«تحزّموا»

إلى أهلي في الخليج العربي

الأمير خالد الفيصل
الأمير خالد الفيصل
TT

«تحزّموا»

الأمير خالد الفيصل
الأمير خالد الفيصل

ياهْل القلم والشّان ردّوا التّهايم
عدوانكم استأجروا كل كذّاب
إلى متى ما غير نَقرا الظلايم؟
وِاعلامنا يزوّد القوم بأسباب
لا تنثرون المال بين الهلايم
استثمروا في عقول قاده وكتاب
وحطّوا مراكز بحث للشّور دايم
تقودها قدراتنا وبعض الاصحاب
ولا تستهينوا بادعاء الخصايم
ترى الكِذِب إذا لقى إذن جذّاب
تقَاسمونا بالخرايط وَلايم
ونْصدّق التّطمين من كاَشِر النّاب
ترى المسا نذير فجر العظايم
تحزّموا لْقادم الوقت بحساب
من ضيّع الفرصه دَهَته الهزايم
ومن لا يجهّز لـ أخطر أيامها خاب
اليوم ما هو يوم لومٍ ولايم
اليوم للّي يرفع الرّاس حرّاب
وانا ادري إن الكل بالمجد هايم
وكلٍ لعز الدّار بالروح وهّاب

* «تحزّموا».. قصيدة بحجم الوعي لـ«دايم السيف»

* الدمام: «الشرق الأوسط»

* وجّه الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز رسالة إلى شعب الخليج العربي، عبر قصيدة باللغة الدارجة، حملت عنوان «تحزّموا.. إلى أهلي في الخليج العربي»، حملت مضامين تدعو للحزم والعزيمة نحو الاعتماد على النفس، وعدم الوقوع في فخ التحريض الإعلامي الموجه.
القصيدة، النصّ، الذي تنشره «الشرق الأوسط»، مثّلت كبقية نصوص خالد الفيصل رسالة تحمل مضامين عميقة تدعو للمصداقية في مواجهة التشكيك والدعايات المغرضة، ولاعتماد العلم والبحث والاستثمار في العقول كسلاح لمواجهة التحديات الراهنة.
الأستاذ الدكتور محمد بن مريسي الحارثي، أستاذ النقد الأدبي بقسم الدراسات العليا بجامعة أم القرى، قال إن قصيدة «تحزّموا.. إلى أهلي في الخليج العربي» هي «رسالة وجدانية إلى ذوي القربى (الأهل)، فهم أهل (الأمير) خالد حقيقة دينًا، ونسبًا، ووطنًا، ولغةً، ومجتمعًا. فأي روابط هذه من القوة والاتحاد والمصير المشترك؟».
ومضى يقول: «خالد الفيصل رائد، والرائد لا يكذب أهله، ورسالته التي أسس بها عتبة المدخل إلى القصيدة رسالة استنهاض وتحفيز للفعل، وليست لردود الفعل، ولا لصدى الفعل».
وأضاف: «الفعل الفيصلي الذي حرّك مشاعر خالد ليس فعلاً استقوائيًا أو ظلاميًا، أو إلحاقًا بالضرر للآخر أيًّا كان منبته. إنه الفعل الهادف الذي يقود ولا يُقاد، وينفع ولا يضر. إنه فعل التمكين بالقوة، وليس فعل القوة بلا تمكين، لذلك بدأت الرسالة باسم القصيدة (تحزّموا)، والحزام من مظاهر الرجولة والقوة والاعتداد بالذات». ولاحظ الدكتور الحارثي أن «مقاربة التحزّم بعاصفة الحزم الملكية تصب في هذا المبدأ الذاتي. الذي يحفظ الحقوق والأوطان، والمنجزات الحضارية التي تحققت على أرض الواقع في خليجنا العربي».
وقال: «لقد استثمر خالد الفيصل فعل عاصفة الحزم ليؤسس على فعلها البطولي منطلقًا إلى ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع العربي الخليجي».
وأضاف: «إن هذه المقاربة بين الحزم والتحزّم لا يلتقط ائتلافهما سوى فنان بارع خبُر الفن، والسياسة، والإدارة، وامتلأ بالتراث، والمستجدات، فتكوَّن من الحياة ومتطلباتها، وكوَّن جانبًا من الحياة ومنجزاتها، وأدرك أثر الرمز اللغوي في تحريك النفوس التي خاطبها، ويخاطبها. فكان رمزه بالتحزُّم وامتلاك القوة، لتنشيط الحاضر، واستشراف المستقبل وفق خريطة مهندس الفن خالد الفيصل».
وفي تحليله للنصّ قال: «بدأ النص بأداة النداء (يا) وهو نداء للقريب، والبعيد، ولكنه للقريب أقرب، داعيًا فئة من مجتمع الخليج أصحاب القلم. والقلم منطلق العلم بالأشياء، ومنبثق استنهاض العقول والنفوس للنقلات الإنسانية المفيدة في الحياة. والقلم غايته تعليمية وعلمية، بدءًا بالقراءة ووصولاً إلى الإنتاجية المرجوة».
وتساءل الحارثي: «ماذا كان يريد الفيصل من نداء أهل الخليج، ومنهم أصحاب القلم وأصحاب الشأن العام؟»، ليجيب: «كان نداؤه تنبيها لدرء التهم التي كالها أعداء الخليج، وما يبثونه من أكاذيب ظلما وعدوانا». وأضاف: «التفت الفيصل إلى بعض مصادر تلك التهايم، والأكاذيب، وأن بعضها من الإعلام الخليجي المراهق الذي يندفع إلى ما يضره أحيانا ولا ينفعه»، ورأى أن «بمقدور الاعتداد بالذات الخليجية أن تصحح المسار. وقد وصف الفيصل بعض الأعداء بـ(الهلايم) والهلامة الذي لا خير فيه ممن يضر ولا ينفع».
ولاحظ الدكتور الحارثي أنه «لإعادة مشروع نهضتنا إلى طبيعتها العربية الإسلامية ينبغي حشد الجهود في مرحلتنا الراهنة لذلك».
واختتم بالقول: «نظرًا إلى ثقافة الفيصل الواسعة فقد كشف مكامن الداء ووصف له بعض الدواء، بإقامة مراكز البحوث، وتطوير الوعي المجتمعي. وقد محور القصيدة بعد ذلك حول مجموعة من التنبيهات التي مارس الأعداء من خلالها بعضًا من الأعمال الاستفزازية لمواطني الخليج العربي».

يونس البدر: جاءت بحجم الوعي

وقال لـ«الشرق الأوسط» الناقد يونس البدر، المحاضر في الأدب والنقد في كلية الآداب بجامعة الملك فيصل بالأحساء، وعضو النادي الأدبي هناك، إن قصيدة «تحزّموا» التي وجهها الأمير الشاعر خالد الفيصل إلى من سماهم «إلى أهلي في الخليج» تمتاز بـ«وحدة عضوية متماسكة، إذ تأخذ الأبيات بعضها برقاب بعض، وتسير في تسلسل أفكار يجري وراءها المعنى لاهثًا». وأضاف البدر: «تتكئ هذه القصيدة على أسلوب الجمل الإنشائية - كالاستفهام والنداء والأمر - لتعالج بروح شعرية عذبة موضوعات متعددة، أبرزها التأكيد على دور الإعلام المأجور في تزوير الحقائق، ونشر الأكاذيب، وهوامش الأمور.. داعيًا الإعلاميين الشرفاء إلى التصدي لهذه الحملات المشبوهة التي تستهدف التشويه والإساءة، وذلك في قوله: (يا اهل القلم والشان ردوا التهايم)».
ولاحظ الناقد البدر أن القصيدة تناولت في مضمونها كذلك «مسألة إهدار المال في ما لا فائدة منه عند قوله: (لا تنثرون المال بين الهلايم)، كما شملت الدعوة لتأسيس مراكز الأبحاث والاستشارات وذلك في قوله: (وحطوا مراكز بحث للشور دايم)».
وبرأي الناقد البدر فإن «ذلك كله يدل على حجم الوعي الذي يتمتع به الشاعر الأمير خالد الفيصل بالمعضلات التي نواجهها وسبل العلاج لهذه المعضلات».
كما لاحظ البدر أن هناك «تميزًا في هذا النص يكمن في معالجته لكل هذه الموضوعات والأفكار بألفاظ قليلة وموحية بالمعنى على أتم وجه وفي صور بلاغية مشرقة نجدها في قوله: (كاشر الناب) كناية عند العدو المتربص، (فجر العظايم) كناية عن المستقبل الذي يلوح في الأفق. ويتخلل هذه الملامح البلاغية بعض الحكم الإنسانية التي لا بد أن يخلدها الشعر كما في قوله: (الكذب إذا لقى أذن جذاب) و(من ضيع الفرصة دهته الهزايم)».
وأضاف: «يختم الأمير الشاعر القصيدة ببيتين في ظني هما عين القصيدة ومعينها النابع بالمعاني والحكم كلها التي انتشرت في النص، وهما قوله: (اليوم ما هو يوم لوم ولايم / اليوم للي يرفع الراس حراب.. وانا أدري أن الكل بالمجد هايم / وكل لعز الدار بالروح وهاب)، حيث استطاع تصوير هيام أبناء هذا الوطن بالمجد واستعدادهم لأن يهبوا أرواحهم في سبيل رفع رأسه، وهذه الروح الوطنية كفيلة بأن تحقق ما يصبو إليه الشاعر من مستقبل مشرق ينتظره الجميع».

لغة مأهولة بالإبداع

أما الروائي السعودي جابر محمد مدخلي فقال لـ«الشرق الأوسط» إن القصيدة مثّلت «تعبيرًا دقيقًا بفخامة اللغة الشعرية المأهولة بسكان الإبداع والإلمام بواقع الحال. وهي تسطر دروسها وتكرس إيقاظ الهمم وتقوية الصلة ومعرفة ما يكاد وما يحاك لنا وحولنا وعلينا».وأضاف: «هذه قصيدة فاخرة بموازين الحقيقة وقوافي التجربة المحكمة والحكيمة. وكعادة الأمير الشاعر يكاشفنا بوطنيته الشهيرة التي يؤكد مشاعرها الصادقة بكل قصيدة وليدة».
وعن الشعر الشعبي كحامل لرسالة الشاعر، قال القاص والكاتب حسن البطران: «يبقى الشعر العامي أو الشعبي أو الشعر المحكي قريبا ويصل سريعا إلى المتلقي ويسجل رسالة نافعة مباشرة كونه يحاكي النفس ويحاكي كل مستويات الناس على اختلاف تذوقاتهم توجهاتهم».
وأضاف: «الأمير خالد الفيصل شاعر له عمق كبير في هذا المجال، فهو ذكي كونه يحمل رسائل لها آثار وأثر فعال على المجتمع بهذا النوع من الشعر، ومن خلاله عرف كيف يصل إلى كل المستويات، وقصيدته (تحزموا) تحمل عده مفاهيم وبها هموم وتطلعات في نفس الوقت».
وأضاف: «الأمير خالد الفيصل شاعر كبير وفذ، تجربته عميقة وتحمل رمزية ذات أبعاد فلسفية وتشكل تجربته مدرسة شعرية خاصة.وفي هذه القصيدة ركز على العلم وطلبه حيث استهل في قصيدته هذه بالقلم والكل منا يعرف رمزية القلم والكتاب، وانظر إلى هذه القصيدة بتذوق انطباعي، فالقصيدة تحمل في أشطرها فلسفات كبيرة، ويكفي أنه يرشد إلى بذل المال في بناء العقول تنويرها، وأن ذلك خرائط ليست فحسب خرائط تصل بها إلى تفتح عقول وتنويع مدارك، وإلى توسع خرائط الاستقرار والهدوء والأمن والعيش الرغيد». واختتم بالقول: «إنه خالد الفيصل الشاعر العميق وصاحب الابتكارات في رسائله الشعرية، و(تحزموا) إضاءة من إضاءاته».

دايم السيف

يُعرف الأمير خالد الفيصل بن عبد العزيز كراعٍ للفكر والثقافة والإبداع، وآراؤه في مناقشة التحولات الاجتماعية والسياسية لا تقل أهمية عن مبادراته التي تتوزع محليًا وعربيًا وعالميًا.
اقترن الأمير خالد الفيصل بالأدب والثقافة والشعر، فكتب الشعر النبطي مبكرًا، وعرف باسم «دايم السيف»، كما أنه فنان تشكيلي. وظل مرتبطًا بالثقافة والفكر في حياته العملية، حيث كرس وجوده في المناصب الحكومية لرعاية الثقافة والفكر، وتحفيز الإبداع، وإقامة المهرجانات الثقافية. واهتمامه بالثقافة دفعه لتأسيس منتدى أدبي ثقافي بالرياض، وكان يعقد في منزله إبان عمله برعاية الشباب، كما أسس مجلة «الفيصل».
وقد صدر له أول ديوان شعري شعبي بعنوان «قصائد نبطية» في عام 1406هـ وضم نحو مائة قصيدة، وعشر لوحات بريشته. وصدر له الديوان الثاني في عام 1412هـ وضم 53 قصيدة وثماني قصائد مغناة وعددًا من رسوماته. وفي عام 1421هـ وبمناسبة اختيار ديوانه الأول ضمن ثمانية كتب عالمية تبيع أكثر من خمسين ألف نسخة، أصدرت مكتبة «العبيكان» كتابا ضم دواوين الأمير الثلاثة بالإضافة إلى قصائده الجديدة بعنوان «أشعار خالد الفيصل». وفي عام 1419هـ أصدر كتاب «مسافة التنمية وشاهد عيان». وفي عام 1424هـ صدر عنه كتاب «سياحة في فكر الأمير». كما أطلق الأمير خالد الفيصل في 29 / 5 / 2000 مبادرة تأسيس «مؤسسة الفكر العربي» في بيروت، وهي مؤسّسة مستقلة تعمل على الاهتمام بمختلف سبل المعرفة، وتوحيد الجهود الفكرية والثقافية، التي تدعو إلى تضامن الأمة والنهوض بها والمحافظة على هويتها.
كما أعاد الأمير خالد الفيصل إحياء مهرجان سوق عكاظ الذي يقام على مقربة من محافظة الطائف، وانطلقت فعالياته في عام 2007، وهذا المهرجان أحد أبرز المواسم الثقافية السعودية والعربية، ويجري خلاله إقامة الفعاليات الشعرية التي تحيي شعراء العرب الكبار الماضين، كما يهتم المهرجان بالفنون والثقافة والفكر والحوار.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».