، حيث وصل عدد الطلبة الباكستانيين الدارسين في الجامعات الإيرانية أكثر من خمسة وثلاثين ألف طالب في مختلف العلوم.
كما عمدت الحكومة الإيرانية إلى منح الآلاف من الشيعة الباكستانيين الجنسية الإيرانية سنويا لاستخدامهم في مشاريعها التوسعية في مختلف المناطق، وهو ما أكده ناشطون في الجامعة الإسلامية العالمية قدموا مذكرة عن النشاط الإيراني في مجال التعليم في باكستان. ومن أشهر الجامعات الشيعية التي مولتها إيران في باكستان: جامعة المصطفى العالمية، جامعة أهل البيت، جامعة الولاية، وعشرات الجامعات في أنحاء باكستان، وهناك سبع جامعات شيعية في إسلام آباد وحدها، وتسعى الحكومة الإيرانية بخطط دؤوبة للسيطرة على الجامعة الإسلامية العالمية التي أسستها المملكة العربية السعودية بالتعاون مع حكومة الرئيس الأسبق ضياء الحق، وقد عملت الحكومة الإيرانية مخططا طويل المدى للتأثير على الجامعة الإسلامية بعد تغير إدارتها من عربية إلى باكستانية، حيث أمرت المراكز الثقافية الإيرانية في مختلف المناطق الطلبة الشيعة بالتسجيل في الجامعة الإسلامية ودخول مختلف التخصصات، وقامت السفارة الإيرانية والمركز الثقافي الإيراني في إسلام آباد بتقديم الدعم المالي لهم من خلال منح دراسية مجزية، ثم وفرت لهم السفارة الإيرانية المساكن المناسبة والدورات التعليمية ليبرزوا في تخصصاتهم ويحققوا العلامات العليا، ثم يحصلوا على منح دراسية من خلال التعليم العالي في باكستان أو من خلال منح دراسية إيرانية، وكان الغالبية منهم يتوجهون إلى الجامعة المستنصرية وجامعة بغداد وجامعة دمشق في ظل حكم المالكي وبشار، في العراق وسوريا، ثم يرجعون إلى نفس الجامعة بشهادات عليا ليصحبوا معيدين في كل الأقسام، وبعد عدة سنوات تتم ترقيتهم ليصبحوا في مجلس إدارة الكليات وبذا يتحكمون فيمن تحتهم من المدرسين والمعيدين من أهل السنة. وهو ما حذر منه مجموعة من المحاضرين في الجامعة وبدأت الإدارة اتخاذ إجراءات للحد من تأثيره والعمل على وقفه.

* إيران والإعلام في باكستان
منذ نشأة الدولة الباكستانية عام 1947م كان الشيعة يهيمنون على الإعلام لاهتمامهم المبكر في هذا المجال، فكان منهم المعلقون والمذيعون والكتاب ومعدو البرامج ومقدموها في الإذاعة والتلفزيون، وكانت نسبة الأفراد الشيعة في وسائل الإعلام الباكستانية فترة 1950 - 2000م لا تقل عن 90 في المائة من رؤساء التحرير أو مديري التحرير ورؤساء الأقسام في غالبية وسائل الإعلام الحكومية والخاصة، وعمد هؤلاء إلى توظيف أبناء المذهب ولو كانوا من مدن بعيدة بدلا من الاستعانة وتوظيف غيرهم في نفس المدينة، كما قال عبد الجليل خان مسؤول وزارة المالية والجمارك في بلوشستان المحاذية لإيران، الذي قدم عدة مذكرات عن الدور الإيراني في باكستان لعدد من الجهات الأمنية والرسمية. وأشار عبد الجليل إلى أن من تولوا هذه المناصب تحكموا فيما يكتب في الصحافة الباكستانية، فكان نادرا ما يجد المرء انتقادا للسياسة الإيرانية، وإن وجد فإنه مع النقد يجد المبررات لهذه السياسة والمديح للقيادة الإيرانية بأنها الوحيدة في العالم الإسلامي التي تتبنى القضية الفلسطينية وتقف ضد الشيطان الأكبر: أميركا، بينما لا يجد مثل هؤلاء الكتاب غضاضة في انتقاد الدول العربية خاصة دول الخليج، بالحق والباطل، كما ينتقدون سياسات الحكومات الباكستانية المتعاقبة ويحاولون التحذير من التقارب مع الدول العربية، بينما يدافعون عن السلام والحوار مع الهند وإعطائها صفة الدولة ذات الأفضلية في التبادل التجاري بين البلدين، وهو ما يغرق السوق الباكستانية بالبضاعة الهندية الأقل كلفة بما يقضي على مقومات الاقتصاد الباكستاني.
وفي مقابلة خاصة مع عبد الجليل خان تحدث عن ثورة الإعلام الإلكتروني وأن الحكومة الباكستانية سمحت بفتح الكثير من محطات التلفزيون والإذاعة الخاصة حيث زاد عدد القنوات التلفزيونية على 85 قناة إضافة إلى مئات الإذاعات الخاصة في كل باكستان، مضيفا: «هناك مئات الكتاب والمفكرين والسياسيين يكتبون في مختلف الصحف ويشاركون في مختلف القنوات الباكستانية يظهرون على الشاشات يطبلون للسياسة الإيرانية الطائفية، ويغمزون من جانب الحكومة الباكستانية حينا وينتقدونها بشكل غير موضوعي أحيانا أخرى، كما يوجهون سموم نقدهم إلى الكثير من الدول العربية خاصة دول الخليج، ويمنع معدو البرامج في المحطات التلفزيونية الباكستانية ظهور أي رأي آخر من أهل السنة أو مواجه لهذه الآراء، وهو ما قاد رئيس مجلس علماء باكستان الشيخ طاهر أشرفي إلى تقديم احتجاج لدى إدارة هذه القنوات وأصحابها حسب ما قاله الشيخ طاهر في لقاء خاص معه، ويهدف القائمون على برامج هذه القنوات إلى القيام بعملية غسيل دماغ للشعب الباكستاني وإعادة توجيهه وفق ما تهواه إيران ويخدم سياستها.



قائد الجيش الباكستاني يصل إلى طهران في مهمة لخفض التصعيد

وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني يستقبل عاصم منير قائد الجيش الباكستاني لدى وصوله إلى مطار مهرآباد في غرب طهران (الرئاسة الإيرانية)
وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني يستقبل عاصم منير قائد الجيش الباكستاني لدى وصوله إلى مطار مهرآباد في غرب طهران (الرئاسة الإيرانية)
TT

قائد الجيش الباكستاني يصل إلى طهران في مهمة لخفض التصعيد

وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني يستقبل عاصم منير قائد الجيش الباكستاني لدى وصوله إلى مطار مهرآباد في غرب طهران (الرئاسة الإيرانية)
وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني يستقبل عاصم منير قائد الجيش الباكستاني لدى وصوله إلى مطار مهرآباد في غرب طهران (الرئاسة الإيرانية)

وصل قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران، الاثنين، في ثالث زيارة له منذ انخراط إسلام آباد في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، بعد اتصال أجراه الأسبوع الماضي مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ولم يُكشف عنه من قبل.

ووصل منير برفقة وزير الداخلية محسن نقوي، في مهمة قال الجيش الباكستاني إنها تستهدف الدفع نحو «حل سلمي ودائم وشامل» للصراع، بالتزامن مع إعلان واشنطن خطة جديدة لتشديد الضغط الاقتصادي على إيران وشركائها التجاريين.

وقالت ثلاثة مصادر في باكستان لـ«رويترز» إن منير تحدث مع ترمب قبل أيام من محادثاته في طهران، بالتزامن مع استعداد واشنطن لإعلان خطة جديدة لتشديد الضغط الاقتصادي على إيران وشركائها التجاريين.

ولم يتضح ما دار في الاتصال بين منير وترمب. ولم يرد مكتب السكرتير الصحافي في البيت الأبيض على طلب من «رويترز» للتعليق.

وأعلن الجيش الباكستاني، الاثنين، أن منير، الذي يشغل منصبي قائد الجيش وقائد قوات الدفاع، غادر إلى إيران برفقة وزير الداخلية محسن نقوي، في إطار «جهود باكستان لتعزيز السلام والاستقرار الإقليميين».

وقال بيان الجيش إن منير «سيركز على تعزيز الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سلمي ودائم وشامل للصراع في الشرق الأوسط».

وتأتي الزيارة بعد نحو ستة أشهر من اندلاع الحرب، التي بدأت بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط). وتراجعت حدة القتال المباشر، لكن مسار التفاوض لا يزال متعثراً وسط خلافات بشأن شروط إنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز.

وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني يستقبل عاصم منير قائد الجيش الباكستاني والوفد المرافق له لدى وصولهم إلى مطار مهرآباد في غرب طهران (الرئاسة الإيرانية)

وكانت وزارة الخارجية الإيرانية قد أعلنت الزيارة، الأحد. وقال المتحدث باسمها إسماعيل بقائي إن منير سيترأس وفداً رسمياً إلى طهران في إطار تعزيز التعاون الثنائي ومواصلة جهود إسلام آباد للمساعدة في ترسيخ السلام والأمن في المنطقة.

وقال مصدر حكومي باكستاني إن إيران وباكستان «على اتصال مباشر».

ونقلت «رويترز» عن مصدر باكستاني قوله إنه من المتوقع أن يلتقي منير في طهران مع شخصيات مقربة من المرشد الإيراني مجتبى خامنئي.

وقال مصدر حكومي باكستاني آخر إن التوتر بين الولايات المتحدة وإيران سيكون محوراً رئيسياً للزيارة، إلى جانب الهجمات الأخيرة التي شنها الحوثيون المتحالفون مع إيران في البحر الأحمر.

وأضاف أن المحادثات ستتناول أيضاً اتفاقية الدفاع المشترك التي أبرمتها أخيراً باكستان وتركيا والسعودية.

وقال مصدر باكستاني ثالث عن واشنطن وطهران: «هناك أزمة ثقة لدى الجانبين»، مضيفاً أن هدف منير خلال زيارته هو تقليص انعدام الثقة المتبادل.

عقوبات وضغوط

وتتزامن زيارة منير مع إعلان واشنطن، الاثنين، تفاصيل جولة جديدة من العقوبات على طهران. وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، قد توعد بفرض «أشد العقوبات في التاريخ» على إيران.

وحذر ترمب الأسبوع الماضي من عواقب اقتصادية على أي دولة تقدم «أي شكل من أشكال شرايين الحياة لإيران»، في إطار حملة تستهدف زيادة عزلة طهران والضغط على شركائها التجاريين.

وردَّت إيران بالتهديد بوقف صادرات النفط من الخليج. كما حذر أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي، من أن الدول التي تنضم إلى الحملة الأميركية ستُعامل بوصفها «أعداء»، وهدد باستهداف مصالحها وطرق شحن النفط البديلة لمضيق هرمز.

وظلت باكستان شريكاً تجارياً لإيران خلال الحرب، بالتوازي مع دورها في الوساطة بين طهران وواشنطن.

وأسفرت جهود إسلام آباد السابقة عن مذكرة تفاهم وُقعت في يونيو (حزيران)، وفتحت مساراً لإنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني. لكن المسار تعثر مع عودة الأعمال القتالية، في ظل مخاوف من اتساع المواجهة إقليمياً.

وتعد زيارة الاثنين الثالثة لمنير إلى طهران منذ دخول باكستان على خط الوساطة.

ونقلت وكالة «أسوشييتد برس»، الأحد، عن مسؤولين إقليميين قولهما إن الزيارة تأتي ضمن جهود إسلام آباد لخفض التوتر بين الولايات المتحدة وإيران وحث الجانبين على العودة إلى طاولة المفاوضات.

وسبق الإعلان عن الزيارة اتصال هاتفي بين منير ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ضمن سلسلة اتصالات أجرتها باكستان مع الطرفين قبل توجه الوفد إلى طهران.

محاولة قبل عشرة أيام

تأتي مهمة منير بعد نحو عشرة أيام من زيارة وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران في 11 و12 أغسطس (آب)، حين أجرى محادثات مع الرئيس مسعود بزشكيان، ووزير الخارجية عباس عراقجي، ووزير الداخلية إسكندر مؤمني، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي.

وقال مسؤولان حينها إن الزيارة استهدفت تشجيع طهران على استئناف المفاوضات مع واشنطن استناداً إلى مذكرة التفاهم المؤلفة من 14 بنداً التي توسطت فيها باكستان وقطر.

ونقل نقوي إلى بزشكيان رسالة من رئيس الوزراء الباكستاني ومنير، من دون الكشف عن مضمونها. كما بحث مع المسؤولين الإيرانيين العلاقات الثنائية والتعاون الاقتصادي.

وخلال لقائه رضائي، دعا الجانبان إلى توسيع التعاون الاقتصادي، بينما شدد رضائي على أهمية العلاقات الاستراتيجية بين البلدين ومضاعفة حجم التبادل التجاري.

محسن رضائي يلتقي وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي في طهران الأربعاء (التلفزيون الرسمي الإيراني)

كان وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف قد أبلغ وكالة «بلومبرغ» خلال تلك الجولة من الاتصالات، أن «الأمور تتجه مجدداً نحو ترتيب للسلام أو اتفاق».

وأضاف أن «المؤشرات خلال اليومين أو الأيام الثلاثة الماضية تفيد بأننا قريبون من نوع من الترتيب»، وقال إن التوصل إلى سلام دائم سيكون في مصلحة المنطقة.

لكن رضائي أعلن في الوقت نفسه أن إعادة فتح مضيق هرمز ستظل مشروطة بإنهاء الحرب وتغيير واشنطن سلوكها والإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة، وفصل بين تلك الشروط والترتيبات الملاحية التي تبحثها طهران مع مسقط.

ومن المقرر أن يعقب زيارة منير تحرك عُماني. وقال بقائي إن وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي، سيزور طهران، الثلاثاء، لبحث «أمن مضيق هرمز ومسارات الملاحة فيه»، مع استمرار المفاوضات الإيرانية - العُمانية بشأن إطار جديد لعبور السفن.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


واشنطن تتأهب لـ«الإنزال الاقتصادي»… وطهران تتوعد بالرد

مروحية أميركية من طراز «إم إتش-60 إس سي هوك» تنفذ عملية إمداد عمودية للسفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس بوكسر» أثناء إبحارها في مياه المنطقة بالشرق الأوسط (سنتكوم)
مروحية أميركية من طراز «إم إتش-60 إس سي هوك» تنفذ عملية إمداد عمودية للسفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس بوكسر» أثناء إبحارها في مياه المنطقة بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

واشنطن تتأهب لـ«الإنزال الاقتصادي»… وطهران تتوعد بالرد

مروحية أميركية من طراز «إم إتش-60 إس سي هوك» تنفذ عملية إمداد عمودية للسفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس بوكسر» أثناء إبحارها في مياه المنطقة بالشرق الأوسط (سنتكوم)
مروحية أميركية من طراز «إم إتش-60 إس سي هوك» تنفذ عملية إمداد عمودية للسفينة الهجومية البرمائية «يو إس إس بوكسر» أثناء إبحارها في مياه المنطقة بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تستعد الولايات المتحدة، الاثنين، للكشف عن أوسع حزمة عقوبات على إيران. وقال الرئيس دونالد ترمب إن «إيران تنهار بالكامل»، فيما أعلن وزير الخزانة سكوت بيسنت أن الإجراءات ستدشن «أكبر هجوم مالي جرى حشده على الإطلاق ضد خصم»، في حملة تستهدف قطع ما تبقى من قنوات طهران التجارية والمالية والضغط على الدول التي تواصل التعامل معها.

وردت طهران بتحذير الدول من الانضمام إلى الحملة الأميركية، وهددت باعتبار المشاركة فيها عملاً عدائياً، فيما قال مسؤولون إيرانيون إن العقوبات لن تغير موقفهم. ويتزامن التصعيد مع هبوط الريال إلى مستوى قياسي جديد ووصول قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران في مهمة وساطة.وقال مصدر مطلع على خطط وزارة الخزانة الأميركية لـ«رويترز» إن واشنطن تعتزم توسيع نطاق العقوبات الثانوية التي يمكن فرضها على دول وكيانات تواصل علاقاتها التجارية مع إيران، ضمن مساعي إدارة ترمب لتكثيف الضغط الاقتصادي على طهران.

وأضاف المصدر، الذي طلب عدم كشف هويته لعدم تخويله التحدث علناً، أن الخطوة تستهدف توجيه «إنذار نهائي» إلى الدول لقطع علاقاتها التجارية مع إيران، في محاولة لإنهاء الحرب المستمرة منذ نحو ستة أشهر، والتي أصابت صادرات الطاقة عبر مضيق هرمز والخليج العربي بشلل واسع.

ومن المقرر أن يعرض بيسنت تفاصيل الإجراءات في مؤتمر صحافي عند الساعة 17:00 بتوقيت غرينتش، إلى جانب تقديم صورة أشمل عن حملة الضغط التي وصفها مع ترمب بأنها «يوم الإنزال الاقتصادي». وقال المصدر إن واشنطن ستبلغ الدول بأن عليها الاختيار بين الانحياز إليها أو المخاطرة بعزل شركات وكيانات رئيسية لديها عن النظام المالي القائم على الدولار.

وكتب بيسنت، في مقال رأي نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» الأحد، أن الولايات المتحدة تدخل «المرحلة النهائية» من المواجهة، وقال: «مع بزوغ الفجر يبدأ يوم إنزال اقتصادي؛ أكبر هجوم مالي جرى حشده على الإطلاق ضد خصم».

واستعاد وزير الخزانة مؤتمر طهران عام 1943، عندما ناقش قادة الحلفاء كيفية ممارسة «أكبر ضغط» على ألمانيا قبل إنزال نورماندي، وقال إن السؤال نفسه عاد الآن إلى طهران وإن واشنطن تستعد للإجابة عنه «بكل ثقل العزم الأميركي».

وقال بيسنت إن ترمب والجيش الأميركي «فككا بدرجة كبيرة» القدرات العسكرية الإيرانية وأضعفا برنامجها النووي. وفي منشور على منصة «إكس»، ذهب أبعد من ذلك قائلاً إن واشنطن «دمرت ما يقرب من 100 في المائة من مصانعها العسكرية» و«دفنت برنامجها النووي».

ولا تزال الصورة الدقيقة لحجم الأضرار التي لحقت بالبرنامج النووي الإيراني غير مكتملة، ولم يقدم بيسنت في المقال أو المنشور تفاصيل تدعم نسبة تدمير المصانع العسكرية التي ذكرها.

«قطع كل شريان»

حدد بيسنت الهدف الاقتصادي للحملة بقوله إن واشنطن تريد «قطع كل شريان اقتصادي» يبقي النظام الإيراني قائماً «حتى تقف طهران وحدها».

وقال إن الحملة ستلاحق الدول والكيانات التي تشتري النفط الإيراني أو تنقله، وتسهل تدفق الأموال عبر شركات الصرافة والمناطق الحرة، وتستقبل الرحلات الإيرانية، وتوفر سجلات للسفن، أو تسمح بعمليات نقل الوقود بحراً والاستخدام غير المشروع للمصارف.

وحذر من أن أي دولة تعمل «شرياناً مالياً» لإيران يجب أن تتوقع أن تشاركها العزلة، وأن الدول التي تبقي صلاتها بطهران تخاطر بإغلاق طريقها إلى «الازدهار الدائم». وقال إن التحول إلى ملاذ للتمويل المرتبط بإيران سيجعل الدولة المعنية، في نظر واشنطن، «منبوذة عالمياً».

وفي المقابل، قال إن الدول التي تقطع ما تبقى من روابطها المالية والتجارية مع إيران ستعزز وصولها إلى رؤوس الأموال العالمية، وترفع الثقة بأسواقها وتحسن موقعها في الاقتصاد الدولي.

واتهم بيسنت دولاً بـ«استرضاء» طهران لأنها ترى ذلك أقل خطراً من تحديها، مستعيناً بـ«رهان باسكال» للقول إن عدم اليقين لا يعفي الدول من حساب كلفة الخيار الخاطئ. وأضاف أن من يواصلون توفير «شرايين الحياة» لطهران تجاوزوا حدود ما تقبله واشنطن.

وقال إن طهران استمدت قوتها، على مدى عقود، من اعتبار الرد الإيراني مؤكداً والتنفيذ الأميركي للتهديدات قابلاً للتفاوض، مضيفاً أن عهد هذه الحسابات «انتهى» في ظل ترمب. كما اتهم النظام الإيراني باستخدام وكلاء خارج حدوده وتقديم «الابتزاز» في صورة ضمانات أمنية.

سائقو دراجات نارية يمرون أمام لوحة دعائية في طهران تظهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحت الماء وسط انفجارات، وتحمل عبارة «انتصار عظيم! مضيق هرمز»، الاثنين 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

وأضاف أن ترمب، بخلاف أسلافه الذين قال إنهم اكتفوا بإدارة التهديد الإيراني، يسعى إلى إنهائه، وإن «العزل المالي الكامل» يمكن أن يغني عن استخدام القوة الأميركية.

لكنه توعد برد عسكري إذا لجأت إيران، مع اشتداد الضغوط، إلى مهاجمة القوات الأميركية أو دول الخليج العربي، قائلاً إن ترمب «سيرد بسرعة وحسم».

وقال بيسنت إن الإدارة مستعدة لاستخدام «كل وكالة وكل سلطة وكل إجراء» اعتقد كثيرون أن واشنطن لن تستدعيه، وإن أي صلة متبقية بطهران، سواء أقيمت عمداً أو جرى التغاضي عنها، ستسرع العزلة الاقتصادية للدول والكيانات المعنية.

وأضاف أن ترمب «دمر اقتصاد إيران إلى حد أصبح معه الريال أضعف من أي وقت مضى والتضخم من بين الأعلى تاريخياً»، معتبراً أن رهان طهران الأخير يقوم على دول تعتقد أن مسايرتها يمكن أن تضمن سلاماً دائماً.

وحث بيسنت الصين على التعاون مع الحملة. وتظهر بيانات «كبلر» لعام 2025 أن بكين تشتري أكثر من 80 في المائة من شحنات النفط الإيراني المنقولة بحراً.

وقالت وزارة الخارجية الصينية، الاثنين، إن العقوبات والضغط «لا يساعدان في حل القضايا». وأضاف المتحدث لين جيان أن بكين ستراقب التطورات وستتخذ ما يلزم لحماية حقوقها ومصالحها، داعياً الأطراف إلى العقلانية وضبط النفس.

طهران تتوعد

وهاجم نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية، كاظم غريب آبادي رواية بيسنت، قائلاً إن الانتقال إلى «أكبر غزو مالي في التاريخ» يتناقض مع ادعاء واشنطن بأنها فككت القوة العسكرية الإيرانية ودمرت مصانعها العسكرية ودفنت برنامجها النووي.

وكتب على منصة «إكس»: «روايتكم لا تستقيم»، مضيفاً أنه إذا كانت تلك الأهداف قد تحققت فعلاً، فلماذا تحتاج الولايات المتحدة إلى حشد «كافة المؤسسات والقوى» لشن أكبر حملة مالية. وتساءل: «هل يُعد هذا انتصاراً أم إقراراً بهزيمة أميركا؟».

وقال غريب آبادي إن الولايات المتحدة تتوعد بإسقاط إيران منذ 48 عاماً «في كل مرة تحت اسم جديد»، مضيفاً أن إيران بقيت «صامدة وقوية»، بينما لم يتغير سوى «أسماء المشاريع الفاشلة».

وحذر المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي الدول من المشاركة في الحملة، وقال إن «أي تصعيد لهذا الوضع ستكون له بالتأكيد عواقبه»، مضيفاً: «أيدينا ليست مغلولة».

وقال بقائي في مؤتمر صحافي دوري الأثنين، إن طهران ستستخدم «جميع قدرات علاقاتها الثنائية» لمواجهة الضغوط الاقتصادية الأميركية، وإنها وجهت تحذيرات بشأن التعاون مع واشنطن في إجراءاتها ضد إيران.

وكان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي محسن رضائي قد حذر من أن إيران ستعتبر مشاركة أي دولة في القيود الاقتصادية الأميركية «عملاً حربياً»، وأن الدول التي تنضم إليها ستعامل باعتبارها «أعداء».

وهدد رضائي بوقف صادرات النفط من المنطقة إذا استمرت «الحرب الاقتصادية»، قائلاً: «لن يتم تصدير قطرة واحدة من النفط، لا عبر مضيق هرمز ولا من أي مكان في الخليج». وأضاف أن إيران لم تستهدف بعد المصالح الاقتصادية الأميركية.

وأصدرت هيئة إيرانية جديدة لإدارة مضيق هرمز تحذيراً إضافياً للسفن، وقالت إن مخالفة ترتيبات العبور التي تفرضها طهران قد تؤدي إلى غرامات أو احتجاز السفن أو مصادرتها.

قاليباف يرد على ترمب

وأعاد ترمب، عبر «تروث سوشيال»، نشر تقرير لموقع «نيوزماكس» عن تصريحات رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، حمل عنواناً: «رئيس البرلمان الإيراني: نحن جياع، لا يمكننا البقاء». ولم يضف ترمب تعليقاً على التقرير. وكانت عنوان التقرير مقتبس من تحذير قاليباف بأن البلاد لن تستطيع الصمود «إذا كان الناس جائعين».

وردّ قاليباف على إعادة ترمب نشر التقرير بمنشور على منصة «إكس»، استخدم فيه عبارة «اجعلوا أميركا جائعة مجدداً»، في محاكاة ساخرة لشعار ترمب الانتخابي، وأضاف: «لا يمكنكم التغطية على الهزائم بادعاءات زائفة». وأرفق المنشور بتصميم يتضمن أرقاماً عن انعدام الأمن الغذائي في الولايات المتحدة.

وبعد ساعة، عاد ترمب مجدداً، وكتب في منشور جديد إن «إيران تنهار بالكامل».

وكان قاليباف قد أقر، نهاية الأسبوع الماضي، بكلفة الضغوط الاقتصادية على قدرة إيران على الصمود. وقال خلال لقاء مع اقتصاديين إيرانيين وعراقيين في بغداد: «مهما كانت قوتنا العسكرية، فلن نصمد إذا كان الناس جائعين، ولم تكن لدينا دورة مالية ونمو اقتصادي وإنتاج وطني».

وأضاف أن الأمن والاقتصاد «جناحان» يعتمد أحدهما على الآخر؛ فغياب الأمن يمنع الاستثمار، بينما لا يمكن الحفاظ على الأمن من دون النمو والإنتاج والدخل.

وفي منشور آخر باللغة الإنجليزية على منصة «إكس»، الأحد، سخر قاليباف من الحملة الاقتصادية الأميركية، مستعيناً بتعبير «التجميد» في سلسلة من المقارنات. وكتب: «استيراد اللحوم المجمدة لمعالجة أسعار اللحوم؟ حسناً، قد ينجح ذلك. ماذا عن السندات؟ هل نستورد عوائد مجمدة؟ ومشترين مجمدين للمساكن؟ وشيكات رواتب مجمدة للأجور؟».

وأضاف: «السياسة الخارجية المجمدة تنتج اقتصاداً مجمداً»، قبل أن يختم: «الشيء الوحيد الذي لا يزال يتحرك؟ البوميرانغ الإيراني». وأرفق المنشور برسم ساخر يظهر بوميرانغاً يرتد على صاحبه، موزعاً عليه عبارة «أشد عملية اقتصادية على الإطلاق».وفي مؤشر مختصر على الضغوط، هبط الريال، الاثنين، إلى مستوى قياسي عند 2.02 مليون ريال للدولار في السوق، مقابل سعر رسمي يقارب 1.5 مليون ريال، بعد سلسلة من المستويات المنخفضة الجديدة خلال الحرب.

وتشير بيانات «كبلر» إلى تراجع صادرات النفط الإيرانية عبر مضيق هرمز من نحو مليوني برميل يومياً قبل الحرب إلى نحو 400 ألف برميل يومياً بحلول منتصف أغسطس، فيما أعلنت الإمارات الأسبوع الماضي تعليق تعاملاتها التجارية مع إيران.

ووصل قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير إلى طهران، الاثنين، برفقة وزير الداخلية محسن نقوي. وقال الجيش الباكستاني إن المهمة تستهدف الدفع نحو «حل سلمي ودائم وشامل» للصراع، فيما قالت مصادر إن منير يسعى إلى تقليص «أزمة الثقة» بين واشنطن وطهران بعد اتصال أجراه مع ترمب الأسبوع الماضي.


الصين تتعهد بحماية حقوقها مع استعداد واشنطن لفرض عقوبات على إيران

المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان (أرشيفية-رويترز)
المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان (أرشيفية-رويترز)
TT

الصين تتعهد بحماية حقوقها مع استعداد واشنطن لفرض عقوبات على إيران

المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان (أرشيفية-رويترز)
المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان (أرشيفية-رويترز)

قالت وزارة الخارجية الصينية، اليوم الاثنين، ​إن بكين ستراقب التطورات عن كثب وستتخذ ما يلزم لحماية حقوقها، وذلك في وقت تستعد فيه ‌الولايات المتحدة ‌للكشف عن عقوبات ​جديدة ‌على ⁠إيران ​يُتوقع أن ⁠تستهدف شركاء طهران التجاريين.

وهدد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بفرض «أقسى العقوبات في التاريخ» ⁠على إيران، ودعا ‌الصين ‌إلى التعاون ​مع ‌واشنطن. ومن المقرر أن ‌يعقد مؤتمرا صحفيا عند الساعة الواحدة بعد الظهر بتوقيت شرق الولايات ‌المتحدة الصيفي (18:00 بتوقيت غرينتش) اليوم.

وخلال مؤتمر صحافي ⁠اليوم، ⁠دعا أيضا المتحدث باسم وزارة الخارجية لين جيان جميع الأطراف إلى التحلي بالعقلانية وضبط النفس، محذرا من أن العقوبات وأساليب الضغط لا ​تساعد ​في حل القضايا.